الصيد والذبائح
الأطعمة والأيمان والنذور
هذه نصوص المتون كما هي، وليست مقارنة.للمقارنة: مسائل الخلاف في هذا الباب
في متون المذاهب الأربعة
-
الْمَأْكُولِ وَغَيْرِ الْمَأْكُولِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ
-
(كِتَابُ الذَّبَائِحِ وَالصُّيُودِ)
-
نَحْتَاجُ فِي هَذَا الْكِتَابِ إلَى بَيَانِ الْمَأْكُولِ وَغَيْرِ الْمَأْكُولِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ، وَإِلَى بَيَانِ الْمَكْرُوهِ مِنْهَا، وَإِلَى بَيَانِ شَرَائِطِ حِلِّ الْأَكْلِ فِي الْمَأْكُولِ، وَإِلَى بَيَانِ مَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ مِنْ أَجْزَاءِ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَالْحَيَوَانُ فِي الْأَصْلِ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يَعِيشُ فِي الْبَحْرِ، وَنَوْعٌ يَعِيشُ فِي الْبَرِّ أَمَّا الَّذِي يَعِيشُ فِي الْبَحْرِ فَجَمِيعُ مَا فِي الْبَحْرِ مِنْ الْحَيَوَانِ مُحَرَّمُ الْأَكْلِ إلَّا السَّمَكَ خَاصَّةً فَإِنَّهُ يَحِلُّ أَكْلُهُ إلَّا مَا طَفَا مِنْهُ وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا رضي الله عنهم ، وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى رحمهم الله إنَّهُ يَحِلُّ أَكْلُ مَا سِوَى السَّمَكِ مِنْ الضُّفْدَعِ، وَالسَّرَطَانِ، وَحَيَّةِ الْمَاءِ وَكَلْبِهِ وَخِنْزِيرِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ لَكِنْ بِالذَّكَاةِ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ رحمه الله إلَّا فِي إنْسَانِ الْمَاءِ وَخِنْزِيرِهِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله : يَحِلُّ جَمِيعُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ وَأَخْذُهُ ذَكَاتَهُ، وَيَحِلُّ أَكْلُ السَّمَكِ الطَّافِي.
-
أَمَّا الْكَلَامُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَهُمْ احْتَجُّوا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تبارك وتعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ وَاسْمُ الصَّيْدِ يَقَعُ عَلَى مَا سِوَى السَّمَكِ مِنْ حَيَوَانِ الْبَحْرِ فَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْكُلُّ حَلَالًا، وَبِقَوْلِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام حِينَ «سُئِلَ عَنْ الْبَحْرِ فَقَالَ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَالْحِلُّ مَيْتَتُهُ» وَصَفَ مَيْتَةَ الْبَحْرِ بِالْحِلِّ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ السَّمَكِ وَغَيْرِهِ، وَلَنَا قَوْلُهُ تبارك وتعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْبَرِّيِّ وَالْبَحْرِيِّ، وَقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ وَالضُّفْدَعُ وَالسَّرَطَانُ وَالْحَيَّةُ وَنَحْوُهَا مِنْ الْخَبَائِثِ وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «سُئِلَ عَنْ ضُفْدَعٍ يُجْعَلُ شَحْمُهُ فِي الدَّوَاءِ فَنَهَى عليه الصلاة والسلام عَنْ قَتْلِ الضَّفَادِعِ» وَذَلِكَ نَهْيٌ عَنْ أَكْلِهِ.
-
وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا سُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام : «خَبِيثَةٌ مِنْ الْخَبَائِثِ» وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي الْآيَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الصَّيْدِ الْمَذْكُورِ هُوَ فِعْلُ الصَّيْدِ وَهُوَ الِاصْطِيَادُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الصَّيْدُ حَقِيقَةً لَا الْمِصْيَدُ؛ لِأَنَّهُ مَفْعُولُ فِعْلِ الصَّيْدِ، وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْفِعْلِ يَكُونُ مَجَازًا وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْ حَقِيقَةِ اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ؛
-
وَلِأَنَّ الصَّيْدَ اسْمٌ لِمَا يَتَوَحَّشُ وَيَمْتَنِعُ وَلَا يُمْكِنُ أَخْذُهُ إلَّا بِحِيلَةٍ إمَّا لِطَيَرَانِهِ أَوْ لِعَدْوِهِ وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ حَالَةَ الِاصْطِيَادِ لَا بَعْدَ الْأَخْذِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ لَحْمًا بَعْدَهُ وَلَمْ يَبْقَ صَيْدًا حَقِيقَةً لِانْعِدَامِ مَعْنَى الصَّيْدِ وَهُوَ التَّوَحُّشُ وَالِامْتِنَاعُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ وَالْمُرَادُ مِنْهُ الِاصْطِيَادُ مِنْ الْمُحْرِمِ لَا أَكْلُ الصَّيْدِ؛
-
لِأَنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ لِلْمُحْرِمِ إذَا لَمْ يَصْطَدْهُ بِنَفْسِهِ وَلَا غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِي الْآيَةِ
-
عَلَى إبَاحَةِ الْأَكْلِ بَلْ خَرَجَتْ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الِاصْطِيَادِ فِي الْبَحْرِ وَبَيْنَ الِاصْطِيَادِ فِي الْبَرِّ لِلْمُحْرِمِ.
-
وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام وَالْحِلُّ مَيْتَتُهُ السَّمَكُ خَاصَّةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ: الْمَيْتَتَانِ السَّمَكُ وَالْجَرَادُ، وَالدَّمَانِ الْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» فُسِّرَ عليه الصلاة والسلام بِالسَّمَكِ وَالْجَرَادِ فَدَلَّ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا السَّمَكُ وَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى السَّمَكِ وَتَخْصِيصِهِ بِمَا تَلَوْنَا مِنْ الْآيَةِ وَرَوَيْنَا مِنْ الْخَبَرِ.
-
(وَأَمَّا) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الطَّافِي فَالشَّافِعِيُّ رحمه الله احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ أَيْ: أُحِلَّ لَكُمْ طَعَامُهُ وَهَذَا يَتَنَاوَلُ مَا صِيدَ مِنْهُ وَمَا لَمْ يُصَدْ وَالطَّافِي لَمْ يُصَدْ فَيَتَنَاوَلُهُ بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام فِي صِفَةِ الْبَحْرِ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَالْحِلُّ مَيْتَتُهُ» وَأَحَقُّ مَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْمَيْتَةِ الطَّافِي؛
-
لِأَنَّهُ الْمَيِّتُ حَقِيقَةً وَبِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ الْمَيْتَتَانِ السَّمَكُ وَالْجَرَادُ» فَسَّرَ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام الْمَيْتَةَ بِالسَّمَكِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الطَّافِي وَغَيْرِهِ.
-
وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ «نَهَى عَنْ أَكْلِ الطَّافِي» وَعَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: لَا تَبِيعُوا فِي أَسْوَاقِنَا الطَّافِيَ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: مَا دَسَرَهُ الْبَحْرُ فَكُلْهُ وَمَا وَجَدْتَهُ يَطْفُو عَلَى الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْهُ.
-
وَأَمَّا الْآيَةُ فَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ مَا قَذَفَهُ الْبَحْرُ إلَى الشَّطِّ فَمَاتَ كَذَا قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ وَذَلِكَ حَلَالٌ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَافٍ إنَّمَا الطَّافِي اسْمٌ لِمَا مَاتَ فِي الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ آفَةٍ وَسَبَبٍ حَادِثٍ وَهَذَا مَاتَ بِسَبَبٍ حَادِثٍ وَهُوَ قَذْفُ الْبَحْرِ فَلَا يَكُونُ طَافِيًا وَالْمُرَادُ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ غَيْرُ الطَّافِي لِمَا ذَكَرْنَا ثُمَّ السَّمَكُ الطَّافِي الَّذِي لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ عِنْدَنَا هُوَ الَّذِي يَمُوتُ فِي الْمَاءِ حَتْفَ أَنْفِهِ بِغَيْرِ سَبَبٍ حَادِثٍ مِنْهُ سَوَاءٌ عَلَا عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ أَوْ لَمْ يَعْلُ بَعْدَ أَنْ مَاتَ فِي الْمَاءِ حَتْفَ أَنْفِهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ حَادِثٍ، وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: هُوَ الَّذِي يَمُوتُ فِي الْمَاءِ بِسَبَبٍ حَادِثٍ وَيَعْلُو عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ فَإِنْ لَمْ يَعْلُ يَحِلُّ،
-
وَالصَّحِيحُ هُوَ الْحَدُّ الْأَوَّلُ وَتَسْمِيَتُهُ طَافِيًا لِعُلُوِّهِ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ عَادَةً.
-
وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي السَّمَكِ إذَا كَانَ بَعْضُهَا فِي الْمَاءِ وَبَعْضُهَا عَلَى الْأَرْضِ إنْ كَانَ رَأْسُهَا عَلَى الْأَرْضِ أُكِلَتْ وَإِنْ كَانَ رَأْسُهَا أَوْ أَكْثَرُهُ فِي الْمَاءِ لَمْ تُؤْكَلْ؛ لِأَنَّ رَأْسَهَا مَوْضِعُ نَفَسِهَا فَإِذَا كَانَ خَارِجًا مِنْ الْمَاءِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبٍ حَادِثٍ وَإِذَا كَانَ فِي الْمَاءِ أَوْ أَكْثَرُهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَاتَ فِي الْمَاءِ بِغَيْرِ سَبَبٍ وَقَالُوا فِي سَمَكَةٍ ابْتَلَعَتْ سَمَكَةً أُخْرَى أَنَّهَا تُؤْكَلُ؛
-
لِأَنَّهَا مَاتَتْ بِسَبَبٍ حَادِثٍ.
-
وَلَوْ مَاتَ مِنْ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَكَدَرِ الْمَاءِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: فِي رِوَايَةٍ لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ وَكَدَرَ الْمَاءِ لَيْسَ مِنْ أَسْبَابِ الْمَوْتِ ظَاهِرًا فَلَمْ يُوجَدْ الْمَوْتُ بِسَبَبٍ حَادِثٍ يُوجِبُ الْمَوْتَ ظَاهِرًا أَوْ غَالِبًا فَلَا يُؤْكَلُ وَفِي رِوَايَةٍ يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ أَسْبَابُ الْمَوْتِ فِي الْجُمْلَةِ فَقَدْ وُجِدَ الْمَوْتُ بِسَبَبٍ حَادِثٍ فَلَمْ يَكُنْ طَافِيًا فَيُؤْكَلُ وَيَسْتَوِي فِي حِلِّ الْأَكْلِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ السَّمَكِ مِنْ الْجِرِّيثِ وَالْمَارْمَاهِيِّ وَغَيْرِهِمَا؛
-
لِأَنَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلَائِلِ فِي إبَاحَةِ السَّمَكِ لَا يَفْصِلُ بَيْنَ سَمَكٍ وَسَمَكٍ إلَّا مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما إبَاحَةُ الْجِرِّيثِ وَالسَّمَكِ الذَّكَرِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ غَيْرِهِمَا خِلَافُ ذَلِكَ فَيَكُونُ إجْمَاعًا.
-
(وَأَمَّا) الَّذِي يَعِيشُ فِي الْبَرِّ فَأَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ: مَا لَيْسَ لَهُ دَمٌ أَصْلًا، وَمَا لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ، وَمَا لَهُ دَمٌ سَائِلٌ مِثْلُ الْجَرَادِ وَالزُّنْبُورِ وَالذُّبَابِ وَالْعَنْكَبُوتِ وَالْعَضَّابَةِ وَالْخُنْفُسَاءِ وَالْبُغَاثَةِ وَالْعَقْرَبِ.
-
وَنَحْوِهَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ إلَّا الْجَرَادَ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْخَبَائِثِ لِاسْتِبْعَادِ الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ إيَّاهَا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تبارك وتعالى ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ إلَّا أَنَّ الْجَرَادَ خُصَّ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ» فَبَقِيَ عَلَى ظَاهِرِ الْعُمُومِ.
-
وَكَذَلِكَ مَا لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ مِثْلُ الْحَيَّةِ وَالْوَزَغِ وَسَامِّ أَبْرَصَ وَجَمِيعِ الْحَشَرَاتِ وَهَوَامِّ الْأَرْضِ مِنْ الْفَأْرِ وَالْقُرَادِ وَالْقَنَافِذِ وَالضَّبِّ وَالْيَرْبُوعِ وَابْنِ عِرْسٍ وَنَحْوِهَا،
-
وَلَا خِلَافَ فِي حُرْمَةِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إلَّا فِي الضَّبِّ فَإِنَّهُ حَلَالٌ عَنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: «أَكَلْت عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَحْمَ ضَبٍّ» وَعَنْ ابْنِ سَيِّدِنَا عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُ نَفْسِي تَعَافُهُ فَلَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ» وَهَذَا نَصٌّ عَلَى عَدَمِ الْحُرْمَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَإِشَارَةٌ إلَى الْكَرَاهَةِ الطَّبِيعِيَّةِ.
-
(وَلَنَا) قَوْلُهُ تبارك وتعالى ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ وَالضَّبُّ مِنْ الْخَبَائِثِ وَرُوِيَ عَنْ سَيِّدَتِنَا عَائِشَةَ رضي الله عنها «أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام
-
أُهْدِيَ إلَيْهِ لَحْمُ ضَبٍّ فَامْتَنَعَ أَنْ يَأْكُلَهُ فَجَاءَتْ سَائِلَةٌ فَأَرَادَتْ سَيِّدَتُنَا عَائِشَةُ رضي الله عنها أَنْ تُطْعِمَهَا إيَّاهُ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتُطْعِمِينَ مَا لَا تَأْكُلِينَ؟»
-
وَلَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ امْتِنَاعُهُ لِمَا أَنَّ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ عَافَتْهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا مَنَعَ مِنْ التَّصَدُّقِ بِهِ كَشَاةِ الْأَنْصَارِ إنَّهُ لَمَّا امْتَنَعَ مِنْ أَكْلِهَا أَمَرَ بِالتَّصَدُّقِ بِهَا؛ وَلِأَنَّ الضَّبَّ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسُوخِ وَالْمُسُوخُ مُحَرَّمَةٌ كَالدُّبِّ وَالْقِرْدِ وَالْفِيلِ فِيمَا قِيلَ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ الضَّبِّ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام إنَّ أُمَّةً مُسِخَتْ فِي الْأَرْضِ وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْهَا» وَهَكَذَا رُوِيَ «عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا فِي بَعْضِ الْمَغَازِي فَأَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ فَنَزَلْنَا فِي أَرْضٍ كَثِيرَةِ الضَّبَابِ فَنَصَبْنَا الْقُدُورَ وَكَانَتْ الْقُدُورُ تَغْلِي إذْ جَاءَ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام فَقَالَ: مَا هَذَا؟
-
قُلْنَا الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام : إنَّ أُمَّةً مُسِخَتْ فَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْهَا فَأَمَرَ بِإِلْقَاءِ الْقُدُورِ» ، وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما وَمَا رَوَيْنَا فَهُوَ خَاطِرٌ وَالْعَمَلُ بِالْخَاطِرِ أَوْلَى.
-
وَمَا لَهُ دَمٌ سَائِلٌ نَوْعَانِ: مُسْتَأْنِسٌ وَمُسْتَوْحِشٌ أَمَّا الْمُسْتَأْنِسُ مِنْ الْبَهَائِمِ فَنَحْوُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ بِالْإِجْمَاعِ وَبِقَوْلِهِ تبارك وتعالى ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ، وَقَوْلِهِ سبحانه وتعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ وَاسْمُ الْأَنْعَامِ يَقَعُ عَلَى هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَلَا تَحِلُّ الْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى -.
-
وَحُكِيَ عَنْ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ رحمه الله أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْحِمَارِ وَاحْتَجَّ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ عز وجل ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ وَلَمْ يَذْكُرْ الْحَمِيرَ الْإِنْسِيَّةَ.
-
وَرُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام وَقَالَ: إنَّهُ فَنِيَ مَالِي وَلَمْ يَبْقَ لِي إلَّا الْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ، فَقَالَ عليه الصلاة والسلام : كُلْ مِنْ سَمِينِ مَالِكَ فَإِنِّي إنَّمَا كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ جَلَّالِ الْقَرْيَةِ» .
-
وَرُوِيَ " عَنْ جَوَالِّ الْقُرَى " بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَرُوِيَ «فَإِنَّمَا قَذِرْتُ لَكُمْ جَالَّةُ الْقَرْيَةِ» .
-
(وَلَنَا) قَوْلُهُ تبارك وتعالى ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ ، وَسَنَذْكُرُ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
وَرَوَى أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَعَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ» .
-
وَرُوِيَ «أَنَّ سَيِّدَنَا عَلِيًّا رضي الله عنه قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما وَهُوَ يُفْتِي النَّاسَ فِي الْمُتْعَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ فَرَجَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنْ ذَلِكَ» وَرُوِيَ أَنَّهُ «قِيلَ لِلنَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام يَوْمَ خَيْبَرَ أُكِلَتْ الْحُمُرُ فَأَمَرَ أَبَا طَلْحَةَ رضي الله عنه يُنَادِي: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَاكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ فَإِنَّهَا رِجْزٌ» وَرُوِيَ فَإِنَّهَا رِجْسٌ وَهَذِهِ أَخْبَارٌ مُسْتَفِيضَةٌ عَرَفَهَا الْخَاصُّ وَالْعَامُّ وَقَبِلُوهَا وَعَمِلُوا بِهَا وَظَهَرَ الْعَمَلُ بِهَا.
-
وَأَمَّا الْآيَةُ فَقَدْ اُخْتُصَّ مِنْهَا أَشْيَاءُ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ فِيهَا فَيَخْتَصُّ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلَائِلِ مَعَ أَنَّ مَا رَوَيْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ مَشْهُورَةٌ وَيَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالْخَبَرِ الْمَشْهُودِ وَعَلَى أَنَّ فِي الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ سِوَى الْمَذْكُورِ فِيهَا وَقْتَ نُزُولِهَا؛
-
لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْفِعْلِ هُوَ الْحَالُ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ نُزُولِ الْآيَةِ تَحْرِيمُ سِوَى الْمَذْكُورِ فِيهَا،
-
ثُمَّ حَرَّمَ مَا حَرَّمَ بَعْدُ عَلَى أَنَّا نَقُولُ بِمُوجِبِ الْآيَةِ: لَا مُحَرَّمَ سِوَى الْمَذْكُورِ فِيهَا وَنَحْنُ لَا نُطْلِقُ اسْمَ الْمُحَرَّمِ عَلَى لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ إذْ الْمُحَرَّمُ الْمُطْلَقُ مَا تَثْبُتُ حُرْمَتُهُ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ،
-
فَأَمَّا مَا كَانَتْ حُرْمَتُهُ مَحَلَّ الِاجْتِهَادِ فَلَا يُسَمَّى مُحَرَّمًا عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ نُسَمِّيهِ مَكْرُوهًا فَنَقُولُ بِوُجُوبِ الِامْتِنَاعِ عَنْ أَكْلِهَا عَمَلًا مَعَ التَّوَقُّفِ فِي اعْتِقَادِ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ.
-
وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «كُلْ مِنْ سَمِينِ مَالِكَ» أَيْ: مِنْ أَثْمَانِهَا كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ أَكَلَ عَقَارَهُ أَيْ: ثَمَنَ عَقَارِهِ وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إطْلَاقًا لِلِانْتِفَاعِ بِظُهُورِهَا بِالْإِكْرَاءِ كَمَا يُحْمَلُ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا عَمَلًا بِالدَّلَائِلِ كُلِّهَا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ فَانْفَسَخَ بِمَا ذَكَرْنَا وَإِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ فَالْعَمَلُ بِالْخَاطِرِ أَوْلَى احْتِيَاطًا،
-
فَإِنْ قِيلَ مَا رَوَيْتُمْ يَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام «نَهَى عَنْ أَكْلِ الْحُمُرِ يَوْمَ خَيْبَرَ» ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ غَنِيمَةً مِنْ الْخُمُسِ أَوْ لِقِلَّةِ الظَّهْرِ أَوْ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ جَلَّالَةً فَوَقَعَ التَّعَارُضُ وَالْجَوَابُ أَنَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ مَحْمَلًا.
-
(أَمَّا) الْأَوَّلُ؛ فَلِأَنَّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْجُنْدُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ الْخُمْسُ كَالطَّعَامِ وَالْعَلَفِ.
-
(وَأَمَّا) الثَّانِي؛ فَلِأَنَّ الْمَرْوِيَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
-
ﷺ أَمَرَ بِإِكْفَاءِ الْقُدُورِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الظَّهْرِ.
-
(وَأَمَّا) الثَّالِثُ؛ فَلِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام خَصَّ النَّهْيَ بِالْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَخْتَصُّ بِالْحُمُرِ بَلْ يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا.
-
(وَأَمَّا) لَحْمُ الْخَيْلِ فَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رضي الله عنه : يُكْرَهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَا يُكْرَهُ، وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله وَاحْتَجَّا بِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: «أَكَلْنَا لَحْمَ فَرَسٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَأَذِنَ فِي الْخَيْلِ» وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: «أَطْعَمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لُحُومَ الْخَيْلِ وَنَهَانَا عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ» وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «كُنَّا قَدْ جَعَلْنَا فِي قُدُورِنَا لَحْمَ الْخَيْلِ وَلَحْمَ الْحِمَارِ فَنَهَانَا النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام أَنْ نَأْكُلَ لَحْمَ الْحِمَارِ وَأَمَرَنَا أَنْ نَأْكُلَ لَحْمَ الْخَيْلِ» ، وَعَنْ سَيِّدَتِنَا أَسْمَاءَ بِنْتِ سَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنهما أَنَّهَا قَالَتْ: «نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَكَلْنَاهُ» وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَدَلَالَةُ الْإِجْمَاعِ.
-
(أَمَّا) الْكِتَابُ الْعَزِيزُ فَقَوْلُهُ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ .
-
(وَوَجْهُ) الِاسْتِدْلَالِ بِهِ مَا حُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ لَحْمِ الْخَيْلِ فَقَرَأَ بِهَذِهِ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ وَقَالَ: وَلَمْ يَقُلْ تبارك وتعالى لِتَأْكُلُوهَا فَيُكْرَهُ أَكْلُهَا وَتَمَامُ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى ذَكَرَ الْأَنْعَامَ فِيمَا تَقَدَّمَ وَمَنَافِعَهَا وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ .
