ثُمَّ يَنْهَضُ ثُمَّ يُصَلِّي الثَّانِيَةَ كَالْأُولَى إِلَّا فِي تكبيرة الْإِحْرَامِ وَالِاسْتِفْتَاحِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَفِي الِاسْتِعَاذَةِ رِوَايَتَانِ
الشروح عليها
مسألة: (ثمَّ يَنْهَضُ، ثمَّ يُصَلى الثَّانِيَةَ كذلك، إلَّا في تَكْبيرَةِ الإحرام والاسْتِفْتاحِ، وفي الاسْتِعاذَةِ رِوايَتان) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه يصنَعُ في الركْعَةِ الثانِيَةِ، كما صَنَع في الأولَى، على ما وَصفْنا؛ لأن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وصَف الركْعَةَ الأولَى للمُسئِ في صلاته، ثمَّ قال:«افْعَلْ ذَلِكَ في صلَاتك كُلها». وهذا لا نَعْلم فيه خِلافًا، إلَّا أن الثّانِيَةَ تَنْقُصُ النِّيَّةَ وتَكْبِيرةَ الإحرام والاسْتِفْتاحَ؛ لأن ذلك يُرادُ لافْتِتاحَ الصلاةِ، ولا نَعْلَمُ في تَركِ هذه الأمُورِ الثَلَاثة خِلافًا، فيما عدا الرَّكْعَةَ الأولَى.
فأمّا الاستِعاذَة، ففيها روايَتان؛ إحْداهما، تخْتَصُّ الركْعَة الأولَى. وهو قَوْلُ عَطاءٍ، والحسنِ، والثوْرِي؛ لِما روَى أبو هُرَيرةَ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا نَهَض مِن الركْعَةِ الثانِيَةِ اسْتَفْتَحَ القِراءَةَ بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، ولم يَسْكُتْ. وهذا يَدُلُّ على أنَّه لم يَكُنْ يَسْتَعِيذُ. رَواه مسلمٌ . ولأنَّ الصلاةَ جُمْلَة واحِدَةٌ، فالقِراءَةُ فيها كلها كالقراءةِ الواحِدَةِ، ولذلك اعْتَبرنا الترتِيبَ في القِراءَةِ في الرَّكْعَتَيْن، أشبهَ ما لو سَجَد للتلاوَةِ في أثْناءِ قِراءَتِه فمتى أتَى بالاستِعاذَةِ في أوَّلِها كَفَى ذلك، كالاسْتِفْتاحِ.
فعلى هذه الرِّوايَةِ، إذا تَرَك الاستِعاذةَ في الأولَى؛ لنِسْيانٍ أو غيرِه، أتَى بها في الثانِيَةِ، والاسْتِفْتاحُ
بخِلافِ ذلك. نَصَّ عليه؛ لأنّه يُرادُ لافْتِتاحِ الصلاةِ،
فإذا نَسِيَه في أوَّلِها، فات مَحَله، والاسْتِعاذَةُ للِقراءَةِ، وهو يَسْتَفْتِحها في الثّانِيةِ. والروايَة الثانيةُ، يَسْتَعِيذُ في كلّ رَكْعَةٍ. وهو قول ابنِ سِيرينَ، والشافعي؛ لقَوْلِه سبحانه:{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}. فيَقْتَضِي ذلك تَكْرِيرَ الاسْتِعاذَةِ عندَ تَكْرِيرِ القِراءَةِ، ولأَنّها مَشْرُوعَة للقراءَةِ فَتتَكَرَّرُ بتَكرِيرِها، كما لو كانت في صَلَاتيْن.
فصل: والمَسْبُوقُ إذا أدرَكَ الإمامَ فيما بعدَ الرَّكْعَةِ الأولَى لم يَسْتفتحْ،
وأمّا الاسْتِعاذَةُ، فإن قُلْنا: تَخْتَصُّ بالركْعَةِ الأولى. لم يَسْتَعِذْ؛ لأنَّ ما يُدرِكُه المأمُومُ مع الإمامِ آخِرُ صَلاِته،
فإذا قام للقَضاءِ اسْتَفْتَحَ واسْتَعاذَ. نَصَّ عليه أحمدُ.
وإن قُلْنا بالرِّوايَةِ الثَّانية، اسْتَعاذَ،
وإذا أَرادَ المأمُومُ القِراءَةَ، اسْتَعاذَ؛ لقوْلِ الله تِعالى:{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}. ٤٢١ -
(ثُمَّ يَنْهَضُ) بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ، لِأَنَّهُ انْتَهَى تَكْبِيرُهُ عِنْدَ انْتِهَاءِ جُلُوسِهِ،
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَنْهَضُ مُكَبِّرًا، وَرَدَّهُ فِي " الْمُغْنِي " بِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى أَنْ يُوَالِيَ بَيْنَ تَكْبِيرَتَيْنِ فِي رُكْنٍ وَاحِدٍ لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِجَمْعِهِمَا فِيهِ.
