وَإِنْ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ يُبِيحُ الْفِطْرَ كَالسَّفَرِ وَالْمَرَضِ غَيْرِ الْمُخَوِّفِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ
الشروح عليها
مسألة: (وإن أفْطَرَ لعُذْرٍ يُبِيحُ الفِطْرَ، كالسَّفَرِ، والمَرَضِ غَيرِ المخُوفِ، فعلى وَجْهَين) إذا أفْطَرَ لمَرضٍ غيرِ مَخُوفٍ يُبِيحُ الفِطْرَ، ففيه وَجْهان، ذَكَرَهما أبو الخَطَّابِ؛ أحَدُهما، لا يَقْطَعُ التَّتابُعَ؛ لأنَّه مَرَضٌ أباحَ الفِطْرَ، أشْبَهَ المَخُوفَ.
والثَّانِي، يَقْطَعُ التَّتابُعَ؛ لأنَّه أفْطَرَ اخْتِيارًا، فانْقَطَعَ التَّتابُعُ، كما لو أفْطَرَ لغيرِ عُذْرٍ.
فإن [أفْطَرَ لسفر] مُبِيحٍ للفِطْرِ، فكلامُ أحمدَ يحْتَمِلُ الأمْرَين، وأظْهَرُهما، أنَّه لا يَنْقَطِعُ التَّتابُعُ؛ فإنَّه
قال في رِوايَةِ الأثْرَمِ: كأنَّ السَّفَرَ غيرُ المَرَضِ، وما يَنْبَغِي أن يكونَ أوْكَدَ مِن رَمضانَ. فظاهِرُ هذا أنَّه لا يَقْطَعُ التَّتابُعَ. وهذا قولُ الحسَن. ويَحْتَمِلُ أن يَنْقَطِعَ التَّتابُعُ. وهو قول مالكٍ، وأصحابِ الرَّأْي. واخْتَلَفَ أصحابُ الشافعيِّ، فمنهم مَن قال: فيه قَوْلان كالمَرَضِ. ومِنهم مَن يقولُ: يَقْطَعُ التَّتابُعَ، وَجْهًا واحِدًا، لأنَّ السَّفَرَ يحْصُلُ باخْتِيارِه، فقَطَعَ التَّتابُعَ، كما لو أفْطَرَ لغيرِ عُذْرٍ.
[والصَّحِيحُ الأوَّلُ، لأنَّه أفْطَرَ لعُذْرٍ يُبيحُ الفِطْرَ في رَمضانَ، فلم يَنْقَطِعِ التَّتابُعُ، كإفْطارِ المرْأةِ للحَيضِ، وفارَقَ الفِطْرَ لغيرِ عُذْرٍ]، فإنَّه لا يُباحُ.
فإن أكَلَ يَظُنُّ أن الفَجْرَ لم يَطْلُعْ، وكان قد طَلَعَ، أو أفْطَرَ يَظُنُّ أنَّ الشَّمْسَ قد غابَتْ، ولم تَغِبْ، أفْطَرَ. ويَتَخَرَّجُ في انْقِطاعِ التَّتابُعِ وَجْهان؛ أحدُهما، لا يَنْقَطِعُ، لأنَّه فِطْر لعُذْرٍ.
والثَّانِي، يَنقَطِعُ التَّتابُعُ، لأنَّه بفِعْلٍ أخْطأ فيه، فأشْبَهَ ما لو ظَنَّ أنَّه قد أتَمَّ الشَّهْرَين، [فبان بخِلافِه.
وإن أفْطَرَ ناسيًا لوجوبِ التَّتابُعِ، أو جاهلًا به، أو ظنًّا أنَّه قد أتَمَّ الشَّهْرَين]، انْقَطَعَ التَّتابُعُ، لأنَّه أفْطَرَ لجَهْلِه، فقَطَعَ التَّتابُعَ، كما لو ظَنَّ أن الواجِبَ شَهْرٌ واحدٌ.
وإن أُكْرِه على الأكْلِ والشُّرْبِ، بأَنْ أُوجِرَ الطَّعامَ أو الشَّرابَ، لم يُفْطِرْ.
وإن أكَلَ خَوْفًا، فقال القاضي: لا يُفْطِرُ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُفْطِرُ. فعلى ذلك، هل يَقْطَعُ التَّتابُعَ؟ فيه وَجْهانِ، أحدُهما، لا يَقْطَعُه، لأنه عُذْرٌ مُبِيحٌ للفِطْرِ، أشْبَهَ المَرَضَ.
