وَلَا يَرِثُ النِّسَاءُ مِنَ الْوَلَاءِ إِلَّا مَا أَعْتَقْنَ أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ أَوْ كَاتَبْنَ، أَوْ كَاتَبَ مَنْ كَاتَبْنَ
الشروح عليها
فصل: قال الشيخُ رحمه الله: (ولا يَرِثُ النساءُ مِن الوَلاءِ، إلَّا ما أعتَقْن، أو أعتَقَ مَنٍ أعتَقْنَ، أو كاتَبْنَ أو كاتبَ مَن كاتَبْنَ. وعنه، في بِنتِ المُعتِقِ تَرِثُ خَاصَّةً. والأوَّلُ أصَحُّ) معنى قولِه: مِن الوَلاءِ. أي بالوَلاءِ؛ لأنَّ الوَلاءَ لا يُورَثُ على ما نَذْكُرُه. ظاهِرُ المذهبِ، أنَّ النِّساءَ لا يَرِثْنَ بالوَلاءِ، إلَّا ما أعتَقْنَ أو أعتَقَ مَن أعتَقْنَ أو جَرَّ الولاءَ إليهنَّ مَن أعتَقْنَ، والكِتابةُ كذلك، فإنَّها إعتَاقٌ. قال القاضِي: هذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ.
والرِّوايَةُ التي ذَكَرَها الخِرَقِي في بنتِ المُعتِقِ ما وجَدتُها مَنْصوصةً عن أحمدَ. وقد
قال في روايةِ ابنِ القاسمِ، وقد سألَه: هل كان لحَمزَةَ أو لابنَتِه؟ فقال: لابنَتِه. فقد نصَّ على أنَّ ابنةَ حمزةَ وَرِثَتْ بوَلاءِ نَفْسِها؛ لأنَّها هي المُعتِقةُ. وهذا قولُ الجمهورِ. وإليه ذهب مالكٌ، والشافعيُّ، وأهلُ العراقِ، وداودُ.
والصَّحيحُ الأوَّلُ، لإِجْماعِ الصَّحابةِ ومَن بَعدَهم عليه، ولأنَّ الوَلاءَ لُحمةٌ كلُحمَةِ النَّسَبِ، والمَوْلَى كالنّسيبِ من الأخِ والعَمِّ ونحوهما، فوَلَدُه مِن العَتِيقِ بمنزلةِ وَلَدِ أخِيه وعَمِّه، ولا يَرِثُ منهم إلَّا الذكورُ خاصَّةً.
فأمَّا الرِّوايةُ المذكورةُ في مِيراثِ بنتِ المُعتِقِ التي ذكرها الخِرَقِيّ، فوَجْهُها ما روَى إبراهيمُ النَّخَعِيُّ، أنَّ مَوْلًى لحمزةَ مات وخَلَّفَ بنتًا، فَوَرَّثَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِنْتَه النِّصفَ، وجَعَل لبنتِ حمزةَ النِّصف .
والصَّحيحُ أنَّ المَوْلَى كان لبِنْتِ حمزَةَ. قال عبدُ اللهِ بنُ شَدَّادٍ: كان لبنتِ حمزةَ مَوْلًى أعتَقَتْه، فمات، وتَرَكَ ابْنَتَه ومَوْلَاتَه بنتَ حمزةَ، فرُفِعَ ذلك إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فأعْطَى ابنتَه النِّصفَ، وأعطَى مَوْلاتَه بِنْتَ حمزَةَ النِّصْفَ. قال عبدُ اللهِ بنُ شَدَّادٍ: أنا أعلَمُ بها؛ لأنَّها أخْتِي مِن أمِّي، أُمُّنا سَلْمَى . رواه ابنُ اللَّبَّانِ بإسْنادِه،
وقال: هذا أصَح ممَّا روَى إبراهيمُ. ولأنَّ البنْتَ مِن النِّساءِ، فلا تَرِثُ بالوَلاءِ، كسائرِ النساءِ.
فأمَا تَوْرِيثُ المرأةِ مِن مُعتَقِها [ومُعتَقِ مُعتَقِها]، فليس فيه اخْتلافٌ بينَ أهلِ العلمِ، وقد دلَّ عليه حديثُ عائِشةَ حينَ أرادت شِراءَ بَرِيرَةَ لتَعتِقَها ويكونَ ولاؤها لها، فأراد أهلُها [اشْتِراطَ وَلائها]، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اشْتَرِيها واشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلَاءَ، فإنَّما الوَلاءُ لمَنْ أعتَقَ». متفق عليه .
وقال عليه الصلاةُ والسلامُ:«تَحُوزُ المَرأةُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ؛ عَتِيقَها، ولقيطَها، ووَلَدَها الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيهِ». قال التِّرمِذِيُّ: هذا حديث حسن. ولأنَّ المعتِقَةَ مُنْعِمَةٌ بالإِعتاقِ كالرجلِ، فوَجَبَ أن تُساوِيَه في الميراثِ.
وفي حديثِ بنتِ حَمزَةَ الذي ذكرناه تَنْصِيصٌ على توريثِ المُعتِقَةِ.