بُشْرَى: رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«إِذَا قَامَ الْعَبْدُ يُصَلِّي، أُتِيَ بِذُنُوبِهِ فَوُضِعَتْ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ عَاتِقِهِ، فَكُلَّمَا رَكَعَ أَوْ سَجَدَ تَسَاقَطَتْ عَنْهُ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ. (ثُمَّ يُصَلِّي الثَّانِيَةَ كَالْأُولَى) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ لَمَّا وَصَفَ لَهُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى:«ثُمَّ افْعَلْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» وَفُهِمَ مِنْهُ مُسَاوَاةُ قِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ لِلْأُولَى، وَسَيَأْتِي (إِلَّا فِي تكبيرة الْإِحْرَامِ) لِأَنَّهَا وضعت لِلدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ (وَالِاسْتِفْتَاحِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا نَهَضَ إِلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ اسْتَفْتَحَ الْقِرَاءَةَ بـ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وَلَمْ يَسْكُتْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَاسْتَثْنَى أَبُو الْخَطَّابِ، و" الْمُغْنِي " و" الْوَجِيزُ " و" الْفُرُوعُ " تَجْدِيدَ النِّيَّةِ لِاسْتِصْحَابِهَا حُكْمًا، وَلِأَنَّهَا تُرَادُ لِلْعَقْدِ، وَقَدِ انْعَقَدَتْ، قَالَ الْمَجْدُ: وَتَرْكُ اسْتِثْنَائِهَا أَوْلَى، لِأَنَّهَا شَرْطٌ لَا رُكْنٌ،
وَيَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ الصَّلَاةَ اكْتِفَاءً بِالدَّوَامِ الْحُكْمِيِّ (وَفِي الِاسْتِعَاذَةِ رِوَايَتَانِ) كَذَا فِي " الْمُغْنِي " إِحْدَاهُمَا: لَا يَتَعَوَّذُ مَنْ تَعَوَّذَ فِي الْأُولَى، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ " وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَالثَّوْرِيِّ لِظَاهِرِ خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمِ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ،
فَإِذَا أَتَى بِالِاسْتِعَاذَةِ فِي أَوَّلِهَا كَفَى،
فَلَوْ تَرَكَهَا فِي الْأُولَى أَتَى بِهَا فِي الثَّانِيَةِ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ
بِخِلَافِ الِاسْتِفْتَاحِ، نُصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يُرَادُ لِافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، وَهِيَ لِلْقِرَاءَةِ،
وَقِيلَ: يَفْتَتِحُ إِنْ وَجَبَ، وَالثَّانِيَةُ: يَسْتَعِيذُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} وَلِحُصُولِ الْفَصْلِ، كَالصَّلَاتَيْنِ، فَعَلَى هَذِهِ يَسْتَعِيذُ الْمَسْبُوقُ، وَعَلَى الْأُولَى كَالِاسْتِفْتَاحِ،
فَإِذَا قَامَ لِلْقَضَاءِ اسْتَفْتَحَ، وَاسْتَعَاذَ، نُصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ مَا يُدْرِكُهُ الْمَأْمُومُ مَعَ الْإِمَامِ آخِرِ صَلَاتِهِ.
[التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ وَصِفَتُهُ]
ثُم يُصَلى الثانِيَة كالأولَى، إلَّا في تَكْبِيرةِ الإحرام. بلا نِزاعٍ، والاسْتِفْتاح، بلا خِلافٍ أَيضًا إذا أتُى به في الأولى.
وكذا لو لم يأت به فيها. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ، وسواء قُلْنا بوُجوبِه أوْلا، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثير منهم.
وقال الآمدِي: متى قُلنا بوُجوبِ الاسْتِفْتاء فنَسِيه في الأولى، أتَى به في الثانيةِ.
وإنْ لم نَقُلْ بوجوبه، فهل يأتِي به في الثَّانية؛ فيه خلافٌ في المذهبِ. قال: وظاهِرُ المذهبِ لا يأتِي به. وفي الاسْتعاذةِ رِوايَتان. وأطلقَهما في «الهِدايةِ»، و «المذْهَب الأحمَدِ»، و «المُسْتوْعِب»، و «الهادِي»، و «الكافي»، و «الخُلاصَةِ»، و «الشرَح»، و «التَّلْخيص»، و «شرحَ المَجْدِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . .
و «ابنِ تَميمٍ»، و «الرعايَةِ الصُّغْرى»، «والحاوِيين»، و «الفائق»، و «الزَّرْكَشي»، و «مَجْمَع البحرَيْن»؛ إحداهما، لا يَتَعَوَّذُ. وهو المذهبُ. نصَّ عليه في رِواية الجماعة، وصحَّحه في «التصحيح». وجزَم به في «المذْهَبِ»، وَ «مسْبوكِ الذَّهبِ»، و «الإفاداتِ»، و «المنَورِ»، و «المنْتَخبِ». وقدمه في «الفُروعِ»، و «المُحَرَرِ»، و «الرعاية الكُبْرى»، و «إدراكِ الغايَةِ»، وابن رزين في «شَرحِه».
