فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K
المسألة ٤٬٥٩٥المقنعالحنابلةج ٦ ص ٢٤٥ج ٦ ص ٢٤٥

وَلَا الدُّبُرِ وَلَا يَعْزِلُ عَنِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا وَلَا عَنِ الْأَمَةِ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهَا وَلَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى غَسْلِ الْحَيْضِ وَالْجَنَابَةُ

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

(ولا) يجوزُ وَطْؤُها (في الدُّبُرِ) في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم علىٌّ، وعبدُ اللَّهِ، وأبو الدَّرداءِ، وابنُ عبَّاسٍ، وعبدُ اللَّهِ ابنُ عَمْرٍو ، وأبو هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وأبو بكرِ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ. ورُوِيَتْ إباحَتُه عن ابنِ عمرَ، وزيدِ ابنِ أسْلَمَ، ونافِعٍ، ومالكٍ. ورُوِىَ عن مالكٍ، أنَّه قال: ما أدْرَكْتُ أحدًا أقْتَدِى به في دِينى يشُكُّ في أنَّه حلالٌ .

وأهلُ العراقِ مِن أصْحابِ مالكٍ يُنْكِرونَ ذلك. واحْتجَّ مَن أحَلَّه بقَوْلِه تعالى:{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ}. وقولِه سبحانه: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} الآية. ولَنا، ما رُوِى أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْىِ مِنَ الحَقِّ، لا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِى أَعْجازِهِنَّ». وعن أبى هُرَيْرَةَ، وابنِ عبَّاسٍ، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: [«لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلى رَجُلٍ جَامَع امْرَأتهُ في دُبُرِها» رواهما ابنُ ماجه .

وعن ابنِ مسعودٍ، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال] : «مَن أتى حائِضًا أو امْرَأةً فِى دُبُرِها، أَوْ كاهِنًا فَصَدَّقَهُ بما يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بما أُنْزِلَ على مُحَمَّدٍ». روَاهُنَّ كلَّهُنَّ الأَثْرَمُ.

٢٧٬٧٢١

فأمَّا الآية، فرَوى جابِرٌ قال: كان اليهودُ يقولون: إذا جامَعَ الرَّجلُ امْرأتَه في فَرْجها مِن وَرائِها، جاءَ الوَلَدُ أحْوَلَ، فأنْزلَ اللَّهُ تعالى:{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ}. مِنِ بينِ يَدَيْها،

٢٧٬٧٢٢

ومِن خَلْفِها، غيرَ أن لا يَأتِيَها إلَّا في المَأْتَى . مُتَّفقٌ عليه. وفى روايةٍ: «ائْتِها مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً، إذا كان ذلك في الفَرْجِ» . والآيةُ الأُخْرَى المُرادُ بها ذلك.

فصل: فإن وَطِئها في دُبُرِها، فلا حَدَّ عليه؛ لأَنَّ له في ذلك شُبْهَةً، ويُعَزَّرُ لفِعْلِه المُحَرَّمَ، وعليهما الغُسْلُ؛ لأنَّه إِيلاجُ فَرْجٍ في فَرْجٍ، وحكمُه حكمُ الوَطْءِ في القُبُلِ في إفْسادِ العِباداتِ، وتَقْرِيرِ المَهْرِ، ووُجوبِ العِدَّةِ .

٢٧٬٧٢٣

فإن كان الوَطْءُ في أجْنَبِيَّةٍ، وَجَب حَدُّ اللُّوطِىِّ ، ولا مَهْرَ عليه؛ لأنَّه لم يُفَوّتْ مَنْفَعةً لها عِوَضٌ في الشَّرْعِ. ولا يَحْصُلُ بوَطْءِ زَوْجَتِه في الدُّبرِ إحْصان، إنَّما يحْصُلُ بالوَطْءِ في الفَرْجِ؛ لأنَّه وَطْءٌ كامِلٌ،

٢٧٬٧٢٤

بخلافِ هذا، ولا الإِحْلالُ للزَّوْج الأَوَّلِ؛ لأَنَّ المرأةَ لا تَذُوقُ به عُسَيْلَةَ الرَّجُلِ. ولا تحْصُلُ به الفَيْئَةُ؛ لأَنَّ الوَطْءَ لِحَقِّ المرأةِ، وحقُّها الوَطْءُ في القُبُلِ. ولا يَزُولُ به الاكْتِفاءُ بصُماتِها في الإِذْنِ في النِّكاحِ؛ لأَنَّ بَكارةَ الأَصْلِ باقِيَةٌ.

