وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ وَجْهًا مِثْلَ حُكْمِ الْأُخْرَى وَلَفْظُهُ الْأَمْرُ وَالْخِيَارُ كِنَايَةٌ فِي حَقِّ الزَّوْجِ، يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّتِهِ
الشروح عليها
(وخَرَّجَ أبو الخَطَّابِ في كُلِّ مسألةٍ وَجْهًا مثلَ حُكْمِ الأُخرَى) أى خَرَّجَ في قولِه: أمْرُكِ بيَدِكِ. وَجْهًا أنها لا تَطْلُقُ أكثرَ مِن واحدةٍ، وأنها تَتَقَيَّدُ بالمجلسِ، بشَرْطِ أن لا يتَشاغَلا بما يَقْطَعُ كلامَهما، وفى قولِه: اخْتارِى نَفْسَكِ. أنَّه لا يتَقَيَّدُ بالمجلسِ،
وأنَّ لها أن تُطَلِّقَ أكثرَ مِن واحدةٍ عندَ الإطْلاقِ، قياسًا لكُلِّ واحدَةٍ منهما على الأُخْرَى.
فصل: فإن خَيَّرَها فاخْتارَتْ زَوْجَها، أو رَدَّتِ الخيارَ أو الأمْرَ، لم يَقَعْ شئٌ. نَصَّ عليه أحمدُ في روايةِ الجماعةِ. ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ، وزيدٍ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وهو قولُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وابنِ شُبْرُمَةَ، وابنِ أبى ليلَى، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ. وعن الحسنِ: تَكونُ واحدةً رَجْعِيَّةً. ورُوِىَ ذلك عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. ورَواه إسْحاقُ بنُ مَنْصورٍ عن أحمدَ، قال: إنِ اخْتارَتْ زَوْجَها، فواحدةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ،
وإنِ اخْتارَتْ نَفْسَها فثلاثٌ . قال أبو بكرٍ: انْفَردَ بهذا إسْحاقُ بنُ مَنْصُورٍ، والعملُ على مما رَوَاه الجماعةُ. ووَجْهُ هذه الرِّوايةِ، أنَّ التَّخْيِيرَ كِنايةٌ نَوَى بها الطَّلاقَ، فَوقعَ بها بمُجَرَّدِها ، كسائِرِ كناياتِه. وكقَوْلِه: انْكِحى مَنْ شِئْتِ. ولَنا، قولُ عائشةَ: قد خَيَّرَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أفكان طلاقًا؟ وقالتْ: لمَّا أُمِرَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بتَخْيِيرِ أزْواجِه بدأَ بى فقال:«إِنِّى لمُخْبِرُكِ خَبَرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لا تَعْجَلِى حَتَّى تَسْتَأْمِرِى أَبَوَيْكِ».
ثم قال: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قالَ: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} حتى بلَغَ: {فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا}. فقلتُ: في أىِّ هذا أسْتَأْمِرُ أبَوَىَّ! فإنِّى أُريدُ اللَّهَ ورسولَه والدَّارَ الآخِرَةَ. قالتْ: ثم فَعَلَ أزْوِاجُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلَ ما فعلْتُ. مُتَّفَقٌ عليهما . قال مَسْروقٌ: ما أُبالى خيَّرْتُ امْرأتِى واحدةً أو مائةً أو ألْفًا، بعدَ أن تخْتارَنِى . ولأنَّها مُخَيَّرةٌ اخْتارتِ النِّكاحَ، فلم يقَعْ بها الطَّلاقُ، كالمُعْتَقَةِ تحتَ عبدٍ. وقولُهم: إنَّ التَّخْييرَ كنايةٌ نَوَى بها الطَّلاقَ، فَوقعَ بها بمُجَردِها، كسائِرِ كناياتِه. قُلْنا: إِنَّما أرادَ بذلك تَفْويضَ الطَّلاقِ إلى زَوْجتِه لا إيقاعَ الطَّلاقِ، وصارَ ذلك كقولِه: طَلِّقِى نفْسَك. فإنَّه لا يقَعُ بذلك طَلاقٌ، والكنايةُ مع النِّيَّةِ لا تَزِيدُ على الصَّريحِ. فأما إنْ نوَى بقولِه: اخْتارِى نفْسَكِ. إيقاعَ الطَّلاقِ، وَقعَ كسائرِ الكناياتِ.