-
وَكَذَا ذَكَرَ فِيمَا بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ مُتَّصِلًا بِهَا مَنَافِعَ الْمَاءِ الْمُنْزَلِ مِنْ السَّمَاءِ، وَالْمَنَافِعَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ، وَالْمَنَافِعَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْبَحْرِ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ بَيَانَ شِفَاءٍ لَا بَيَانَ كِفَايَةٍ، وَذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ سبحانه وتعالى خَلَقَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِلرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ، ذَكَرَ مَنْفَعَةَ الرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ سبحانه وتعالى مَنْفَعَةَ الْأَكْلِ فَدَلَّ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَنْفَعَةٌ أُخْرَى سِوَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ مَنْفَعَةٌ أُخْرَى سِوَى مَا ذَكَرْنَا لَمْ يُحْتَمَلْ أَنْ لَا نَذْكُرُهَا عِنْدَ ذِكْرِ الْمَنَافِعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ وَالِاسْتِقْصَاءِ، وَقَوْلُهُ عز وجل ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ وَلَحْمُ الْخَيْلِ لَيْسَ بِطَيِّبٍ بَلْ هُوَ خَبِيثٌ؛
-
لِأَنَّ الطِّبَاعَ السَّلِيمَةَ لَا تَسْتَطِيبُهُ بَلْ تَسْتَخْبِثُهُ حَتَّى لَا تَجِدَ أَحَدًا تُرِكَ بِطَبْعِهِ إلَّا وَيَسْتَخْبِثُهُ وَيُنَقِّي طَبْعَهُ عَنْ أَكْلِهِ وَإِنَّمَا يَرْغَبُونَ فِي رُكُوبِهِ أَلَا يَرْغَبُ طَبْعُهُ فِيمَا كَانَ مَجْبُولًا عَلَيْهِ، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا جَاءَ بِإِحْلَالِ مَا هُوَ مُسْتَطَابٌ فِي الطَّبْعِ لَا بِمَا هُوَ مُسْتَخْبَثٌ وَلِهَذَا لَمْ يَجْعَلْ الْمُسْتَخْبَثَ فِي الطَّبْعِ غِذَاءَ الْيُسْرِ وَإِنَّمَا جَعَلَ مَا هُوَ مُسْتَطَابٌ بَلَغَ فِي الطِّيبِ غَايَتُهُ.
-
(وَأَمَّا) السُّنَّةُ فَمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ فَأَخَذُوا الْحُمُرَ الْأَهْلِيَّةَ فَذَبَحُوهَا فَحَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لُحُومَ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ، وَلُحُومَ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ، وَكُلَّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ، وَكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ، وَحَرَّمَ الْخِلْسَةَ وَالنُّهْبَةَ» وَعَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ» ، وَعَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام قَالَ «حُرِّمَ عَلَيْكُمْ الْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ وَخَيْلُهَا» وَهَذَا نَصٌّ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ فَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَلِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ وِزْرٌ» صَلَحَتْ لِلْأَكْلِ لَقَالَ عليه الصلاة والسلام : الْخَيْلُ لِأَرْبَعَةٍ لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَلِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلِ وِزْرٌ وَلِرَجُلٍ طَعَامٌ.
-
(وَأَمَّا) دَلَالَةُ الْإِجْمَاعِ فَهِيَ أَنَّ الْبَغْلَ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ وَلَدُ الْفَرَسِ فَلَوْ كَانَتْ أُمُّهُ حَلَالًا لَكَانَ هُوَ حَلَالًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْوَلَدِ حُكْمُ أُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْهَا وَهُوَ كَبَعْضِهَا.
-
أَلَا تَرَى أَنَّ حِمَارَ وَحْشٍ لَوْ نُزِّيَ عَلَى حِمَارَةٍ أَهْلِيَّةٍ فَوَلَدَتْ لَمْ يُؤْكَلْ وَلَدُهَا؟ ،
-
وَلَوْ نَزَا حِمَارٌ أَهْلِيٌّ عَلَى حِمَارَةٍ وَحْشِيَّةٍ وَوَلَدَتْ يُؤْكَلُ وَلَدُهَا؟ لِيُعْلَمَ أَنَّ حُكْمَ الْوَلَدِ حُكْمُ أُمِّهِ فِي الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ دُونَ الْفَحْلِ فَلَمَّا كَانَ لَحْمُ الْفَرَسِ حَرَامًا كَانَ لَحْمُ الْبَغْلِ كَذَلِكَ، وَمَا رُوِيَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ جَابِرٍ وَمَا فِي رِوَايَةِ سَيِّدَتِنَا أَسْمَاءَ رضي الله عنها يُحْتَمَل أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ فِي الْحَالِ الَّتِي كَانَ يُؤْكَلُ فِيهَا الْحُمُرُ؛
-
لِأَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام إنَّمَا نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَكَانَتْ الْخَيْلُ تُؤْكَلُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ثُمَّ حُرِّمَتْ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَا عَلِمْنَا الْخَيْلَ أُكِلَتْ إلَّا فِي حِصَارٍ، وَعَنْ الْحَسَنِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ
-
كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُونَ لُحُومَ الْخَيْلِ فِي مَغَازِيهِمْ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْكُلُونَهَا فِي حَالِ الضَّرُورَةِ كَمَا قَالَ الزُّهْرِيُّ رحمه الله ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى هَذَا عَمَلًا بِالدَّلِيلِ صِيَانَةً لَهَا عَنْ التَّنَاقُضِ أَوْ يَتَرَجَّحُ الْحَاظِرُ عَلَى الْمُبِيحِ احْتِيَاطًا وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا حُجَجُ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ أَنَّهُ يَحْرُمُ أَكْلُ لَحْمِ الْخَيْلِ.
-
(وَأَمَّا) عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ يُكْرَهُ أَكْلُهُ وَلَمْ يُطْلَقْ التَّحْرِيمُ لِاخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ فِي الْبَابِ وَاخْتِلَافِ السَّلَفِ فَكُرِهَ أَكْلُ لَحْمِهِ احْتِيَاطًا لِبَابِ الْحُرْمَةِ.
-
وَأَمَّا الْمُتَوَحِّشُ مِنْهَا نَحْوُ الظِّبَاءِ وَبَقَرِ الْوَحْشِ وَحُمُرِ الْوَحْشِ وَإِبِلِ الْوَحْشِ فَحَلَالٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَلِقَوْلِهِ تبارك وتعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ وَقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ ، وَقَوْلُهُ سبحانه وتعالى ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وَلُحُومُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنْ الطَّيِّبَاتِ فَكَانَ حَلَالًا وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ فَقَالَ: الْأَهْلِيَّةُ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ» فَدَلَّ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى اخْتِلَافِ حُكْمِ الْأَهْلِيَّةِ وَالْوَحْشِيَّةِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَهْلِيَّةِ الْحُرْمَةُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلَائِلِ فَكَانَ حُكْمُ الْوَحْشِيَّةِ الْحِلَّ ضَرُورَةً وَرُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ فِهْرٍ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام وَهُوَ بِالرَّوْحَاءِ وَمَعَ الرَّجُلِ حِمَارٌ وَحْشِيٌّ عَقَرَهُ فَقَالَ: هَذِهِ رَمْيَتِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهِيَ لَكَ فَقَبِلَهُ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام وَأَمَرَ سَيِّدَنَا أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه فَقَسَمَهُ بَيْنَ الرِّفَاقِ» ، وَالْحَدِيثُ وَإِنْ وَرَدَ فِي حِمَارِ الْوَحْشِ لَكِنَّ إحْلَالَ الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ إحْلَالٌ لِلظَّبْيِ وَالْبَقَرِ الْوَحْشِيِّ وَالْإِبِلِ الْوَحْشِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى؛
-
لِأَنَّ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ مِنْ الْأَهْلِيِّ مَا هُوَ حَلَالٌ بَلْ هُوَ حَرَامٌ وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ مِنْ جِنْسِهَا مِنْ الْأَهْلِيِّ مَا هُوَ حَلَالٌ فَكَانَتْ أَوْلَى بِالْحِلِّ.
-
وَأَمَّا الْمُسْتَأْنِسُ مِنْ السِّبَاعِ وَهُوَ الْكَلْبُ وَالسِّنَّوْرُ الْأَهْلِيُّ فَلَا يَحِلُّ
-
وَكَذَلِكَ الْمُتَوَحِّشُ مِنْهَا الْمُسَمَّى بِسِبَاعِ الْوَحْشِ وَالطَّيْرِ وَهُوَ كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ لِمَا رُوِيَ فِي الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ «نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ» ، وَعَنْ الزُّهْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ حَرَامٌ» فَذُو النَّابِ مِنْ سِبَاعِ الْوَحْشِ مِثْلُ الْأَسَدِ وَالذِّئْبِ وَالضَّبُعِ وَالنَّمِرِ وَالْفَهْدِ وَالثَّعْلَبِ وَالسِّنَّوْرِ الْبَرِّيِّ وَالسِّنْجَابِ وَالْفَنَكِ وَالسَّمُّورِ وَالدَّلَقِ وَالدُّبِّ وَالْقِرْدِ وَالْفِيلِ وَنَحْوِهَا فَلَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ إلَّا الضَّبُعَ فَإِنَّهُ حَلَالٌ عِنْدَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ «قَالَ: فِي الضَّبُعِ كَبْشٌ، فَقُلْت لَهُ: أَهُوَ صَيْدٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقُلْت: يُؤْكَلُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقُلْت: أَسَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ؟ ﷺ فَقَالَ: نَعَمْ» .
-
(وَلَنَا) أَنَّ الضَّبُعَ سَبُعٌ ذُو نَابٍ فَيَدْخُلُ تَحْتَ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ وَمَا رُوِيَ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ فَالْعَمَلُ بِالْمَشْهُورِ أَوْلَى عَلَى أَنَّ مَا رَوَيْنَا مُحَرِّمٌ وَمَا رَوَاهُ مُحَلِّلٌ وَالْمُحَرِّمُ يَقْضِي عَلَى الْمُبِيحِ احْتِيَاطًا وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْأَرْنَبِ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَهْدَى لَهُ أَعْرَابِيٌّ أَرْنَبَةً مَشْوِيَّةً فَقَالَ: لِأَصْحَابِهِ كُلُوا» ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَفْوَانَ أَوْ صَفْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: «أَصَبْت أَرْنَبَتَيْنِ فَذَبَحْتُهُمَا بِمَرْوَةِ وَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَنِي بِأَكْلِهِمَا» .
-
وَذُو الْمِخْلَبِ مِنْ الطَّيْرِ كَالْبَازِي وَالْبَاشَقِ وَالصَّقْرِ وَالشَّاهِينِ وَالْحِدَأَةِ وَالنَّعَّابِ وَالنَّسْرِ وَالْعُقَابِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَيَدْخُلُ تَحْتَ نَهْيِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام عَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ وَرُوِيَ أَنَّهُ «نَهَى عَنْ كُلِّ ذِي خَطْفَةٍ وَنُهْبَةٍ وَمُجَثَّمَةٍ وَعَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ الطَّيْرِ وَالْمُجَثَّمَةِ» رُوِيَ بِكَسْرِ الثَّاءِ وَفَتْحِهَا مِنْ الْجُثُومِ وَهُوَ تَلَبُّدُ الطَّائِرِ الَّذِي مِنْ عَادَتِهِ الْجُثُومُ عَلَى غَيْرِهِ لِيَقْتُلَهُ وَهُوَ السِّبَاعُ مِنْ الطَّيْرِ فَيَكُونُ نَهْيًا عَلَى أَكْلِ كُلِّ طَيْرٍ هَذَا عَادَتُهُ وَبِالْفَتْحِ هُوَ الصَّيْدُ الَّذِي يَجْثُمُ عَلَيْهِ طَائِرٌ فَيَقْتُلُهُ فَيَكُونُ نَهْيًا عَنْ أَكْلِ كُلِّ طَيْرٍ قَتَلَهُ طَيْرٌ آخَرُ بِجُثُومِهِ عَلَيْهِ وَقِيلَ بِالْفَتْحِ هُوَ الَّذِي يُرْمَى حَتَّى يَجْثُمَ فَيَمُوتَ، وَمَا لَا مِخْلَبَ لَهُ مِنْ الطَّيْرِ فَالْمُسْتَأْنِسُ مِنْهُ كَالدَّجَاجِ وَالْبَطِّ وَالْمُتَوَحِّشُ كَالْحَمَامِ وَالْفَاخِتَةِ وَالْعَصَافِيرِ والقبج وَالْكُرْكِيِّ وَالْغُرَابِ الَّذِي يَأْكُلُ الْحَبَّ وَالزَّرْعَ وَالْعَقْعَقِ وَنَحْوِهَا حَلَالٌ بِالْإِجْمَاعِ.
-
(فَصْلٌ) :
-
وَأَمَّا بَيَانُ مَا يُكْرَهُ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ فَيُكْرَهُ أَكْلُ لُحُومِ الْإِبِلِ الْجَلَّالَةِ وَهِيَ الَّتِي الْأَغْلَبُ مِنْ أَكْلِهَا النَّجَاسَةُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْإِبِلِ الْجَلَّالَةِ وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْغَالِبُ مِنْ أَكْلِهَا النَّجَاسَاتِ
-
يَتَغَيَّرُ لَحْمُهَا وَيَنْتُنُ فَيُكْرَهُ أَكْلُهُ كَالطَّعَامِ الْمُنْتِنِ. وَرُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الْجَلَّالَةِ أَنْ تُشْرَبَ أَلْبَانُهَا» ؛ لِأَنَّ لَحْمَهَا إذَا تَغَيَّرَ يَتَغَيَّرُ لَبَنُهَا، وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام نَهَى عَنْ أَنْ يُحَجَّ عَلَيْهَا وَأَنْ يُعْتَمَرَ عَلَيْهَا وَأَنْ يُغْزَى وَأَنْ يُنْتَفَعَ بِهَا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ» فَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا أَنَتَنَتْ فِي نَفْسِهَا فَيَمْتَنِعُ مِنْ اسْتِعْمَالِهَا حَتَّى لَا يَتَأَذَّى النَّاسُ بِنَتِنِهَا كَذَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ رحمه الله فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الْكَرْخِيِّ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الطَّحَاوِيَّ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهَا مِنْ الْعَمَلِ وَغَيْرِهِ إلَّا أَنْ تُحْبَسَ أَيَّامًا وَتُعْلَفَ فَحِينَئِذٍ تَحِلُّ.
-
وَمَا ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ رحمه الله أَجْوَدُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ لِمَعْنًى يَرْجِعُ إلَى ذَاتِهَا بَلْ لِعَارِضٍ جَاوَرَهَا فَكَانَ الِانْتِفَاعُ بِهَا حَلَالًا فِي ذَاتِهِ إلَّا أَنَّهُ يُمْنَعُ عَنْهُ لِغَيْرِهِ ثُمَّ لَيْسَ لِحَبْسِهَا تَقْدِيرٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ رحمه الله أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ رضي الله عنه لَا يُوَقِّتُ فِي حَبْسِهَا وَقَالَ تُحْبَسُ حَتَّى تَطِيبَ وَهُوَ قَوْلُهُمَا أَيْضًا، وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أَنَّهَا تُحْبَسُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَرَوَى ابْنُ رُسْتُمَ رحمه الله عَنْ مُحَمَّدٍ فِي النَّاقَةِ الْجَلَّالَةِ أَوْ الشَّاةِ وَالْبَقَرِ الْجَلَّالِ أَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ جَلَّالَةً إذَا تَفَتَّتَتْ وَتَغَيَّرَتْ وَوُجِدَ مِنْهَا رِيحٌ مُنْتِنَةٌ فَهِيَ الْجَلَّالَةُ حِينَئِذٍ لَا يُشْرَبُ لَبَنُهَا وَلَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا، وَبَيْعُهَا وَهِبَتُهَا جَائِزٌ، هَذَا إذَا كَانَتْ لَا تَخْلِطُ وَلَا تَأْكُلُ إلَّا الْعَذِرَةَ غَالِبًا فَإِنْ خَلَطَتْ فَلَيْسَتْ جَلَّالَةً فَلَا تُكْرَهُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْتُنُ.
-
وَلَا يُكْرَهُ أَكْلُ الدَّجَاجِ الْمَحَلِّيِّ وَإِنْ كَانَ يَتَنَاوَلُ النَّجَاسَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ أَكْلُ النَّجَاسَةِ بَلْ يَخْلِطُهَا بِغَيْرِهَا وَهُوَ الْحَبُّ فَيَأْكُلُ ذَا وَذَا،
-
وَقِيلَ إنَّمَا لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْتُنُ كَمَا يَنْتُنُ الْإِبِلُ وَالْحُكْمُ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّتَنِ؛ وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا فِي جَدْيٍ ارْتَضَعَ بِلَبَنِ خِنْزِيرٍ حَتَّى كَبِرَ: إنَّهُ لَا يُكْرَهُ أَكْلُهُ؛ لِأَنَّ لَحْمَهُ لَا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَنْتُنُ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِي الْجَلَّالَةِ لِمَكَانِ التَّغَيُّرِ وَالنَّتْنِ لَا لِتَنَاوُلِ النَّجَاسَةِ وَلِهَذَا إذَا خَلَطَتْ لَا يُكْرَهُ وَإِنْ وُجِدَ تَنَاوُلُ النَّجَاسَةِ؛
-
لِأَنَّهَا لَا تَنْتُنُ فَدَلَّ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلنَّتْنِ لَا لِتَنَاوُلِ النَّجَاسَةِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ تُحْبَسَ الدَّجَاجُ حَتَّى يَذْهَبَ مَا فِي بَطْنِهَا مِنْ النَّجَاسَةِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَحْبِسُ الدَّجَاجَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ يَأْكُلُهُ» وَذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ التَّنَزُّهِ وَهُوَ رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِمَا الرَّحْمَةُ أَنَّهَا تُحْبَسُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَأَنَّهُ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ لِلْخَبَرِ وَلِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَا فِي جَوْفِهَا مِنْ النَّجَاسَةِ يَزُولُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ ظَاهِرًا وَغَالِبًا.
-
الْغُرَابُ الْأَسْوَدُ الْكَبِيرُ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَكْلِ الْغُرَابِ فَقَالَ: مَنْ يَأْكُلُ بَعْدَ مَا سَمَّاهُ اللَّهُ تبارك وتعالى فَاسِقًا عَنَى بِذَلِكَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «خَمْسٌ مِنْ الْفَوَاسِقِ يَقْتُلهُنَّ الْمُحْرِمُ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ» ؛ وَلِأَنَّ غَالِبَ أَكْلِهَا الْجِيَفُ فَيُكْرَهُ أَكْلُهَا كَالْجَلَّالَةِ،
-
وَلَا بَأْسَ بِغُرَابِ الزَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ يَأْكُلُ الْحَبَّ وَالزَّرْعَ وَلَا يَأْكُلُ الْجِيَفَ هَكَذَا رَوَى بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - عَنْ أَكْلِ الْغُرَابِ فَرَخَّصَ فِي غُرَابِ الزَّرْعِ وَكَرِهَ الْغُدَافَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ الْأَبْقَعِ فَكَرِهَ ذَلِكَ.
-
وَإِنْ كَانَ غُرَابًا يَخْلِطُ فَيَأْكُلُ الْجِيَفَ وَيَأْكُلُ الْحَبَّ لَا يُكْرَهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ قَالَ: وَإِنَّمَا يُكْرَهُ مِنْ الطَّيْرِ مَا لَا يَأْكُلُ إلَّا الْجِيَفَ.
-
وَلَا بَأْسَ بِالْعَقْعَقِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِذِي مِخْلَبٍ وَلَا مِنْ الطَّيْرِ الَّذِي لَا يَأْكُلُ إلَّا الْحَبَّ كَذَا رَوَى أَبُو يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ رحمه الله فِي أَكْلِ الْعَقْعَقِ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، فَقُلْت: إنَّهُ يَأْكُلُ الْجِيَفَ فَقَالَ: إنَّهُ يَخْلِطُ.
-
فَحَصَلَ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَا يَخْلِطُ مِنْ الطُّيُورِ لَا يُكْرَهُ أَكْلُهُ كَالدَّجَاجِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رحمه الله : يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ غَالِبَ أَكْلِهِ الْجِيَفُ.
-
وَأَمَّا بَيَانُ شَرْطِ حِلِّ الْأَكْلِ فِي الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ فَشَرْطُ حِلِّ الْأَكْلِ فِي الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ الْبَرِّيِّ هُوَ الذَّكَاةُ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ بِدُونِهَا؛ لِقَوْلِهِ تبارك وتعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ إلَى قَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ اسْتَثْنَى سبحانه وتعالى الذَّكِيَّ مِنْ الْمُحَرَّمِ وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ التَّحْرِيمِ إبَاحَةٌ.
-
ثُمَّ الْكَلَامُ فِي الذَّكَاةِ فِي الْأَصْلِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: .
-
فِي بَيَانِ رُكْنِ الذَّكَاةِ، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ الرُّكْنِ، وَفِي بَيَانِ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ الذَّكَاةِ وَمَا يُكْرَهُ مِنْهَا.
-
فَالذَّكَاةُ نَوْعَانِ: اخْتِيَارِيَّةٌ، وَضَرُورِيَّةٌ.
-
أَمَّا الِاخْتِيَارِيَّةُ فَرُكْنُهَا الذَّبْحُ فِيمَا يُذْبَحُ مِنْ الشَّاةِ وَالْبَقَرَةِ وَنَحْوِهِمَا، وَالنَّحْرُ فِيمَا يُنْحَرُ وَهُوَ الْإِبِلُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى الذَّبْحِ، وَالنَّحْرُ لَا يَحِلُّ بِدُونِ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ فِي الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ لِمَكَانِ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ وَأَنَّهُ لَا يَزُولُ إلَّا بِالذَّبْحِ وَالنَّحْرِ؛ وَلِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا وَرَدَ بِإِحْلَالِ الطَّيِّبَاتِ.
