فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K
المسألة ٧٬١٢٥المقنعالحنابلةج ٨ ص ٢٨٢ج ٨ ص ٢٨٢

وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِهَا مَنْ يَكْفِي تَعَيَّنَتْ عَلَى مَنْ وُجِدَ قَالَ الْخِرَقِيُّ: مَنْ لَزِمَتْهُ الشَّهَادَةُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِهَا عَلَى الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، لَا يَسَعُهُ التَّخَلُّفُ عَنْ إِقَامَتِهَا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

(تَعَيَّنَتْ على مَن وُجدَ) لقولِ الله تِعالى: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}. وقال:{وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ}. وإنَّما خَصَّ القلبَ بالإثْمِ؛ لأنَّه مَوْضِعُ العِلْمِ بها، ولأنَّ الشَّهادةَ أمانَةٌ، فلزِمَ أداؤها، كسائرِ الأماناتِ.

٣٨٬٨٢٤

فإذا دُعِىَ إلى تَحَمُّلِ شَهادةٍ في نِكاحٍ أو دَيْن أو عِدَّةٍ، لَزِمَتْه الإجابَةُ، قال اللهُ تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ}.

٣٨٬٨٢٥

فإنْ قام بالفرضِ في التَّحَمُّلِ والأداءِ اثنان، سَقَط عن الجميعِ،

٣٨٬٨٢٦

وإنِ امتَنَعَ الكُلُّ أثِمُوا، وإنَّما يأثَمُ الممتَنِعُ إذا لم يكُنْ عليه ضَرَرٌ، وكانت شَهادَتُه تنْفَعُ،

٣٨٬٨٢٧

فإن كان عليه ضَرَر في التَّحَمُّلِ أو الأداءِ، أو كان ممَّن لا تُقْبَلُ شهادَتُه، أو يَحْتاجُ إلى التَّبَذُّلِ في التَّزْكِيَةِ، لم تَلْزَمه؛ لقول اللهِ تعالى:{وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ}. وقولِ النبىّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ ». ولأنَّه لا يَلْزَمُه أنْ يَضُرَّ نَفْسَه لنَفْعِ غيرِه.

٣٨٬٨٢٨

وإذا كان ممَّن لا تُقْبَلِ شهادَتُه، لم تجِبْ عليه؛ لأنَّ مقْصُودَ الشَّهادَةِ لا يحصُلُ منه. وهل يَأثَمُ بالامتِناعِ إذا وُجِدَ غيره ممَّن يقوم مَقامَه؟ فيه وَجهان؛ أحدهما، يأْثَمُ؛ لأنَّه قد تَعَيَّنَ بدُعائِه، ولأنَّه مَنْهِىٌّ عن الامتِناعِ بقولِه تعالى:{وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}.

٣٨٬٨٢٩

والثاني، لا يَأْثَمُ؛ لأنَّ غيرَه يقوم مَقامَه، فلم تَتَعَيَّنْ في حَقِّه، كما لو لم يُدْعَ إليها.

٣٨٬٨٣٠

فأمّا قولُ اللهِ تعالى:{وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ}. فقد قُرِئ بالفَتْحِ والرَّفْعِ،

٣٨٬٨٣١

فمَن رفَعَ فهو خَبَرٌ معناه النَّهْىُ، ويَحتَمِلُ معنَيَيْن؛ أحدهما، أن يكونَ الكاتِبُ فاعلاً؛ أى لا يَضُرَّ الكاتِبُ؛ والشَّهِيد مَن يَدعوه، بأن لا يجِيبَ، أو يَكْتبَ ما لم يسْتَكْتَبْ، أو يَشْهدَ بما لم يُسْتَشْهد به .

٣٨٬٨٣٢

والثاني، أنْ يكونَ {يضارّ} فِعْلَ ما لم يُسَمَّ فاعِلُه، فيكون مَعْناه ومَغنَى الفَتْحِ واحدًا؛ أى لا يضَرُّ الكاتِبُ والشَّهِيدُ بأن يَقْطَعَهما عن شُغْلِهما بالكِتابةِ والشَّهادَةِ، ويُمْنَعا حاجَتَهما. ٥٠١٣ - مسألة: (قال الخِرَقِىُّ: ومَن لَزِمَتْه الشَّهادَةُ، فعليه أن يَقُومَ بها على القَرِيب والبَعِيدِ، لا يَسَعُه التَّخَلُّفُ عن إقامَتِها وهو قادِرٌ على ذلك) قد ذكَرنا أنًّ أداءَ الشَّهادَةِ مِن فُروضِ الكِفاياتِ،

٣٨٬٨٣٣

فإنْ تعَيَّنَتْ عليه، بأن لا يَتَحمَّلَها مَن يَكْفِى فيها سِواهُ، لَزِمَه القِيامُ بها.