٢٧٬٧٢٥

فصل: فأمَّا التَّلَذُّذُ بينَ الألْيَتَيْنِ مِن غيرِ إيلاج، فلا بأْسَ به؛ لأَنَّ السنَّةَ إنَّما ورَدَتْ بتَحْريمِ الدُّبُرِ، فهو مخْصُوصٌ بذلك، ولأنَّه حَرُمَ لأجْلِ الأذَى، وذلك مخْصُوصٌ بالدُّبُرِ، فاخْتصَّ التَّحْريمُ به.

٣٣٣٧ - مسألة: (ولا يَعْزِلُ عنِ الحُرَّةِ إلَّا بِإِذْنِها) معنى العَزْلِ أن يَنزِعَ إذا قَرُبَ الإِنْزالُ، فيُنْزِل خارجًا مِن الفَرْجِ، وهو مَكْرُوهٌ، رُوِيَت كَراهَتُه عن عمرَ، وعلىٍّ، وابنِ عمرَ، وابنِ مسعودٍ. ورُوِىَ عن أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ أيضًا؛ لأن فيه تَقْلِيلَ النَّسْلِ، وقطعَ اللَّذَّةِ عن المَوْطوءَةِ، وقد حَثَّ النَّبِى -صلى اللَّه عليه وسلم- على تَعاطِى أسْبابِ الوَلَدِ، فقال:«تَنَاكَحُوا، تَناسَلُوا، تَكْثُرُوا». وقال:«سَوْدَاءُ وَلُودٌ، خَيْر مِن حَسْنَاءَ عَقِيمٍ». إلَّا أن يكونَ العَزْلُ لحاجةٍ، مثلَ أن يكونَ في دارِ الحربِ، فتَدْعُو حاجَتُه إلى الوَطْءِ.

ذكَرَ الْخِرَقِىُّ هذه الصُّورَةَ . أو تكونَ زَوْجتُه أمَةً، فيَخْشَى الرِّقَّ على وَلَدِه، أو تكونَ له أمَةٌ، فيَحْتاجُ إلى وَطْئِها وإلى بَيْعِها. فقد رُوِى عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه كان يَعْزِلُ عن إمائِه.

٢٧٬٧٢٦

فإن عزَلَ مِن غيرِ حاجةٍ، كُرِهَ، ولم يَحْرُمْ. وقد رُوِيَتِ الرُّخْصَةُ فيه عن علىٍّ، وسعدِ بنِ أبى وَقَّاصٍ، وأبى أيُّوبَ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، وجابِر، وابنِ عبَّاسٍ، والحسنِ بنِ علىٍّ، وخَبَّابِ بنِ الأرَتِّ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وطاوُس، وعَطاءٍ، والنَّخَعِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأصْحاب الرَّأْى. ورَوَى أبو سعيدٍ، قال: ذُكِرَ -يعنى العَزْلَ- عندَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال:«فَلِمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ أحَدُكُمْ؟». ولم يَقُلْ: فلا يَفْعَلْ. «فَإنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ مَخْلُوقَةٍ، إلَّا اللَّهُ خَالِقُها».

