وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ وَلَا يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ حَاكِمِهِمْ إِلَّا مَا يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ غَيْرِهِ
الشروح عليها
مسألة: (وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ) لأنَّهم أخْطَأُوا في
[فرعٍ مِن] فُروعِ الإِسْلامِ باجْتِهادِهم، فأشْبَهَ المُجْتَهِدينَ مِن الفُقَهاءِ في الأحْكامِ،
وإذا لم يكُونوا مِن أهلِ البِدَعِ، قُبِلَتْ شَهادَتُهم، كأهلِ العَدْلِ. وهو قولُ الشافعيِّ، ولا نعلمُ فيه خِلافًا.
٤٥٧٢ - مسألة: (ولا يُنْقَضُ مِن حُكْمِ حَاكمِهمْ، إلَّا مَا يُنْقَضُ مِن حُكْمِ غيرِه) إذا نَصَب أهْلُ البَغْي قاضِيًا يَصْلُحُ للقَضاءِ، فهو كقاضِي أهْلِ العَدْلِ، (يَنْفُذُ مِن أحْكامِه ما يَنْفُذُ مِن أحكامِ قاضِي أهْلِ العَدْلِ) ، ويُرَدُّ منه ما يُرَدُّ.
فإن كان ممَّن يَسْتَحِلُّ دِماءَ أهلِ العَدْلِ وأمْوالهم، لم يَجُزْ قَضاؤُه، لأنَّه ليس بعَدْلٍ. وهذا قولُ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ قَضاؤُه بحالٍ، لأنَّ أهْلَ البَغْي يُفَسَّقُونَ بِبَغْيِهم، والفِسْقُ يُنافِي القَضاءَ. ولَنا، أنَّه اخْتِلافٌ في الفُروعِ بتَأْويلٍ سائغٍ، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ القَضاءِ، ولم يُفَسَّقْ به، كاخْتِلافِ الفقَهاءِ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه إذا حَكَم بما لا يُخالِفُ نَصًّا ولا إجْماعًا، نَفَذ حُكْمُه،
وإن خالفَ ذلك، نُقِضَ حُكْمُه، كقاضي أهْلِ العَدْلِ.
فإن حَكَم بسُقُوطِ الضَّمانِ على أهْلِ البَغْي فيما أتْلَفُوه حال الحَرْبِ، جازَ حُكْمُه؛ لأنَّه مَوْضِعُ اجْتِهادٍ.
وإن كان حُكْمُه فيما أتْلَفُوه قبلَ قيامِ الحَرْبِ، لم يَنْفُذْ؛ لأنَّه مُخالِفٌ للإِجْماعِ.
وإن حَكَم على أهْلِ العَدْلِ بوُجُوبِ الضَّمانِ فيما أتْلَفُوه حال الحَرْبِ، لم يَنْفُذْ حُكْمُهُ؛ لمخَالفَتِه الإِجْماعَ.
وإن حَكَم بوُجُوبِ ضَمانِ ما أتْلَفُوه في غيرِ حالِ الحربِ، نَفَذ حُكْمُه.
وإن كَتَب قاضِيهِم إلى قاضِي أهْلِ العَدْلِ، جازَ قَبُولُ كتابِه؛ لأنَّه قاضٍ ثابِتُ القَضايا، نافِذُ الأحْكامِ. والأوْلَى أنَّه لا يَقْبَلُه، كَسْرًا لقُلُوبِهم.
وقال أصحابُ الرَّأْي: لا يجوزُ. وقد سَبَق الكَلامُ في هذا.
فأمَّا الخَوارِجُ إذا وَلَّوا قَاضِيًا، لم يَجُزْ قَضاوه؛ لأنَّ أقَلَّ أحْوالِهم الفِسْقُ، وهو يَمْنَعُ القَضاءَ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ قَضاؤُه، وتَنْفُذ أحْكامُه؛ لأنَّ هذا ممَّا يَتَطاوَلُ،
وفي القَضاءِ بفَسادِ قَضاياه وعقودِه الأنْكِحَةَ وغيرَها ضَرَرٌ كثيرٌ، فجازَ دَفْعًا للضَّرَرِ، كما لو أقامَ الحُدُود، وأخَذَ الجِزْيَةَ والخَراجَ والزَّكاةَ.
فصل: وإنِ ارْتَكَبَ أهْلُ البَغْي في حالِ امْتِناعِهم ما يُوجِبُ الحَدَّ، ثم قُدِرَ عليهم، أُقِيمَتْ فيهم حُدُودُ الله تعالى، ولا تَسْقُطُ باخْتِلافِ الدَّارِ. وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا امْتَنَعُوا بدَارٍ، لم يَجِبِ الحَدُّ على أحَدٍ منهم، ولا على مَن تاجَرَ أو أُسِرَ؛ لأنَّهم خارِجُون عن دارِ الإِمامِ، فأشْبَهُوا مَن في دارِ الحَرْبِ. ولَنا، عمُومُ الآياتِ والأخْبارِ؛ ولأنَّ كَلَّ مَوْضِع تَجِبُ فيه العِبادَاتُ في أوقاتِها، تجبُ الحُدُودُ فيه عندَ وُجُودِ أسْبابِها، كدارِ أهلِ العَدْلِ؛ ولأنَّه زَانٍ أو سارِقٌ، ولا شُبْهَةَ في زِنَاهُ وسَرِقَتِه، فوَجَبَ عليه الحَدُّ، كالذي في دارِ العَدْلِ. وهكذا نقولُ في مَن أتَى حَدًّا في دارِ الحَرْبِ، فإنَّه يجبُ عليه، لكنْ لا يُقامُ إلَّا في دارِ الإسْلامِ، على ما ذَكَرْناه في مَوْضِعِه. ٤٥٧٣ -
(وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ) لِأَنَّهُمْ أَخْطَئُوا فِي
فَرْعٍ مِنْ فُرُوعِ الْإِسْلَامِ بِاجْتِهَادِهِمْ، أَشْبَهَ الْمُخْتَلِفِينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ فِي الْأَحْكَامِ،
وَإِذَا لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ كَأَهْلِ الْعَدْلِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ، وَيُؤْخَذُ عَنْهُمُ الْعِلْمُ مَا لَمْ يَكُونُوا دُعَاةً. انْتَهَى.
