وَخَمْسٌ فِيهَا مُقَدَّرٌ أَوَّلُهَا الْمُوَضِّحَةُ الَّتِي تُوَضِّحُ الْعَظْمَ، أَيْ: تُبْرِزُهُ وَفِيهَا خَمْسَةُ أَبْعِرَةٍ
الشروح عليها
فصل: قال الشَّيْخُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: (وخَمْسٌ فيها مُقَدَّرٌ، أوَّلُها، المُوضِحَةُ) وهى (التى تُوضِحُ العَظْمَ، أى تُبْرِزُه) والوَضَحُ البَيَاضُ، يَعْنِى أنَّها أبدَتْ وَضَحَ العَظْمِ، أىْ بَياضَه. وأجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ أرشَها مُقَدَّرٌ. قالَه ابنُ المُنْذِرِ . وفى كتابِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لعَمْرِو بنِ حَزْمٍ:«وَفِى المُوضِحَةِ خَمْسٌ مِن الإِبِلِ». ورَوَى عمرُو بنُ شُعَيْبٍ عن أبِيه عن جَدِّه، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال:«في المَوَاضِحِ خَمْسٌ خَمْسٌ». رواه أبو داودَ، والنَّسَائِىُّ، والتِّرْمِذِىُّ ،
وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وإنَّما يجِبُ ذلك في مُوضِحَةِ الحُرِّ،
فأمَّا مُوضِحَةُ العَبْدِ فقد ذكَرْنا الخِلافَ فيها. ومُوضِحَةُ المَرْأةِ كمُوضِحَةِ الرَّجُلِ، فيما يَجِبُ فيها عندَ أحمدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ؛ لأن المرأةَ تُساوِى جِراحُها جِراحَ الرَّجُلِ إلى ثُلُثِ الدِّيَةِ. وعندَ الشَّافعىِّ أنَّ مُوضِحَةَ المرأةِ إنَّما يَجِبُ فيها نِصْفُ ما وجَبَ في مُوضِحَةِ الرَّجلِ، بِناءً على مذْهَبِه في أنَّ جِراحَ المَرْأةِ على النِّصْفِ مِن جِراحِ الرَّجُلِ في القَلِيلِ والكَثِيرِ. والحديثُ الذى ذكرْناه حُجَّةٌ عليه، وفيه كِفايَة. وأكثرُ أهلِ العلمِ على أنَّ المُوضِحَةَ في الرَّأْسِ والوَجْهِ سَواءٌ.
وهو ظاهِرُ المَذْهَبِ. رُوِى ذلك عن أبى بكْرٍ، وعمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما. وبه قال شُرَيْحٌ، ومَكْحُولٌ، [والشَّعْبِىُّ]، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، ورَبِيعَةُ، وأبو حَنِيفةَ، والشَّافعىُّ، وإسْحاقُ. (وعن أحمدَ أنَّ في مُوضِحَةِ الوَجْهِ عَشَرَةَ أبعِرَةٍ) رُوِى ذلك عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ؛ لأَنَّ شَيْنَها أكْثَرُ، ومُوضِحَةُ الرَّأْسِ يسْتُرُها الشَّعَرُ والعِمامَةُ.
وقال مالكٌ: إذا كانت في أنْفٍ أو في اللَّحْىِ الأسْفَلِ، ففيها حُكومةٌ؛ لأنَّها تَبْعُدُ عن الدِّماغِ، فأَشْبَهَتْ مُوضِحَةَ سائرِ البَدَنِ. ولَنا، عُمُومُ الأحاديثِ، وقولُ أبى بكرٍ وعمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما: المُوضِحَةُ في الرَّأْسِ والوَجْهِ سَوَاءٌ . ولأنَّها مُوضِحَةٌ، فكانَ أرْشُها خَمْسًا من الإِبلِ، كغَيرِها ممَّا سَلَّمُوه، ولا عِبْرَةَ بكَثْرَةِ الشَّيْنِ، بدليلِ التَّسْوِيَةِ بينَ الكَبيرَةِ والصَّغِيرَةِ. [وما ذَكَرَه مالِكٌ] لا يَصِحُّ،
فإنَّ المُوضِحَةَ في الصَّدْرِ أكثرُ ضَرَرًا، وأقْرَبُ إلى القَلْبِ، ولا مُقَدَّرَ فيها, ولأَنَّ ما قالَه مُخالِفٌ لظاهِرِ النَّصِّ. وقد رُوِى عن أحمدَ أنَّه قال: مُوضِحَةُ الوَجْهِ أحْرَى أَنْ يُزادَ في دِيَتها. وليس مَعْنَى هذا أنَّه يَجبُ فيها أكْثَرُ، إنَّما مَعْناه، واللَّهُ أعلمُ، أنَّها أوْلَى بإِيجابِ الدِّيَةِ، فإنَّها إذا وجَبَتْ في مُوضحَةِ الرَّأْسِ، مع قِلَّةِ شَيْنها واسْتِتَارِها بالشَّعَرِ وغِطاءِ الرَّأْسِ، خَمْسٌ مِن الإِبِلِ، فلَأنْ يَجِبَ ذلك في الوَجْهِ الظاهِرِ الذى هو مَجْمَعُ المَحاسِنِ وعُنوانُ الجَمالِ أوْلى.
