وَإِنْ كَانَ شِبْهَ عَمْدٍ أَوْ خَطَأً، أَوْ مَا أُجْرِيَ مَجْرَاهُ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ
الشروح عليها
مسألة: (وإن كان شِبْهَ عَمْدٍ، أو خَطَأً، أو ما جَرَى مَجْراهُ، فعلى عاقِلَتِه) دِيَة شِبْهِ العَمْدِ على العاقلةِ، في ظاهرِ المذهبِ. وبه قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحَكَمُ، والشافعىُّ، والثَّوْرِىُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال ابنُ سِيرِينَ، والزُّهْرىُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، وقَتادةُ، وأبو ثَوْرٍ: هى على القاتِلِ في مالِه. واخْتارَه أبو بكرٍ عبدُ العَزيزِ؛ لأنَّها مُوحبُ فِعْلٍ قَصَدَه، فلم تَحْمِلْه العاقِلَةُ، كالعَمْدِ المَحْضِ، ولأنَّها دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ، فأشْبَهَتْ دِيةَ العَمْدِ. وهكذا يجبُ أن يكونَ مذهبُ مالكٍ؛ لأَنَّ شِبْهَ العَمْدِ عندَه مِن بابِ العَمْدِ. ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: اقْتَتَلَتِ امْرأتانِ مِن هُذَيْلٍ، فرَمَتْ إحْداهُما الأُخرَى بحَجَرٍ، فقَتَلَتْها وما في بَطْنِها، فقَضَى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بدِيَةِ المرأةِ على عاقِلَتِها.
مُتَّفَقٌ عليه . ولأنَّه نَوْعُ قَتْلٍ لا يُوجِبُ قِصاصًا، فوَجَبَتْ دِيَتُه على العاقِلَةِ، كالخَطَأُ، ويُخالِفُ العَمْدَ المَحْضَ ؛ لأنَّه يُغَلَّظُ مِن كلِّ وَجْهٍ، لقَصْدِه الفِعْلَ، وإرادَتِه القَتْلَ، وعَمْدُ الخَطَأُ يُغلَّظُ مِن وَجْهٍ، وهو قَصْدُه الفِعْلَ، [ويُخَفَّفُ] مِن وَجْهٍ، وهو كَوْنُه لم يُرِدِ القَتْلَ، فاقْتَضَى تَغْلِيظَها مِن وَجْهٍ وهو الأسْنانُ، وتَخْفِيفَها مِن وَجْهٍ وهو حَمْلُ العاقِلَةِ لها وتَأْجِيلُها. ولا نعلمُ في أنَّها تَجِبُ مُؤجَّلَةً خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ. ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعَلىٍّ، وابنِ عَبَّاسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وبه قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادةُ، وأبو هاشمٍ، وعُبَيْدُ اللَّه بِنُ عمرَ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقد حُكِى عن قَوْم مِن الخَوارِجِ، أنَّهم قالوا: الدِّيَةُ حالَّةٌ؛ لأنَّها بَدَلُ مُتْلَفٍ. ولم يُنْقَلْ إلينا ذلك عمَّن يُعَدُّ خِلافُه خِلافًا. وتُخالِفُ الدِّيَةُ سائرَ المُتْلَفاتِ؛ لأنَّها تَجِبُ على غيرِ الجانِى على سبيلِ المُواساةِ له، فاقْتَضَتِ الحِكْمَةُ تَخْفِيفَها عليهم، وقد رُوِى عن عمرَ، وعلىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّهما قَضَيا بالدِّيَةِ على العاقِلَةِ في ثلاثِ سِنِينَ .
ولا مُخالِفَ لهما في عَصْرِهما، فكان إجْماعًا.
وأمَّا دِيَةُ الخَطَأَ، فلا نَعْلَمُ خِلافًا في أنَّها على العاقِلَةِ. قال ابنُ المُنْذِرِ : أجْمَعَ على هذا كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه بِن أهلِ العلمِ، وقد ثَبَتَتِ الأخْبارُ عن رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قَضَى بدِيَةِ الخَطأُ على العاقِلَةِ، وأَجْمَعَ أهْلُ العلمِ على القولِ به. ولأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَعَلَ دِيَةَ عَمْدِ الخَطأُ على العاقِلَةِ، بما قد رَوَينا من الحدِيثِ، وفيه
تَنْبِيهٌ على أنَّ العاقِلَةَ تَحْمِلُ دِيَةَ الخَطَأُ. والحِكْمَةُ في ذلك أنَّ جِناياتِ الخَطأَ تَكْثُرُ، ودِيةَ الآدَمِىِّ كثيرةٌ، فإيجابُها على الجانِى في مالِه يُجْحِفُ به، فاقْتَضَتِ الحِكْمَةُ إيجابَها على العاقِلَةِ، على سبيلِ المُواساةِ للقاتلِ، والإعانةِ له، تَخْفِيفًا عنه، إذ كان مَعْذُورًا في فِعْلِه.
فصل: فأمَّا الكَفَّارةُ، ففى مالِ القاتلِ لا يَدْخُلُها تَحَمُّلٌ.