وأمَّا مُعتَقُ أبِيها، فهو بمَنْزِلَةِ عَمِّها أو عَمِّ أبِيها، فلا تَرِثُه، ويَرِثُه أخُوها، كالنَّسبِ.
ومِن مسائل ذلك: رجلٌ مات وخَلَّفَ ابنَ مُعتِقِه [وبنتَ مُعْتِقِه]، الميراثُ لابنِ مُعْتِقِه خاصَّةً. وعلي الرِّوايةِ الأُخْرَى، يكونُ المالُ بينَهما أثْلاثًا.
فإن لم يُخَلِّفْ إلَّا بنتَ مُعْتِقِه فلا شيءَ لها، ومالُه لبيتِ المالِ. وعلى الرِّوايةِ الأخْرَى، يكونُ المالُ لها.
وإن خَلَّفَ أُخْتَ مُعْتِقِه فلا شيءَ لها، روايةً واحدةً.
وكذلك إن خَلَّفَ أُمَّ مُعْتِقِه، أو جَدَّةَ مُعْتِقِه، أو غَيرَهما.
وإن خَلَّفَ أَخَا مُعْتِقِه وأخْتَ مُعْتِقِه، فالميراثُ للأخِ.
ولو خَلَّفَ بِنْتَ مُعْتِقِه وابنَ عَمِّ مُعْتِقِه أو مُعْتِقِ مُعْتِقِه، أو ابنَ مُعْتِقِ مُعْتِقِه، فالميراثُ له دونَ البنْتِ، إلَّا على الرِّوايةِ الأخْرَى،
فإنَّ لها النِّصْفَ، والباقي للعَصَبَةِ.
وإن خَلَّف بِنْتَه ومُعْتِقَه، فلبِنْتِه النِّصْفُ، والباقي لمُعْتِقِه، كما في قَضِيَّةِ مَوْلَى بِنْتِ حمزةَ، حين مات وخَلَّفَ بِنْتَه وبِنْتَ حمزةَ التي أعْتَقَتْه، فأعْطَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بَنْتَه النِّصْفَ، والباقيَ لبِنْتِ حمزةَ.
فإن خَلَّفَ ذا فَرْضٍ سِوَى البِنْتِ؛ كالأَمِّ، أو الجَدَّةِ، أو الأُخْتِ، أو الأخِ مِن الأمِّ، أو الزوجِ، أو الزوجةِ، أو مَن لا يسْتَغْرِقُ فَرْضُه المال، أو مَوْلاه، أو مَوْلاته، فلذي الفَرْضِ فَرْضُه، والباقي لمَوْلاه أو مَوْلَاتِه، في قولِ جهورِ العلماءِ. رجُلٌ وابنتُه أعْتَقا عبدًا، ثم مات الأبُ وخَلَّفَ ابنَه وبِنْتَه، فمالُه بَينَهما أثْلاثًا، ثم مات العَتِيقُ، فللبِنْتِ النِّصْفُ؛ لأنَّها مَوْلاةُ نِصْفِه، والباقي لابنِ المُعْتِقِ خاصَّةً، إلَّا علَى الرِّوايةِ الضَّعِيفَةِ،
فإنَّ الباقيَ يكونُ بَينَهما أثْلاثًا، فيَصِيرُ للبِنْتِ الثُّلُثان، ولأخِيها الثُّلُثُ. كان ماتتِ البِنْتُ قبلَ العَتِيقِ وخَلَّفَتِ ابنًا، ثم مات العَتِيقُ، فلابنِها النِّصْفُ والباقي لأخِيها،
ولو لم تُخَلِّفِ البِنْتُ إلَّا بنتًا، كان الوَلاءُ كلُّه لأخِيها دُونَ بِنْتِها، إلَّا علَى الرِّوايةِ الأُخْرَى،
فإنَّ لبِنْتِها النِّصفَ، والباقي لأخِيها. كان مات الابنُ قبلَ العَتِيقِ وخَلَّفَ بنتًا، ثم مات العَتِيقُ وخَلَّفَ مُعتِقَةَ نِصْفِه وبنْتَ أخِيها، فللمُعتِقَةِ نصفُ مالِه، وباقِيه لبيتِ المال. وعلى الرِّوايةِ الأُخْرَى، لها النِّصْفُ بإعتاقِها، ونِصفُ الباقي بأنَّها بِنْتُ مُعتِقِ النِّضفِ، والباقي لعَصَبَةِ أبِيها.
ولو كانتِ البِنْتُ ماتت أيضًا قَبْلَ العَتِيقِ وخَلَّفَتِ ابنَها، ثم ماتَ العَتِيقُ، فلابنِها النِّصْفُ، ولا شيءَ لبِنْتِ أخِيها. امرأةٌ أعتقَتْ أباها، ثم أعتَقَ أبُوها عبدًا، ثم مات الأبُ، ثم العبدُ، فمالُهما لها.