مُتَّفَقٌ عليه . وعنه أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ لى جاريةً، وأنا أعْزِلُ عنها، وأنا أكْرَهُ أن تَحْمِلَ، وأنا أُرِيدُ ما يُرِيدُ الرِّجالُ،

٢٧٬٧٢٧

وإنَّ اليهودَ تُحَدِّثُ أنَّ العَزْلَ هى المَوْءُودَةُ الصُّغْرَى. قال:«كَذَبَتْ يَهُودُ، لَوْ أرَادَ اللَّهُ أن يَخْلُقَهُ ما اسْتَطَعْتَ أن تَصْرِفَهُ». روَاه أبو داودَ . ولا يَعْزِلُ عن زَوْجتِه الحُرَّةِ إلَّا بإذْنِها. قال القاضى: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ وُجوبُ اسْتِئْذانِ الزَّوْجَةِ في العزلِ. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ مُسْتَحَبًّا؛ لأَنَّ حَقَّها في الوَطْءِ دونَ الإِنْزالِ، بدليلِ أنَّه يَخْرُجُ به مِن الفَيْئَةِ والعُنَّةِ. وللشافعيَّةِ في ذلك وَجْهان. والأَوَّلُ أوْلَى؛ لِما رُوِى عن عمرَ، قال: نَهى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يُعْزَلَ عن الحُرَّةِ إِلَّا بإذْنِها.

روَاه الإِمامُ أحمدُ، في «المُسْنَدِ»، وابنُ ماجه . ولأَنَّ لها في الوَلَدِ حَقًّا. وعليها في العزلِ ضَرَرٌ، فلم يَجُزْ إلَّا بإذْنِها.

فصل: والنِّساءُ ثلاثةُ أقسام؛ إحْداهُنَّ زَوْجتُه الحُرَّةُ، فلا يجوزُ العزلُ عنها إلَّا بإذْنِها، في ظاهرِ المذهبِ، وقد ذكَرْنا ذلك. الثَّانيةُ، أمَتُه، فيَجُوزُ العزلُ عنها. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ وذلك لأنَّه لا حَقَّ لها في الوَطْءِ، ولا في الوَلَدِ، ولذلك لم تملكِ المُطالبَةَ بالقَسمِ ولا الفَيْئَةِ، فلأَنْ لا تَمْلِكَ المَنْعَ مِن العَزْلِ أوْلَى. الثَّالثةُ، زَوْجتُه الأمَةُ، فالأَوْلَى جوازُ العَزْلِ عنها بغيرِ إذْنِها. وهو قولُ الشافعىِّ، استِدلالًا بمَفْهُومِ الحديثِ المذْكورِ.

٢٧٬٧٢٨

وقال ابنُ عبَّاسٍ: تُسْتَأْذِنُ الحُرَّةُ، ولا تُسْتَأْذِنُ الأمَةُ. ولأَنَّ عليه ضَرَرًا في إرْقاقِ وَلَدِه،

٢٧٬٧٢٩

بخلافِ الحُرَّةِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ إلَّا بإذْنِها؛ لأنَّها زَوْجةٌ تَمْلِكُ المُطالَبَةَ بالوَطْءِ في الفَيْئَةِ، والفَسْخَ عندَ تعَذُّرِه بالعُنَّةِ ، فلم يَجُزْ بغيرِ إذْنِها، كالحُرَّةِ.

٢٧٬٧٣٠

وقال أصحابُنا: لا يجوزُ العزلُ عنها إلَّا بإذْنِ سَيِّدِها؛ لأَنَّ الوَلَدَ له. والأَوْلَى جوازُه؛ لأَنَّ تَخْصِيصَ الحُرَّةِ بالاسْتِئْذانِ دليلُ سُقوطِه في غيرِها، ولأَنَّ السَّيِّدَ لا حَقَّ له في الوَطْء، فلا يَجِبُ اسْتِئْذانُه في كيْفِيَّته. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ اسْتِئْذانُها مُسْتَحَبًّا؛ لأَنَّ حَقَّها في الوَطْءِ، لا في الإِنْزالِ، بدليلِ خُروجِه بذلك مِن الفَيْئَةِ والعُنَّةِ. ٣٣٣٨ - مسألة: (وله إجْبارُها على الغُسْلِ مِنَ الحَيْضِ والجَنابَةِ والنَّجاسَةِ، واجْتِنَابِ المحَرَّماتِ، وأخْذِ الشَّعَرِ الَّذِى تَعافهُ النَّفْسُ، إلَّا الذِّمِّيَّةَ، فله إجْبارُها على الغُسلِ مِنَ الحَيْضِ، وفِى سائرِ الْأَشْيَاءِ رِوايَتانِ) وجملةُ ذلك، أنَّ للزَّوْج إجْبارَ زَوْجَتِه على الغُسْلِ مِن الحَيْضِ والنِّفاسِ، مُسْلِمَةً كانت أو ذِمِّيَّة، حرَّةً أو مَمْلُوكةً، لأنَّه يَمْنَعُ الاسْتِمْتاعَ الذى هو حقٌّ له، فمَلَك إجْبارَها على إزالَةِ ما يَمْنَعُ حَقَّه.