-
قَالَ اللَّهُ تبارك وتعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ ، وَقَالَ سبحانه وتعالى ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ وَلَا يَطِيبُ إلَّا بِخُرُوجِ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ وَذَلِكَ بِالذَّبْحِ وَالنَّحْرِ
-
وَلِهَذَا حُرِّمَتْ الْمَيْتَةُ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ وَهُوَ الدَّمُ الْمَسْفُوحُ فِيهَا قَائِمٌ وَلِذَا لَا يَطِيبُ مَعَ قِيَامِهِ وَلِهَذَا يَفْسُدُ فِي أَدْنَى مُدَّةِ مَا يَفْسُدُ فِي مِثْلِهَا الْمَذْبُوحُ،
-
وَكَذَا الْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ لِمَا قُلْنَا.
-
وَالذَّبْحُ هُوَ فَرْيُ الْأَوْدَاجِ وَمَحَلُّهُ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَاللَّحْيَيْنِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام «الذَّكَاةُ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَاللِّحْيَةِ» أَيْ مَحَلُّ الذَّكَاةِ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَاللَّحْيَيْنِ وَرُوِيَ الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ وَالنَّحْرُ فَرْيُ الْأَوْدَاجِ وَمَحَلُّهُ آخِرُ الْحَلْقِ،
-
وَلَوْ نُحِرَ مَا يُذْبَحُ وَذُبِحَ مَا يُنْحَرُ يَحِلُّ لِوُجُودِ فَرْيِ الْأَوْدَاجِ وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي الْإِبِلِ النَّحْرُ وَفِي غَيْرِهَا الذَّبْحُ.
-
أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ فِي الْإِبِلِ النَّحْرَ وَفِي الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ الذَّبْحَ فَقَالَ سبحانه وتعالى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ قِيلَ فِي التَّأْوِيلِ أَيْ: انْحَرْ الْجَزُورَ، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ وَالذِّبْحُ بِمَعْنَى الْمَذْبُوحِ كَالطَّحْنِ بِمَعْنَى الْمَطْحُونِ وَهُوَ الْكَبْشُ الَّذِي فُدِيَ بِهِ سَيِّدُنَا إسْمَاعِيلُ أَوْ سَيِّدُنَا إِسْحَاقُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا - عَلَى اخْتِلَافِ أَصْلِ الْقِصَّةِ فِي ذَلِكَ
-
وَكَذَا «النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام نَحَرَ الْإِبِلَ وَذَبَحَ الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ» فَدَلَّ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ السُّنَّةُ، وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ رحمه الله فِي الْأَصْلِ وَقَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَانُوا يَنْحَرُونَ الْإِبِلَ قِيَامًا مَعْقُولَةَ الْيَدِ الْيُسْرَى فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ النَّحْرَ فِي الْإِبِلِ هُوَ السُّنَّةُ؛
-
لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الذَّكَاةِ إنَّمَا هُوَ الْأَسْهَلُ عَلَى الْحَيَوَانِ وَمَا فِيهِ نَوْعُ رَاحَةٍ لَهُ فِيهِ فَهُوَ أَفْضَلُ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام قَالَ: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» .
-
وَالْأَسْهَلُ فِي الْإِبِلِ النَّحْرُ لِخُلُوِّ لَبَّتِهَا عَنْ اللَّحْمِ وَاجْتِمَاعِ اللَّحْمِ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ خَلْفِهَا، وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ جَمِيعُ حَلْقِهَا لَا يَخْتَلِفُ.
-
فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: «نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» ؟ أَيْ: وَنَحَرْنَا الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْأَوَّلِ فَكَانَ خَبَرُ الْأَوَّلِ خَبَرًا لِلثَّانِي كَقَوْلِنَا: جَاءَنِي زَيْدٌ وَعَمْرٌو فَالْجَوَابُ أَنَّ الذَّبْحَ مُضْمَرٌ فِيهِ وَمَعْنَاهُ وَذَبَحْنَا الْبَقَرَةَ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي الشَّيْءِ إذَا عُطِفَ عَلَى غَيْرِهِ وَخَبَرُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لَا يَحْتَمِلُ الْوُجُودَ فِي الْمَعْطُوفِ أَوْ لَا يُوجَدُ عَادَةً أَنْ يُضْمَرَ الْمُتَعَارَفُ الْمُعْتَادُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
-
وَلَقِيت زَوْجَك فِي الْوَغَى … مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا
-
أَيْ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَمُعْتَقِلًا رُمْحًا، وَقَالَ آخَرُ:
-
عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا
-
أَيْ: عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَسَقَيْتُهَا مَاءً بَارِدًا؛ لِأَنَّ الرُّمْحَ لَا يَحْتَمِلُ التَّقَلُّدَ أَوْ لَا يُتَقَلَّدُ عَادَةً، وَالْمَاءُ لَا يُعْلَفُ بَلْ يُسْقَى كَذَا هَهُنَا الذَّبْحُ فِي الْبَقَرِ هُوَ الْمُعْتَادُ فَيُضْمَرُ فِيهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: نَحَرْنَا الْبَدَنَةَ وَذَبَحْنَا الْبَقَرَةَ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاء - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -.
-
وَقَالَ مَالِكٌ رحمه الله : إذَا ذَبَحَ الْبَدَنَةَ لَا تَحِلُّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى أَمَرَ فِي الْبَدَنَةِ بِالنَّحْرِ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ فَإِذَا ذَبَحَ فَقَدْ تَرَكَ الْمَأْمُورَ بِهِ فَلَا يَحِلُّ.
-
وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَفَرَى الْأَوْدَاجَ فَكُلْ» ، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالنَّحْرِ فِي الْبَدَنَةِ لَيْسَ لِعَيْنِهِ بَلْ لِإِنْهَارِ الدَّمِ وَإِفْرَاءِ الْأَوْدَاجِ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ وَلَا بَأْسَ فِي الْحَلْقِ كُلِّهِ أَسْفَلِهِ أَوْ أَوْسَطِهِ أَوْ أَعْلَاهُ؛
-
لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «الذَّكَاةُ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَاللَّحْيَيْنِ» ، وَقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ إخْرَاجُ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ وَتَطْيِيبُ اللَّحْمِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِقَطْعِ الْأَوْدَاجِ فِي الْحَلْقِ كُلِّهِ.
-
ثُمَّ الْأَوْدَاجُ أَرْبَعَةٌ: الْحُلْقُومُ، وَالْمَرِيءُ، وَالْعِرْقَانِ اللَّذَانِ بَيْنَهُمَا الْحُلْقُومُ وَالْمَرِيءُ،
-
فَإِذَا فَرَى ذَلِكَ كُلَّهُ فَقَدْ أَتَى بِالذَّكَاةِ بِكَمَالِهَا وَسُنَنِهَا وَإِنْ فَرَى الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه إذَا قَطَعَ أَكْثَرَ الْأَوْدَاجِ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ مِنْهَا أَيُّ ثَلَاثَةٍ كَانَتْ وَتَرَكَ وَاحِدًا يَحِلُّ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رحمه الله : لَا يَحِلُّ حَتَّى يُقْطَعَ الْحُلْقُومُ وَالْمَرِيءُ وَأَحَدُ الْعِرْقَيْنِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله : لَا يَحِلُّ حَتَّى يُقْطَعَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَرْبَعَةِ أَكْثَرُهُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله : إذَا قُطِعَ الْحُلْقُومُ وَالْمَرِيءُ حُلَّ إذَا اُسْتُوْعِبَ قَطْعُهُمَا.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه أَنَّ الذَّبْحَ إزَالَةُ الْحَيَاةِ وَالْحَيَاةُ لَا تَبْقَى بَعْدَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ عَادَةً وَقَدْ تَبْقَى بَعْدَ قَطْعِ الْوَدَجَيْنِ إذْ هُمَا عِرْقَانِ كَسَائِرِ الْعُرُوقِ، وَالْحَيَاةُ تَبْقَى بَعْدَ قَطْعِ عِرْقَيْنِ مِنْ سَائِرِ الْعُرُوقِ.
-
(وَلَنَا) أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الذَّبْحِ إزَالَةُ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ الدَّمُ الْمَسْفُوحُ وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِقَطْعِ الْوَدَجِ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أَنَّهُ إذَا قُطِعَ الْأَكْثَرُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَرْبَعَةِ فَقَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِالذَّبْحِ وَهُوَ خُرُوجُ الدَّمِ؛ لِأَنَّهُ يُخْرِجُ مَا يَخْرُجُ
-
بِقَطْعِ الْكُلِّ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْعُرُوقِ يُقْصَدُ بِقَطْعِهِ غَيْرُ مَا يُقْصَدُ بِهِ الْآخَرُ؛ لِأَنَّ الْحُلْقُومَ مَجْرَى النَّفَسِ، وَالْمَرِيءَ مَجْرَى الطَّعَامِ، وَالْوَدَجَيْنِ مَجْرَى الدَّمِ فَإِذَا قُطِعَ أَحَدُ الْوَدَجَيْنِ حَصَلَ بِقَطْعِهِ الْمَقْصُودُ مِنْهُمَا وَإِذَا تُرِكَ الْحُلْقُومُ لَمْ يَحْصُلْ بِقَطْعِ مَا سِوَاهُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - أَنَّهُ قَطَعَ الْأَكْثَرَ مِنْ الْعُرُوقِ الْأَرْبَعَةِ وَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ فِيمَا بُنِيَ عَلَى التَّوْسِعَةِ فِي أُصُولِ الشَّرْعِ، وَالذَّكَاةُ بُنِيَتْ عَلَى التَّوْسِعَةِ حَيْثُ يُكْتَفَى فِيهَا بِالْبَعْضِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْكَيْفِيَّةِ فَيُقَامُ الْأَكْثَرُ فِيهَا مَقَامَ الْجَمِيعِ.
-
وَلَوْ ضَرَبَ عُنُقَ جَزُورٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَوْ شَاةٍ بِسَيْفِهِ وَأَبَانَهَا وَسَمَّى فَإِنْ كَانَ ضَرَبَهَا مِنْ قِبَلِ الْحُلْقُومِ تُؤْكَلْ وَقَدْ أَسَاءَ.
-
أَمَّا حِلُّ الْأَكْلِ؛ فَلِأَنَّهُ أَتَى بِفِعْلِ الذَّكَاةِ وَهُوَ قَطْعُ الْعُرُوقِ.
-
وَأَمَّا الْإِسَاءَةُ؛ فَلِأَنَّهُ زَادَ فِي أَلَمِهَا زِيَادَةً لَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا فِي الذَّكَاةِ فَيُكْرَهُ ذَلِكَ.
-
وَإِنْ ضَرَبَهَا مِنْ الْقَفَا فَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ الْقَطْعِ بِأَنْ ضَرَبَ عَلَى التَّأَنِّي وَالتَّوَقُّفِ لَا تُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهَا مَاتَتْ قَبْلَ الذَّكَاةِ فَكَانَتْ مَيْتَةً وَإِنْ قَطَعَ الْعُرُوقَ قَبْلَ مَوْتِهَا تُؤْكَلْ لِوُجُودِ فِعْلِ الذَّكَاةِ وَهِيَ حَيَّةٌ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِي أَلَمِهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ وَإِنْ أَمْضَى فِعْلَهُ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ تُؤْكَلُ؛
-
لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَوْتَهَا بِالذَّكَاةِ.
-
وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا ذَبَحَ بِالْمَرْوَةِ أَوْ بِلِيطَةِ الْقَصَبِ أَوْ بِشِقَّةِ الْعَصَا أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْآلَاتِ الَّتِي تَقْطَعُ أَنَّهُ يَحِلُّ لِوُجُودِ مَعْنَى الذَّبْحِ وَهُوَ فَرْيُ الْأَوْدَاجِ، وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ الْآلَةَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: آلَةٌ تَقْطَعُ، وَآلَةٌ تَفْسَخُ.
-
وَاَلَّتِي تَقْطَعُ نَوْعَانِ: حَادَّةٌ، وَكَلِيلَةٌ.
-
أَمَّا الْحَادَّةُ فَيَجُوزُ الذَّبْحُ بِهَا حَدِيدًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ حَدِيدٍ وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِ الذَّبْحِ بِدُونِ الْحَدِيدِ مَا رُوِيَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ أَحَدَنَا أَصَابَ صَيْدًا وَلَيْسَ مَعَهُ سِكِّينٌ أَيُذَكِّي بِمَرْوَةِ أَوْ بِشِقَّةِ الْعَصَا؟ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام أَنْهِرْ الدَّمَ بِمَا شِئْت وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى» .
-
وَرُوِيَ «أَنَّ جَارِيَةً لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه ذَبَحَتْ شَاةً بِمَرْوَةِ فَسَأَلَ كَعْبٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَأَمَرَ بِأَكْلِهَا» ؛ وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ بِالْحَدِيدِ وَالْجَوَازُ لَيْسَ لِكَوْنِهِ مِنْ جِنْسِ الْحَدِيدِ بَلْ لِوُجُودِ مَعْنَى الْحَدِيدِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِالْحَدِيدِ الَّذِي لَا حَدَّ لَهُ فَإِذَا وُجِدَ مَعْنَى الْحَدِّ فِي الْمَرْوَةِ وَاللِّيطَةِ جَازَ الذَّبْحُ بِهِمَا وَأَمَّا الْكَلِيلَةُ فَإِنْ كَانَتْ تَقْطَعُ يَجُوزُ لِحُصُولِ مَعْنَى الذَّبْحِ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ إيلَامٍ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا، وَلِهَذَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَحْدِيدِ الشَّفْرَةِ وَإِرَاحَةِ الذَّبِيحَةِ.
-
وَكَذَلِكَ إذَا جُرِحَ بِظُفْرٍ مَنْزُوعٍ أَوْ سِنٍّ مَنْزُوعٍ جَازَ الذَّبْحُ بِهِمَا وَيُكْرَهُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله : لَا يَجُوزُ وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَنْهِرْ الدَّمَ بِمَا شِئْت إلَّا مَا كَانَ مِنْ سِنٍّ أَوْ ظُفُرٍ فَإِنَّ الظُّفُرَ مُدَى الْحَبَشَةِ وَالسِّنَّ عَظْمٌ مِنْ الْإِنْسَانِ» اسْتَثْنَى عليه الصلاة والسلام الظُّفُرَ وَالسِّنَّ مِنْ الْإِبَاحَةِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الْإِبَاحَةِ يَكُونُ حَظْرًا وَعُلِّلَ عليه الصلاة والسلام بِكَوْنِ الظُّفُرِ مُدَى الْحَبَشَةِ وَكَوْنِ السِّنِّ عَظْمَ الْإِنْسَانِ، وَهَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْإِنْكَارِ وَلَنَا أَنَّهُ لَمَّا قَطَعَ الْأَوْدَاجَ فَقَدْ وَجَدَ الذَّبْحَ بِهِمَا فَيَجُوزُ كَمَا لَوْ ذَبَحَ بِالْمَرْوَةِ وَلِيطَةِ الْقَصَبِ.
-
وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَالْمُرَادُ السِّنُّ الْقَائِمُ وَالظُّفْرُ الْقَائِمُ؛ لِأَنَّ الْحَبَشَةَ إنَّمَا كَانَتْ تَفْعَلُ ذَلِكَ لِإِظْهَارِ الْجَلَادَةِ وَذَاكَ بِالْقَائِمِ لَا بِالْمَنْزُوعِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ رُوِيَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ إلَّا مَا كَانَ قَرْضًا بِسِنٍّ أَوْ حَزًّا بِظُفْرٍ وَالْقَرْضُ إنَّمَا يَكُونُ بِالسِّنِّ الْقَائِمِ.
-
وَأَمَّا الْآلَةُ الَّتِي تَفْسَخُ فَالظُّفْرُ الْقَائِمُ وَالسِّنُّ الْقَائِمُ وَلَا يَجُوزُ الذَّبْحُ بِهِمَا بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْ ذَبَحَهُمَا كَانَ مَيْتَةً لِلْخَبَرِ الَّذِي رَوَيْنَا وَلِأَنَّ الظُّفْرَ وَالسِّنَّ إذَا لَمْ يَكُنْ مُنْفَصِلًا فَالذَّابِحُ يَعْتَمِدُ عَلَى الذَّبِيحِ فَيُخْنَقُ وَيَنْفَسِخُ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ حَتَّى قَالُوا: لَوْ أَخَذَ غَيْرُهُ يَدَهُ فَأَمَرَّ يَدَهُ كَمَا أَمَرَّ السِّكِّينَ وَهُوَ سَاكِتٌ يَجُوزُ وَيَحِلُّ أَكْلُهُ.
-
وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ الْجَنِينُ إذَا خَرَجَ بَعْدَ ذَبْحِ أُمِّهِ إنْ خَرَجَ حَيًّا فَذَكِيٌّ يَحِلُّ وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الذَّبْحِ لَا يُؤْكَلُ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ خَرَجَ مَيِّتًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَامِلَ الْخَلْقِ لَا يُؤْكَلُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْمُضْغَةِ،
-
وَإِنْ كَانَ كَامِلَ الْخَلْقِ اُخْتُلِفَ فِيهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رضي الله عنه : لَا يُؤْكَلُ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ رحمهم الله ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ رحمهم الله : لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام «ذَكَاةُ الْجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ» فَيَقْتَضِي أَنَّهُ يَتَذَكَّى بِذَكَاةِ أُمِّهِ وَلِأَنَّهُ تَبَعٌ لِأُمِّهِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا.
-
(أَمَّا) الْحَقِيقَةُ فَظَاهِرٌ.
-
وَأَمَّا الْحُكْمُ؛ فَلِأَنَّهُ يُبَاعُ بِبَيْعِ الْأُمِّ وَيُعْتَقُ بِعِتْقِهَا وَالْحُكْمُ فِي التَّبَعِ يَثْبُتُ بِعِلَّةِ الْأَصْلِ وَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ عِلَّةٌ عَلَى حِدَةٍ لِئَلَّا يَنْقَلِبَ التَّبَعُ أَصْلًا، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ وَالْجَنِينُ مَيْتَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا حَيَاةَ فِيهِ وَالْمَيْتَةُ مَا لَا حَيَاةَ فِيهِ فَيَدْخُلُ تَحْتَ النَّصِّ فَإِنْ قِيلَ الْمَيْتَةُ اسْمٌ لِزَائِلِ الْحَيَاةِ
-
فَيَسْتَدْعِي تَقَدُّمَ الْحَيَاةِ وَهَذَا لَا يُعْلَمُ فِي الْجَنِينِ فَالْجَوَابُ أَنَّ تَقَدُّمَ الْحَيَاةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِإِطْلَاقِ اسْمِ الْمَيِّتِ، قَالَ اللَّهُ تبارك وتعالى ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عَلَى أَنَّا إنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ حَيًّا فَمَاتَ بِمَوْتِ الْأُمِّ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَيُحَرَّمُ احْتِيَاطًا؛
-
وَلِأَنَّهُ أَصْلٌ فِي الْحَيَاة فَيَكُونُ لَهُ أَصْلٌ فِي الذَّكَاةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ أَصْلٌ فِي الْحَيَاةِ أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ بَقَاؤُهُ حَيًّا بَعْدَ ذَبْحِ الْأُمِّ.
-
وَلَوْ كَانَ تَبَعًا لِلْأُمِّ فِي الْحَيَاةِ لَمَا تُصُوِّرَ بَقَاؤُهُ حَيًّا بَعْدَ زَوَالِ الْحَيَاةِ عَنْ الْأُمِّ وَإِذَا كَانَ أَصْلًا فِي الْحَيَاةِ يَكُونُ أَصْلًا فِي الذَّكَاةِ؛ لِأَنَّ الذَّكَاةَ تَفْوِيتُ الْحَيَاةِ وَلِأَنَّهُ إذَا تُصُوِّرَ بَقَاؤُهُ حَيًّا بَعْدَ ذَبْحِ الْأُمِّ لَمْ يَكُنْ ذَبْحُ الْأُمِّ سَبَبًا لِخُرُوجِ الدَّمِ عَنْهُ إذْ لَوْ كَانَ لَمَا تُصُوِّرَ بَقَاؤُهُ حَيًّا بَعْدَ ذَبْحِ الْأُمِّ إذْ الْحَيَوَانُ الدَّمَوِيُّ لَا يَعِيشُ بِدُونِ الدَّمِ عَادَةً فَبَقِيَ الدَّمُ الْمَسْفُوحُ فِيهِ وَلِهَذَا إذَا جُرِحَ يَسِيلُ مِنْهُ الدَّمُ، وَأَنَّهُ حُرِّمَ بِقَوْلِهِ سبحانه وتعالى ﴿دَمًا مَسْفُوحًا﴾ وَقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ وَلَا يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ لَحْمِهِ وَدَمِهِ فَيَحْرُمُ لَحْمُهُ أَيْضًا.
-
وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَقَدْ رُوِيَ بِنَصْبِ الذَّكَاةِ الثَّانِيَةِ مَعْنَاهُ كَذَكَاةِ أُمِّهِ إذْ التَّشْبِيهُ قَدْ يَكُونُ بِحَرْفِ التَّشْبِيهِ وَقَدْ يَكُونُ بِحَذْفِ حَرْفِ التَّشْبِيهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ ، وَقَالَ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ أَيْ كَنَظَرِ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ؛
-
لِأَنَّ تَشْبِيهَ ذَكَاةِ الْجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ يَقْتَضِي اسْتِوَاءَهُمَا فِي الِافْتِقَارِ إلَى الذَّكَاةِ.
-
وَرِوَايَةُ الرَّفْعِ تَحْتَمِلُ التَّشْبِيهَ أَيْضًا قَالَ اللَّهُ سبحانه وتعالى ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ أَيْ: عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَوَاتِ فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَيْكُمْ وَيُحْتَمَلُ الْكِنَايَةُ كَمَا قَالُوا فَلَا تَكُونُ حُجَّةً مَعَ الِاحْتِمَالِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ وَرَدَ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَأَنَّهُ دَلِيلُ عَدَمِ الثُّبُوتِ إذْ لَوْ كَانَ ثَابِتًا لَاشْتَهَرَ.
