وَالْأَوْلَى أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَ الْحَيَّيْنِ وَيَسْقُطَ حُكْمُ الْمَيِّتِ
الشروح عليها
قال شيخُنا: (والأوْلَى أن يُقْرِعَ بينَ الحَيَّين، ويَسْقُطَ حكْمُ الميِّتِ) لأنَّه أعْتَقَ الثَّلاثةَ، والاعْتِبارُ في خُرُوجِه مِن الثُّلُثِ بحالةِ الموتِ، وحالةُ الموتِ إنَّما كان له العَبْدَان الحيَّان، وهما كلُّ مالِه، فيُقْرَعُ بَينَهما،
فمَن وَقَعَتْ عليه القُرْعَةُ، عَتَق، إن خَرَج مِن الثُّلُثِ، وإِلَّا عَتَق منه بقَدْرِ الثُّلُت،
وإن بَقِيَ مِن الثُّلُثِ شيءٌ بعدَ عِتْقِه، عَتَق مِن الآخَرِ بقَدْرِ ما بَقِيَ مِن الثُّلُثِ، وصارَ بمنزلَةِ ما لو أعْتَقَ العَبْدَين في مَرَضِه ولم يكُنْ له مالٌ غيرُهم.
فصل: إذا دَفَع العَبْدُ إلى رَجُلٍ مالًا، فقال: اشْتَرِني مِن سَيِّدِي بهذا المالِ فأعْتِقْني. ففَعَلَ، لم يَخْلُ مِن أن يَشْتَرِيَه بعَينِ المالِ، أو في ذِمَّتِه ثم ينْقُدَ المال،
فإنِ اشْتَراه في ذِمَّتِه ثم أعْتَقَه، صَحَّ الشِّراءُ ونَفَذ العِتْق؛ لأنَّه مَلَكَه بالشِّراءِ، فنَفذ عِتْقُه له، وعلى المُشْتَرِي أداءُ الثَّمَنِ الذي اشْتَراه به؛ لأنَّه لَزِمَه الثَّمَنُ بالبَيعِ، والذي دَفَعَه إلى السَّيِّدِ كان مِلْكًا له، لا يَحْتَسِبُ له به مِن الثَّمَنِ، فبَقِيَ الثَّمَنُ واجِبًا عليه، يَلْزَمُه أداؤُه، وكان العِتْقُ مِن مالِه، والولاءُ له. وبه قال الشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
فأمّا إنِ اشْتراه بعَينِ المالِ، فالشِّراءُ باطِلٌ،
ولا يَصِحّ العِتْق؛ لأنَّه اشْتَرَى بعَينِ مالِ غيرِه شيئًا بغيرِ إذْنِه، فلم يَصِحَّ الشِّراءُ، ولم يَنْفُذِ العِتْقُ؛ لأنَّه أعْتَقَ مَمْلوكَ غيرِه بغيرِ إذْنِه، ويكونُ السَّيِّدُ قد أخَذَ ماله؛ لأنَّ ما في يَدِ العَبْدِ مَحْكُومٌ به لسَيِّدِه.
فأمّا على الرِّوايةِ التي تقولُ: إنَّ النُّقُودَ لا تَتَعَيَّنُ بالتَّعْيِينِ، فإنَّه يكونُ الحُكْمُ فيه كما لو اشْتَراه في ذِمَّتِه. ونحوَ هذا قال النَّخَعِيُّ، وإسْحاقُ، فإنَّهما قالا: الشِّراءُ والعِتْقُ جائِزان، ويرُدُّ المُشْتَرِي مِثْلَ الثَّمَنِ. مِن غيرِ تَفْرِيقٍ.
وقال الحسنُ: البَيعُ والعِتْقُ باطِلان .
وقال الشَّعْبِيُّ: لا يجوزُ ذلك، ويُعاقَبُ مَن فَعَلَه. مِن غيرِ تَفْرِيقٍ أيضًا. وقد ذَكَرْنا ما يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ، وفيه تَوَسُّطٌ بينَ المَذْهَبَين، فكان أوْلَى، إن شاءَ الله تعالى.
فصل: ولو كان العبدُ بينَ شَرِيكَين، فأعْطَى العَبْدُ لأحَدِهما خَمْسِينَ دينارًا على أن يُعْتِقَ نَصِيبَه منه، فأعْتَقَه، عَتَق، وسَرَى إلى باقِيه إن كان مُوسِرًا، ورَجَع عليه شَرِيكُه بنِصْفِ الخَمْسِين، وبنِصفِ قِيمَةِ العَبْدِ؛ لأنَّ ما في يَدِ العَبْدِ يكونُ بينَ سَيِّدَيه، لا يَنْفَرِدُ به أحَدُهما عنٍ الآخَرِ، إلَّا أنَّ نَصيبَ المُعْتِقِ يَنْفُذُ فيه العِتْقُ،
وإن كان العِوَضُ مُسْتَحَقًّا، إذا لم يقعِ العِتْقُ على عَينِها، وإنَّما سَمَّى خَمْسِين ثم دَفَعَها إليه.