والثَّانِي، يَقْطَعُه. وهو مذهب الشافعيِّ، لأنَّه أفْطَرَ بفِعْلِه لعُذْرٍ نادِرٍ. والأوَّلُ أوْلَى.
فصل: ويجوزُ أن يَبْتَدِئَ صَوْمَ الشَّهْرَين مِن أوَّلِ شَهْرٍ،
ومِن أثْنائِه، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ الشَّهْرَ اسْمٌ لِما بينَ الهِلالين ولثلاثين يومًا. فأيُّهما صامَ فقد أدَّى الواجِبَ،
فإن بَدَأ مِن أوَّلِ شَهْرٍ، فصامَ شَهْرَين بالأهِلَّةِ، أجْزَأه ذلك،
وإن كانا ناقِصَين، إجْماعًا. وبه قال الثَّوْرِيُّ، وأهْلُ العِراقِ، ومالكٌ في أهلِ الحِجَازِ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبَيدٍ، وغيرُهم؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال:{فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ}. وهذان شَهْران مُتَتابعانِ.
وإنْ بَدَأ مِن أثْناءِ شَهْرٍ، فصامَ سِتِّينَ يَوْمًا، أجْزَأه، بغيرِ خلافٍ أيضًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ على هذا.
فأمَّا إن صامَ شَهْرًا بالهِلَالِ، وشَهْرًا بالعَدَدِ، فصامَ خمْسَةَ عَشَرَ يومًا مِن المُحَرَّمِ، وصَفَرَ جَمِيعَه، وخمسةَ عشرَ مِن رَبِيعٍ، فإنَّه يُجْزِئُه، سواءٌ كان صَفَرُ تامًّا أو ناقِصًا؛ لأنَّ الأصْلَ اعْتِبارُ الشُّهورِ بالأهِلَّةِ، لكن تَرَكْناه في الشَّهْرِ الذي بَدَأ مِن وَسَطِه لِتَعَذُّرِه، ففي الشَّهْرِ الذي أمْكَنَ اعْتِبَارُه وَجَبَ أنْ يُعْتَبَرَ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي. ويَتَوَجَّهُ أن لا يُجْزِئَه إلَّا شَهْرانِ بالعَدَدِ؛ لأنَّنا لمَّا ضَمَمْنا إلى الخَمْسَةَ عشَرَ مِن المُحَرَّم خمْسَةَ عشَرَ مِن صَفَر، فصارَ ذلك شَهْرًا، صارَ ابْتِداءُ صومِ الشَّهْرِ الثَّانِي مِن أثْناءِ شَهْرٍ أيضًا.
وهذا قولُ الزُّهْرِيِّ.
فصل: فإن نَوَى صَوْمَ شهرِ رَمضانَ عن الكفَّارَةِ، لم يُجْزِئْه عن رَمضانَ ولا عن الكفَّارَةِ، وانْقَطَعَ التَّتابُعُ، حاضِرًا كان أو مُسافِرًا؛ لأنَّه تَخَلَّلَ صَوْمَ الكفَّارَةِ فِطْر غيرُ مَشْروعٍ.
وقال مُجاهِدٌ، وطاوُسٌ: يُجْزِئُه عنهما.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان حاضِرًا، أجْزَأه عن رَمضانَ دُونَ الكفَّارَةِ؛ لأنَّ تَعْيِينَ النِّيَّةِ غيرُ مُشْتَرَطٍ لرمضانَ،
وإن كان في سَفَرٍ، أجْزَأه عن الكفَّارَةِ دُونَ رمضانَ.
وقال صاحباه: يُجْزِئُ عن الكفَّارَةِ دُونَ رمضانَ ، حَضَرًا و سَفَرًا. ولَنا، أنَّ رمضانَ مُتَعَيِّنٌ لصَوْمِه، مُحَرَّمٌ صَوْمُه عن غيرِه، فلم يُجْزِئه عن غيرِه، كيَوْمَي العِيدَين، ولا يُجْزِئُ عن رمضانَ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«إِنَّما الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإنَّما لامْرِئٍ مَا نوَى». وهذا ما نَوَى رمضانَ، فلا يُجْزِئه، ولا فَرقَ بينَ الحَضَرِ والسَّفَرِ؛ لأنَّ الزَّمانَ مُتَعَيِّنٌ، وإنَّما جازَ فِطْرُه في السَّفَرِ رُخْصَةً،
فإذا تَكَلَّفَ وصامَ، رَجَعَ إلى الأصْلِ.
