فَإِنْ كَانَ عَمْدًا مَحْضًا، فَهِيَ فِي مَالِ الْجَانِي حَالَّةً
الشروح عليها
مسألة: (فَإنْ كان) القَتْلُ (عَمْدًا مَحْضًا، فهى في مالِ الجانى حَالَّةً) أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ دِيَةَ العَمْدِ تَجِبُ في مالِ القاتلِ، لا تَحْمِلُها العاقِلةُ. وهذا يَقْتَضِيه الأصْلُ، وهو أنَّ بَدَلَ المُتْلَفِ يَجِبُ على المُتْلِفِ، وأَرْشَ الجِنايةِ على الجانِى، قال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يَجْنِى جَانٍ إلَّا على نَفْسِه».
وقال لبعضِ أصْحابِه، حينَ رأى معَه ولَدَه: «ابْنُكَ هذَا؟». قال: نعم. قال:«أمَا إنَّهُ لا يَجْنِى عليك، ولا تَجْنِى عليه». ولأَنَّ مُوجَبَ الجنايةِ أَثَرُ فِعْلِ الجانى، فيجِبُ أن يَخْتَصَّ بضَرَرِها، كما يَخْتَصُّ بنَفْعِها، فإنَّه لو كَسَب كان كَسْبُه لغيرِه، وقد ثَبَت حُكمُ ذلك في سائرِ الجِناياتِ والأكْسابِ، وإنَّما خُولِفَ هذا الأصْلُ في قَتْلِ الحُرِّ المَعْذُورِ فيه، لكَثْرةِ الواجِبِ، وعَجْزِ الجانِى في الغالِبِ عن تَحَمُّلِه، مع وُجُوبِ الكَفّارَةِ عليه، وقِيامِ عُذْرِه، تَخْفِيفًا عنه ، ورِفْقًا به، والعامِدُ لا عُذْرَ له، فلا يَسْتَحِقُّ التَّخْفِيفَ، ولا يُوجَدُ فيه المعنى المُقْتَضِى للمُواساةِ في الخَطَأ.
إذا ثبَت هذا، فإنَّها تَجِبُ حالَّةً. وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: تَجِبُ في ثَلاثِ سِنِينَ؛ لأنَّها دِيَةُ آدَمِىٍّ، فكانتْ مُؤَجَّلَةً، كدِيَةِ شِبْهِ العَمْدِ. ولَنا، أنَّ ما وجَب بالعَمْدِ المَحْضِ كان حالًّا، كالقِصاصِ وأَرْشِ أطْرافِ العَبْدِ، ولا يُشْبِهُ شِبْهَ العَمْدِ؛ لأَنَّ القاتِلَ مَعْذُورٌ، لكَوْنِه لم يَقْصِدِ القَتْلَ، وإنَّما أفْضَى إليه مِن غيرِ اخْتِيارٍ منه، فأشْبَهَ الخَطَأ، ولهذا تَحْمِلُه العاقِلَةُ، ولأَنَّ القَصْدَ التَّخْفِيفُ عن العاقلةِ الذين لم يَصْدُرْ منهم جِنايةٌ، وحَمَلُوا أداءَ مالٍ مُواساةً، فَلاقَ بحالِهم التَّخْفِيفُ عنهم، وهذا مَوْجُودٌ في الخَطَأ وشِبْهِ العَمْدِ على السَّواءِ،
وأمَّا العَمْدُ، فإنَّما يَحْمِلُه الجانِى في غيرِ حالِ العُذْرِ، نرَجَبَ أن [يكونَ مُلْحَقًا ببَدَلِ] سائرِ المُتْلَفاتِ، ويُتَصَوَّرُ الخِلافُ معه، فيما إذا قَتَلَ ابْنَه، أو قَتَلَ أجْنَبِيًّا، وتَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ القِصاصِ لعَفْوِ بعْضِهم، أو غيرِ ذلك.
٤١٧٢ -
(فَإِنْ كَانَ عَمْدًا مَحْضًا، فَهِيَ فِي مَالِ الْجَانِي) بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ بَدَلَ الْمُتْلَفِ يَجِبُ عَلَى الْمُتْلِفِ، وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَى الْجَانِي، وَلِأَنَّ الْعَامِدَ لَا عُذْرَ لَهُ، فَلَا يَسْتَحِقُّ التَّخْفِيفَ، وَلَا يُوجَدُ فِيهِ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلْمُوَاسَاةِ فِي الْخَطَأِ (حَالَّةً) لِأَنَّ مَا وَجَبَ بِالْعَمْدِ الْمَحْضِ كَانَ حَالًّا كَأَرْشِ أَطْرَافِ الْعَبْدِ وَدِيَةِ شِبْهِ الْعَامِدِ، وَدِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ الْقَاتِلُ فِيهَا مَعْذُورٌ لِكَوْنِهِ لَمْ يَقْصِدِ الْقَتْلَ
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.