وحَمْلُ كلام أحمدَ على هذا أوْلَى مِن حَمْلِه على ما يُخالِفُ الخَبَرَ والأَثَرَ وقَوْلَ أكْثَرِ أَهْلِ العلمِ، بغيرِ تَوْقِيفٍ ولا قِياسٍ صَحِيحٍ.
فصل: ويَجِبُ أَرْشُ المُوضِحَةِ في الصَّغيرةِ والكبيرةِ، والبارِزَةِ والمسْتُورةِ بالشَّعَرِ؛ لأَنَّ اسْمَ المُوضِحَةِ يَشْمَلُ الجَمِيعَ. وحَدُّ المُوضِحَةِ ما أفْضَى إلى العَظْمِ ولو بقدرِ إبْرةٍ. ذكَره ابنُ القاسِمِ، والقاضى.
فصل: وليس في مُوضِحَةِ غيرِ الرَّأْسِ والوَجْهِ مُقَدَّرٌ، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم إمامُنا، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ : ولا تَكُونُ في البَدَنِ مُوضِحَةٌ. يَعْنِى ليس فها مُقَدَّرٌ.
[وقال]: على ذلك جَماعةُ العُلَماءِ إلَّا اللَّيْثَ بنَ سَعْدٍ، قال: المُوضِحَةُ تَكُونُ في الجَسَدِ أيضًا.
وقال الأوْزاعِىُّ في جِراحَةِ الجَسَدِ: على النِّصْفِ من جِراحةِ الرَّأْسِ. وحُكِىَ نحوُ ذلك عن عَطاءٍ الخُرَاسانِىِّ،
قال: في المُوضِحَةِ في سائرِ الجَسَدِ خَمْسَةٌ وعِشْرون دِينارًا. ولَنا، أنَّ اسْمَ المُوضِحَةِ إنَّما يُطْلَقُ على الجِراحَةِ المَخْصُوصَةِ في الوَجْهِ والرَّأسِ، وقَوْلُ الخَلِيفَتَيْن الرَّاشِدَيْن: المُوضِحَةُ في الرَّأْسِ والوجهِ سواءٌ. يَدُلُّ على أنَّ باقِىَ الجسدِ بخلافِه، ولأَنَّ الشَّيْنَ فيما في الرَّأْسِ والوجهِ أكثرُ وأخْطَرُ ممَّا في سائِرِ البَدَنِ، فلا يَلْحَقُ به، ثُمَّ إيجابُ ذلك في سائِرِ البَدَنِ يُفْضِى إلى أَنْ يَجِبَ في مُوضِحَةِ العُضْوِ أكثرُ من دِيَتِه، مثلَ أن يُوضِحَ أُنْمُلَةً دِيَتُها ثلاثةٌ وثُلُثٌ، ودِيَةُ المُوضِحَةِ خَمْسٌ.
وأمَّا قولُ الأَوْزاعِىِّ وعَطاء الخُرَاسانِىِّ، فتَحَكُّمٌ لا نَصَّ فيه، ولا يَقْتَضِيه القِياسُ، فيَجِبُ اطِّرَاحُه.
