وَإِنْ زَجَرَهُ، فَقَالَ: تَنَحَّ، أَوِ اسْكُتْ، حَنِثَ
الشروح عليها
(فإن زَجَرَه، فقال: تَنَحَّ، أو: اسْكُتْ. حَنِثَ) لأنَّه كَلَّمه.
وقال أصحابُ أبي حنيفةَ: لا يَحْنَثُ بالقَليلِ؛ لأنَّ هذا تَمامُ الكلامِ الأوَّلِ، والذي يَقْتَضِيه يَمِينُه أن لا يُكَلِّمَه كَلامًا مُسْتَأْنَفًا. ولَنا، أنَّ هذا القليلَ كَلامٌ منه له حَقِيقَةً، وقد وُجِدَ بعدَ يَمِينِه، فيَحْنَثُ به, كما لو فَصَله، ولأنَّ ما يَحْنَثُ به إذا فَصَلَه، [يَحْنَثُ به إذا وَصَلَه]، كالكثيرِ . وقِوْلُهم: إنَّ اليَمِينَ تَقْتَضِي خِطابًا مُسْتَأْنَفًا. قُلْنا: هذا الخِطابُ مُسْتَأْنَفٌ، وهو غيرُ الأوَّلِ، بدَليلِ أنَّه لو قَطَعه حَنِث به. قال شيخُنا : وقياسُ المذهبِ أنَّه لا يَحْنَثُ؛
لأنَّ قَرِينَةَ صِلَتِه هذا الكلامَ بيَمِينِه، تدُلُّ على إرادَةِ كلام يَسْتَأْنِفُه بعدَ انْقِضاءِ هذا الكلامِ المُتَّصِلِ، فلا يَحْنَثُ, كما لو وُجِدَتِ النِّيَّةُ حَقِيقَةً.
وإن نَوَى كلامًا غيرَ هذا، لم يَحْنَثْ بهذا في المَذْهَبَين.
فصل: فإن صَلَّى بالمَحْلوفِ إمامًا، ثم سَلَّم من الصلاةِ، لم يَحْنَثْ. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: يَحْنَثُ؛ لأنَّه شُرِعَ له أن يَنْويَ السَّلامَ على الحاضِرِين. ولَنا، أنَّه قَوْلٌ مَشْرُوعٌ في الصلاةِ، فلم يَحْنَث به، كتَكْبِيرِها، وليست نِيَّةُ الحاضِرِين بسَلامِه واجِبَةً في السَّلامِ.
وإن أُرْتِجَ في الصلاةِ، ففَتَح عليه الحالِفُ، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ ذلك كلامُ اللهِ تعالى، وليس بكلامِ الآدَمِيِّين. ٤٧٥٠ -
(وَإِنْ زَجَرَهُ، فَقَالَ: تَنَحَّ، أَوِ اسْكُتْ، حَنِثَ) لِأَنَّ ذَلِكَ كَلَامٌ، فَيَدْخُلُ فِي مَا حَلَفَ عَلَى عَدَمِهِ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ لَا،
فَلَوْ كَاتَبَهُ، أَوْ رَاسَلَهُ، حَنِثَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَلَّا يُشَافِهَهُ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ،
وَعَنْهُ: لَا يَحْنَثُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِنِيَّةٍ، أَوْ سَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِي هِجْرَانَهُ، لِأَنَّهُ يَصِحُّ نَفْيُهُ،
وَلَوْ كَانَتِ الرِّسَالَةُ تَكْلِيمًا لَتَنَاوَلَ مُوسَى وَغَيْرَهُ مِنَ الرُّسُلِ، وَلَمْ يَخْتَصَّ بِكَوْنِهِ كَلِيمَ اللَّهِ تَعَالَى، وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ} ، لِأَنَّهُ وُضِعَ لِإِفْهَامِ الْآدَمِيِّينَ، أَشْبَهَ الْخِطَابَ،
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَكْلِيمٍ، وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الْآيَةِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ كَمَا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى:{آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا} ، وَالرَّمْزُ لَيْسَ بِتَكْلِيمٍ، لَكِنْ إِنْ نَوَى تَرْكَ مُوَاصَلَةٍ، أَوْ سَبَبٍ، أَوْ كَانَ سَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِي هِجْرَانَهُ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ
وإنْ زجَرَه فقال: تَنَحَّ أو اسْكُتْ. حَنِثَ. وهو المذهبُ. جزَم به في «الوَجيزِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى». وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
وقال المُصَنِّفُ: قِياسُ المذهبِ، أنَّه لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ قرِينَةَ صِلَتِه هذا الكلامَ بيَمِينِه تدُلُّ على إرادَةِ كلامٍ يسْتَأنِفُه بعدَ انْقِضاءِ هذا الكلامِ المُتَّصِلِ، كما لو وُجِدَتِ النِّيَّةُ حقيقةً.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَبْتَدِئُهُ بِكَلَامٍ فَتَكَلَّمَا مَعًا، حَنِثَ.
فائدة: لو حلَف لا يُسَلِّمُ عليه، فسلَّم على جماعَةٍ هو فيهم وهو لا يعْلَمُ به ولم يُرِدْه بالسَّلامِ، فحكَى الأصحابُ في حِنْثِه رِوايَتَين. والمَنْصوصُ في رِوايةِ مُهَنَّا الحِنْثُ.
قال في «القَواعِدِ»: ويُشْبِهُ تخْرِيجَ الرِّوايتَين على مسْأَلَةِ: مَن حلَف لا يفْعَلُ شيئًا ففَعَلَه جاهِلًا بأَنَّه المَحْلوفُ عليه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.