-
وَإِذَا خَرَجَتْ مِنْ الدَّجَاجَةِ الْمَيِّتَةِ بَيْضَةٌ تُؤْكَلُ عِنْدَنَا سَوَاءٌ اشْتَدَّ قِشْرُهَا أَوْ لَمْ يَشْتَدَّ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله إنْ اشْتَدَّ قِشْرُهَا تُؤْكَلُ وَإِلَّا فَلَا.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَشْتَدَّ قِشْرُهَا فَهِيَ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَيْتَةِ فَتَحْرُمُ بِتَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَإِذَا اشْتَدَّ قِشْرُهَا فَقَدْ صَارَ شَيْئًا آخَرَ وَهُوَ مُنْفَصِلٌ عَنْ الدَّجَاجَةِ فَيَحِلُّ.
-
(وَلَنَا) أَنَّهُ شَيْءٌ طَاهِرٌ فِي نَفْسِهِ مُودَعٌ فِي الطَّيْرِ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ لَيْسَ مِنْ أَجْزَائِهِ فَتَحْرِيمُهَا لَا يَكُونُ تَحْرِيمًا لَهُ كَمَا إذَا اشْتَدَّ قِشْرُهَا.
-
وَلَوْ مَاتَتْ شَاةٌ وَخَرَجَ مِنْ ضَرْعِهَا لَبَنٌ يُؤْكَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لَا يُؤْكَلُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رحمهم الله جَمِيعًا إلَّا أَنَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يُؤْكَلُ لِكَوْنِهِ مَيْتَةً وَعِنْدَهُمَا لَا يُؤْكَلُ لِنَجَاسَةِ الْوِعَاءِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ قَوْلُهُ تبارك وتعالى ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْآيَةِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدِهَا: أَنَّهُ وَصَفَهُ بِكَوْنِهِ خَالِصًا فَيَقْتَضِي أَنْ لَا يَشُوبَهُ شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ سبحانه وتعالى وَصَفَهُ بِكَوْنِهِ سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ وَالْحَرَامُ لَا يَسُوغُ لِلْمُسْلِمِ، وَالثَّالِثِ: أَنَّهُ سبحانه وتعالى مَنَّ عَلَيْنَا بِذَلِكَ إذْ الْآيَةُ خَرَجَتْ مَخْرَجَ الْمِنَّةِ، وَالْمِنَّةُ بِالْحَلَالِ لَا بِالْحَرَامِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْإِنْفَحَةُ إذَا كَانَتْ مَائِعَةً وَإِنْ كَانَتْ صُلْبَةً فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله : تُؤْكَلُ وَتُسْتَعْمَلُ فِي الْأَدْوِيَةِ كُلِّهَا وَعِنْدَهُمَا يُغْسَلُ ظَاهِرُهَا وَتُؤْكَلُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا تُؤْكَلُ أَصْلًا.
-
(وَأَمَّا) الِاضْطِرَارِيَّةُ فَرُكْنُهَا الْعَقْرُ وَهُوَ الْجَرْحُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ وَذَلِكَ فِي الصَّيْدِ وَمَا هُوَ فِي مَعْنَى الصَّيْدِ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَقْدُورًا وَلَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِ الدَّمِ لِإِزَالَةِ الْمُحَرَّمِ وَتَطْيِيبِ اللَّحْمِ وَهُوَ الدَّمُ الْمَسْفُوحُ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَيُقَامُ سَبَبُ الذَّبْحِ مَقَامَهُ وَهُوَ الْجَرْحُ عَلَى الْأَصْلِ الْمَعْهُودِ فِي الشَّرْعِ مِنْ إقَامَةِ السَّبَبِ مَقَامَ الْمُسَبِّبِ عِنْدَ الْعُذْرِ وَالضَّرُورَةِ كَمَا يُقَامُ السَّفَرُ مَقَامَ الْمَشَقَّةِ، وَالنِّكَاحُ مَقَامَ الْوَطْءِ، وَالنَّوْمُ مُضْطَجِعًا أَوْ مُتَوَرِّكًا مَقَامَ الْحَدَثِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ.
-
وَكَذَلِكَ مَا نَدَّ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا؛ لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الصَّيْدِ وَإِنْ كَانَ مُسْتَأْنِسًا وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ بَعِيرًا نَدَّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَمَاهُ رَجُلٌ فَقَتَلَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا» وَسَوَاءٌ نَدَّ الْبَعِيرُ وَالْبَقَرُ فِي الصَّحْرَاءِ أَوْ فِي الْمِصْرِ فَذَكَاتُهُمَا الْعَقْرُ كَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ؛
-
لِأَنَّهُمَا يَدْفَعَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا فَلَا يُقْدَرُ عَلَيْهِمَا قَالَ مُحَمَّدٌ: وَالْبَعِيرُ الَّذِي نَدَّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَدَلَّ أَنَّ نَدَّ الْبَعِيرِ فِي الصَّحْرَاءِ وَالْمِصْرِ سَوَاءٌ فِي هَذَا الْحُكْمِ.
-
(وَأَمَّا) الشَّاةُ فَإِنْ نَدَّتْ فِي الصَّحْرَاءِ فَذَكَاتُهَا الْعَقْرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْدَرُ عَلَيْهَا وَإِنْ نَدَّتْ فِي الْمِصْرِ لَمْ يَجُزْ عَقْرُهَا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَخْذُهَا إذْ هِيَ لَا تَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهَا فَكَانَ الذَّبْحُ مَقْدُورًا عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ الْعَقْرُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْعَقْرَ خَلَفٌ مِنْ الذَّبْحِ وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْأَصْلِ تَمْنَعُ الْمَصِيرَ إلَى الْخَلَفِ كَمَا فِي التُّرَابِ مَعَ الْمَاءِ وَالْأَشْهُرِ
-
مَعَ الْأَقْرَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ،
-
وَكَذَلِكَ مَا وَقَعَ مِنْهَا فِي قَلِيبٍ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَى إخْرَاجِهِ وَلَا عَلَى مَذْبَحِهِ وَلَا مَنْحَرِهِ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ الصَّيْدِ لِكَوْنِهِ فِي مَعْنَاهُ لِتَعَذُّرِ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ، وَذُكِرَ فِي الْمُنْتَقَى فِي الْبَعِيرِ إذَا صَالَ عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَهُ وَهُوَ يُرِيدُ الذَّكَاةَ حَلَّ أَكْلُهُ إذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ وَضَمِنَ قِيمَتَهُ؛
-
لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الصَّيْدِ فَجَعَلَ الصِّيَالَ مِنْهُ كَنَدِّهِ؛ لِأَنَّهُ يَعْجَزُ عَنْ أَخْذِهِ فَيَعْجَزُ عَنْ نَحْرِهِ فَيُقَامُ الْجَرْحُ فِيهِ مَقَامَ النَّحْرِ كَمَا فِي الصَّيْدِ ثُمَّ لَا خِلَافَ فِي الِاصْطِيَادِ بِالسَّهْمِ وَالرُّمْحِ وَالْحَجَرِ وَالْخَشَبِ وَنَحْوِهَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجْرَحْ لَا يَحِلُّ، وَأَصْلُهُ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام إذَا خَرَقَ فَكُلْ وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرَضٍ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ» .
-
(وَأَمَّا) الِاصْطِيَادُ بِالْجَوَارِحِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ إمَّا بِنَابٍ كَالْكَلْبِ وَالْفَهْدِ وَنَحْوِهِمَا،
-
وَإِمَّا بِالْمِخْلَبِ كَالْبَازِي وَالشَّاهِينِ وَنَحْوِهِمَا فَكَذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجْرَحْ لَا يَحِلُّ حَتَّى لَوْ خَنَقَ أَوْ صَدَمَ وَلَمْ يَجْرَحْ وَلَمْ يَكْسِرْ عُضْوًا مِنْهُ لَا يَحِلُّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَحِلُّ.
-
(وَجْهُ) هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْكَلْبَ يَأْخُذُ الصَّيْدَ عَلَى حَسْبِ مَا يَتَّفِقُ لَهُ فَقَدْ يَتَّفِقُ لَهُ الْأَخْذُ بِالْجَرْحِ وَقَدْ يَتَّفِقُ بِالْخَنْقِ وَالصَّدْمِ وَالْحَالُ حَالُ الضَّرُورَةِ فَيُوَسَّعُ الْأَمْرُ فِيهِ وَيُجْعَلُ الْخَنْقُ وَالصَّدْمُ كَالْجَرْحِ كَمَا وُسِّعَ فِي الذَّبْحِ.
-
(وَجْهُ) ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ وَهِيَ مِنْ الْجِرَاحَةَ فَيَقْتَضِي اعْتِبَارَ الْجَرْحِ وَلِأَنَّ الرُّكْنَ هُوَ إخْرَاجُ الدَّمِ وَذَلِكَ بِالذَّبْحِ فِي حَالِ الْقُدْرَةِ وَفِي حَالِ الْعَجْزِ أُقِيمَ الْجَرْحُ مَقَامَهُ؛ لِكَوْنِهِ سَبَبًا فِي خُرُوجِ الدَّمِ وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الْخَنْقِ وَقَدْ رُوِيَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي صَيْدِ الْمِعْرَاضِ إذَا خَرَقَ فَكُلْ، وَإِنْ أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلُ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ» .
-
وَرُوِيَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ: «مَا أَصَبْتَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْ فَهُوَ وَقِيذٌ وَمَا أَصَبْت بِحَدِّهِ فَكُلْ» أَرَادَ عليه الصلاة والسلام الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ عَلَى الْجَرْحِ وَعَدَمِ الْجَرْحِ، وَسَمَّى عليه الصلاة والسلام غَيْرَ الْمَجْرُوحِ وَقِيذًا أَوْ أَنَّهُ حَرَامٌ بِقَوْلِهِ تبارك وتعالى ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ وَلِأَنَّهَا مُنْخَنِقَةٌ وَأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ بِقَوْلِهِ عز وجل ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ فَإِنْ لَمْ يَجْرَحْهُ وَلَمْ يَخْنُقْهُ وَلَكِنَّهُ كَسَرَ عُضْوًا مِنْهُ فَمَاتَ فَقَدْ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ رحمه الله أَنَّهُ لَمْ يُحْكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله فِيهِ شَيْءٌ مُصَرِّحٌ.
-
وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الزِّيَادَاتِ وَأَطْلَقَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُجْرَحْ لَمْ يُؤْكَلْ وَهَذَا الْإِطْلَاقُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَحِلُّ بِالْكَسْرِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إذَا جَرَحَ بِنَابٍ أَوْ مِخْلَبٍ أَوْ كَسَرَ عُضْوًا فَقَتَلَهُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ فَقَدْ جَعَلَ الْكَسْرَ جِرَاحَةَ بَاطِنِهِ فَيُلْحَقُ بِالْجِرَاحَةِ لِظَاهِرِهِ فِي حُكْمٍ بُنِيَ عَلَى الضَّرُورَةِ وَالْعُذْرِ.
-
(وَجْهُ) رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ رحمه الله وَهِيَ الصَّحِيحَةُ أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الذَّبْحُ وَإِنَّمَا أُقِيمَ الْجَرْحُ مَقَامَهُ فِي كَوْنِهِ سَبَبًا لِخُرُوجِ الدَّمِ وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي الْكَسْرِ فَلَا يُقَامُ مَقَامَهُ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَقُمْ الْخَنْقُ مَقَامَهُ وَقَدْ قَالُوا: إذَا أَصَابَ السَّهْمُ ظِلْفَ الصَّيْدِ فَإِنْ وَصَلَ إلَى اللَّحْمِ فَأَدْمَاهُ حَلَّ وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى رِوَايَةِ اعْتِبَارِ الْجَرْحِ.
-
وَلَوْ ذَبَحَ شَاةً وَلَمْ يَسِلْ مِنْهَا دَمٌ قِيلَ: وَهَذَا قَدْ يَكُونُ فِي شَاةٍ اعْتَلَفَتْ الْعُنَّابَ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قَالَ أَبُو الْقَاسِم الصَّفَّارُ رحمه الله : لَا تُؤْكَلُ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «مَا فَرَى الْأَوْدَاجَ وَأَنْهَرَ الدَّمَ فَكُلْ» يُؤْكَلُ بِشَرْطِ إنْهَارِ الدَّمِ وَلَمْ يُوجَدْ؛
-
وَلِأَنَّ الذَّبْحَ لَمْ يُشْرَطْ لِعَيْنِهِ بَلْ لِإِخْرَاجِ الدَّمِ الْمُحَرَّمِ وَتَطْيِيبِ اللَّحْمِ وَلَمْ يُوجَدْ فَلَا يَحِلُّ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْكَافُ، وَالْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: يُؤْكَلُ لِوُجُودِ الذَّبْحِ وَهُوَ فَرْيُ الْأَوْدَاجِ وَإِنَّهُ سَبَبٌ لِخُرُوجِ الدَّمِ عَادَةً لَكِنَّهُ امْتَنَعَ لِعَارِضٍ بَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ فَصَارَ كَالدَّمِ الَّذِي اُحْتُبِسَ فِي بَعْضِ الْعُرُوقِ عَنْ الْخُرُوجِ بَعْدَ الذَّبْحِ وَذَا لَا يَمْنَعُ الْحِلَّ كَذَا هَذَا.
-
وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا قَطَعَ مِنْ أَلْيَةِ الشَّاةِ قِطْعَةً أَوْ مِنْ فَخِذِهَا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الْمُبَانُ وَإِنْ ذُبِحَتْ الشَّاةُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الذَّكَاةِ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْجُزْءِ الْمُبَانِ وَقْتَ الْإِبَانَةِ لِانْعِدَامِ ذَكَاةِ الشَّاةِ لِكَوْنِهَا حَيَّةً وَقْتَ الْإِبَانَةِ، وَحَالَ فَوَاتِ الْحَيَاةِ كَانَ الْجُزْءُ مُنْفَصِلًا وَحُكْمُ الذَّكَاةِ لَا يَظْهَرُ فِي الْجُزْءِ الْمُنْفَصِلِ وَرُوِيَ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَقْطَعُونَ قِطْعَةً مِنْ أَلْيَةِ الشَّاةِ وَمِنْ سَنَامِ الْبَعِيرِ فَيَأْكُلُونَهَا فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ الْمُكَرَّمُ عليه الصلاة والسلام نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام «مَا أُبِينَ مِنْ الْحَيِّ فَهُوَ مَيِّتٌ» وَالْجُزْءُ الْمَقْطُوعُ مُبَانٌ مِنْ حَيٍّ وَبَائِنٌ مِنْهُ فَيَكُونُ مَيِّتًا
-
وَكَذَلِكَ إذَا قُطِعَ ذَلِكَ مِنْ صَيْدٍ لَمْ يُؤْكَلْ الْمَقْطُوعُ،
-
وَإِنْ مَاتَ الصَّيْدُ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَا قُلْنَا.
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله : يُؤْكَلُ إذَا مَاتَ الصَّيْدُ بِذَلِكَ وَسَنَذْكُرُ الْمَسْأَلَةَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ قُطِعَ فَتَعَلَّقَ الْعُضْوُ بِجِلْدِهِ لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ مِنْ التَّعَلُّقِ لَا يُعْتَبَرُ
-
فَكَانَ وُجُودُهُ وَالْعَدَمُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِاللَّحْمِ يُؤْكَلُ الْكُلُّ؛ لِأَنَّ الْعُضْوَ الْمُتَعَلِّقَ بِاللَّحْمِ مِنْ جُمْلَةِ الْحَيَوَانِ، وَذَكَاةُ الْحَيَوَانِ تَكُونُ لِمَا اتَّصَلَ بِهِ.
-
وَلَوْ ضَرَبَ صَيْدًا بِسَيْفٍ فَقَطَعَهُ نِصْفَيْنِ يُؤْكَلُ النِّصْفَانِ عِنْدَنَا جَمِيعًا، وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ قَطْعَ الْأَوْدَاجِ لِكَوْنِهَا مُتَّصِلَةً مِنْ الْقَلْبِ بِالدِّمَاغِ فَأَشْبَهَ الذَّبْحَ فَيُؤْكَلُ الْكُلُّ،
-
وَإِنْ قَطَعَ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ فَمَاتَ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَلِي الْعَجُزَ لَا يُؤْكَلُ الْمُبَانُ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُؤْكَلُ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ الْجَرْحَ فِي الصَّيْدِ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْمَوْتُ فَهُوَ ذَكَاةٌ اضْطِرَارِيَّةٌ وَإِنَّهَا سَبَبُ الْحِلِّ كَالذَّبْحِ.
-
(وَلَنَا) قَوْلُ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام «مَا أُبِينَ مِنْ الْحَيِّ فَهُوَ مَيِّتٌ» وَالْمَقْطُوعُ مُبَانٌ مِنْ الْحَيِّ فَيَكُونُ مَيِّتًا وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ الْجَرْحَ الَّذِي اتَّصَلَ بِهِ الْمَوْتُ ذَكَاةٌ فِي الصَّيْدِ فَنَعَمْ لَكِنَّ حَالَ فَوَاتِ الْحَيَاةِ عَنْ الْمَحَلِّ وَعِنْدَ الْإِبَانَةِ الْمَحَلُّ كَانَ حَيًّا فَلَمْ يَقَعْ الْفِعْلُ ذَكَاةً لَهُ وَعِنْدَمَا صَارَ ذَكَاةً كَانَ الْجُزْءُ مُنْفَصِلًا وَحُكْمُ الذَّكَاةِ لَا يَلْحَقُ الْجُزْءَ الْمُنْفَصِلَ،
-
وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَلِي الرَّأْسَ يُؤْكَلُ الْكُلُّ لِوُجُودِ قَطْعِ الْأَوْدَاجِ فَكَانَ الْفِعْلُ حَالَ وُجُودِهِ ذَكَاةً حَقِيقَةً فَيَحِلُّ بِهِ الْكُلُّ وَإِنْ ضَرَبَ رَأْسَ صَيْدٍ فَأَبَانَهُ نِصْفَيْنِ طُولًا أَوْ عَرْضًا يُؤْكَلُ كُلُّهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ،
-
ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ: لَا يُؤْكَلُ النِّصْفُ الْبَائِنُ وَيُؤْكَلُ مَا بَقِيَ مِنْ الصَّيْدِ وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَوْدَاجَ مُتَّصِلَةٌ بِالدِّمَاغِ فَتَصِيرُ مَقْطُوعَةً بِقَطْعِ الرَّأْسِ وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ عَلَى هَذَا ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا فِيمَا يَلِي الْبَدَنَ مِنْ الرَّأْسِ وَإِنْ كَانَ الْمُبَانُ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ فَكَذَلِكَ يُؤْكَلُ الْكُلُّ لِأَنَّهُ إذَا قَطَعَ الْعُرُوقَ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ذَبْحًا بَلْ كَانَ جَرْحًا وَأَنَّهُ لَا يُبِيحُ الْمُبَانَ لِمَا ذَكَرْنَا.
-
(وَأَمَّا) شَرَائِطُ رُكْنِ الذَّكَاةِ فَأَنْوَاعُ بَعْضُهَا يَعُمُّ نَوْعَيْ الذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، وَالِاضْطِرَارِيَّة وَبَعْضُهَا يَخُصُّ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ أَمَّا الَّذِي يَعُمُّهُمَا فَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا فَلَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَالسَّكْرَانُ الَّذِي لَا يَعْقِلُ لِمَا نَذْكُرُ أَنَّ الْقَصْدَ إلَى التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ شَرْطٌ وَلَا يَتَحَقَّقُ الْقَصْدُ الصَّحِيحُ مِمَّنْ لَا يَعْقِلُ فَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ يَعْقِلُ الذَّبْحَ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِ تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ وَكَذَا السَّكْرَانُ.
-
(وَمِنْهَا) أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا فَلَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالْمَجُوسِيِّ وَالْوَثَنِيِّ وَذَبِيحَةُ الْمُرْتَدِّ أَمَّا ذَبِيحَةُ أَهْلِ الشِّرْكِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ وَقَوْلِهِ عز وجل ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ أَيْ لِلنُّصُبِ وَهِيَ الْأَصْنَامُ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا.
-
وَأَمَّا ذَبِيحَةُ الْمَجُوسِ فَلِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «سُنُّوا بِالْمَجُوسِ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ غَيْرَ نَاكِحِي نِسَائِهِمْ وَلَا آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ» وَلِأَنَّ ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الذَّبِيحَةِ مِنْ شَرَائِطِ الْحِلِّ عِنْدَنَا لِمَا نَذْكُرُ وَلَمْ يُوجَدْ.
-
وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ؛ فَلِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ فَكَانَ كَالْوَثَنِيِّ الَّذِي لَا يُقَرُّ عَلَى دِينِهِ وَلَوْ كَانَ الْمُرْتَدُّ غُلَامًا مُرَاهِقًا لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تُؤْكَلُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ رِدَّتَهُ صَحِيحَةٌ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ لَا تَصِحُّ، وَتُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ وَالْمُرَادُ مِنْهُ ذَبَائِحُهُمْ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْمُرَادُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ مَعْنًى؛
-
لِأَنَّ غَيْرَ الذَّبَائِحِ مِنْ أَطْعِمَةِ الْكَفَرَةِ مَأْكُولٌ وَلِأَنَّ مُطْلَقَ اسْمِ الطَّعَامِ يَقَعُ عَلَى الذَّبَائِحِ كَمَا يَقَعُ عَلَى غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِمَا يُتَطَعَّمُ وَالذَّبَائِحُ مِمَّا يُتَطَعَّمُ فَيَدْخُلُ تَحْتَ إطْلَاقِ اسْمِ الطَّعَامِ فَيَحِلُّ لَنَا أَكْلُهَا وَيَسْتَوِي فِيهِ أَهْلُ الْحَرْبِ مِنْهُمْ وَغَيْرُهُمْ لِعُمُومِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ،
-
وَكَذَا يَسْتَوِي فِيهِ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ وَغَيْرُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ عَلَى دِينِ النَّصَارَى إلَّا أَنَّهُمْ نَصَارَى الْعَرَبِ فَيَتَنَاوَلُهُمْ عُمُومُ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ.
-
وَقَالَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ رضي الله عنه : لَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُ نَصَارَى الْعَرَبِ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَرَأَ قَوْلَهُ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ﴾ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما : تُؤْكَلُ وَقَرَأَ قَوْلَهُ عز وجل ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ وَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ الَّتِي تَلَاهَا سَيِّدُنَا عَلِيٌّ رضي الله عنه دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ؛
-
لِأَنَّهُ قَالَ عز وجل ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ أَيْ: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَكَلِمَةُ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ إلَّا أَنَّهُمْ يُخَالِفُونَ غَيْرَهُمْ مِنْ النَّصَارَى فِي بَعْضِ شَرَائِعِهِمْ وَذَا يُخْرِجُهُمْ عَنْ كَوْنِهِمْ نَصَارَى كَسَائِرِ النَّصَارَى.