٢٧٬٧٣١

فإنِ احْتاجَتْ إلى شِراءِ الماءِ فثمنُه عليه؛ لأنَّه لحَقِّه. وله إجْبارُ المُسْلمةِ البالغةِ على الغُسْلِ مِن الجَنابَةِ؛ لأَنَّ الصَّلاةَ واجِبَةٌ عليها، ولا تَتَمكَّنُ منها إلَّا بالغُسْلِ.

٢٧٬٧٣٢

فأمَّا الذِّمِّيَّةُ، ففيها رِوايتانِ؛ إحداهما، له إجْبارُها عليه؛ لأَنَّ كمالَ الاسْتِمْتاعِ يَقِفُ عليه،

٢٧٬٧٣٣

فإنَّ النَّفْسَ تَعافُ مَن لا يَغْتَسِلُ مِن جَنابَةٍ. والثانيةُ، ليس له إجْبارُها عليه . وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْرِىِّ؛

٢٧٬٧٣٤

فإنَّ الوَطْءَ لا يقف عليه، لإِباحَتِه بدُونِه. وللشافعىِّ قَوْلان، كالرِّوايتَيْنِ. وفى إزالَةِ الوَسَخِ والدَّرَنِ وفى تَقْلِيمِ الأظْفارِ وَجْهانِ، بِناءً على الرِّوايتَيْن في غُسْلِ الجَنَابَةِ. ويَسْتَوِى في هذا المُسْلِمَةُ والذِّمِّيَّةُ، لاسْتِوائِهما في حُصولِ النَّفْرَةِ مِمَّن ذلك حالُها. وله إجْبارُها على إزالَةِ شَعَرِ العانَةِ إذا خَرَج عن العادةِ، روايةً واحدةً. ذكَرَه القاضى.

٢٧٬٧٣٥

وكذلك الأظْفارُ. فإن طالا قليلًا بحيثُ تَعافُه النَّفْسُ، ففيه وَجْهانِ. وهل له منْعُها من أكلِ ما لَه رائحةٌ كريهةٌ، كالبصَلِ والثُّومِ والكُرَّاثِ؟ على وَجْهَيْنِ؛ أحدُهما، له مَنْعُها مِن ذلك؛ لأنَّه يمنعُ القُبْلَةَ، وكمالَ الاسْتِمْتاعِ. والثانى، ليس له ذلك، لأنَّه لا يَمْنَعُ الوَطْءَ. وله مَنْعُها مِن السُّكْرِ وإن كانت ذِمِّيَّةً، لأنَّه يمنعُ الاسْتِمْتاعَ بها، ويُزِيلُ عَقْلَها، ولا يَأْمَنُ أن تَجْنِىَ عليه.

٢٧٬٧٣٦

فأمَّا شُرْبُ ما لا يُسْكِرُ، فله مَنْعُ المُسْلِمَةِ منه؛ لأنَّهما يَعْتَقدانِ تَحْريمَه، وليس له منعُ الذِّمِّيَّةِ منه. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّها تَعْتقِدُ إباحتَه في دِينِها. وله إجْبارُها على غَسْلِ فِيها منه ومِن [سَائِرِ النجاسةِ؛ ليَتَمَكَّنَ مِن الاسْتِمْتاعِ بفِيها. ويَتَخَرَّجُ أن يملكَ مَنْعَها منه]؛ لِما فيه مِن الرَّائحةِ الكريهةِ، فهو كالثُّومِ. وهكذا الحكمُ لو تزَوَّجَ مُسْلِمةً تَعْتَقِدُ إباحَةَ يَسِيرِ النَّبِيذِ. ومذهبُ الشافعىِّ على نحوٍ مِن هذا كلِّه.