وقال أصْحابُ الشافعىِّ: تكونُ في بَيْتِ المالِ، في أحدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّها تَكْثرُ، فإيجابُها عليه يُجْحِفُ به. ولَنا، أنَّها كَفَّارة، فاخْتَصَّتْ بمَن وُجِدَ منه سَبَبُها، كسائِرِ الكَفَّاراتِ، وكما لو كانت صَوْمًا. ولأَنَّ الكَفَّارةَ شُرِعَتْ للتَّكْفِيرِ عن الجانِى، ولا يُكَفَّرُ عنه بفِعْلِ غيرِه، وتُفارِقُ الدِّيَةَ، فإنَّها إنَّما شُرِعَتْ لجَبْرِ المَحَلِّ، وذلك يحْصُلُ بها كيْفما كان. ولأَنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمَّا قَضَى بالدِّيَةِ على العاقِلَةِ، لم يُكَفِّرْ عن القاتِلَةِ . وما ذكَرُوه لا أصْلَ له،
ولا يَصِحُّ قِياسُه على الدِّيَةِ لوُجُوهٍ؛ أحدُها، أنَّ الدِّيَةَ لم تجبْ في بيتِ المالِ، إنَّما وجَبَتْ على العاقِلَةِ،
ولا يَجُوزُ أن يَثْبُتَ حُكْمُ الفَرْعِ مُخالِفًا لحُكْمِ الأَصْلِ. الثانى، أنَّ الدِّيَةَ كثيرةٌ، فإيجابُها على القاتل يُجْحِفُ به، والكَفَّارةُ بخِلافِها. الثالثُ، أنَّ الدِّيَةَ وجَبَتْ مُواساةً للقاتلِ، وجُعِلَ حَظُّ القاتلِ مِن الواجِبِ الكَفَّارةَ، فإيجابُها على غيرِه يقْطَعُ المُواساةَ، ويُوجِبُ على غيرِ الجانِى أكْثَرَ ممَّا وجَبَ عليه، وهذا لا يجوزُ.
فصل: ولا يَلْزَمُ القاتِلَ شئٌ مِن دِيَةِ الخَطَأْ. وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: هو كواحدٍ مِن العاقِلَةِ؛ لأنَّها وجَبَتْ عليهم إعانةً له، فلا يَزِيدُونَ عليه فيها. ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَضَى بدِيَةِ المرأةِ على عاقِلَتِها. مُتَّفقٌ عليه . وهذا يَقْتَضِى أنَّه قَضَى عليهم بجمِيعِها، ولأنَّه قاتِلٌ لم تَلْزَمْه الدِّيَةُ، فلم يَلْزَمْه بعْضُها، كما لو أمَرَه الإِمامُ بقَتْلِ رَجُلٍ، فقَتَلَه يَعْتَقِدُ أنَّه بحَقٍّ، فبان مَظْلُومًا. ولأَنَّ الكَفَّارةَ تَلْزَمُ القاتِلَ في مالِه، وذلك يَعْدِلُ قِسْطَه مِن الدِّيَةِ وأكثرَ منه، فلا حاجَةَ إلى إيجابِ شئٍ مِن الدِّيَةِ عليه.
٤١٧٣ -
(وَإِنْ كَانَ شِبْهَ عَمْدٍ) فَعَلَى عَاقِلَتِهِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ:«اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ قَتْلٍ لَا يُوجِبُ قِصَاصًا فَأَوْجَبَ الدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ كَالْخَطَأِ، فَعَلَى هَذَا تَجِبُ مُؤَجَّلَةً بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي عَصْرِهِمَا، وَلِأَنَّ الدِّيَةَ تُخَالِفُ سَائِرَ الْمُتْلَفَاتِ ;
لِأَنَّهَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْجَانِي عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ فَاقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ تَخْفِيفَهَا عَنْهُمْ،
وَقَالَ جَمَاعَةٌ: هِيَ عَلَى الْقَاتِلِ فِي مَالِهِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ ; لِأَنَّ شِبْهَ الْعَمْدِ كَالْعَمْدِ (أَوْ خَطَأً، أَوْ مَا أُجْرِيَ مَجْرَاهُ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِذِ الْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ جِنَايَاتِ الْخَطَأِ تَكْثُرُ، وَدِيَةُ الْآدَمِيِّ كَثِيرَةٌ، فَإِيجَابُهَا عَلَى الْجَانِي فِي مَالِهِ تُجْحِفُ بِهِ، فَاقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ إِيجَابَهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ لِلْقَاتِلِ، وَالْإِعَانَةِ لَهُ تَخْفِيفًا ; لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي فِعْلِهِ، فَعَلَى هَذَا لَا يُلْزَمُ الْقَاتِلُ شَيْئًا مِنْ دِيَةِ الْخَطَأِ، لَا أَنَّهُ وَاحِدٌ مِنَ الْعَاقِلَةِ، وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ يُعْطَى حُكْمَهُ كَالْخَطَأِ
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.