-
فَإِنْ انْتَقَلَ الْكِتَابِيُّ إلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ الْكَفَرَةِ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَوْ انْتَقَلَ إلَى ذَلِكَ الدِّينِ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ فَالْكِتَابِيُّ أَوْلَى،
-
وَلَوْ انْتَقَلَ غَيْرُ الْكِتَابِيِّ مِنْ الْكَفَرَةِ إلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ وَالْأَصْلُ أَنَّهُ يُنْظَرُ إلَى حَالِهِ وَدِينِهِ فِي وَقْتِ ذَبِيحَتِهِ دُونَ مَا سِوَاهُ وَهَذَا أَصْلُ أَصْحَابِنَا أَنَّ مَنْ انْتَقَلَ مِنْ مِلَّةِ يُقَرُّ عَلَيْهَا يُجْعَلُ كَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْمِلَّةِ مِنْ الْأَصْلِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ
-
النِّكَاحِ.
-
وَالْمَوْلُودُ بَيْنَ كِتَابِيٍّ وَغَيْرِ كِتَابِيٍّ تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ أَيُّهُمَا كَانَ الْكِتَابِيُّ الْأَبُ أَوْ الْأُمُّ عِنْدَنَا، وَقَالَ مَالِكٌ: يُعْتَبَرُ الْأَبُ فَإِنْ كَانَ كِتَابِيًّا تُؤْكَلُ وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ رَأْسًا.
-
وَالصَّحِيحُ قَوْلُنَا؛ لِأَنَّ جَعْلَ الْوَلَدِ تَبَعًا لِلْكِتَابِيِّ مِنْهُمَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ خَيْرُهُمَا دِينًا بِالنِّسْبَةِ فَكَانَ بِاتِّبَاعِهِ إيَّاهُ أَوْلَى.
-
وَأَمَّا الصَّابِئُونَ فَتُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لَا تُؤْكَلُ وَاخْتِلَافُ الْجَوَابِ لِاخْتِلَافِ تَفْسِيرِهِمْ فِي الصَّابِئِينَ أَنَّهُمْ مِمَّنْ هُمْ وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ ثُمَّ إنَّمَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ الْكِتَابِيِّ إذَا لَمْ يُشْهَدْ ذَبْحُهُ وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ سُمِعَ وَشُهِدَ مِنْهُ تَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ؛
-
لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ سَمَّى اللَّهَ تبارك وتعالى وَجَرَّدَ التَّسْمِيَةَ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِهِ كَمَا بِالْمُسْلِمِ،
-
وَلَوْ سُمِعَ مِنْهُ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى لَكِنَّهُ عَنَى بِاَللَّهِ عز وجل الْمَسِيحَ عليه الصلاة والسلام قَالُوا: تُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ أَظْهَرَ تَسْمِيَةً هِيَ تَسْمِيَةُ الْمُسْلِمِينَ إلَّا إذَا نَصَّ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ فَلَا تَحِلُّ.
-
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهُمْ يَقُولُونَ مَا يَقُولُونَ فَقَالَ: رضي الله عنه قَدْ أَحَلَّ اللَّهُ ذَبَائِحَهُمْ وَهُوَ يَعْلَمُ مَا يَقُولُونَ فَأَمَّا إذَا سُمِعَ مِنْهُ أَنَّهُ سَمَّى الْمَسِيحَ عليه الصلاة والسلام وَحْدَهُ أَوْ سَمَّى اللَّهَ سبحانه وتعالى وَسَمَّى الْمَسِيحَ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ كَذَا رَوَى سَيِّدُنَا عَلِيٌّ رضي الله عنه وَلَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِهِ خِلَافُهُ فَيَكُونُ إجْمَاعًا وَلِقَوْلِهِ عز وجل ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ وَهَذَا أُهِلّ لِغَيْرِ اللَّهِ عز وجل بِهِ فَلَا يُؤْكَلُ وَمَنْ أُكِلَتْ ذَبِيحَتُهُ مِمَّنْ ذَكَرْنَا أُكِلَ صَيْدُهُ الَّذِي صَادَهُ بِالسَّهْمِ أَوْ بِالْجَوَارِحِ وَمَنْ لَا فَلَا؛
-
لِأَنَّ أَهْلِيَّةَ الْمُذَكِّي شَرْطٌ فِي نَوْعَيْ الذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ وَالِاضْطِرَارِيَّةِ جَمِيعًا.
-
(وَمِنْهَا) التَّسْمِيَةُ حَالَةَ الذِّكْرِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ أَصْلًا، وَقَالَ مَالِكٌ رحمه الله : إنَّهَا شَرْطٌ حَالَةَ الذِّكْرِ وَالسَّهْوِ حَتَّى لَا يُحِلَّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ نَاسِيًا عِنْدَهُ، وَالْمَسْأَلَةُ مُخْتَلِفَةٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -.
-
أَمَّا الْكَلَام مَعَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله فَإِنَّهُ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تبارك وتعالى ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ أَمَرَ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام أَنْ يَقُولَ أَنَّهُ لَا يَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيْهِ مُحَرَّمًا سِوَى الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَمَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا فَلَا يَكُونُ مُحَرَّمًا،
-
وَلَا يُقَالُ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ الْمُحَرَّمُ وَقْتَ نُزُولِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ سِوَى الْمَذْكُورِ فِيهَا ثُمَّ حُرِّمَ بَعْدَ ذَلِكَ مَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ بِقَوْلِهِ عز وجل ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ؛ لِأَنَّهُ قِيلَ: إنَّ سُورَةَ الْأَنْعَامِ نَزَلَتْ جُمْلَةً وَاحِدَةً،
-
وَلَوْ كَانَ مَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ مُحَرَّمًا لَكَانَ وَاجِدًا لَهُ فَيَجِبُ أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ كَمَا اسْتَثْنَى الْأَشْيَاءَ الثَّلَاثَةَ.
-
(وَلَنَا) قَوْلُهُ عز وجل ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْآيَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ مُطْلَقَ النَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ فِي حَقِّ الْعَمَلِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ سَمَّى كُلَّ مَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِسْقًا بِقَوْلِهِ عز وجل ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ وَلَا فِسْقَ إلَّا بِارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ وَلَا تُحْمَلُ إلَّا عَلَى الْمَيْتَةِ وَذَبَائِحِ أَهْلِ الشِّرْكِ بِقَوْلِ بَعْضِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ؛
-
لِأَنَّ الْعَامَّ لَا يُخَصُّ بِالسَّبَبِ عِنْدَنَا بَلْ يَعْمَلُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لِمَا عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مَعَ مَا أَنَّ الْحَمْلَ عَلَى ذَلِكَ حَمْلٌ عَلَى التَّكْرَارِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَيْتَةِ وَذَبَائِحِ أَهْلِ الشِّرْكِ ثَبَتَتْ بِنُصُوصٍ أُخَرَ وَهِيَ قَوْلُهُ عز وجل ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ، وَقَوْلُهُ عز وجل ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ، وَقَوْلُهُ عز وجل ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ فَالْحَمْلُ عَلَى مَا قَالَهُ يَكُونُ حَمْلًا عَلَى مَا قُلْنَا وَيَكُونُ حَمْلًا عَلَى فَائِدَةٍ جَدِيدَةٍ فَكَانَ أَوْلَى، وَقَوْلُهُ عز وجل ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ وَمُطْلَقُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ فِي حَقِّ الْعَمَلِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا لَمَا وَجَبَ.
-
وَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنهما قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَيْدِ الْكَلْبِ فَقَالَ: مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ فَإِنَّ أَخْذَهُ ذَكَاتُهُ فَإِنْ وَجَدْتَ عِنْدَ كَلْبِكَ غَيْرَهُ فَحَسِبْتَ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مَعَهُ وَقَدْ قَتَلَهُ فَلَا تَأْكُلْ؛ لِأَنَّكَ إنَّمَا ذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تَذْكُرْهُ عَلَى كَلْبِ غَيْرِك» نَهَى النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام عَنْ الْأَكْلِ وَعَلَّلَ بِتَرْكِ التَّسْمِيَةِ فَدَلَّ أَنَّهَا شَرْطٌ.
-
(وَأَمَّا) الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فَفِيهَا أَنَّهُ كَانَ يَجِدُ وَقْتَ نُزُولِ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ مُحَرَّمًا سِوَى الْمَذْكُورِ فِيهَا فَاحْتُمِلَ أَنَّهُ كَانَ كَذَلِكَ وَقْتَ نُزُولِ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ وُجِدَ تَحْرِيمُ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَا تَلَوْنَا كَمَا كَانَ لَا يَجِدُ تَحْرِيمَ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ وَتَحْرِيمَ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ عِنْدَ نُزُولِهَا ثُمَّ وُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مَتْلُوٍّ أَوْ غَيْرِ مَتْلُوٍّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
-
(وَأَمَّا) مَا يُرْوَى أَنَّ سُورَةَ الْأَنْعَامِ نَزَلَتْ كُلُّهَا جُمْلَةً وَاحِدَةً فَمَرْوِيٌّ عَلَى طَرِيقِ الْآحَادِ فَلَا يُقْبَلُ
-
فِي إبْطَال حُرْمَةٍ ثَبَتَتْ بِالْكِتَابِ عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ فِيهَا مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَثْنَى الْمَيْتَةُ فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا لَيْسَ بِمَيْتَةٍ بَلْ هُوَ مَيْتَةٌ عِنْدَنَا مَعَ أَنَّهُ لَا يَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيْهِ مُحَرَّمًا سِوَى الْمَذْكُورِ وَنَحْنُ لَا نُطْلِقُ اسْمَ الْمُحَرَّمِ عَلَى مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ إذْ الْمُحَرَّمُ الْمُطْلَقُ مَا ثَبَتَتْ حُرْمَتُهُ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ إذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ أَهْلِ الدِّيَانَةِ وَإِنَّمَا نُسَمِّيهِ مَكْرُوهًا أَوْ مُحَرَّمًا فِي حَقِّ الِاعْتِقَادِ قَطْعًا عَلَى طَرِيقِ التَّعْيِينِ بَلْ عَلَى الْإِبْهَامِ أَنَّ مَا أَرَادَ اللَّهُ عز وجل مِنْ هَذَا النَّهْيِ فَهُوَ حَقٌّ لَكِنَّا نَمْتَنِعُ عَنْ أَكْلِهِ احْتِيَاطًا وَهُوَ تَفْسِيرُ الْحُرْمَةِ فِي حَقِّ الْعَمَلِ.
-
(وَأَمَّا) الْكَلَامُ مَعَ مَالِكٍ رحمه الله فَهُوَ احْتَجَّ بِعُمُومِ قَوْلِهِ تبارك وتعالى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ، وَلِأَنَّ التَّسْمِيَةَ لَمَّا كَانَتْ وَاجِبَةً حَالَةَ الْعَمْدِ فَكَذَا حَالَةَ النِّسْيَانِ؛ لِأَنَّ النِّسْيَانَ لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ وَالْحَظْرَ كَالْخَطَأِ حَتَّى كَانَ النَّاسِي وَالْخَاطِئُ جَائِزَ الْمُؤَاخَذَةِ عَقْلًا وَلِهَذَا اسْتَوَى الْعَمْدُ وَالسَّهْوُ فِي تَرْكِ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ وَالطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الشَّرَائِطِ وَالْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا عِنْدَكُمْ كَذَا هَهُنَا.
-
(وَلَنَا) مَا رُوِيَ عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: «ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ سَمَّى أَوْ لَمْ يُسَمِّ مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ» وَهَذَا نَصٌّ فِي الْبَابِ.
-
وَأَمَّا الْآيَةُ فَلَا تَتَنَاوَلُ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّهُ قَالَ عز وجل ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ أَيْ: تَرْكُ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ فِسْقٌ، وَتَرْكُ التَّسْمِيَةِ سَهْوًا لَا يَكُونُ فِسْقًا
-
وَكَذَا كُلُّ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ سَهْوًا لَا يَلْحَقُهُ سِمَةُ الْفِسْقِ؛ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ اجْتِهَادِيَّةٌ وَفِيهَا اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ فَدَلَّ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا لَا سَهْوًا، وَالثَّانِي: أَنَّ النَّاسِيَ لَمْ يَتْرُكْ التَّسْمِيَةَ بَلْ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عز وجل وَالذِّكْرُ قَدْ يَكُونُ بِاللِّسَانِ وَقَدْ يَكُونُ بِالْقَلْبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ وَالنَّاسِي ذَاكِرٌ بِقَلْبِهِ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ ذَبَحَ وَنَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَقَالَ رضي الله عنه : اسْمُ اللَّهِ عز وجل فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ فَلْيَأْكُلْ.
-
وَعَنْهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ: إنَّ الْمُسْلِمَ ذَكَرَ اللَّهَ فِي قَلْبِهِ، وَقَالَ: كَمَا لَا يَنْفَعُ الِاسْمُ فِي الشِّرْكِ لَا يَضُرُّ النِّسْيَانُ فِي الْإِسْلَامِ،
-
وَعَنْهُ رضي الله عنه فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ: فِي الْمُسْلِمِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى فَإِذَا ذَبَحَ وَنَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ فَكُلْ وَإِذَا ذَبَحَ الْمَجُوسِيُّ وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا تَطْعَمْهُ، وَعَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رضي الله عنه سُئِلَ عَنْ هَذَا فَقَالَ: إنَّمَا هِيَ عِلَّةُ الْمَسْأَلَةِ فَثَبَتَ أَنَّ النَّاسِيَ ذَاكِرٌ فَكَانَتْ ذَبِيحَتُهُ مَذْكُورَ التَّسْمِيَةِ فَلَا تَتَنَاوَلُهَا الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ.
-
وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ النِّسْيَانَ لَا يَدْفَعُ التَّكْلِيفَ وَلَا يَدْفَعُ الْحَظْرَ حَتَّى لَمْ يُجْعَلْ عُذْرًا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ عَلَى مَا ضُرِبَ مِنْ الْأَمْثِلَةِ فَنَقُولُ: النِّسْيَانُ جُعِلَ عُذْرًا مَانِعًا مِنْ التَّكْلِيفِ وَالْمُؤَاخَذَةِ فِيمَا يَغْلِبُ وُجُودُهُ وَلَمْ يُجْعَلْ عُذْرًا فِيمَا لَا يَغْلِبُ وُجُودُهُ؛
-
لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُجْعَلْ عُذْرًا فِيمَا يَغْلِبُ وُجُودُهُ لَوَقَعَ النَّاسُ فِي الْحَرَجِ وَالْحَرَجُ مَدْفُوعٌ.
-
وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ مَنْ لَمْ يُعَوِّدْ نَفْسَهُ فِعْلًا يُعْذَرُ فِي تَرْكِهِ وَاشْتِغَالِهِ بِضِدِّهِ سَهْوًا؛ لِأَنَّ حِفْظَ النَّفْسِ عَنْ الْعَادَةِ الَّتِي هِيَ طَبِيعَةٌ خَامِسَةٌ خَطْبٌ صَعْبٌ وَأَمْرٌ أَمَرُّ فَيَكُونُ النِّسْيَانُ فِيهِ غَالِبَ الْوُجُودِ فَلَوْ لَمْ يُعْذَرْ لَلَحِقَهُ الْحَرَجُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا لَمْ يُعَوِّدْ نَفْسَهُ مِثَالُهُ أَنَّ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ مِنْ الصَّائِمِ سَهْوًا جُعِلَ عُذْرًا فِي الشَّرْعِ حَتَّى لَا يَفْسُدَ صَوْمُهُ؛
-
لِأَنَّهُ عَوَّدَ نَفْسَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يُعَوِّدْهَا ضِدَّهُ وَهُوَ الْكَفُّ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَلَمْ يُجْعَلْ ذَلِكَ عُذْرًا فِي الْمُصَلِّي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَوِّدْ نَفْسَهُ ذَلِكَ فِي كُلِّ زَمَانٍ بَلْ فِي وَقْتٍ مَعْهُودٍ وَهُوَ الْغَدَاةُ وَالْعَشِيُّ خُصُوصًا فِي حَالِ الصَّلَاةِ الَّتِي تُخَالِفُ أَوْقَاتَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَكَانَ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ فِيهَا فِي غَايَةِ النُّدْرَةِ فَلَمْ يُجْعَلْ عُذْرًا.
-
وَالْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ لِأَنَّ حَالَةَ الصَّلَاةِ تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ عَادَةً فَكَانَ النِّسْيَانُ فِيهَا نَادِرًا فَلَمْ يُجْعَلْ عُذْرًا
-
وَكَذَلِكَ تَرْكُ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ سَهْوًا؛ لِأَنَّ الشُّرُوعَ فِي الصَّلَاةِ يَكُونُ بِهَا وَتَرْكُهَا سَهْوًا عِنْدَ تَصْمِيمِ الْعَزْمِ عَلَى الشُّرُوعِ فِيهَا مِمَّا يَنْدُرُ فَلَمْ يُعْذَرْ،
-
وَكَذَا تَرْكُ الطَّهَارَةِ عِنْدَ حُضُورِ وَقْتِ الصَّلَاةِ سَهْوًا؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ عَلَى اسْتِعْدَادِ الصَّلَاةِ عِنْدَ هُجُومِ وَقْتِهَا عَادَةً فَالشُّرُوعُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ طَهَارَةٍ سَهْوًا يَكُونُ نَادِرًا فَلَا يُعْذَرُ وَيَلْحَقُ بِالْعَدَمِ،
-
فَأَمَّا ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَمْرٌ لَمْ يُعَوِّدْهُ الذَّابِحُ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ عَلَى مَجْرَى الْعَادَةِ يَكُونُ مِنْ الْقَصَّابِينَ وَمِنْ الصِّبْيَانِ الَّذِينَ لَمْ يُعَوِّدُوا أَنْفُسَهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ عز وجل فَتَرْكُ التَّسْمِيَةِ مِنْهُمْ سَهْوًا لَا يَنْدُرُ وُجُودُهُ بَلْ يَغْلِبُ فَجُعِلَ عُذْرًا دَفْعًا لِلْحَرَجِ فَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى هُوَ الْمُوَفِّقُ.
-
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ التَّسْمِيَةَ حَالَةَ الذِّكْرِ مِنْ شَرَائِطِ الْحِلِّ عِنْدَنَا فَبَعْدَ ذَلِكَ يَقَعُ الْكَلَامُ فِي بَيَانِ رُكْنِ التَّسْمِيَةِ وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ الرُّكْنِ وَفِي بَيَانِ وَقْتِ التَّسْمِيَةِ.
-
أَمَّا رُكْنُهَا فَذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ عز وجل أَيِّ اسْمٍ كَانَ
-
لِقَوْلِهِ تبارك وتعالى ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ - وَمَا لَكُمْ أَلا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ﴾ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ اسْمٍ وَاسْمٍ، وَقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ؛ لِأَنَّهُ إذَا ذَكَرَ اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تبارك وتعالى لَمْ يَكُنْ الْمَأْكُولُ مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا، وَسَوَاءٌ قَرَنَ بِالِاسْمِ الصِّفَةَ بِأَنْ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَجَلُّ اللَّهَ، أَعْظَمُ اللَّهَ الرَّحْمَنَ اللَّهَ الرَّحِيمَ وَنَحْوُ ذَلِكَ، أَوْ لَمْ يَقْرِنْ بِأَنْ قَالَ: اللَّهَ أَوْ الرَّحْمَنَ أَوْ الرَّحِيمَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؛
-
لِأَنَّهُ الْمَشْرُوطُ بِالْآيَةِ عَزَّ شَأْنُهُ وَقَدْ وُجِدَ.
-
وَكَذَا فِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنهما «إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ اسْمٍ وَاسْمٍ
-
وَكَذَا التَّهْلِيلُ وَالتَّحْمِيدُ وَالتَّسْبِيحُ سَوَاءٌ كَانَ جَاهِلًا بِالتَّسْمِيَةِ الْمَعْهُودَةِ أَوْ عَالِمًا بِهَا لِمَا قُلْنَا، وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رضي الله عنهما فِي تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ أَنَّهُ يَصِيرُ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَوْ الْحَمْدِ لِلَّهِ أَوْ سُبْحَانَ اللَّهِ فَهَهُنَا أَوْلَى.
-
وَأَمَّا عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله فَلَا يَصِيرُ شَارِعًا بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَتَصِحُّ بِهَا عِنْدَهُ فَيَحْتَاجُ هُوَ إلَى الْفَرْقِ وَالْفَرْقُ لَهُ أَنَّ الشَّرْعَ مَا وَرَدَ هُنَاكَ إلَّا بِلَفْظِ التَّكْبِيرِ وَهَهُنَا وَرَدَ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَسَوَاءٌ كَانَتْ التَّسْمِيَةُ بِالْعَرَبِيَّةِ أَوْ بِالْفَارِسِيَّةِ أَوْ أَيِّ لِسَانٍ كَانَ وَهُوَ لَا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ أَوْ يُحْسِنُهَا.
-
كَذَا رَوَى بِشْرٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَوْ أَنَّ رَجُلًا سَمَّى عَلَى الذَّبِيحَةِ بِالرُّومِيَّةِ أَوْ بِالْفَارِسِيَّةِ وَهُوَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ أَوْ لَا يُحْسِنُهَا أَجْزَأَهُ ذَلِكَ عَنْ التَّسْمِيَةِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَالسُّنَّةِ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى مُطْلَقًا عَنْ الْعَرَبِيَّةِ وَالْفَارِسِيَّةِ وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله فِي اعْتِبَارِهِ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ فِي تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ فَيَسْتَوِي فِي الذَّبْحِ التَّكْبِيرَةُ الْعَرَبِيَّةُ وَالْعَجَمِيَّةُ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى فَأَمَّا عَلَى أَصْلِهِمَا فَهُمَا يَحْتَاجَانِ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالتَّسْمِيَةِ حَيْثُ قَالَا فِي التَّسْمِيَةِ: إنَّهَا جَائِزَةٌ بِالْعَجَمِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ أَوْ لَا يُحْسِنُ.