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَلَا الدُّبُرِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ جَامَعَ امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وقَوْله تَعَالَى:{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} أَيْ: كَيْفَ شِئْتُمْ إِلَّا الدُّبُرَ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: كَانَ الْيَهُودُ يَقُولُونَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فِي فَرْجِهَا مِنْ وَرَائِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، أَيْ: مِنْ بَيْنِ يَدَيْهَا وَمِنْ خَلْفِهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَأْتِيهَا إِلَّا فِي الْمَأْتَى،

١٧٬٨٣٠

فَإِنْ تَطَاوَعَا عَلَيْهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَيُعَزَّرُ عَالِمٌ بِتَحْرِيمِهِ

١٧٬٨٣١

بِخِلَافِ وَطْءِ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَلَيْسَ لَهَا اسْتِدْخَالُ ذَكَرِهِ وَهُوَ نَائِمٌ بِلَا إِذْنِهِ، بَلِ الْقُبْلَةُ وَاللَّمْسُ لِشَهْوَةٍ، ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ ".

[لَا يَعْزِلُ عَنِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا] (وَلَا يَعْزِلُ) أَيْ: يَنْزِعُ قُرْبَ الْإِنْزَالِ فَيَنْزِلُ خَارِجَ الْفَرْجِ (عَنِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا) ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَعْزِلَ عَنِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ؛ وَلِأَنَّهُ يَقْطَعُ اللَّذَّةَ عَنِ الْمَوْطُوءَةِ، وَلَهَا حَقٌّ فِي الْوَلَدِ عَلَيْهَا ضَرَرٌ، فَلَمْ يَجُزْ إِلَّا بِإِذْنِهَا، إِلَّا بِدَارِ حَرْبٍ، فَيُسَنُّ عَزْلُهُ مُطْلَقًا، ذَكَرَهُ فِي " الْفُصُولِ "، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ (وَلَا عَنِ الْأَمَةِ) الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا (إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهَا) ؛

لِأَنَّ الْوَلَدَ حَقٌّ لِلسَّيِّدِ، فَاشْتُرِطَ إِذْنُهُ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يُشْتَرَطْ حُرِّيَّتُهُ،

١٧٬٨٣٢

وَقِيلَ: وَإِذْنُهَا؛ لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ تَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِالْوَطْءِ فِي الْفَيْئةِ وَالْفَسْخِ عِنْدَ تَعَذُّرِهِ بِالْعُنَّةِ، وَتَرْكُ الْعَزْلِ مِنْ تَمَامِهِ، فَلَمْ يَجُزْ إِلَّا بِإِذْنِهَا كَالْحُرَّةِ،

١٧٬٨٣٣

وَقِيلَ: يُبَاحُ الْعَزْلُ مُطْلَقًا، روي عَنْ عَلِيٍّ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَبِي أَيُّوبَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَجَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، اسْتِدْلَالًا بِمَفْهُومِ حَدِيثِ الْحُرَّةِ؛ وَلِأَنَّ حَقَّهَا فِي الْوَطْءِ دُونَ الْإِنْزَالِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الْفَيْئَةِ وَالْعُنَّةِ،

١٧٬٨٣٤

وَقِيلَ عَكْسُهُ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يَجُوزُ مِنْ أَمَتِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهَا فِي الْوَطْءِ وَلَا فِي الْوَلَدِ، فَلَمْ يَمْلِكِ الْمُطَالَبَةَ بِالْقَسْمِ وَالْفَيْئَةِ، فَلَأَنْ لَا يَمْلِكَ الْمَنْعَ مِنَ الْعَزْلِ أَوْلَى،