٣٨٬٨٣٤

وإن قام بها مَن يَكْفِى غيرُه، سقَطَ عنه أداؤها، إذا قَبِلَها الحاكِمُ.

٣٨٬٨٣٥

فإن كان تَحَمَّلَها جماعة، فأداوها واجِبٌ على الكُلِّ، إذا امْتَنَعوا أثِمُوا كلُّهم، كسائرِ فُروضِ الكِفاياتِ، ودليلُ وُجُوبِها قولُ اللهِ تعالى:{وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}. وقولُه تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ}. وفى آيَةٍ أخرى:{كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}. ولأنَّ الشَّهادةَ أمانة، فلزِمَه أداوها، كالوَدِيعَةِ. ٥٠١٤ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِهَا مَنْ يَكْفِي تَعَيَّنَتْ عَلَى مَنْ وُجِدَ) فَتَصِيرُ فَرْضَ عَيْنٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، إِنْ دُعِيَ وَقُدِّرَ بِلَا ضَرَرٍ فِي بَدَنِهِ أَوْ عِرْضِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ أَهْلِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} ، وَلِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فَلَزِمَ أَدَاؤُهَا كَالْوَدِيعَةِ (قَالَ الْخِرَقِيُّ: مَنْ لَزِمَتْهُ الشَّهَادَةُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِهَا عَلَى الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، لَا يَسَعُهُ التَّخَلُّفُ عَنْ إِقَامَتِهَا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ) ظَاهِرُهُ: أَنَّ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ فَرْضُ عَيْنٍ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لِظَاهِرِ الْآيَاتِ.

٢٤٬٩٩٤

وَقِيلَ: بَلْ أَدَاؤُهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، جَزَمَ بِهِ أَبُو الْخَطَّابِ وَالْمُؤَلِّفُ فِي كُتُبِهِ.

فَعَلَى هَذَا: إِذَا كَانَ الْمُتَحَمِّلُ جَمَاعَةً فَالْأَدَاءُ مُتَعَلِّقٌ بِالْجَمِيعِ،

٢٤٬٩٩٥

فَإِذَا قَامَ بِهِ مَنْ يَكْفِي سَقَطَ عَنِ الْجَمِيعِ،

٢٤٬٩٩٦

وَإِنِ امْتَنَعَ الْكُلُّ أَثِمُوا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إِلَّا مَنْ يَكْفِي تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ وُجِدَ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ ـ وَلَوْ كَانَ عَبْدًا لَمْ يَمْنَعْهُ سَيِّدُهُ ـ كصَلَاةِ الْفَرْضِ،

٢٤٬٩٩٧

فَإِنْ أَدَّى شَاهِدٌ وَأَبَى الْآخَرُ،

٢٤٬٩٩٨

وَقَالَ: احْلِفْ أَنْتَ بَدَلِي، فَهَلْ يَأْثَمُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.

فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ يَتَعَيَّنُ عَلَى كُلٍّ مِنَ الْمُتَحَمِّلَيْنِ الْقِيَامُ بِالشَّهَادَةِ، كَمَا تَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ الصَّلَاةُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ نِسْبِيًّا أَوْ غَيْرَهُ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى أَدَائِهَا،

٢٤٬٩٩٩

فَلَوْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ أَدَائِهَا لِحَبْسٍ أَوْ مَرَضٍ لَمْ يَلْزَمْهُ، إِذْ جَمِيعُ التَّكَالِيفِ مَلْحُوظٌ فِيهَا الْقُدْرَةُ، وَلَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ أَنْ لَا يَلْحَقَهُ ضَرَرٌ،

٢٥٬٠٠٠

فَإِنْ كَانَ يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ} ، عَلَى أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ،

الإنصافالمرداوي

لا يتكلم على هذه المسألة.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

قال: (ولا يجوز لمن تعينت عليه أخذ الأجرة عليها، ولا يجوز ذلك لمن لم تتعين عليه في أصح الوجهين) .