٣٤٧٢ - مسألة: (ولَفْظَةُ الأمْرِ والخِيارِ كِنَايَةٌ في حَقِّ الزَّوْجِ، تَفْتَقِرُ إلى نِيَّةٍ) فلفْظةُ الأمْرِ مِن الكناياتِ الظَّاهرةِ، والخيارِ مِن الخَفِيَّةِ، وكلاهُما يحْتاجُ إلى النِّيَّةِ؛ لِما ذَكَرْنا في الكنايةِ الظَّاهرةِ. قولُه: إنَّها تحْتاجُ إلى نِيَّةٍ. وهو قولُ مالكٍ. وقد ذكَرْناه
(وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ وَجْهًا مِثْلَ حُكْمِ الْأُخْرَى) أَيْ: يُقَاسُ كُلٌّ مِنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةِ حُكْمَيْنِ، الْأَوَّلُ عَلَى التَّرَاخِي،
وَأَنَّ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ ثَلَاثًا،
وَفِي الثَّانِيَةِ الْفَوْرُ، وَأَنْ لَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ إِلَّا بِشَرْطِهِ،
قُلْتُ: كَلَامُ أَبِي الْخَطَّابِ فِي كِتَابِهِ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ لَا يَقْتَضِي تَخْرِيجَ الْعَدَدِ مِنْ إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى،
وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ نَفْيُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى نَفْيِ الْفَرْقِ مِنْ حَيْثُ التَّرَاخِي وَالْفَوْرِ - لَا مِنْ حَيْثُ الْعَدَدِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا قَالَ: اخْتَارِي الْيَوْمَ، وَغَدًا، وَبَعْدَ غَدٍ - فَلَهَا ذَلِكَ،
فَإِنْ رَدَّتْهُ فِي الْأَوَّلِ بَطَلَ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ خِيَارٌ وَاحِدٌ،
بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: اخْتَارِي الْيَوْمَ بَعْدَ غَدٍ، فَإِنَّهَا إِذَا رَدَّتْهُ فِي الْأَوَّلِ لَمْ يَبْطُلْ بَعْدَ غَدٍ؛ لِأَنَّهُمَا خِيَارَانِ يَنْفَصِلُ أَحَدُهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ،
فَإِنْ نَوَى - بِقَوْلِهِ: اخْتَارِي نَفْسَكِ - إِيقَاعَ الثَّلَاثِ، وَقَعَ،
وَإِنْ كَرَّرَ اخْتَارِي ثَلَاثًا، فَإِنْ أَرَادَ إِفْهَامَهَا وَلَيْسَ لَهُ نِيَّةٌ - فَوَاحِدَةٌ، وَإِلَّا فَثَلَاثٌ، نَصَّ عَلَيْهِ،
وَإِنْ أَطْلَقَ فَرِوَايَتَانِ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "،
فَلَوْ خَيَّرَهَا شَهْرًا فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا - لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ خِيَارٌ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ الْمَشْرُوطَ فِي عَقْدٍ لَا يَثْبُتُ فِي عَقْدٍ سِوَاهُ كَالْبَيْعِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: اخْتَارِي نَفْسَكِ يَوْمًا، فَابْتِدَاؤُهُ مِنْ حِينِ تُطْلَقُ إِلَى مِثْلِهِ مِنَ الْغَدِ،
وَإِنْ قَالَ: شَهْرًا، فَمِنْ سَاعَةِ نَطَقَ إِلَى اسْتِكْمَالِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا إِلَى مِثْلِ تِلْكَ السَّاعَةِ. (وَلَفْظُهُ الْأَمْرُ وَالْخِيَارُ كِنَايَةٌ) ظَاهِرَةٌ وَخَفِيَّةٌ (فِي حَقِّ الزَّوْجِ، يَفْتَقِرُ) وُقُوعُ الطَّلَاقِ (إِلَى نِيَّتِهِ) ؛ لِأَنَّ كِلَاهُمَا يَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ عَلَى مَا مَضَى،
وَكَذَا كَذِبُهُ بَعْدَ سُؤَالِهَا الطَّلَاقَ
ولَفْظَةُ الأمْرِ والخِيَارِ كِنايَةٌ فى حَقِّ الزَّوْجِ، تَفْتَقِرُ إلى نِيَّةٍ. لَفْظَةُ الأمْرِ مِنَ الكِناياتِ الظَّاهِرَةِ، ولَفْظَةُ الخِيارِ مِنَ الكِناياتِ الخَفِيَّةِ، تَفْتَقِر إلى نِيَّةٍ،
فَإِنْ قَبِلَتْهُ بِلَفْظِ الْكِنَايَةِ، نَحْوَ: اخْتَرْتُ نَفْسِى. افْتَقَرَ إلَى نِيَّتِهَا أيْضًا،
وَإِنْ قَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفسِى. وَقَعَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، أو كوْنِه بعدَ سُؤالِها الطَّلاقَ ونحوَه. وقد تقدَّم الخِلافُ فى قَدْرِ ما يقَعُ بكُل واحدةٍ فهما. وتقدَّم رِوايةٌ اخْتارَها أبو بَكْرٍ، أنَّ الكِناياتِ الظَّاهرةَ لا يحْتاجُ الوُقوعُ فيها إلى نِيَّةٍ. فكذا لَفْظَةُ الأمْرِ هنا.
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.