وَإِنْ كَانَ سَهْوًا
الشروح عليها
(وإن كان سَهْوًا، ثم ذَكَر قَرِيبًا، أتَمَّها وسَجَد، وإن طال الفَصْلُ، أو تَكَلَّمَ لغيرِ مَصْلَحَةِ الصلاةِ، بَطَلَت) وجُمْلته أنَّ مَن سَلَّمَ قبلَ إتْمامِ صَلاتِه ساهِيًا، ثم عَلِم قبلَ طُولِ الفَصْلِ، [ونَقْضِ وُضُوئِه]، فصَلاتُه صَحِيحَة لا تَبْطُلُ بالسَّلامِ، وعليه أن يَأْتِيَ بما بَقِي منها، ثم يَتَشَهَّدُ ويُسَلِّمُ، ويَسْجُدُ سَجْدَتَيْن، ويَتَشَهَّدُ ويُسَلِّمُ.
فإن لم يَذكُرْ حتَّى قام، فعليه أن يَجْلِسَ ليَنْهَضَ إلى الإتْيانِ بما بَقِيَ عن جُلُوسٍ؛ لأنَّ هذا القيامَ واجِبٌ للصلاةِ، ولم يَأْتِ به لها، فلَزِمَه الإتْيانُ به مع النِّيَّةِ. ولا نَعْلَمُ في جَوازِ الإِتْمامِ في حَقِّ مَن نَسِيَ رَكْعَةً فما زاد خِلافًا. والأصْلُ في هذا ما روَى ابنُ سِيرِينَ، عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: صَلَّى بنا رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إحْدَى صَلَاتيِ العَشِيِّ، قال ابنُ سِيرِينَ: سَمّاها لنا أبو هُرَيْرَةَ، ولكنْ أنا نَسِيتُ، فصَلَّى رَكعَتَيْن، ثم سَلَّمَ، فقام إلى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ في المَسْجِدِ، فوَضَعَ يَدَه عليها، كأنَّه غَضْبانُ، وشَبَّكَ بينَ أصابِعِه، ووَضَع يَدَه اليُمْنَى على ظَهْرِ كَفه اليُسْرَى، وخَرَجَتِ السَّرْعَانُ مِن المَسْجِدِ، فقالُوا: قُصِرَتِ الصَّلاةُ،
وفي القَوْمِ أبو بكر وعُمَرُ، فهاباه أن يُكلِّماه،
وفي القَوْمِ رجلٌ في يَدَيْه طُولٌ، يُقالُ له: ذو اليَدَيْن. فقال: يَا رسولَ اللهِ، أنسِيتَ أم قُصِرَتِ الصلاةُ؟ قال:«لَمْ أنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ»، فقال:«أكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟». قالوا: نَعَمْ. قال: فتَقَدَّمَ فَصَلَّى ما تَرَك مِن صلاتِه، ثم سَلَّمَ، ثم كبَّر وسَجَد مِثْلَ سُجُودِه أو أطْوَلَ، ثم رَفع رَأْسَه، فكَبَّرَ، وسَجَد مِثْلَ سُجُودِه أو أطْوَلَ، ثم رفَع رَأْسَه، فكَبَّرَ. قال: فرُبَّما سَألُوه: ثم سَلَّمَ قال: نُبِّئْتُ أنَّ عِمْرانَ بن حُصَيْنٍ قال: ثم سَلَّمَ.
مُتَّفَقٌ عليه ورَواه أبو داودَ . وزاد قال: قُلْتُ، فالتَّشَهُّدُ؟ قال: لم أسْمَعْ في التَّشَهُّدِ، وأحَبُّ إلَيَّ أن يَتَشَهَّدَ. وروَى عِمْرانُ بنُ حُصَيْنٍ، قال: سَلَّمَ رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في ثَلاثِ رَكَعات [مِن العَصْرِ]، ثم قام فدَخَلَ الحُجْرَةَ، فقام رجلٌ بَسِيطُ الْيَدَيْنِ، فقال: أقُصِرَتِ الصَّلاةُ يَا رسولَ اللهِ؟ فخَرَجَ مُغْضَبًّا، فصَلَّى الرَّكْعَةَ التى كان تَرَك، ثم سَلَّمَ، ثم سَجَد سَجْدَتَيِ السَّهْوِ، ثم سَلَّمَ. رَواه مسلمٌ .
فصل: فأمّا إن طال الفَصْلُ، أو انْتَقَض وُضُوءُه، اسْتَأْنَفَ الصلاةَ. كذلك قال الشافعيُّ، إن ذكَر قَرِيبًا، مِثْلَ فِعْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَوْمَ ذِي اليَدَيْن ونَحْوَه، بَنَى.