وإن أوْقَعَ العِتْقَ على عَينِها، يَجِبُ أن يَرْجِعَ على العَيدِ بقِيمَةِ ما أعْتَقَه بالعِوَضِ المُسْتَحَقِّ، ويَسْرِي العِتْقُ إلى نَصِيبِ شَرِيكِه، ويكونُ وَلاؤُه للمُعْتِقِ.
فصل: ولو وَكَّلَ أحَدُ الشَّرِيكَين شَرِيكَه في عِتْقِ نَصِيبِه، فقال الوَكِيلُ: نَصِيبِي حرٌّ. عَتَق، وسَرَى إلى نَصِيبِ شَرِيكِه، والوَلاءُ له.
وإن أعْتَقَ نَصِيبَ المُوَكِّلِ، عَتَق، وسَرَى إلى نَصِيبِه، إن كان مُوسِرًا، والوَلاءُ للمُوَكِّلِ.
فإن أعْتَقَ نِصْفَ العَبْدِ ولم يَنْو شيئًا، احْتَمَلَ أن يَنْصَرِفَ إلى نَصِيبِه؛ لأنَّه لا يَحْتاجُ إلى نِيَّةٍ، ونَصِيبُ شَرِيكِه يَفْتَقِرُ إلى النِّيَّةِ، ولم يَنْو. ويَحْتَمِلُ أن يَنْصَرِفَ إلى نصِيبِ شَرِيكِه. لأَنه أمَرَه بالإِعْتاقِ، فانْصَرَفَ إلى ما أُمِرَ به. ويَحْتَمِلُ أن يَنْصَرِفَ إليهما؛ لأنَّهما تَساوَيا. وأيُّهما حكَمْنا بالعِتْقِ عليه ضَمِن نصِيبَ شَرِيكِه. ويَحْتَمِل أن لا يَضْمَن؛ لأنَّ الوَكِيلَ إذا أعْتَقَ نَصِيبَه فسَرَى إلى نَصِيبِ شَرِيكِه، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّه مأْذُونٌ له في العِتْقِ، وقد أُعْتِقَ بالسِّرايةِ، فلم يَضْمَنْ، كمَن أُذِنَ له في إتْلافِ شيءٍ، فإنَّه لا يَضْمَنُه وإن أتْلَفَه بالسِّرايَةِ.
وإذا أعْتَقَ نَصِيبَ شَرِيكِه لم يَلْزَمْ شَرِيكَه الضَّمانُ؟ لأنَّه مُباشِرٌ لسَبَبِ الإِتْلافِ، فلم يَجبْ له ضَمانُ ما تَلِف به، كما لو قال له أجْنبيٌّ: أعْتِقْ عَبْدَك. فأعْتَقَه. والله تعالى أعلمُ.
(وَالْأَوْلَى أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَ الْحَيَّيْنِ وَيَسْقُطَ حُكْمُ الْمَيِّتِ) لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي خُرُوجِهِ مِنَ الثُّلُثِ بِحَالَةِ الْمَوْتِ، وَحَالَةُ الْمَوْتِ إِنَّمَا كَانَ لَهُ الْعَبْدَانِ، وَهُمَا كُلُّ مَالِهِ، وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَعْتَقَ الْعَبْدَيْنِ فِي مَرَضِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ.
فَرْعٌ: لَوْ وَكَلَّ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الْآخَرَ فِي عِتْقِ نَصِيبِهِ، فَقَالَ الْوَكِيلُ: نَصِيبِي حُرٌّ، عَتَقَ، وَسَرَى إِلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ، وَالْوَلَاءُ لَهُ،
وَإِنْ أَعْتَقَ نَصِيبَ شَرِيكِهِ، عَتَقَ، وَسَرَى إِلَى نَصِيبِهِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَالْوَلَاءُ لِلْمُوَكَّلِ،
وَإِنْ أَعْتَقَ نِصْفَ الْعَبْدِ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا، احْتَمَلَ أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَى نَصِيبِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ ; لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْإِعْتَاقِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَيْهِمَا لِتَسَاوِيهِمَا، وَأَيُّهُمَا حَكَمْنَا بِالْعِتْقِ عَلَيْهِ، ضَمِنَ نَصِيبَ شَرِيكِهِ،
وَقِيلَ: لَا يَضْمَنُ ; لِأَنَّ الْوَكِيلَ إِذَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ، فَسَرَى إِلَى الْآخَرِ، لَمْ يَضْمَنْهُ ; لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي الْعِتْقِ. [
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.