-
وَفِي التَّكْبِيرِ لَا يَجُوزُ بِالْعَجَمِيَّةِ إلَّا إذَا كَانَ لَا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ؛ لِأَنَّ الْمَشْرُوطَ هَهُنَا ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ يُوجَدُ بِكُلِّ لِسَانٍ وَالشَّرْطُ هُنَاكَ لَفْظَةُ التَّكْبِيرِ؛ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَوَاضِعَهُ وَيَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ وَيَقُولَ اللَّهُ أَكْبَرُ» نَفَى عليه الصلاة والسلام الْقَبُولَ بِدُونِ لَفْظِ التَّكْبِيرِ وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ بِغَيْرِ لَفْظِ الْعَرَبِيَّةِ.
-
وَأَمَّا شَرَائِطُ الرُّكْنِ فَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ التَّسْمِيَةُ مِنْ الذَّابِحِ حَتَّى لَوْ سَمَّى غَيْرُهُ وَالذَّابِحُ سَاكِتٌ وَهُوَ ذَاكِرٌ غَيْرُ نَاسٍ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ تبارك وتعالى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أَيْ: لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ الذَّابِحِ فَكَانَتْ مَشْرُوطَةً فِيهِ.
-
(وَمِنْهَا) أَنْ يُرِيدَ بِهَا التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ بِهَا التَّسْمِيَةَ لِافْتِتَاحِ الْعَمَلِ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى أَمَرَ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ وَلَا يَكُونُ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ إلَّا وَأَنْ يُرَادَ بِهَا التَّسْمِيَةُ عَلَى الذَّبِيحَةِ، وَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْحَمْدَ عَلَى سَبِيلِ الشُّكْرِ لَا يَحِلُّ،
-
وَكَذَا لَوْ سَبَّحَ أَوْ هَلَّلَ أَوْ كَبَّرَ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ وَصْفَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالتَّنَزُّهِ عَنْ صِفَاتِ الْحُدُوثِ لَا غَيْرُ لَا يَحِلُّ لِمَا قُلْنَا.
-
(وَمِنْهَا) تَجْرِيدُ اسْمِ اللَّهِ سبحانه وتعالى عَنْ اسْمِ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ اسْمَ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام حَتَّى لَوْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَاسْمِ الرَّسُولِ لَا يَحِلُّ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ وَقَوْلِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام «مَوْطِنَانِ لَا أُذْكَرُ فِيهِمَا: عِنْدَ الْعُطَاسِ، وَعِنْدَ الذَّبْحِ» ، وَقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنهما جَرِّدُوا التَّسْمِيَةَ عِنْدَ الذَّبْحِ؛
-
وَلِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ يَذْكُرُونَ مَعَ اللَّهِ سبحانه وتعالى غَيْرَهُ فَتَجِبُ مُخَالَفَتُهُمْ بِالتَّجْرِيدِ،
-
وَلَوْ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ وَمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ قَالَ: وَمُحَمَّدٍ بِالْجَرِّ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ أَشْرَكَ فِي اسْمِ اللَّهِ عَزَّ شَأْنُهُ اسْمَ غَيْرِهِ،
-
وَإِنْ قَالَ: مُحَمَّدٌ بِالرَّفْعِ يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْطِفْهُ بَلْ اسْتَأْنَفَ فَلَمْ يُوجَدْ الْإِشْرَاكُ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِوُجُودِ الْوَصْلِ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ فَيُتَصَوَّرُ بِصُورَةِ الْحَرَامِ فَيُكْرَهُ،
-
وَإِنْ قَالَ: وَمُحَمَّدًا بِالنَّصْبِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ مَا عَطَفَ بَلْ اسْتَأْنَفَ إلَّا أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي الْإِعْرَابِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ انْتِصَابَهُ بِنَزْعِ الْحَرْفِ الْخَافِضِ كَأَنَّهُ قَالَ: وَمُحَمَّدٍ فَيَتَحَقَّقُ الْإِشْرَاكِ فَلَا يَحِلُّ.
-
هَذَا إذَا ذَكَرَ الْوَاوَ فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ بِأَنْ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَحِلُّ كَيْفَمَا كَانَ لِعَدَمِ شِرْكِهِ.
-
(وَمِنْهَا) أَنْ يَقْصِدَ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى تَعْظِيمَهُ عَلَى الْخُلُوصِ وَلَا يَشُوبُهُ مَعْنَى الدُّعَاءِ حَتَّى لَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَسْمِيَةً؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَالدُّعَاءُ لَا يُقْصَدُ بِهِ التَّعْظِيمُ الْمَحْضُ فَلَا يَكُونُ تَسْمِيَةً كَمَا لَا يَكُونُ تَكْبِيرًا، وَفِي قَوْلِهِ اللَّهُمَّ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ كَمَا فِي التَّكْبِيرِ.
-
(أَمَّا) وَقْتُ التَّسْمِيَةِ فَوَقْتُهَا فِي الذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ وَقْتُ الذَّبْحِ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ إلَّا بِزَمَانٍ قَلِيلٍ لَا يُمْكِنُ
-
التَّحَرُّزُ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تبارك وتعالى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وَالذَّبْحُ مُضْمَرٌ فِيهِ مَعْنَاهُ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ مِنْ الذَّبَائِحِ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الذَّبِيحَةِ إلَّا وَقْتَ الذَّبْحِ
-
وَكَذَا قِيلَ فِي تَأْوِيلِ الْآيَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ: إنَّ الذَّبْحَ مُضْمَرٌ فِيهِمَا أَيْ: فَكُلُوا مِمَّا ذُبِحَ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُبِحَ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ فَكَانَ وَقْتُ التَّسْمِيَةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ وَقْتَ الذَّبْحِ.
-
(وَأَمَّا) الذَّكَاةُ الِاضْطِرَارِيَّةُ فَوَقْتُهَا وَقْتُ الرَّمْيِ وَالْإِرْسَالِ لَا وَقْتُ الْإِصَابَةِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام «لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنه حِينَ سَأَلَهُ عَنْ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ وَالْكَلْبِ إذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ وَإِنْ أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ أَيْ: عَلَى الْمِعْرَاضِ وَالْكَلْبِ وَلَا تَقَعُ التَّسْمِيَةُ عَلَى السَّهْمِ وَالْكَلْبِ إلَّا عِنْدَ الرَّمْيِ وَالْإِرْسَالِ فَكَانَ وَقْتُ التَّسْمِيَةِ فِيهَا هُوَ وَقْتُ الرَّمْيِ وَالْإِرْسَالِ، وَالْمَعْنَى هَكَذَا يَقْتَضِي وَهُوَ أَنَّ التَّسْمِيَةَ شَرْطٌ وَالشَّرَائِطُ يُعْتَبَرُ وُجُودُهَا حَالَ وُجُودِ الرُّكْنِ؛
-
لِأَنَّ عِنْدَ وُجُودِهَا يَصِيرُ الرُّكْنُ عِلَّةً كَمَا فِي سَائِرِ الْأَرْكَانِ مَعَ شَرَائِطِهَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ عَلَى مَا عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
-
وَالرُّكْنُ فِي الذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ هُوَ الذَّبْحُ وَفِي الِاضْطِرَارِيَّةِ هُوَ الْجَرْحُ وَذَلِكَ مُضَافٌ إلَى الرَّامِي وَالْمُرْسِلِ وَإِنَّمَا السَّهْمُ وَالْكَلْبُ آلَةُ الْجَرْحِ وَالْفِعْلُ يُضَافُ إلَى مُسْتَعْمِلِ الْآلَةِ لَا إلَى الْآلَةِ لِذَلِكَ اُعْتُبِرَ وُجُودُ التَّسْمِيَةِ وَقْتَ الذَّبْحِ وَالْجَرْحِ وَهُوَ وَقْتُ الرَّمْيِ وَالْإِرْسَالِ وَلَا يُعْتَبَرُ وَقْتُ الْإِصَابَةِ فِي الذَّكَاةِ الِاضْطِرَارِيَّةِ؛
-
لِأَنَّ الْإِصَابَةَ لَيْسَتْ مِنْ صُنْعِ الْعَبْدِ لَا مُبَاشَرَةً وَلَا سَبَبًا بَلْ مَحْضُ صُنْعِ اللَّهِ عز وجل يَعْنِي بِهِ مَصْنُوعَهُ، هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِالْمُتَوَلِّدَاتِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مَقْدُورَ الْعَبْدِ، وَمَقْدُورُ الْعَبْدِ مَا يَقُومُ بِمَحَلِّ قُدْرَتِهِ وَهُوَ نَفْسُهُ وَذَلِكَ هُوَ الرَّمْيُ السَّابِقُ وَالْإِرْسَالُ السَّابِقُ فَتُعْتَبَرُ التَّسْمِيَةُ عِنْدَهُمَا عَلَى أَنَّ الْإِصَابَةَ قَدْ تَكُونُ وَقَدْ لَا تَكُونُ فَلَا يُمْكِنُ إيقَاعُ التَّسْمِيَةِ عَلَيْهَا.
-
وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا رَوَى بِشْرٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَضْجَعَ شَاةً لِيَذْبَحَهَا وَسَمَّى ثُمَّ بَدَا لَهُ فَأَرْسَلَهَا وَأَضْجَعَ أُخْرَى فَذَبَحَهَا بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ لَمْ يُجْزِهِ ذَلِكَ وَلَا تُؤْكَلُ لِعَدَمِ التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ،
-
وَلَوْ رَمَى صَيْدًا فَسَمَّى فَأَخْطَأَ وَأَصَابَ آخَرَ فَقَتَلَهُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ
-
وَكَذَلِكَ إذَا أَرْسَلَ كَلْبًا عَلَى صَيْدٍ فَأَخْطَأَ فَأَخَذَ غَيْرَ الَّذِي أَرْسَلَهُ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ لِوُجُودِ التَّسْمِيَةِ عَلَى السَّهْمِ وَالْكَلْبِ عِنْدَ الرَّمْيِ وَالْإِرْسَالِ وَذُكِرَ فِي الْأَصْلِ أَرَأَيْتَ الذَّابِحَ يَذْبَحُ الشَّاتَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فَيُسَمِّي عَلَى الْأُولَى وَيَدَعُ التَّسْمِيَةَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ عَمْدًا قَالَ: يَأْكُلُ الشَّاةَ الَّتِي سَمَّى عَلَيْهَا وَلَا يَأْكُلُ مَا سِوَى ذَلِكَ لِمَا بَيَّنَّا.
-
وَلَوْ أَضْجَعَ شَاةً لِيَذْبَحَهَا وَسَمَّى عَلَيْهَا ثُمَّ أَلْقَى السِّكِّينَ وَأَخَذَ سِكِّينًا آخَرَ فَذَبَحَ بِهِ يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي الذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ تَقَعُ عَلَى الْمَذْبُوحِ لَا عَلَى الْآلَةِ وَالْمَذْبُوحُ وَاحِدٌ فَلَا يُعْتَبَرُ اخْتِلَافُ الْآلَةِ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا سَمَّى عَلَى سَهْمٍ ثُمَّ رَمَى بِغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي الذَّكَاةِ الِاضْطِرَارِيَّةِ تَقَعُ عَلَى السَّهْمِ لَا عَلَى الْمَرْمِيِّ إلَيْهِ وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّهْمُ فَالتَّسْمِيَةُ عَلَى أَحَدِهِمَا لَا تَكُونُ تَسْمِيَةً عَلَى الْآخَرِ.
-
وَلَوْ أَضْجَعَ شَاةً لِيَذْبَحَهَا وَسَمَّى عَلَيْهَا فَكَلَّمَهُ إنْسَانٌ فَأَجَابَهُ أَوْ اسْتَسْقَى مَاءً فَشَرِبَ أَوْ أَخَذَ السِّكِّينَ فَإِنْ كَانَ قَلِيلًا وَلَمْ يَكْثُرْ ذَلِكَ مِنْهُ ثُمَّ ذَبَحَ عَلَى تِلْكَ التَّسْمِيَةِ تُؤْكَلُ وَإِنْ تَحَدَّثَ وَأَطَالَ الْحَدِيثَ أَوْ أَخَذَ فِي عَمَلٍ آخَرَ أَوْ حَدَّ شَفْرَتَهُ أَوْ كَانَتْ الشَّاةُ قَائِمَةً فَصَرَعَهَا ثُمَّ ذَبَحَ لَا تُؤْكَلُ؛
-
لِأَنَّ زَمَانَ مَا بَيْنَ التَّسْمِيَةِ وَالذَّبْحِ إذَا كَانَ يَسِيرًا لَا يُعْتَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَيُلْحَقُ بِالْعَدَمِ وَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ سَمَّى مَعَ الذَّبْحِ وَإِذَا كَانَ طَوِيلًا يَقَعُ فَاصِلًا بَيْنَ التَّسْمِيَةِ وَالذَّبْحِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ سَمَّى فِي يَوْمٍ وَذَبَحَ فِي يَوْمٍ آخَرَ فَلَمْ تُوجَدْ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الذَّبْحِ مُتَّصِلَةً بِهِ.
-
وَلَوْ سَمَّى ثُمَّ انْقَلَبَتْ الشَّاةُ وَقَامَتْ مِنْ مَضْجَعِهَا ثُمَّ أَعَادَهَا إلَى مَضْجَعِهَا فَقَدْ انْقَطَعَتْ التَّسْمِيَةُ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا رَمَى صَيْدًا وَلَمْ يُسَمِّ مُتَعَمِّدًا ثُمَّ سَمَّى بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا وَتَرَكَ التَّسْمِيَةَ مُتَعَمِّدًا فَلَمَّا مَضَى الْكَلْبُ فِي تَبَعِ الصَّيْدِ سَمَّى أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ؛
-
لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ لَمْ تُوجَدْ وَقْتَ الرَّمْيِ وَالْإِرْسَالِ
-
وَكَذَا لَوْ مَضَى الْكَلْبُ إلَى الصَّيْدِ فَزَجَرَهُ وَسَمَّى وَانْزَجَرَ بِزَجْرِهِ إنَّهُ لَا يُؤْكَلُ أَيْضًا، وَفَرْقٌ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا اتَّبَعَ الْكَلْبُ الصَّيْدَ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرْسِلَهُ أَحَدٌ ثُمَّ زَجَرَهُ مُسْلِمٌ أَنَّهُ إنْ انْزَجَرَ بِزَجْرِهِ فَأَخَذَ الصَّيْدَ فَقَتَلَهُ يُؤْكَلُ وَإِنْ لَمْ يَنْزَجِرْ لَا يُؤْكَلُ.
-
(وَوَجْهُ) الْفَرْقِ نَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
وَلَوْ رَمَى أَوْ أَرْسَلَ وَهُوَ مُسْلِمٌ ثُمَّ ارْتَدَّ أَوْ كَانَ حَلَالًا فَأَحْرَمَ قَبْلَ الْإِصَابَةِ وَأَخَذَ الصَّيْدَ يَحِلُّ وَلَوْ كَانَ مُرْتَدًّا ثُمَّ أَسْلَمَ وَسَمَّى لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ وَقْتُ الرَّمْيِ
-
وَالْإِرْسَالِ كَمَا بَيَّنَّا فَتُرَاعَى الْأَهْلِيَّةُ عِنْدَ ذَلِكَ.
-
وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يَنْبَنِي شَرْطُ تَعْيِينِ الْمَحَلِّ بِالتَّسْمِيَةِ فِي الذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ وَهُوَ بَيَانُ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ الشَّرَائِطِ الَّتِي تَخُصُّ أَحَدَ النَّوْعَيْنِ دُونَ الْآخَرِ وَهِيَ أَنْوَاعٌ: يَرْجِعُ بَعْضُهَا إلَى الْمُذَكِّي، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى مَحَلِّ الذَّكَاةِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى آلَةِ الذَّكَاةِ.
-
أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمُذَكِّي فَهُوَ أَنْ يَكُونَ حَلَالًا وَهَذَا فِي الذَّكَاةِ الِاضْطِرَارِيَّةِ دُونَ الِاخْتِيَارِيَّةِ حَتَّى أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا قَتَلَ صَيْدَ الْبَرِّ وَسَمَّى لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ لِحَقِّ الْإِحْرَامِ؛ لِقَوْلِهِ تبارك وتعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ أَيْ: وَأَنْتُمْ مُحْرِمُونَ، وَقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ وَالصَّيْدُ إلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ مِنْ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ إلَى آخِرِهِ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ؛
-
لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى سبحانه وتعالى الصَّيْدَ بِقَوْلِهِ تبارك وتعالى ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ وَإِنَّمَا يُسْتَثْنَى الشَّيْءُ مِنْ الْجُمْلَةِ الْمَذْكُورَةِ فَجُعِلَ مَذْكُورًا بِطَرِيقِ الْإِضْمَارِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الْإِبَاحَةِ تَحْرِيمٌ فَكَانَ اصْطِيَادُ الْمُحْرِمِ مُحَرَّمًا فَكَانَ صَيْدُهُ مَيْتَةً كَصَيْدِ الْمَجُوسِيِّ سَوَاءٌ اصْطَادَ بِنَفْسِهِ أَوْ اُصْطِيدَ لَهُ بِأَمْرِهِ؛ لِأَنَّ مَا صِيدَ لَهُ بِأَمْرِهِ فَهُوَ صَيْدُهُ مَعْنًى وَتَحِلُّ ذَبِيحَةُ الْمُسْتَأْنَسِ؛
-
لِأَنَّ التَّحْرِيمَ خُصَّ بِالصَّيْدِ فَبَقِيَ غَيْرُهُ عَلَى عُمُومِ الْإِبَاحَةِ، وَيَحِلُّ لَهُ صَيْدُ الْبَحْرِ لِقَوْلِهِ تبارك وتعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ وَقَدْ مَرَّ ذَلِكَ.
-
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعْ إلَى مَحَلِّ الذَّكَاةِ فَمِنْهَا تَعْيِينُ الْمَحَلِّ بِالتَّسْمِيَةِ فِي الذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ وَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الذَّكَاةِ الِاضْطِرَارِيَّةِ وَهِيَ الرَّمْيُ وَالْإِرْسَالُ إلَى الصَّيْدِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ فِي الذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ تبارك وتعالى عَلَى الذَّبِيحِ لِمَا تَلَوْنَا مِنْ الْآيَاتِ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بِتَعْيِينِ الذَّبِيحِ بِالتَّسْمِيَةِ وَلِأَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تبارك وتعالى لَمَّا كَانَ وَاجِبًا فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا، وَالتَّعْيِينُ فِي الصَّيْدِ لَيْسَ بِمَقْدُورٍ؛
-
لِأَنَّ الصَّائِدَ قَدْ يَرْمِي وَيُرْسِلُ عَلَى قَطِيعٍ مِنْ الصَّيْدِ وَقَدْ يَرْمِي وَيُرْسِلُ عَلَى حِسِّ الصَّيْدِ فَلَا يَكُونُ التَّعْيِينُ وَاجِبًا وَالْمُسْتَأْمَنُ مَقْدُورٌ فَيَكُونُ وَاجِبًا.
-
وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا ذَبَحَ شَاةً وَسَمَّى ثُمَّ ذَبَحَ شَاةً أُخْرَى يَظُنُّ أَنَّ التَّسْمِيَةَ الْأُولَى تُجْزِي عَنْهُمَا لَمْ تُؤْكَلْ وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُجَدِّدَ لِكُلِّ ذَبِيحَةٍ تَسْمِيَةً عَلَى حِدَةٍ،
-
وَلَوْ رَمَى سَهْمًا فَقَتَلَ بِهِ مِنْ الصَّيْدِ اثْنَيْنِ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا أَوْ بَازِيًا وَسَمَّى فَقَتَلَ مِنْ الصَّيْدِ اثْنَيْنِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ تَجِبُ عِنْدَ الْفِعْلِ وَهُوَ الذَّبْحُ فَإِذَا تَجَدَّدَ الْفِعْلُ تُجَدَّدُ التَّسْمِيَةُ،
-
فَأَمَّا الرَّمْيُ وَالْإِرْسَالُ فَهُوَ فِعْلٌ وَاحِدٌ وَإِنْ كَانَ يَتَعَدَّى إلَى مَفْعُولَيْنِ فَتُجْزِي فِيهِ تَسْمِيَةٌ وَاحِدَةٌ.
-
وَوِزَانُ الصَّيْدِ مِنْ الْمُسْتَأْنَسِ مَا لَوْ أَضْجَعَ شَاتَيْنِ وَأَمَرَّ السِّكِّينَ عَلَيْهِمَا مَعًا أَنَّهُ تُجْزِئُ فِي ذَلِكَ تَسْمِيَةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا فِي الصَّيْدِ فَإِنْ قِيلَ هَلَّا جَعَلَ ظَنَّهُ أَنَّ التَّسْمِيَةَ عَلَى الشَّاةِ الْأُولَى تُجْزِئُ عَنْ الثَّانِيَةِ عُذْرًا كَنِسْيَانِ التَّسْمِيَةِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ النِّسْيَانِ بَلْ مِنْ الْجَهْلِ بِحُكْمِ الشَّرْعِ وَالْجَهْلُ بِحُكْمِ الشَّرْعِ لَيْسَ بِعُذْرٍ وَالنِّسْيَانُ عُذْرٌ.
-
أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْأَكْلَ لَا يُفْطِرُ الصَّائِمَ فَأَكَلَ بَطَلَ صَوْمُهُ وَلَوْ أَكَلَ نَاسِيًا لَا يَبْطُلُ.
-
فَإِنْ نَظَرَ إلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّيْدِ فَرَمَى بِسَهْمٍ وَسَمَّى وَتَعَمَّدَهَا وَلَمْ يَتَعَمَّدْ وَاحِدًا بِعَيْنِهِ فَأَصَابَ مِنْهَا صَيْدًا فَقَتَلَهُ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ وَكَذَلِكَ الْكَلْبُ وَالْبَازِي.
-
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا نَظَرَ إلَى غَنَمِهِ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ،
-
ثُمَّ أَخَذَ وَاحِدَةً فَأَضْجَعَهَا وَذَبَحَهَا وَتَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَامِدًا وَظَنَّ أَنَّ تِلْكَ التَّسْمِيَةَ تُجْزِيهِ لَا تُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ عِنْدَ الذَّبْحِ وَالشَّرْطُ هُوَ التَّسْمِيَةُ عَلَى الذَّبِيحَةِ وَذَلِكَ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ نَفْسِهِ لَا عِنْدَ النَّظَرِ، وَتَعْيِينُ الذَّبِيحَةِ مَقْدُورٌ فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ شَرْطًا وَتَعْيِينُ الصَّيْدِ بِالرَّمْيِ وَالْإِرْسَالِ مُتَعَذَّرٌ لِمَا بَيَّنَّا فَلَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُجْعَلَ شَرْطًا.