فإن كانَ أبُوها خَلَّفَ بِنْتًا أُخْرَى معها، فلَهما ثُلُثا مالِ الأبِ بالنَّسبِ، والباقي للمُعتِقَةِ بالوَلاءِ، ومالُ العبدِ جَميعُه للمُعتِقَةِ دُونَ أخْتِها. ويَتَخَرَّجُ على الرِّوايةِ الأُخْرَى أن يكونَ لهما ثُلُثا مالِ العبدِ أيضًا، وباقِيه للمُعتِقَةِ.
ولو كان الأبُ خَلَّفَ مع المُعتِقَةِ ابنًا، فمالُ الأَبِ بَينَهما أثْلاثًا بالبُنُوَّةِ، ومالُ العبدِ كلُّه للابنِ دُونَ أُخْتِه المُعْتِقَةِ؛ لأنَّه يَرِثُ بالنَّسبِ، والنَّسبُ مُقَدَّمٌ على الوَلَاءِ.
ولو خَلَّفَ الأبُ أخًا أو عمًّا أو ابنَ عَمٍّ مع البِنْتِ، فللبِنْتِ نِصْفُ مِيراثِ أبِيها، وبَاقِيه لعَصَبَتِه، ومالُ العَبْدِ لعَصَبَتِه، ولا شيءَ لبِنْتِه فيه؛ لأنَّ العَصَبَةَ مِن النَّسَبِ مُقَدَّمٌ على المُعْتِقِ في الميراثِ، إلَّا على رِوايَةِ الخِرَقِيِّ،
فإنَّ للبِنْتِ نِصْفَ مِيراثِ العبدِ؛ لكونِها بنْتَ المُعْتِقِ، وباقِيه لعَصَبَتِهِ.
٢٨٩٩ -
(وَلَا يَرِثُ النِّسَاءُ مِنَ الْوَلَاءِ إِلَّا مَا أَعْتَقْنَ أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ) وَأَوْلَادُهُمَا وَمَنْ جَرُّوا وَلَاءَهُ (أَوْ كَاتَبْنَ، أَوْ كَاتَبَ مَنْ كَاتَبْنَ) هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمْ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا، قَالَ:«مِيرَاثُ الْوَلَاءِ لِلْكُبْرِ مِنَ الذُّكُورِ، وَلَا يَرِثُ النِّسَاءُ مِنَ الْوَلَاءِ إِلَّا وَلَاءَ مَنْ أَعْتَقْنَ، أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ» وَلِأَنَّ الْوَلَاءَ مُشَبَّهٌ بِالنَّسَبِ، وَالْمَوْلَى الْمُعْتِقُ مِنَ الْمَوْلَى الْمُنْعِمِ بِمَنْزِلَةِ أَخِيهِ أَوْ عَمِّهِ، فَوَلَدُهُ مِنَ الْعَتِيقِ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِ أَخِيهِ أَوْ عَمِّهِ، وَلَا يَرِثُ مِنْهُمْ إِلَّا الذُّكُورُ خَاصَّةً، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ إِلَّا عَتِيقَ ابْنِ مُلَاعَنَةٍ،
فَإِنَّ الْمُلَاعَنَةَ تَرِثُهُ عَلَى الْمَنْصُوصِ إِنْ عُدِمَ الِابْنُ، وَقُلْنَا: هِيَ الْعَصَبَةُ وَإِلَّا عَصَبَتَهَا
لا يتكلم على هذه المسألة.
فصل [في إرث النساء من الولاء] قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا يرثُ النساء من الولاء إلا ما أعتقن، أو أعتق من أعتقن، أو كاتبن، أو كاتب من كاتبن. وعنه: في بنت المعتق خاصة ترث. والأول أصح) .
أما كون النساء لا يرثن بالولاء من لم يعتقنه وإن أعتقه موروثهن على المذهب؛ فلأن المرأة من موروثها المعتق بمنزلة النسب من الأخ والعم ونحوهما فولده من العتيق بمنزلة ولد أخيه وعمه، ولا ترث منهم الأنثى. فكذلك هاهنا.
وأما كونهن يرثن ما أعتقن ... إلى آخره؛ فلأن عائشة أعتقت بريرة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيها:«إنما الولاء لمن أعتق» متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم:«تحوزُ المرأةُ ثلاثةُ مواريث: عَتيقَهَا ولقِيطَهَا وولَدَهَا الذي لاعنتْ عليه». قال الترمذي: حديث حسن.
ولأن المرأة منعمة بالإعتاق. أشبهت الرجل.
وأما كون بنت المعتق خاصة ترث على روايةٍ؛ فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ورّث بنت حمزة من الذي أعتقه حمزة .
وأما كون الأول أصح؛ فلأن البنت من النساء فلا ترث معتق ابنها كسائر النساء.
وأما الحديث فقال عبدالله بن شداد: «كان لبنت حمزة مولى أعتقته فمات وترك ابنته ومولاته بنت حمزة. فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأعطى ابنته النصف وأعطى مولاته بنت حمزة النصف -قال عبدالله بن شداد: أنا أعلم بها لأنها أختي من أمي أمنا سلمى-» . رواه اللبان بإسناده.
وقال: هذا أصح مما روى إبراهيم. يعني أن الولاء كان لحمزة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.