فإن سافَرَ في رَمضانَ المُتَخَلِّلِ لصَوْمِ الكفَّارَةِ وأفْطَرَ، لم يَنْقَطِعِ التَّتابُعُ؛ لأنَّه زَمَن لا يُسْتَحَقُّ صَوْمُه عن الكفَّارَةِ، فلم يَنْقَطِعِ التَّتابُعُ بفِطْرِه كاللَّيلِ.
٣٧٧٣ -
(وَإِنْ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ يُبِيحُ الْفِطْرَ كَالسَّفَرِ وَالْمَرَضِ غَيْرِ الْمُخَوِّفِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) ذَكَرَهُمَا أَبُو الْخَطَّابِ فِي الثَّانِيَةِ، أَحَدُهُمَا: لَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ كَالْمَرَضِ الْمُخَوِّفِ،
وَالثَّانِي: بَلَى كَمَا لَوْ أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ،
وَإِنْ أَفْطَرَ لَسَفَرٍ يُبِيحُ الْفِطْرَ، فَالْأَظْهَرُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ. وَقَالَهُ الْحَسَنُ ; لِأَنَّهُ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ يُبِيحُ الْفِطْرَ فِي رَمَضَانَ كَفِطْرِ الْحَائِضِ،
وَقِيلَ: بَلَى، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ ; لِأَنَّ السَّفَرَ حَصَلَ بِاخْتِيَارِهِ فَقَطَعَهُ كَمَا لَوْ أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ.
وَفِي " الرَّوْضَةِ " إِنْ أَفْطَرَ لَعُذْرٍ كَمَرَضٍ وَعِيدٍ بَنَى وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ. قِيلَ لِأَحْمَدَ: مُظَاهِرٌ أَفْطَرَ لِمَرَضٍ، يُعِيدُ؛ قَالَ: أَرْجُو أَنَّهُ فِي عُذْرٍ.
١ - فَرْعٌ: إِذَا أَكَلَ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ، وَكَانَ قَدْ طَلَعَ، أَوْ أَفْطَرَ يَظُنُّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَابَتْ، وَلَمْ تَغِبْ أَفْطَرَ.
وَفِي انْقِطَاعِ التَّتَابُعِ وَجْهَانِ.
[انْقِطَاعُ التَّتَابُعِ]
وإنْ أفْطَرَ لعُذْرٍ يُبيحُ الفِطْرَ؛ كالسَّفَرِ، والمرَضِ غيرِ المخُوفِ، فعلى وَجْهَين. وأطْلَقَهما في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «الهادِي»، و «المُغْنِي»، و «البُلْغَةِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم؛ أحدُهما، لا ينْقَطِعُ التَّتابُعُ به. وهو المذهبُ. قدَّمه في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الكافِي»، و «الفُروعِ». وجزَم به الأدَمِيُّ في «مُنْتَخَبِه»، وابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه». وإليه مَيلُ المُصَنِّفِ. وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ. قال الشَّارِحُ: لا ينْقَطِعُ التَّتابُعُ بفِطْرِه في السَّفَرِ المُبِيحِ له، على الأظْهَرِ. وأطْلَقَ الوَجْهَين في المَرَضِ. والوَجْهُ الثَّاني، يقْطَعُه. وهو ظاهِرُ كلامِه في «الوَجيزِ».
وقيل: يقْطَعُ السَّفَرُ؛ لأنَّه أنْشَأه باخْتِيارِه، ولا يقْطَعُ المرَضُ. اخْتارَه القاضي وجماعَةٌ مِن أصحابِه.
وقال القاضي: نصَّ عليه. قال الزَّرْكَشِيُّ: هو ظاهرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ.
وَإنْ أصَابَ الْمُظَاهَرَ مِنْهَا لَيلًا أوْ نَهَارًا، انْقَطَعَ التَّتَابُعُ.
وَعَنْهُ، لَا يَنْقَطِعُ بِفِعْلِهِ نَاسِيًا.
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.