-
وَلَوْ رَمَى صَيْدًا بِعَيْنِهِ أَوْ أَرْسَلَ الْكَلْبَ أَوْ الْبَازِيَ عَلَى صَيْدٍ بِعَيْنِهِ فَأَخْطَأَ فَأَصَابَ غَيْرَهُ يُؤْكَلُ،
-
وَكَذَا لَوْ رَمَى ظَبْيًا فَأَصَابَ طَيْرًا أَوْ أَرْسَلَ عَلَى ظَبْيٍ فَأَخَذَ طَيْرًا؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ فِي الصَّيْدِ لَيْسَ بِشَرْطٍ.
-
(وَمِنْهَا) قِيَامُ أَصْلِ الْحَيَاةِ فِي الْمُسْتَأْمَنِ وَقْتَ الذَّبْحِ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يُكْتَفَى بِقِيَامِ أَصْلِ الْحَيَاةِ بَلْ تُعْتَبَرُ حَيَاةً مَقْدُورَةً كَالشَّاةِ الْمَرِيضَةِ وَالْوَقِيذَةِ وَالنَّطِيحَةِ وَجَرِيحَةِ السَّبُعِ إذَا لَمْ يَبْقَ فِيهَا إلَّا حَيَاةٌ قَلِيلَةٌ عُرِفَ ذَلِكَ بِالصِّيَاحِ أَوْ بِتَحْرِيكِ الذَّنَبِ أَوْ طَرْفِ الْعَيْنِ أَوْ التَّنَفُّسِ وَأَمَّا خُرُوجُ الدَّمِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْحَيَاةِ إلَّا إذَا كَانَ يَخْرُجُ كَمَا يَخْرُجُ مِنْ الْحَيِّ الْمُطْلَقِ فَإِذَا ذَبَحَهَا وَفِيهَا قَلِيلُ حَيَاةٍ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا تُؤْكَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه .
-
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَعِيشُ مَعَ ذَلِكَ فَذَبَحَهَا لَا تُؤْكَلُ وَإِنْ كَانَ
-
يَعْلَمُ أَنَّهَا تَعِيشُ مَعَ ذَلِكَ فَذَبَحَهَا تُؤْكَلُ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: إنْ كَانَ لَهَا مِنْ الْحَيَاةِ مِقْدَارُ مَا تَعِيشُ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ فَذَبَحَهَا تُؤْكَلُ وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله : إنْ كَانَ لَمْ يَبْقَ مِنْ حَيَاتِهَا إلَّا قَدْرُ حَيَاةِ الْمَذْبُوحِ بَعْدَ الذَّبْحِ أَوْ أَقَلُّ فَذَبَحَهَا لَا تُؤْكَلُ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ تُؤْكَلُ، وَذَكَر الطَّحَاوِيُّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ مُفَسَّرًا فَقَالَ: إنَّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ إنْ لَمْ يَبْقَ مَعَهَا إلَّا الِاضْطِرَابَ لِلْمَوْتِ فَذَبَحَهَا فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ وَإِنْ كَانَتْ تَعِيشُ مُدَّةً كَالْيَوْمِ أَوْ كَنِصْفِهِ حَلَّتْ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا إنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا كَانَتْ مَيْتَةً مَعْنًى فَلَا تَلْحَقُهَا الذَّكَاةُ كَالْمَيْتَةِ حَقِيقَةً، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ اسْتَثْنَى سبحانه وتعالى الْمُذَكَّى مِنْ الْجُمْلَةِ الْمُحَرَّمَةِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ التَّحْرِيمِ إبَاحَةٌ وَهَذِهِ مُذَكَّاةٌ لِوُجُودِ فَرْيِ الْأَوْدَاجِ مَعَ قِيَامِ الْحَيَاةِ فَدَخَلَتْ تَحْتَ النَّصِّ.
-
وَأَمَّا الصَّيْدُ إذَا جَرَحَهُ السَّهْمُ أَوْ الْكَلْبُ فَأَدْرَكَهُ صَاحِبُهُ حَيًّا فَإِنْ ذَكَّاهُ يُؤْكَلُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا كَيْفَ مَا كَانَ سَوَاءٌ كَانَتْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ، وَخَرَجَ الْجُرْحُ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَكَاةً فِي حَقِّهِ وَصَارَ ذَكَاتُهُ الذَّبْحَ فِي الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ ذَكَاةً مُطْلَقَةً فَيَدْخُلُ تَحْتَ النَّصِّ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَعَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله ذَكَاتُهُ الذَّبْحُ وَقَدْ وُجِدَ لِوُجُودِ أَصْلِ الْحَيَاةِ فَصَارَ مُذَكًّى، وَعَلَى أَصْلِهِمَا لَا حَاجَةَ إلَى الذَّبْحِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُذَكًّى بِالْجُرْحِ فَالذَّبْحُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ إنْ كَانَ لَا يَنْفَعُ وَإِنْ لَمْ يُذَكِّهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَبْحِهِ فَتَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ فَإِنْ كَانَتْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ لَا يُؤْكَلُ؛
-
لِأَنَّ ذَكَاتَهُ تَحَوَّلَتْ مِنْ الْجُرْحِ إلَى الذَّبْحِ فَإِذَا لَمْ يُذْبَحْ كَانَ مَيْتَةً وَإِنْ كَانَتْ حَيَاتُهُ غَيْرَ مُسْتَقِرَّةٍ يُؤْكَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه وَإِنْ قَلَّتْ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ
-
بِخِلَافِ الْمُسْتَأْنَسِ عِنْدَهُ، وَالْفَرْقُ لَهُ أَنَّ الرَّمْيَ وَالْإِرْسَالَ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْجُرْحُ كَانَ ذَكَاةً فِي الصَّيْدِ فَلَا تُعْتَبَرُ هَذِهِ الْحَيَاةُ بَعْدَ وُجُودِ الذَّكَاةِ وَلَمْ تَتَقَوَّمْ ذَكَاةٌ فِي الْمُسْتَأْنَسِ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ هَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْحَيَاةِ لِتَحَقُّقِ الذَّكَاةِ.
-
وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَكَذَلِكَ لَكِنْ عَلَى اخْتِلَافِ تَفْسِيرِهِمَا لِلْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ وَغَيْرِ الْمُسْتَقِرَّةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمُسْتَأْمَنِ هَكَذَا ذَكَرَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ رحمهم الله ، وَذَكَرَ الْجَصَّاصُ رحمه الله وَقَالَ: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله فِي الصَّيْدِ مِثْلَ قَوْلِهِ فِي الْمُسْتَأْنَسِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: يَجِبُ الذَّبْحُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ لَا يَحِلُّ بِدُونِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ الْحَيَاةُ مُسْتَقِرَّةً أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِرَّةٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ الْفَرْقِ لَهُ عَلَى قَوْلِ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ رحمهم الله .
-
وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى ذَبْحِهِ لِضِيقِ الْوَقْتِ أَوْ لِعَدَمِ آلَةِ الذَّكَاةِ ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ شُجَاعٍ الْبَلْخِيّ وَمُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ الرَّازِيّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يُؤْكَلُ اسْتِحْسَانًا أَشَارَ إلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِالْحُرْمَةِ قِيَاسٌ،
-
وَمِنْ مَشَايِخِنَا رحمهم الله مَنْ جَعَلَ جَوَابَ الِاسْتِحْسَانِ مَذْهَبَنَا أَيْضًا وَتَرَكُوا الْقِيَاسَ.
-
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَتْ يَدُهُ عَلَيْهِ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَيْدًا لِزَوَالِ مَعْنَى الصَّيْدِ وَهُوَ التَّوَحُّشُ وَالِامْتِنَاعُ فَيَزُولُ الْحُكْمُ الْمُخْتَصُّ بِالصَّيْدِ وَهُوَ اعْتِبَارُ الْجُرْحِ ذَكَاةً وَصَارَ كَالشَّاةِ إذَا مَرِضَتْ وَمَاتَتْ فِي وَقْتٍ لَا يَتَّسِعُ لِذَبْحِهَا أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ كَذَا هَذَا.
-
(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الذَّبْحَ هُوَ الْأَصْلُ فِي الذَّكَاةِ وَإِنَّمَا يُقَامُ الْجُرْحُ مَقَامَهُ خَلَفًا عَنْهُ وَقَدْ وُجِدَ شَرْطٌ بِخِلَافِهِ وَهُوَ الْعَجْزُ عَنْ الْأَصْلِ فَيُقَامُ الْخَلَفُ مَقَامَهُ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَخْلَافِ مَعَ أُصُولِهَا، وَقَالَ أَصْحَابُنَا رحمهم الله لَوْ جَرَحَهُ السَّهْمُ أَوْ الْكَلْبُ فَأَدْرَكَهُ لَكِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ حَتَّى مَاتَ فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتٍ لَوْ أَخَذَهُ يُمْكِنُهُ ذَبْحُهُ فَلَمْ يَأْخُذْهُ حَتَّى مَاتَ لَمْ يُؤْكَلْ؛
-
لِأَنَّ الذَّبْحَ صَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ فَخَرَجَ الْجُرْحُ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَكَاةً،
-
وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ ذَبْحُهُ أَكَلَ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَأْخُذْهُ وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَبْحِهِ لَوْ أَخَذَهُ بَقِيَ ذَكَاتُهُ الْجُرْحُ السَّابِقُ، وَدَلَّتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ جَوَابَ الِاسْتِحْسَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ سِوَى أَنَّ هُنَاكَ أَخَذَ وَهَهُنَا لَمْ يَأْخُذْ، وَمَا يَصْنَعُ بِالْأَخْذِ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَكَاتِهِ؟
-
وَجَوَابُ الْقِيَاسِ عَنْ هَذَا أَنَّ حَقِيقَةَ الْقُدْرَةِ وَالتَّمَكُّنِ لَا عِبْرَةَ بِهَا؛ لِأَنَّ النَّاسَ مُخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَتَمَكَّنُ مِنْ الذَّبْحِ فِي زَمَانٍ قَلِيلٍ لِهِدَايَتِهِ فِي ذَلِكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَتَمَكَّنُ إلَّا فِي زَمَانٍ طَوِيلٍ لِقِلَّةِ هِدَايَتِهِ فِيهِ فَلَا يُمْكِنُ بِنَاءُ الْحُكْمِ عَلَى حَقِيقَةِ الْقُدْرَةِ وَالتَّمَكُّنِ فَيُقَامُ السَّبَبُ الظَّاهِرُ وَهُوَ ثُبُوتُ الْيَدِ مَقَامَهَا كَمَا فِي السَّفَرِ مَعَ الْمَشَقَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
-
وَذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ فِي نَوَادِرِهِ رحمه الله عَنْ أَبِي يُوسُفَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَطَعَ شَاةً نِصْفَيْنِ ثُمَّ إنَّ رَجُلًا فَرَى أَوْدَاجَهَا وَالرَّأْسُ يَتَحَرَّكُ أَوْ شَقَّ بَطْنَهَا فَأَخْرَجَ مَا فِي جَوْفِهَا وَفَرَى رَجُلٌ آخَرُ الْأَوْدَاجَ فَإِنَّ هَذَا لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ
-
الْأَوَّلَ قَاتِلٌ، وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ رحمه الله أَنَّ هَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ إنْ كَانَتْ الضَّرْبَةُ مِمَّا يَلِي الْعَجُزَ لَمْ تُؤْكَلْ الشَّاةُ وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يَلِي الرَّأْسَ أُكِلَتْ؛ لِأَنَّ الْعُرُوقَ الْمَشْرُوطَةَ فِي الذَّبْحِ مُتَّصِلَةٌ مِنْ الْقَلْبِ إلَى الدِّمَاغِ فَإِذَا كَانَتْ الضَّرْبَةُ مِمَّا يَلِي الرَّأْسَ فَقَدْ قَطَعَهَا فَحَلَّتْ وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يَلِي الْعَجُزَ فَلَمْ يَقْطَعْهَا فَلَمْ تَحِلَّ.
-
وَأَمَّا خُرُوجُ الدَّمِ بَعْدَ الذَّبْحِ فِيمَا لَا يَحِلُّ إلَّا بِالذَّبْحِ فَهَلْ هُوَ مِنْ شَرَائِطِ الْحِلِّ؟
-
فَلَا رِوَايَةَ فِيهِ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ،
-
وَكَذَا التَّحَرُّكُ بَعْدَ الذَّبْحِ هَلْ هُوَ شَرْطُ ثُبُوتِ الْحِلِّ؟
-
فَلَا رِوَايَةَ فِيهِ أَيْضًا عَنْ أَصْحَابِنَا وَذُكِرَ فِي بَعْضِ الْفَتَاوَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ شَيْئَيْنِ: إمَّا التَّحَرُّكُ، وَإِمَّا خُرُوجُ الدَّمِ.
-
فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَا يَحِلُّ كَأَنَّهُ جَعَلَ وُجُودَ أَحَدِهِمَا بَعْدَ الذَّبْحِ عَلَامَةَ الْحَيَاةِ وَقْتَ الذَّبْحِ فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ لَمْ تُعْلَمْ حَيَاتُهُ وَقْتَ الذَّبْحِ فَلَا يَحِلُّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ عُلِمَ حَيَّاتُهُ وَقْتَ الذَّبْحِ بِغَيْرِ التَّحَرُّكِ يَحِلُّ وَإِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بَعْدَ الذَّبْحِ وَلَا خَرَجَ مِنْهُ الدَّمُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
-
(وَمِنْهَا) مَا يَخُصُّ الذَّكَاةَ الِاضْطِرَارِيَّةَ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ صَيْدَ الْحَرَمِ فَإِنْ كَانَ لَا يُؤْكَلُ وَيَكُونُ مَيْتَةً سَوَاءٌ كَانَ الْمُذَكِّي مُحْرِمًا أَوْ حَلَالًا؛ لِأَنَّ التَّعَرُّضَ لِصَيْدِ الْحَرَمِ بِالْقَتْلِ وَالدَّلَالَةِ وَالْإِشَارَةِ مُحَرَّمٌ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ وَقَالَ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام فِي صِفَةِ الْحَرَمِ:
-
«وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ» وَالْفِعْلُ فِي الْمُحَرَّمِ شَرْعًا لَا يَكُونُ ذَكَاةً وَسَوَاءٌ كَانَ مَوْلِدُهُ الْحَرَمَ أَوْ دَخَلَ مِنْ الْحِلِّ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُضَافُ إلَى الْحَرَمِ فِي الْحَالَيْنِ فَيَكُونُ صَيْدَ الْحَرَمِ.
-
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى آلَةِ الذَّكَاةِ.
-
(فَمِنْهَا) : أَنْ يَكُونَ مَا يُصْطَادُ بِهِ مِنْ الْجَوَارِحِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ مِنْ ذِي النَّابِ مِنْ السِّبَاعِ وَذِي الْمِخْلَبِ مِنْ الطَّيْرِ مُعَلَّمًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ سبحانه وتعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ أَيْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ أَيْ الِاصْطِيَادُ بِمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ كَأَنَّهُمْ سَأَلُوا النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام عَمَّا يَحِلُّ لَهُمْ الِاصْطِيَادُ بِهِ مِنْ الْجَوَارِحِ أَيْضًا مَعَ مَا ذَكَرَ فِي بَعْضِ الْقِصَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام لَمَّا أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ أَتَاهُ نَاسٌ فَقَالُوا: مَاذَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي أَمَرْتَ بِقَتْلِهَا؟
-
فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ الْآيَةَ.
-
فَفِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ اعْتِبَارُ الشَّرْطَيْنِ وَهُمَا الْجُرْحُ وَالتَّعْلِيمُ حَيْثُ قَالَ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ ؛ لِأَنَّ الْجَوَارِحَ هِيَ الَّتِي تَجْرَحُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْجُرْحِ،
-
وَقِيلَ: الْجَوَارِحُ الْكَوَاسِبُ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ أَيْ كَسَبْتُمْ وَالْحَمْلُ عَلَى الْأَوَّلِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ حَمْلٌ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ؛ لِأَنَّهَا بِالْجِرَاحَةِ تَكْسِبُ وقَوْله تَعَالَى ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ قُرِئَ بِالْخَفْضِ وَالنَّصْبِ،
-
وَقِيلَ: بِالْخَفْضِ صَاحِبُ الْكَلْبِ يُقَالُ: كَلَّابٌ وَمُكَلِّبٌ، وَبِالنَّصْبِ الْكَلْبُ الْمُعَلَّمُ،
-
وَقِيلَ: الْمُكَلِّبَيْنِ بِالْخَفْضِ الْكِلَابُ الَّتِي يُكَالِبْنَ الصَّيْدَ أَيْ يَأْخُذْنَهُ عَنْ شِدَّةٍ فَالْكَلْبُ هُوَ الْآخِذُ عَنْ شِدَّةٍ، وَمِنْهُ الْكَلُّوبُ لِلْآلَةِ الَّتِي يُؤْخَذُ بِهَا الْحَدِيدُ، وَقَوْلُهُ: جَلَّتْ عَظَمَتُهُ ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ أَيْ تُعَلِّمُونَهُنَّ لَيُمْسِكْنَ الصَّيْدَ لَكُمْ وَلَا يَأْكُلْنَ مِنْهُ وَهَذَا حَدُّ التَّعْلِيمِ فِي الْكَلْبِ عِنْدَنَا عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَدَلَّتْ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ عَلَى أَنَّ كَوْنَ الْكَلْبِ مُعَلَّمًا شَرْطٌ لِإِبَاحَةِ أَكْلِ صَيْدِهِ فَلَا يُبَاحُ أَكْلُ صَيْدِ غَيْرِ الْمُعَلَّمِ.
-
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الشَّرْطُ فِي الْكَلْبِ بِالنَّصِّ ثَبَتَ فِي كُلِّ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ كَالْفَهْدِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَحْتَمِلُ التَّعَلُّمَ بِدَلَالَةِ النَّصِّ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْكَلْبِ إنَّمَا يُضَافُ إلَى الْمُرْسِلِ بِالتَّعْلِيمِ إذْ الْمُعَلَّمُ هُوَ الَّذِي يَعْمَلُ لِصَاحِبِهِ فَيَأْخُذُ لِصَاحِبِهِ وَيُمْسِكُ عَلَى صَاحِبِهِ فَكَانَ فِعْلُهُ مُضَافًا إلَى صَاحِبِهِ فَأَمَّا غَيْرُ الْمُعَلَّمِ فَإِنَّمَا يَعْمَلُ لِنَفْسِهِ لَا لِصَاحِبِهِ فَكَانَ فِعْلُهُ مُضَافًا إلَيْهِ لَا إلَى الْمُرْسِلِ لِذَلِكَ شُرِطَ كَوْنُهُ مُعَلَّمًا ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ حَدِّ التَّعْلِيمِ فِي الْجَوَارِحِ مِنْ ذِي النَّابِ كَالْكَلْبِ وَنَحْوِهِ وَذِي الْمِخْلَبِ كَالْبَازِي وَنَحْوِهِ.
-
أَمَّا تَعْلِيمُ الْكَلْبِ فَهُوَ أَنَّهُ إذَا أُرْسِلَ اتَّبَعَ الصَّيْدَ وَإِذَا أَخَذَهُ أَمْسَكَهُ عَلَى صَاحِبِهِ وَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ شَيْئًا وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ.
-
وَقَالَ مَالِكٌ رحمه الله : تَعْلِيمُهُ أَنْ يَتْبَعَ الصَّيْدَ إذَا أُرْسِلَ وَيُجِيبَ إذَا دُعِيَ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ رحمه الله حَتَّى لَوْ أَخَذَ صَيْدًا فَأَكَلَ مِنْهُ لَا يُؤْكَلُ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ يُؤْكَلُ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِ إنَّ كَوْنَهُ مُعَلَّمًا إنَّمَا شُرِطَ لِلِاصْطِيَادِ فَيُعْتَبَرُ حَالَةَ الِاصْطِيَادِ وَهِيَ حَالَةُ الِاتِّبَاعِ،
-
فَأَمَّا الْإِمْسَاكُ عَلَى صَاحِبِهِ وَتَرْكُ الْأَكْلِ يَكُونُ بَعْدَ الْفَرَاغِ عَنْ الِاصْطِيَادِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْحَدِّ، وَلَنَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْمَعْقُولُ.
-
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ عز وجل ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ حَدَّ تَعْلِيمِ الْكَلْبِ وَمَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ مَا قُلْنَا وَهُوَ الْإِمْسَاكُ عَلَى صَاحِبِهِ وَتَرْكُ الْأَكْلِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ التَّعْلِيمِ ثُمَّ أَبَاحَ أَكْلَ مَا أَمْسَكَ عَلَيْنَا فَكَانَ هَذَا إشَارَةً إلَى أَنَّ
-
التَّعْلِيمَ هُوَ أَنْ يُمْسِكَ عَلَيْنَا الصَّيْدَ وَلَا يَأْكُلَ مِنْهُ يُقَرِّرُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَبَاحَ أَكْلَ صَيْدِ الْمُعَلَّمِ مِنْ الْجَوَارِحِ الْمُمْسِكِ عَلَى صَاحِبِهِ،
-
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ تَرْكُ الْأَكْلِ مِنْ حَدِّ التَّعْلِيمِ وَكَانَ مَا أَكَلَ مِنْهُ حَلَالًا لَاسْتَوَى فِيهِ الْمُعَلَّمُ وَغَيْرُ الْمُعَلَّمِ وَالْمُمْسِكُ عَلَى صَاحِبِهِ وَعَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ كَلْبٍ يَطْلُبُ الصَّيْدَ وَيُمْسِكُهُ لِنَفْسِهِ حَتَّى يَمُوتَ إنْ أَرْسَلْتَ عَلَيْهِ وَأَغْرَيْتَهُ إلَّا الْمُعَلَّمَ.