١٧٬٨٣٥

وَفِي أُمِّ الْوَلَدِ وَجْهَانِ (وَلَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى غَسْلِ الْحَيْضِ) وَالنِّفَاسِ، مُسْلِمَةً كَانَتْ أَمْ ذِمِّيَّةً، حُرَّةً أَوْ أَمَةً؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ الَّذِي هُوَ حَقٌّ لَهُ، فَمَلَكَ إِجْبَارَهَا عَلَى إِزَالَةِ مَا يَمْنَعُ حَقَّهُ،

١٧٬٨٣٦

فَإِنِ احْتَاجَتْ إِلَى شِرَاءِ مَاءٍ، فَثَمَنُهُ عَلَيْهِ فِي الْأَشْهَرِ (وَالْجَنَابَةُ) أَيْ: لَهُ إِجْبَارُ الْمُسْلِمَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهَا،

١٧٬٨٣٧

وَفِي " الْوَاضِحِ ": ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: لَا،

١٧٬٨٣٨

وَفِي " الْمُحَرَّرِ " رِوَايَتَانِ

الإنصافالمرداوي

ولا فى الدُّبُرِ. وهذا أيضًا بلا نِزاعٍ بينَ الأئمَّةِ،

٣١٬٦٤٥

ولو تَطاوَعا على ذلك، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فُرِّقَ بينَهما، ويُعَذَّرُ العالِمُ بالتَّحْريمِ منهما،

٣١٬٦٤٦

ولو أكْرَهَها الزَّوْجُ عليه، نُهِىَ عنه،

٣١٬٦٤٧

فإنْ أبَى فُرِّقَ بينَهما. ذكَره ابنُ أبِى مُوسى وغيرُه. وتقدَّم فى أواخِرِ النِّكاحِ، عندَ قوْلِه: ولكُلِّ واحدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ النَّظَرُ إلى جَميعِ البَدَنِ ولَمْسُه. هل يجوزُ لها اسْتِدْخالُ ذَكَرِ زوْجِها مِن غيرِ إذْنِه [وهو نائمٌ]؟ وَلَا يَعْزِلُ عَنِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإذْنِهَا، وَلَا عَنِ الأَمَةِ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهَا. ولا يَعْزِلُ عنِ الحُرَّةِ إلَّا بِإذْنِها، ولا عنِ الأَمَةِ إلَّا بِإذْنِ سَيِّدِها. وهذا . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

المذهبُ، نصَّ عليه، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به فى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

«البُلْغَةِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأزَجِىِّ». وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايَتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ». وصحَّحه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ». [ومحَلُّ هذا؛ إذا لم يشْتَرِطْ حُرِّيَّةَ الأوْلادِ،

٣١٬٦٤٨

فأمَّا إذا اشْترَطَ ذلك، فله العَزْلُ بلا إذْنِ سيِّدِ الأمَةِ].

٣١٬٦٤٩

وقيل: لا يُباحُ العَزْلُ مُطْلَقًا.

٣١٬٦٥٠

وقيل: يُباحُ مُطْلَقًا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

تنبيهان؛ أحدُهما، ظاهِرُ قوْلِه: ولا عن الأمَةِ إلَّا بإذْنِ سيِّدِها. أنَّه لا يُعْتَبَرُ إذْنُها هى. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الفُروعِ».

٣١٬٦٥١

وقيل: يُشْتَرَطُ إذْنُها أيضًا. وهو احْتِمالٌ فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ».

٣١٬٦٥٢

قلتُ: وهو الصَّوابُ.

الثانى، أفادَنا المُصَنِّفُ، رَحِمَه اللَّهُ، بقوْلِه: إلَّا بإذْنِ سيِّدِها. جوازَ عَزْلِ السَّيِّدِ عن سُرِّيَّتِه بغيرِ إذْنِها،

٣١٬٦٥٣

وإنْ لم يَجُزْ له العَزْلُ عن زوْجَتِه الأمَةِ إلَّا بإذْنِها. وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ.

٣١٬٦٥٤

وقال ابنُ عَقِيلٍ: ويَحْتَمِلُ، مِن مذهَبِنا، أنَّه يُعْتَبَرُ إذْنُها.