فَأَمَّا الْخَوَارِجُ، وَأَهْلُ الْبِدَعِ إِذَا خَرَجُوا عَلَى الْإِمَامِ فَلَا تُقْبَلُ لَهُمْ شَهَادَةٌ، لِأَنَّهُمْ فُسَّاقٌ (وَلَا يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ حَاكِمِهِمْ إِلَّا مَا يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ غَيْرِهِ) لِأَنَّ نَفْيَهُمْ فِي أَمْرٍ يُسَوَّغُ فِيهِ التَّأْوِيلُ، أَشْبَهَ الِاخْتِلَافَ فِي الْفُرُوعِ، فَعَلَى هَذَا: إِنْ خَالَفَ حُكْمُ حَاكِمِهِمْ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا، أَوْ كَانَ مِمَّنْ يَسْتَحِلُّ دِمَاءَ أَهْلِ الْعَدْلِ وَأَمْوَالَهُمْ نُقِضَ حُكْمُهُ.
فَرْعٌ: إِذَا كَتَبَ قَاضِيهِمْ إِلَى قَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ جَازَ قَبُولُ كِتَابِهِ، لِأَنَّهُ قَاضٍ ثَابِتُ الْقَضَاءِ،
وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَ " التَّرْغِيبِ ": الْأَوْلَى رَدُّ كِتَابِهِ قَبْلَ حُكْمِهِ كَسْرًا لِقُلُوبِهِمْ،
فَأَمَّا الْخَوَارِجُ إِذَا وَلَّوْا قَاضِيًا لَمْ يَجُزْ قَضَاؤُهُ لِلْفِسْقِ،
وَفِي " الْمُغَنِي "، وَ " الشَّرْحِ " احْتِمَالٌ: يَصِحُّ قَضَاؤُهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ، كَمَا لَوْ أَقَامَ الْحَدَّ، أَوْ أَخَذَ جِزْيَتَهُ وَخَرَاجًا وَزَكَاةً.
[اسْتِعَانَةُ أَهْلِ الْبَغْيِ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ]
وتجوزُ شَهادَتُهم، ولا يُنْقَضُ مِن حُكْمِ حاكِمِهم إلا ما يُنْقَضُ مِن حُكْمِ غيرِه. هذا المذهبُ فيهما. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به في «الهِدايَةِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الوَجيزِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقال ابنُ عَقِيل: تُقْبَلُ شَهادَتُهم، ويُؤخَذُ عنهم العِلْمُ، ما لم يكُونُوا دُعاةً. ذكَرَه أبو بَكْر. وذكَر في «المُغْنِي»، و «التَّرْغِيب»، و «الشَّرْحِ»، أن الأولَى ردُّ كِتابِه قبلَ الحُكْم به. وذكَر الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ، أنّ ابنَ عَقِيلٍ وغيرَه فسَّقوا البُغاةَ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . .
فائدة: لو وَلَّى الخوارِجُ قاضِيًا، لم يَجُزْ قَضاؤُه عندَ الأصحابِ.
وفي «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، احْتِمال بصِحَّةِ قَضاءِ الخارِجِيِّ، دَفْعًا للضَرَرِ، لو أقامَ الحدَّ، أو أخَذ جِزْيَةً وخَراجًا وزَكاةً.
وَإنِ اسْتَعَانُوا بِأهْلِ الذِّمَّةِ، فَأعَانُوهُمْ، انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ، إلا أنْ يَدَّعُوا أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيهِمْ مَعُونَةُ مَنِ اسْتَعَانَ بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَلَا يَنْتَقِضُ عَهْدُهُمْ.
قال: (وإن استعانوا بأهل الذمة فأعانوهم انتقض عهدهم إلا أن يدعوا أنهم ظنوا أنه يجب عليهم معونة من استعان بهم من المسلمين ونحو ذلك فلا ينتقض عهدهم، ويغرمون ما أتلفوه من نفس ومال) .
أما كون عهد أهل الذمة ينتقض إذا أعانوا أهل البغي إذا لم يدعوا أنهم ظنوا أنهم يجب عليهم معونة من استعان بهم من المسلمين ونحو ذلك؛ فلأن أهل الذمة لو قاتلوا منفردين انتقض عهدهم. فكذلك إذا قاتلوا مع أهل البغي.
وأما كونه لا ينتقض إذا ظنوا أنهم يجب عليهم معونة من ذكر؛ فلأن ذلك شبهة فيدرأ به قتلهم المستحق بالانتقاض.
وأما كون أهل الذمة يغرمون ما أتلفوه لأهل العدل فيما ذكر؛ فلأن مقتضى الدليل وجوب الضمان. ترك العمل به في حق أهل البغي خوفاً من تنفيرهم، وتنفير أهل الذمة لا أثر له؛ لأن أهل البغي لهم قوة.
بخلاف أهل الذمة فلا يصح إلحاقهم بهم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.