٤٣٠٩ -
(وَخَمْسٌ فِيهَا مُقَدَّرٌ) مِنَ الشَّرْعِ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ (أَوَّلُهَا الْمُوَضِّحَةُ) وَالْجَمْعُ الْمَوَاضِحُ (الَّتِي تُوَضِّحُ الْعَظْمَ، أَيْ: تُبْرِزُهُ) وَلَوْ بِقَدْرِ إِبْرَةٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَالْقَاضِي، وَالْوَضِحُ: الْبَيَاضُ، يَعْنِي: أَنَّهَا أَبْدَتْ وَضَحَ الْعَظْمِ، أَيْ: بَيَاضَهُ (وَفِيهَا خَمْسَةُ أَبْعِرَةٍ) أَيْ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أَرْشَهَا مُقَدَّرٌ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ،
وَفِي كِتَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ:«وَفِي الْمُوَضِّحَةِ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، مَرْفُوعًا، قَالَ:«وَفِي الْمَوَاضِحِ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ،
وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ،
وَقَالَ غَيْرُهُ: إِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ مُوَضِّحَةُ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّ مُوَضِّحَةَ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ سَوَاءٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِلْعُمُومِ، وَيَشْمَلُ: الصَّغِيرَةَ وَالْكَبِيرَةَ، وَالْبَارِزَةَ وَالْمُسْتَتِرَةَ بِالشَّعْرِ ; لِأَنَّ اسْمَ الْمُوَضِّحَةِ يَشْمَلُ الْجَمِيعَ
وخَمسٌ فيها مُقَدَّرٌ؛ أوَّلُها، المُوضِحَةُ التى تُوضِحُ العَظْمَ، أىْ تُبْرِزُه.
وَعَنْهُ، فى مُوضِحَةِ الْوَجْهِ عَشَرَةٌ. وَالأَوَّلُ الْمَذْهَبُ.
ففيها خَمْسَةُ أبْعِرَةٍ -هذا المذهبُ مُطْلَقًا، وعليه الأصحابُ-
وعنه، فى مُوضِحَةِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الوَجْهِ عَشَرَةٌ. نقَلَها حَنْبَلٌ. واخْتارَها الزَّرْكَشِىُّ. وأولَها المُصنِّفُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: يجبُ أَرْشُ المُوضِحَةِ فى الصَّغِيرَةِ والكَبيرَةِ، والبارِزَةِ والمَسْتُورَةِ بالشَّعَرِ. وحَدُّ المُوضِحَةِ، ما أَفْضَى إلى العَظْمِ،
ولو بقَدْرِ إبْرَةٍ. ذكَرَه ابنُ القاسِمِ، والقاضى. واقْتَصَرَ عليه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
وقال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى»: المُوضِحَةُ ما كشَف عَظْمَ رَأْسٍ أو وَجْهٍ أو غيرِهما.
وقيل: ولو بقَدْرِ رَأْس إبْرَةٍ. انتهى.
فَإِنْ عَمَّتِ الرَّأْسَ وَنَزَلَتْ إِلَى الْوَجْهِ، فَهَلْ هِىَ مُوضِحَةٌ أَوْ مُوضِحَتَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
فصل [في الشجاج المقدرة] قال المصنف رحمه الله: (وخمس فيها مقدر. أولها: الموضحة التي توضح العظم أي تبرزه ففيها خمسة أبعرة. وعنه: في موضحة الوجه عشرة. والأول المذهب) .
أما كون الخمس من الشجاج فيها مقدر؛ فلأن التقدير من الشرع، وقد ورد في الخمس الآتي بيانها في مواضعها .
وأما معنى الموضحة فكما ذكر المصنف رحمه الله. وسميت بذلك لأنها أوضحت وَضَح العظم وهو بياضه.
وأما كون موضحة الرأس فيها خمس أبعرة؛ فلأن في كتاب عمرو بن حزم:«في الموضِحَةِ خمسٌ من الإبل».
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: «في الموضِحَةِ خمسٌ خمس» . رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن.
وأما كون موضحة الوجه فيها خمسة أبعرة أيضاً على المذهب؛ فلشمول ما تقدم لها .
وأما كونها فيها عشرة على روايةٍ؛ فلأن شينها أكثر؛ لأن موضحة الرأس يسترها الشعر والعمامة.
والأولى أصح؛ لما تقدم.
ولأن ذلك قول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
ولأن موضحة الوجه موضحة. فكان أرشها خمسة أبعرة؛ كغيرها.
وأما كثرة الشين لا عبرة به بدليل التسوية بين الصغيرة والكبيرة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.