٣١٬٦٥٥

قلتُ: وهو مُتَّجِهٌ؛ لأَنَّ لها فيه حقًّا. وذكَر فى «التَّرْغيبِ» هل يسْتَأْذِنُ أمَّ الوَلدِ فى العَزْلِ، أمْ لا؟ على وَجْهَيْن. وَلَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى الْغُسْلِ مِنَ الْحَيْضِ وَالجَنَابَةِ وَالنَّجَاسَةِ، وَاجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَأَخْذِ الشَّعَرِ الَّذِى تَعَافُهُ النَّفْسُ، إِلَّا الذِّمِّيَّةَ فَلَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى غُسْلِ الْحَيضِ، وَفِى سَائِرِ الْأَشْيَاءِ رِوَايَتَانِ.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

قال: (ولا يعزل عن الحرة إلا بإذنها، ولا عن الأمة إلا بإذن سيدها) .

١٢٬٦٤١

أما كون الزوج لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها؛ فلما روى ابن عمر قال:«نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُعزلَ عن الحرة إلا بإذنها». رواه الإمام أحمد وابن ماجة.

ولأن لها في الولد حقاً وعليها في العزل ضرراً.

١٢٬٦٤٢

وقال المصنف في المغني: يحتمل أن يكون استئذانها مستحباً؛ لأن حقها في الوطء دون الإنزال. بدليل أنه يَخْرج به من الفيئة والعنة. ثم قال: والأول أولى.

١٢٬٦٤٣

وأما كونه لا يعزل عن الأمة إلا بإذن سيدها؛ فلأن الولد حق له. فاشترط إذنه.

ولم يذكر المصنف في المغني إذن السيد بحال.

١٢٬٦٤٤

قال: فأما زوجته الأمة فيحتمل جواز العزل عنها بغير إذنها استدلالاً بمفهوم هذا الحديث. يعني حديث الحرة.

١٢٬٦٤٥

وقال ابن عباس:«تُستأذنُ الحرةُ ولا تُستأذنُ الأمة».

ولأن عليه ضرراً في استرقاق ولده.

١٢٬٦٤٦

بخلاف الحرة.

ويحتمل أن لا يجوز إلا بإذنها؛ لأنها زوجة تملك المطالبة بالوطء في الفيئة والفسخ عند تعذره بالعنة وترك العزل من تمامه. فلم يجز إلا بإذنها؛ كالحرة.

والمراد بقول المصنف هنا: ولا عن الأمة: الأمة المعقود عليها لا الأمة المملوكة للواطئ؛ لأنه

١٢٬٦٤٧

قال في المغني: ويجوز العزل عن أمته بغير إذنها. نص عليه؛ لأنها لا حق لها في الوطء ولا في الولد ولذلك لم تملك المطالبة بالقسم ولا الفيئة. فلأن لا تملك المنع من العزل بطريق الأولى.

قال: (وله إجبارها على الغسل من الحيض والجنابة والنجاسة واجتناب المحرمات، وأخذ الشعر الذي تعافه النفس؛ إلا الذمية فله إجبارها على غسل الحيض، وفي سائر الأشياء روايتان) .

١٢٬٦٤٨

أما كون الزوج له إجبار زوجته المسلمة على جميع ما تقدم ذكره؛ فلأنه دائر بين واجب عليها وبين شيء يقف كمال الاستمتاع عليه.

١٢٬٦٤٩

وأما كونه له إجبار زوجته الذمية على غسل الحيض؛ فلأن حل الوطء موقوف عليه.

١٢٬٦٥٠

وأما كونه له إجبارها على سائر الأشياء في روايةٍ؛ فلأن كمال الاستمتاع يقف عليه. إذ النفس تعاف وطء من عليها غسل، أو شربت مسكراً، أو لها شعر.

١٢٬٦٥١

وأما كونه ليس له إجبارها على ذلك في روايةٍ؛ فلأن غسل الجنابة والنجاسة واجتناب المحارم عندنا غير واجب عليها وإزالة الشعر غير مشروع عندها.

١٢٬٦٥٢

وقال المصنف في المغني: شعر العانة إذا خرج عن العادة فله إجبارها على إزالته رواية واحدة.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.