١٦٬٦٩٩

أما كون أخذ الأجرة لا يجوز لمن لم تتعين عليه في أصح الوجهين؛ فلأنه أخذ أجرة عن فرض؛ لأن فرض الكفاية إذا قام به البعض وقع منهم فرضاً.

١٦٬٧٠٠

وأما كونه يجوز في وجه؛ فلأن النفقة على عياله فرض عين. فلا يشتغل عنه بفرض الكفاية.

١٦٬٧٠١

وقال المصنف رحمه الله في المغني: من له كفاية ليس له أخذ الجُعل -يعني الأجرة -،

١٦٬٧٠٢

ومن ليس له كفاية ولا تعينت عليه احتمل ذلك -يعني الجواز-، واحتمل أن لا يجوز.

قال: (ومن كانت عنده شهادة في حدٍّ لله أُبيح إقامتها ولم تستحب، وللحاكم أن يُعَرِّض لهم بالوقوف عنها في أحد الوجهين.

١٦٬٧٠٣

ومن كانت عنده شهادة لآدمي يعلمها لم يُقمها حتى يسأله،

١٦٬٧٠٤

فإن لم يعلمها استحب له إعلامه بها، وله إقامتها قبل ذلك).

١٦٬٧٠٥

أما كون من كانت عنده شهادة في حدٍّ من حدود الله تعالى يباح له إقامتها؛ فـ «لأن أبا بكرة وأصحابه والجارود وأبا هريرة أقاموا الشهادة على قدامة بن مظعون بشُرب الخمر».

١٦٬٧٠٦

وفي تخصيص الشهادة المذكورة بالإباحة

١٦٬٧٠٧

تنبيه على أن أداءها غير واجب؛ لأنها شهادة لا يستحب إقامتها؛ لما يأتي. فلأن لا يجب بطريق الأولى.

١٦٬٧٠٨

وأما كون إقامتها لا تستحب؛ فلأن الستر مندوب إليه، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«من سترَ مسلماً سترهُ اللهُ في الدنيا والآخرة».

١٦٬٧٠٩

وأما كون الحاكم له أن يُعَرِّض للشهود بالوقوف عن الشهادة المذكورة في وجه؛ فلأن التعريض للشهود بالرجوع كالتعريض للفاعل بالرجوع عن إقراره وذلك جائز؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم عرّض في قضية ماعز».

١٦٬٧١٠

وقال لسارق:«ما إخالُكَ سرقت» وفي رواية: «قل: لا». فليكن التعريض للشهود جائزاً؛ لأنه في معناه.

ولأن عمر قال في قضية المغيرة لما شهد عليه ثلاثة وجاء الرابع:«ما تقول يا شيخ؟ »،

١٦٬٧١١

وفي لفظ آخر:«يا شيخ العقاب».

١٦٬٧١٢

وأما كونه ليس له ذلك في وجه؛ فلأن ذلك حق من الحقوق. فلم يجز للحاكم التعريض فيه للشهود بالرجوع؛ كحق الآدمي.

١٦٬٧١٣

وأما كون من كانت عنده شهادة لآدمي يعلمها لم يُقمها حتى يسأله؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«خيرُ الناس قَرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. ثم يأتي قومٌ يَنذرونَ ولا يُوفون، ويَشهدونَ ولا يُستشهدون، ويخونونَ ولا يُؤتمنون». رواه البخاري.

ولأن أداءها حق لآدمي. فلا تستوفى إلا برضاه؛ كسائر حقوقه.

١٦٬٧١٤

وأما كونه يستحب له إعلام صاحب الحق بالشهادة التي له؛ فلأن ذلك تنبيهاً على حقه.

١٦٬٧١٥

وأما كونه له إقامتها قبل إعلامه بها؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«ألا أنبئكمْ بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبلَ أن يُسألها». رواه أبو داود.

١٦٬٧١٦

فإن قيل: الحديث مطلق فيمن معه شهادة علم بها صاحبها أو لم يعلم.

قيل: الحديث الأول دل على المنع من الشهادة قبل أن يُستشهد بها. فيجب حمل الحديث هنا على شهادة لا يعلم بها صاحبها؛ لأن فيه جمعاً بين الحديثين.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.