وقال مالكٌ نَحْوَه. وقال اللَّيْثُ، ويحيى الأنْصارِيُّ، والأوْزاعِيُّ: يَبْنِي ما لم يَنْتَقِضْ وُضُوءُه. . ولَنا، أنَّها صلاةٌ واحِدَةٌ، فلم يَجُزْ بِناءُ بَعْضِها على بَعْضٍ مع طُولِ الفَصْلِ، كما لو انتقَضَ وُضُوءُه. والمَرْجِعُ في طُولِ الفَصْلِ وقِصَرِه إلى العادَةِ. ولأصحابِ الشافعيِّ في ذلك خلافٌ قد ذَكَرْناه فيما إذا تَرَك رُكْنًا، في البابِ قَبْلَه .
والصحِيحُ أنَّه لا حَدَّ له، إذ لم يَرِدْ بتَحْدِيدِه نَصٌّ، فيُرْجَعُ فيه إلى العَادَةِ والمُقاربَةِ لمِثْلِ حالِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في حديثِ ذى اليَدَيْن.
فصل: فإن لم يَذْكُرْه حتَّى شَرَع في صلاةٍ أُخْرَى،
فإن طال الفَصْلُ، بَطَلَتِ الأُولَى، لِما ذَكَرْنا.
وإن لم يَطُلِ الفَصْلُ، عاد إلى الأُولَى فأتَمَّها. وهذا قولُ الشافعيِّ.
وقال الشيخُ أبو الفَرَجِ، في «المُبْهِجِ»: يَجْعَلُ ما شَرَع فيه مِن الصلاةِ الثّانِيَةِ تَمامًا للأُولَى، فيَبْنِي إحْداهما على الأُخْرَى، ويصيرُ وُجُودُ السَّلامِ كعَدَمِه؛ لأنَّه سَهْوٌ مَعْذُورٌ فيه، وسَواءٌ كان ما شَرَع فيه نَفْلًا أو فَرْضًا.
وقال الحسنُ، وحمادُ بنُ أبي سليمانَ: إنْ شَرَع في تَطَوُّعٍ بَطلَتِ المَكْتُوبَةُ.
وقال مالكٌ: أَحَبُّ إلَيَّ أن يَبْتَدِيَّها. ورُوِي عن أحمدَ، مِثْلُ قولِ الحسن، فإنَّه
قال، في روايَةِ أبي الحارِثِ، إذا صَلَّى رَكْعَتَيْن مِن المَغْرِبِ وسَلَّمَ، ثم دَخَل في التَّطَوُّعِ : إنَّه بمَنْزِلَةِ الكَلامِ، يَسْتَأنِفُ الصَّلاةَ. ولَنا، أنَّه عَمِل عَمَلًا مِن جنسِ الصلاةِ سَهْوًا، فلم تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، كما لو زاد خامِسَةً.
وأمّا إتْمامُ الأُولَى بالثّانِيَةِ فلا يَصِحُّ؛ لأنَّه قد خَرَج مِن الأُولَى بالسَّلامِ ونِيَّةِ الخُروجِ منها، ولم يَنْوِها بعدَ ذلك، ونِيَّةُ غيرِها لا تُجْزِئُ عن نِيَّتِها، كحالَةِ الابْتِداءِ.
فصل: فإن تَكَلَّمَ في هذه الحالِ، يَعْنِي إذا سَلَّمَ يَظُنُّ أنَّ صَلَاته قد تَمَّت، لغيرِ مَصْلَحَةِ الصلاةِ، كقَوْلِه: يَا غُلامُ اسْقِنِي ماءً. ونحوِه، بَطَلَت صَلاتُه. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ يُوسُفَ بن مُوسَى ، وجماعَةٍ سِواه، لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ». رَواه مسلمٌ . وعن زيدِ بنِ أرْقَمَ، قال: كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصلاةِ، يُكَلِّمُ أحَدُنا صاحِبَه وهو إلى جَنْبِه، حتَّى نَزَلَتْ:{وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}.
فأُمِرْنا بالسُّكوتِ ونُهِينا عن الكلامِ. رَواه مسلمٌ . وفيه روايةٌ ثانيةٌ، أنَّ الصَّلاةَ لا تَفْسُدُ بالكَلامِ في تلك الحالِ بحالٍ. وهو مَذْهَبُ مالكٍ، والشافعيِّ؛ لأنَّه نَوْعٌ مِن النِّسْيانِ، ولذلك تَكلَّمَ النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وأَصْحابُه، وبَنَوْا على صَلاتِهم.
٤٧٣ -
(وَإِنْ كَانَ) السَّلَامُ (سَهْوًا) لَمْ تَبْطُلْ بِهِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَعَلُوهُ، وَبَنَوْا عَلَى صَلَاتِهِمْ، لِأَنَّ جِنْسَهُ مَشْرُوعٌ فِيهَا، أَشْبَهَ الزِّيَادَةَ فِيهَا مِنْ جِنْسِهَا
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.