قال في «النكَت»: هي الرَّاجحُ مذهبًا ودَلِيلًا. والرِّوايةُ الثَّانية، يَتعَوذ. اخْتارهَ النّاظمُ. وبعَّدَ الرواية الأولَى. واخْتاره الشيخ تقِيُّ الدِّينِ. وجزَم به في «الوَجيزِ».
قلتُ: وهو الأصَحُّ دَلِيلًا.
تنبيه: مَحَلُّ الخلاف إذا كان قد اسْتعاذَ في الأولَى،
أمَّا إذا لم يسْتَعذْ في الأولَى، فإنَّه يأتِي بها في الثّانيةِ. قالَه الأصحابُ. قال ابن الجَوْزِي وغيره: رِواية واحدةً.
قلتُ: ويُؤخَذُ ذلك من فحوَى كلامِ المُصنّفِ، مِن قولِه: ثَم يصلّى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثانيةَ كالأولَى. ثمَّ استَثْنَى الاسْتِعاذةَ، فدَلَّ أنَّه أتَى بها في الأولَى.
فائدة: استَثْنَى أبو الخَطّابِ أَيضًا النيةَ، أيْ تجْديدها.
وكذا صاحِبُ «المسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الفُروعِ»، و «الرعايَةِ»، و «الوَجيزِ»، و «إدراك الغايَةِ»، وابنُ تَميم، وغيرهم. وهو مُرادُ مَن أطْلق. وهذا ممَّا لا نزاعَ فيه، لكنْ قال المَجْدُ في «شرَحه»، وتَبعَه في «الحاوِي الكَبِيرِ»: لو ترَك أبو الخطابِ اسْتِثْناءَها، لَكانَ أحسَن؛ لأنها مِنَ الشَّرائطِ دُونَ ثُمَّ يَجْلِسُ مُفْتَرِشًا، وَيَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى؛ يَقْبِضُ مِنْها الْخِنْصِرَ والْبِنْصِرَ، وَيُحَلِّقُ الإبهامَ مَعَ الْوُسْطَى، وَيُشِيرُ بِالسبابَةِ في تَشَهُّدِهِ مِرارًا، وَيَبْسُطُ الْيُسْرَى عَلَى الْفَخِذِ الْيُسرى.
الأركانِ، ولا يُشْتَرَطُ مفارقَتها عندَنا لجُزْءٍ مِنَ الأولَى، بل يجوز أنْ تَتَقَدمَها اكْتفاءً بالدوامِ الحُكميِّ، وقد تَساوَتِ الرّكْعتانِ فيه.
قال في «مجْمع البَحرَيْن»: قلت: إنْ أَرادَ أبو الخَطَّابِ باسْتثْنائِها أنَّه لا تُسَنُّ ذِكْرًا، فليس كذلك.
فإنَّ اسْتصحابَها ذِكْرٌ مسْنون في جميع الصَّلاةِ،
وإنْ أَرادَ حكْمًا فباطِلٌ؛ لأنَّ التَّكْرارَ عبارة عن إعادَةِ شيء فرِغَ منه وانقَضَى.
ولو حكم بانقِضاءِ النية حُكْمًا لَبَطَلَتِ الصَّلاة، فلا حاجة إلى الاسْتِثْناءِ إذنْ. انتهى.
قلت: إنما أَرادَ أبو الخطابِ أنَّه لا يجدد لها نِيةً، كما جددَها للركْعةِ الأولى. وهذا ممَّا لا نِزاعَ فيه، لكن تركَ اسْتِثْنائِها أوْلَى، لِما قالَه المَجْدُ.
وكذلك ترَكها خَلْقٌ كثير مِن الأصحابِ، مع اتفاقهم على أنَّه لا يُجدّد نية للرَّكْعَة الثَّانية.
قال: (ثم يصلي الثانية كذلك إلا في تكبيرة الإحرام والاستفتاح. وفي الاستعاذة روايتان) .
أما كون المصلي يصلي الثانية كالأولى فيما عدا المستثنى؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي: ثم افعل ذلك في صلاتك كلها».
وأما كونه لا يكبر تكبيرة الإحرام ولا يستفتح؛ فلما روى أبو هريرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الركعة الثانية استفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين ولم يسكت» رواه مسلم.
ولأن تكبيرة الإحرام والاستفتاح يرادان لافتتاح الصلاة وذلك مفقود في الثانية.
وأما كونه لا يستعيذ على روايةٍ؛ فلما تقدم.
وأما كونه يستعيذ على روايةٍ؛ فلقوله تعالى:{فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم}.
والأولى أصح ؛ لما ذكر من الحديث.
ولأن الصلاة جملة واحدة فالقراءة فيها كلها كالقراءة الواحدة. ولهذا اعتبر الترتيب في الركعتين، وكره التنكيس فيهما.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.