وَلَا يَمْلِكُ السَّيِّدُ شَيْئًا مِنْ كَسْبِهِ
الشروح عليها
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (ولا يَمْلِكُ السيدُ شيئًا مِن كَسْبِه، ولا يَبِيعُه دِرْهَمًا بدِرْهَمَين) ولا يَمْلِكُ السيدُ شيئًا مِن كَسْبِ المُكاتَبِ؛ لأنَّه اشْتَرَى نَفْسَه مِن سيدِه ليَمْلِكَ ماله وكَسْبَه ومَنافِعَه، فلا يَبْقَى ذلك لبائِعِه، كسائِرِ المَبِيعاتِ. ويَجْرِي الرِّبا بينَه وبينَ سيدِه؛ لأنَّه معه في باب المُعاوَضَةِ كالأجْنَبِيِّ.
وقال ابنُ أبي موسى: لا رِبا بينَهما؛ لأنَّه عَبدٌ في الأَظْهَرِ مِن قولِه، ولا رِبا بينَ العبدِ وسيدِه، ولهذا جاز أن يُعَجِّلَ لسيدِه، ويَضَعَ عنه بعضَ كِتابَتِه، وله وَطْءُ مُكاتَبَتِه إذا شَرَط،
ولو حَمَلَتْ منه صَارَتْ له بذلك أُمَّ وَلَدٍ. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ السيدَ مع مُكاتَبِه في بابِ المُعامَلَةِ كالأجْنَبِيِّ؛ بدليلِ أنَّ لكلِّ وَاحِدٍ منهما الشُّفْعَةَ على صاحِبِه، ولا يَمْلِكُ كلُّ واحدٍ منهما التَّصَرُّفَ فيما بَيدِ صاحِبِه، وإنَّما يَتَعَلَّقُ لسيدِه حَقٌّ فيما بيَدِه؛ لكونِه بعَرَضِيَّةِ أن يَعْجِزَ فيَعودَ إليه. وهذا لا يَمْنَعُ جَرَيانَ الرِّبَا بينَهما، كالأبِ مع ابنِه. فعلى هذا القولِ، لا يجوزُ التَّفاضُلُ بينَهما فيما يَحْرُمُ التَّفاضُلُ فيه بينَ الأجْنَبِيَّين، ولا النَّسَاءُ فيما يَحْرُمُ فيه النَّساءُ بينَ الأجانِبِ.
فصل: فإن كان لكُلِّ واحدٍ منهما على صاحِبِه دَينٌ، مثلَ أن كان للسيدِ على مُكاتَبِه دَينٌ مِن الكِتابَةِ أو غيرِها، وللمُكاتَبِ على سيدِه دَينٌ، وكانا نَقْدًا مِن جِنْس واحدٍ، حالَّينِ، أو مُؤَجَّلَين أجَلًا واحدًا، تَقَاصَّا وتَساقَطا؛ لأنَّهما إذا تَساقَطَا بينَ الأجانِبِ، فمعَ السيدِ ومُكاتَبِه أوْلَى.
وإن كانا نَقْدًا مِن جِنْسَين، كدَراهِمَ ودَنانِيرَ، فقال ابنُ أبي موسى: لو كان له على سيدِه ألفُ دِرْهَمٍ، ولسيدِه عليه مائَة دِينارٍ، فجعلها قِصَاصًا بها، جاز،
بخِلافِ الحُرَّينِ. وقال القاضي: لا يجوزُ هذا، لأنَّه بَيعُ دَين بِدَينٍ، وقد نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن بَيعِ الدَّينِ بالدَّينِ . ولأنَّه لا يجوزُ بينَ الأجْنَبِيَّين، فلم يَجُزْ بينَ المُكاتَبِ وسيدِه، كسائِرِ المُحَرَّمات. وفارَقَ العبدَ القِنَّ، فإنَّه باقٍ في تَصَرُّفِ سيدِه، وما في يَدِه مِلْكٌ خَالِصٌ لسيدِه، له أخْذُه والتَّصَرُّفُ فيه. فعلى هذا لا يجوزُ وإن تَرَاضَيَا به. وعلى قولِ ابنِ أبي موسى، يجوزُ إذا تَراضَيَا بذلك وتَبايَعاه، ولا يَثْبُتُ التَّقَاصُّ قبلَ تَراضِيهما به؛
لأنَّه بَيعٌ . فإن كانا عَرْضَين أو [عَرْضًا ونَقْدًا]، لم تَجُزِ المُقاصَّةُ فيهما بغيرِ تَراضِيهما بحالٍ، سواءٌ كان العَرْضُ مِن جِنْسِ حَقِّه أو مِن غيرِ جِنْسِه.
وإن تَرَاضَيا بذلك لم يَجُزْ أيضًا؛ لأنَّه بَيعُ دَينٍ بِدَينٍ،
وإن قَبَضَ أحَدُهما مِن الآخَرِ حَقَّه، ثم دَفَعَه إلى الآخَرِ عِوَضًا عن ما لَه في ذِمَّتِه، جاز، إذا لم يكُنِ الثَّابِتُ في الذمَّةِ عن سَلَمٍ.
فإن كان ثَبَتَ عن سَلَمٍ، لم يَجُزْ أخْذُ عِوَضِه قبلَ قَبْضِه.
وفي الجُمْلَةِ، إنَّ حُكْمَ المُكاتَبِ مع سيدِه في هذا حُكْمُ الأجانِبِ، إلَّا على قولِ ابنِ أبي موسى الذي ذَكَرْناه.
٣٠٠٣ -
(وَلَا يَمْلِكُ السَّيِّدُ شَيْئًا مِنْ كَسْبِهِ) لِأَنَّهُ اشْتَرَى نَفْسَهُ، وَلَا يَبْقَى ذَلِكَ لِبَائِعِهِ كَسَائِرِ الْمَبِيعَاتِ، وَلِأَنَّ الْمِلْكَ الْوَاحِدَ لَا يَتَوَارَدُ عَلَيْهِ مَلِكَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
فصل [فيما يملك السيد من المكاتب] قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا يملك السيد شيئاً من كسبه ولا يبيعه درهماً بدرهمين. وإن جنى عليه فعليه أرش جنايته) .
أما كون السيد لا يملك شيئاً من كسب المكاتب؛ فلأن المكاتب يملكه. والمال الواحد لا يتوارد عليه مالكان في وقتٍ واحد.
وأما كونه لا يبيعه درهماً بدرهمين؛ فلأن المكاتب مع سيده؛ كالأجنبي.
وأما كونه إذا جنى عليه: عليه أرش جنايته؛ فلما ذكر من أنه معه؛ كالأجنبي.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.