-
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رُوِيَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا قَوْمٌ نَتَصَيَّدُ بِهَذِهِ الْكِلَابِ وَالْبُزَاةِ فَمَا يَحِلُّ لَنَا مِنْهَا؟ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام : يَحِلُّ لَكُمْ مَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ مِمَّا عَلَّمْتُمُوهُنَّ مِنْ كَلْبٍ أَوْ بَازٍ وَذَكَرْتُمْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ قُلْت: فَإِنْ قَتَلَ؟ قَالَ عليه الصلاة والسلام : إذَا قَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ وَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَرَأَيْت إنْ خَالَطَ كِلَابَنَا كِلَابٌ أُخْرَى؟ قَالَ عليه الصلاة والسلام : إنْ خَالَطَتْ كِلَابَكَ كِلَابٌ أُخْرَى فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّكَ إنَّمَا ذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تَذْكُرْهُ عَلَى كَلْبِ غَيْرِكَ» ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: إذَا أَكَلَ الْكَلْبُ مِنْ الصَّيْدِ فَلَيْسَ بِمُعَلَّمٍ،
-
وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: إذَا أَكَلَ الْكَلْبُ فَلَا تَأْكُلْ وَإِذَا أَكَلَ الصَّقْرُ فَكُلْ؛ لِأَنَّ الْكَلْبَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَضْرِبَهُ وَالصَّقْرَ لَا، وَعَنْ ابْنِ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: إذَا أَكَلَ الْكَلْبُ مِنْ الصَّيْدِ فَلَا تَأْكُلْ وَاضْرِبْهُ
-
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ أَخْذَ الصَّيْدِ وَقَتْلَهُ مُضَافٌ إلَى الْمُرْسِلِ وَإِنَّمَا الْكَلْبُ آلَةُ الْأَخْذِ وَالْقَتْلِ وَإِنَّمَا يَكُونُ مُضَافًا إلَيْهِ إذَا أَمْسَكَ لِصَاحِبِهِ لَا لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ لِنَفْسِهِ يَكُونُ عَمَلُهُ مُضَافًا إلَيْهِ لَا إلَى غَيْرِهِ وَالْإِمْسَاكُ عَلَى صَاحِبِهِ أَنْ يَتْرُكَ الْأَكْلَ مِنْهُ وَهُوَ حَدُّ التَّعْلِيمِ، وَالثَّانِي أَنَّ تَعْلِيمَ الْكَلْبِ وَنَحْوِهِ هُوَ تَبْدِيلُ طَبْعِهِ وَفِطَامِهِ عَنْ الْعَادَةِ الْمَأْلُوفَةِ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بِإِمْسَاكِ الصَّيْدِ لِصَاحِبِهِ وَتَرْكِ الْأَكْلِ مِنْهُ؛
-
لِأَنَّ الْكَلْبَ وَنَحْوَهُ مِنْ السِّبَاعِ مِنْ طِبَاعِهِمْ أَنَّهُمْ إذَا أَخَذُوا الصَّيْدَ فَإِنَّمَا يَأْخُذُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ وَلَا يَصْبِرُونَ عَلَى أَنْ لَا يَتَنَاوَلُوا مِنْهُ فَإِذَا أَخَذَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ الصَّيْدَ وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهُ دَلَّ أَنَّهُ تَرَكَ عَادَتَهُ حَيْثُ أَمْسَكَ لِصَاحِبِهِ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَإِذَا أَكَلَ مِنْهُ دَلَّ أَنَّهُ عَلَى عَادَتِهِ سَوَاءٌ اتَّبَعَ الصَّيْدَ إذَا أُغْرِيَ وَاسْتَجَابَ إذَا دُعِيَ أَوْ لَا؛
-
لِأَنَّهُ أَلُوفٌ فِي الْأَصْلِ يُجِيبُ إذَا دُعِيَ وَيَتَّبِعُ إذَا أُغْرِيَ فَلَا يَصْلُحُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى تَعَلُّمِهِ فَثَبَتَ أَنَّ مَعْنَى التَّعْلِيمِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِمَا قُلْنَا وَهُوَ أَنْ يُمْسِكَ الصَّيْدَ عَلَى صَاحِبِهِ وَلَا يَأْكُلَ مِنْهُ.
-
ثُمَّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه لَا تَوْقِيتَ فِي تَعْلِيمِهِ أَنَّهُ إذَا أَخَذَ صَيْدًا وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ هَلْ يَصِيرُ مُعَلَّمًا أَمْ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى التَّكْرَارِ، وَكَانَ يَقُولُ: إذَا كَانَ مُعَلَّمًا فَكُلْ كَذَا ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ، وَهَكَذَا رَوَى بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ رحمه الله عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ رحمه الله مَا حَدُّ تَعْلِيمِ الْكَلْبِ؟
-
قَالَ: أَنْ يَقُولَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِذَلِكَ أَنَّهُ مُعَلَّمٌ، وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ فِي الْمُجَرَّدِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّهُ قَالَ: لَا يَأْكُلُ مَا يَصِيدُ أَوَّلًا وَلَا الثَّانِيَ وَلَوْ أَكَلَ الثَّالِثَ وَمَا بَعْدَهُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ قَدَّرَاهُ بِالثَّلَاثِ فَقَالَا: إذَا أَخَذَ صَيْدًا فَلَمْ يَأْكُلْ،
-
ثُمَّ صَادَ ثَانِيًا فَلَمْ يَأْكُلْ،
-
ثُمَّ صَادَ ثَالِثًا فَلَمْ يَأْكُلْ فَهَذَا مُعَلَّمٌ.
-
فَأَبُو حَنِيفَةَ رضي الله عنه عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُ إنَّمَا رَجَعَ فِي ذَلِكَ إلَى أَهْلِ الصِّنَاعَةِ وَلَمْ يُقَدِّرْ فِيهِ تَقْدِيرًا؛ لِأَنَّ حَالَ الْكَلْبِ فِي الْإِمْسَاكِ وَتَرْكِ الْأَكْلِ يَخْتَلِفُ فَقَدْ يُمْسِكُ لِلتَّعْلِيمِ وَقَدْ يُمْسِكُ لِلشِّبَعِ فَفَوَّضَ ذَلِكَ إلَى أَهْلِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى جَعَلَ أَصْلَ التَّكْرَارِ دَلَالَةَ التَّعَلُّمِ؛
-
لِأَنَّ الشِّبَعَ لَا يَتَّفِقُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ فَدَلَّ تَكْرَارُ التَّرْكِ عَلَى التَّعْلِيمِ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ قَدَّرَا التَّكْرَارَ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ لِمَا أَنَّ الثَّلَاثَ مَوْضُوعَةٌ لِإِبْدَاءِ الْأَعْذَارِ أَصْلُهُ قَضِيَّةُ سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ مَعَ الْعَبْدِ الصَّالِحِ حَيْثُ قَالَ لَهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ وَرُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: مَنْ اتَّجَرَ فِي شَيْءٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمْ يَرْبَحْ فَلْيَنْتَقِلْ إلَى غَيْرِهِ ثُمَّ إذَا صَارَ مُعَلَّمًا فِي الظَّاهِرِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَقَاوِيلِ وَصَادَ بِهِ صَاحِبُهُ ثُمَّ أَكَلَ بَعْدَ ذَلِكَ فَمَا صَادَ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يُؤْكَلُ شَيْءٌ مِنْهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يُؤْكَلُ كُلُّهُ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا إنْ أَكَلَ الْكَلْبُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِعَدَمِ التَّعَلُّمِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعَ التَّعَلُّمِ لِفَرْطِ الْجُوعِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلنِّسْيَانِ؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّمَ قَدْ يَنْسَى فَلَا يَحْرُمُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الصَّيُودِ بِالشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله أَنَّ عَلَامَةَ التَّعَلُّمِ لَمَّا كَانَتْ تَرْكَ الْأَكْلِ فَإِذَا أَكَلَ بَعْدَ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُعَلَّمًا وَأَنَّ إمْسَاكَهُ لَمْ يَكُنْ لِصَيْرُورَتِهِ مُعَلَّمًا بَلْ
-
لِشِبَعِهِ فِي الْحَالِ إذْ غَيْرُ الْمُعَلَّمِ قَدْ يُمْسِكُهُ بِشِبَعِهِ لِلْحَالِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ فَاسْتَدْلَلْنَا بِأَكْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ إمْسَاكَهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي قَبْلَهُ كَانَ عَلَى غَيْرِ حَقِيقَةِ التَّعْلِيمِ أَوْ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ فَلَا تَحِلُّ مَعَ الِاحْتِمَالِ احْتِيَاطًا.
-
وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ حَمَلَ جَوَابَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله عَلَى مَا إذَا كَانَ زَمَانُ الْأَكْلِ قَرِيبًا مِنْ زَمَانِ التَّعْلِيمِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْأَكْلُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّعَلُّمِ وَأَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ الْأَكْلَ فِيمَا تَقَدَّمَ لِلشِّبَعِ لَا لِلتَّعْلِيمِ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ الْقَصِيرَةَ لَا تَتَحَمَّلُ النِّسْيَانَ فِي مِثْلِهَا فَإِذَا طَالَتْ الْمُدَّةُ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ يُؤْكَلُ مَا بَقِيَ مِنْ الصَّيُودِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛
-
لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَكْلُ لِلنِّسْيَانِ لَا لِعَدَمِ التَّعَلُّمِ لِوُجُودِ مُدَّةٍ لَا يَنْدُرُ النِّسْيَانُ فِي مِثْلِهَا إلَّا أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ عَنْهُ مُطْلَقٌ عَنْ هَذَا التَّفْصِيلِ وَإِطْلَاقُ الرِّوَايَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَالْوَجْهُ مَا ذَكَرْنَا.
-
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ النِّسْيَانَ لَا يَنْدُرُ عِنْدَ طُولِ الْمُدَّةِ، فَنَقُولُ: مَنْ تَعَلَّمَ حِرْفَةً بِتَمَامِهَا وَكَمَالِهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَنْسَاهَا بِالْكُلِّيَّةِ وَإِنْ طَالَتْ مُدَّةُ عَدَمِ الِاسْتِعْمَالِ لَكِنْ رُبَّمَا يَدْخُلُهَا خَلَلٌ كَصَنْعَةِ الْكِتَابَةِ وَالْخِيَاطَةِ وَالرَّمْيِ إذَا تَرَكَهَا صَاحِبُهَا مُدَّةً طَوِيلَةً فَلَمَّا أَكَلَ وَحِرْفَتُهُ تَرْكُ الْأَكْلِ دَلَّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَعَلَّمَ الْحِرْفَةَ مِنْ الْأَصْلِ وَأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَأْكُلْ قَبْلَ ذَلِكَ لَا لِلتَّعَلُّمِ بَلْ لِشِبَعِهِ فِي الْحَالِ فَلَا تَحِلُّ صُيُودُهُ الْمُتَقَدِّمَةُ وَأَمَّا فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَلَا يَحِلُّ صَيْدُهُ إلَّا بِتَعْلِيمٍ مُسْتَأْنَفٍ بِلَا خِلَافٍ فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه فَلِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بِالْأَكْلِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُعَلَّمًا وَأَنَّ تَرْكَ الْأَكْلِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّعَلُّمِ بَلْ لِشِبَعِهِ لِلْحَالِ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَتَعَلَّمْ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ نَسِيَ وَكَيْفَ مَا كَانَ لَا يَحِلُّ صَيْدُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إلَّا بِتَعْلِيمٍ مُبْتَدَأٍ وَتَعْلِيمِهِ فِي الثَّانِي بِمَا بِهِ تَعْلِيمُهُ فِي الْأَوَّلِ وَقَدْ ذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ فِيهِ.
-
وَلَوْ جَرَحَ الْكَلْبُ الصَّيْدَ وَوَلَغَ فِي دَمِهِ يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَمْسَكَ الصَّيْدَ عَلَى صَاحِبِهِ وَإِنَّمَا لَوْ وَلَغَ فِيمَا أَمْسَكَ عَلَى صَاحِبِهِ لَكَانَ لَا يَأْكُلُهُ صَاحِبُهُ وَذَلِكَ مِنْ غَايَةِ تَعَلُّمِهِ حَيْثُ تَنَاوَلَ الْخَبِيثَ وَأَمْسَكَ الطَّيِّبَ عَلَى صَاحِبِهِ، وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ فِي رَجُلٍ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ وَهُوَ مُعَلَّمٌ فَأَخَذَ صَيْدًا فَقَتَلَهُ وَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ اتَّبَعَ آخَرَ فَقَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ قَالَ: لَا يُؤْكَلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا؛
-
لِأَنَّهُ لَمَّا أَكَلَ دَلَّ عَلَى عَدَمِ التَّعَلُّمِ أَوْ عَلَى النِّسْيَانِ فَلَا يَحِلُّ صَيْدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ أَخَذَ الْكَلْبُ الْمُعَلَّمُ صَيْدًا فَأَخَذَهُ مِنْهُ صَاحِبُهُ وَأَخَذَ صَاحِبُ الْكَلْبِ مِنْ الصَّيْدِ قِطْعَةً فَأَلْقَاهَا إلَى الْكَلْبِ فَأَكَلَهَا الْكَلْبُ فَهُوَ عَلَى تَعَلُّمِهِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْأَكْلِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ حَالَ أَخْذِهِ الصَّيْدَ فَأَكْلُهُ بِإِطْعَامِ صَاحِبِهِ بَعْدَ الْأَخْذِ لَا يَقْدَحُ فِي التَّعَلُّمِ مَعَ مَا أَنَّ مِنْ عَادَةِ الصَّائِدِ بِالْكَلْبِ أَنَّهُ إذَا أَخَذَ الْكَلْبُ الصَّيْدَ أَنْ يُطْعِمَهُ مِنْ لَحْمِهِ تَرْغِيبًا لَهُ عَلَى الصَّيْدِ فَلَا يَكُونُ أَكْلُهُ بِإِطْعَامِهِ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ التَّعَلُّمِ.
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ صَاحِبُ الْكَلْبِ أَخَذَ الصَّيْدَ مِنْ الْكَلْبِ ثُمَّ وَثَبَ الْكَلْبُ عَلَى الصَّيْدِ فَأَخَذَ مِنْهُ قِطْعَةً فَأَكَلَهَا وَهُوَ فِي يَدِ صَاحِبِهِ فَإِنَّهُ عَلَى تَعَلُّمِهِ؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ بَعْدَ ثُبُوتِ يَدِ الْآدَمِيِّ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْأَكْلِ مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يَقْدَحُ فِي التَّعْلِيم،
-
وَكَذَلِكَ قَالُوا: لَوْ سَرَقَ الْكَلْبُ مِنْ الصَّيْدِ بَعْدَ دَفْعِهِ إلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لِلْجُوعِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْأَكْلَ لَمْ يَدْخُلْ فِي التَّعْلِيمِ.
-
وَإِنْ أُرْسِلَ الْكَلْبُ الْمُعَلَّمُ عَلَى صَيْدٍ فَتَبِعَهُ فَنَهَشَهُ فَقَطَعَ مِنْهُ قِطْعَةً فَأَكَلَهَا ثُمَّ أَخَذَ الصَّيْدَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ مِنْهُ فِي حَالِ الِاصْطِيَادِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ التَّعَلُّمِ فَإِنْ نَهَشَهُ فَأَلْقَى مِنْهُ بَضْعَةً وَالصَّيْدُ حَيٌّ ثُمَّ اتَّبَعَ الصَّيْدَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَخَذَهُ فَقَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا يُؤْكَلُ؛
-
لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّعْلِيمِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَطَعَ قِطْعَةً مِنْهُ لِيُثْخِنَهُ فَيُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى أَخْذِهِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْجُرْحِ وَإِنْ أَخَذَ صَاحِبُ الْكَلْبِ الصَّيْدَ مِنْ الْكَلْبِ بَعْدَ مَا قَطَعَهُ ثُمَّ رَجَعَ الْكَلْبُ بَعْدَ ذَلِكَ فَمَرَّ بِتِلْكَ الْقِطْعَةِ فَأَكَلَهَا يُؤْكَلُ صَيْدُهُ؛
-
لِأَنَّهُ لَوْ أَكَلَ مِنْ نَفْسِ الصَّيْدِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَضُرُّ فَإِذَا أَكَلَ مِمَّا بَانَ مِنْهُ أَوْلَى،
-
وَإِنْ اتَّبَعَ الصَّيْدَ فَنَهَشَهُ فَأَخَذَ مِنْهُ بِضْعَةً فَأَكَلَهَا وَهُوَ حَيٌّ فَانْفَلَتَ الصَّيْدُ مِنْهُ ثُمَّ أَخَذَ الْكَلْبُ صَيْدًا آخَرَ فِي فَوْرِهِ فَقَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ وَقَالَ: أَكْرَهُ أَكْلَهُ؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ فِي حَالَةِ الِاصْطِيَادِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّعْلِيمِ فَلَا يُؤْكَلُ مَا اصْطَادَهُ بَعْدَهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى عَزَّ شَأْنُهُ أَعْلَمُ.
-
وَأَمَّا تَعْلِيمُ ذِي الْمِخْلَبِ كَالْبَازِي أَوْ نَحْوِهِ فَهُوَ أَنْ يُجِيبَ صَاحِبَهُ إذَا دَعَاهُ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِمْسَاكُ عَلَى صَاحِبِهِ حَتَّى لَوْ أَخَذَ الصَّيْدَ فَأَكَلَ مِنْهُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ صَيْدِهِ
-
بِخِلَافِ الْكَلْبِ وَنَحْوِهِ، وَالْفَرْقُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا أَنَّ التَّعَلُّمَ بِتَرْكِ الْعَادَةِ وَالطَّبْعِ، وَالْبَازِي مِنْ عَادَتِهِ التَّوَحُّشُ مِنْ النَّاسِ وَالتَّنَفُّرُ مِنْهُمْ بِطَبْعِهِ فَإِلْفُهُ بِالنَّاسِ وَإِجَابَتُهُ صَاحِبَهُ إذَا دَعَاهُ يَكْفِي دَلِيلًا عَلَى تَعَلُّمِهِ
-
بِخِلَافِ الْكَلْبِ فَإِنَّهُ أَلُوفٌ بِطَبْعِهِ يَأْلَفُ بِالنَّاسِ وَلَا يَتَوَحَّشُ مِنْهُمْ فَلَا يَكْفِي هَذَا الْقَدْرُ دَلِيلَ التَّعَلُّمِ فِي حَقِّهِ فَلَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةِ أَمْرٍ وَهُوَ تَرْكُ
-
الْأَكْلِ، وَالثَّانِي أَنَّ الْبَازِيَ إنَّمَا يُعَلَّمُ بِالْأَكْلِ فَلَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَخْرُجَ بِالْأَكْلِ عَنْ حَدِّ التَّعْلِيمِ
-
بِخِلَافِ الْكَلْبِ وَالثَّالِثُ أَنَّ الْكَلْبَ يُمْكِنُ تَعْلِيمُهُ بِتَرْكِ الْأَكْلِ بِالضَّرْبِ؛ لِأَنَّ جُثَّتَهُ تَتَحَمَّلُ الضَّرْبَ وَالْبَازِي لَا؛ لِأَنَّ جُثَّتَهُ لَا تَتَحَمَّلُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رضي الله عنهم أَنَّهُمْ قَالُوا: إذَا أَكَلَ الصَّقْرُ فَكُلْ وَإِنْ أَكَلَ الْكَلْبُ فَلَا تَأْكُلْ.
-
وَمِنْهَا الْإِرْسَالُ أَوْ الزَّجْرُ عِنْدَ عَدَمِهِ عَلَى وَجْهٍ يَنْزَجِرُ بِالزَّجْرِ فِيمَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ وَهُوَ الْكَلْبُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ حَتَّى لَوْ تَرَسَّلَ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَزْجُرْهُ صَاحِبُهُ فِيمَا يَنْزَجِرُ بِالزَّجْرِ لَا يَحِلُّ صَيْدُهُ الَّذِي قَتَلَهُ؛ لِأَنَّ الْإِرْسَالَ فِي صَيْدِ الْجَوَارِحِ أَصْلٌ لِيَكُونَ الْقَتْلُ وَالْجُرْحُ مُضَافًا إلَى الْمُرْسِلِ إلَّا أَنَّ عِنْدَ عَدَمِهِ يُقَامُ الزَّجْرُ مُقَامَ الِانْزِجَارِ فِيمَا يَحْتَمِلُ قِيَامَ ذَلِكَ مَقَامَهُ فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ فَلَا تَثْبُتُ الْإِضَافَةُ فَلَا يَحِلُّ،
-
وَلَوْ أَرْسَلَ مُسْلِمٌ كَلْبَهُ وَسَمَّى فَزَجَرَهُ مَجُوسِيٌّ فَانْزَجَرَ يُؤْكَلُ صَيْدُهُ.
-
وَلَوْ أَرْسَلَ مَجُوسِيٌّ كَلْبَهُ فَزَجَرَهُ مُسْلِمٌ فَانْزَجَرَ لَا يُؤْكَلُ صَيْدُهُ
-
وَكَذَلِكَ لَوْ أَرْسَلَ مُسْلِمٌ كَلْبَهُ وَتَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا فَاتَّبَعَ الصَّيْدَ ثُمَّ زَجَرَهُ فَانْزَجَرَ لَا يُؤْكَلُ صَيْدُهُ وَلَوْ لَمْ يُرْسِلْهُ أَحَدٌ وَانْبَعَثَ بِنَفْسِهِ فَاتَّبَعَ الصَّيْدَ فَزَجَرَهُ مُسْلِمٌ وَسَمَّى فَانْزَجَرَ يُؤْكَلُ صَيْدُهُ وَإِنْ لَمْ يَنْزَجِرْ لَا يُؤْكَلْ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِرْسَالَ هُوَ الْأَصْلُ وَالزَّجْرُ كَالْخَلَفِ عَنْهُ وَالْخَلَفُ يُعْتَبَرُ حَالَ عَدَمِ الْأَصْلِ لَا حَالَ وُجُودِهِ.
-
فَفِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ وُجِدَ الْأَصْلُ فَلَا يُعْتَبَرُ الْخَلَفُ إلَّا أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى الْمُرْسِلُ مِنْ أَهْلِ الْإِرْسَالِ فَيُؤْكَلُ صَيْدُهُ وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ لَا فَلَا يُؤْكَلُ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ لَمْ يُوجَدْ الْأَصْلُ فَيُعْتَبَرُ الْخَلَفُ فَيُؤْكَلُ صَيْدُهُ إنْ انْزَجَرَ وَإِنْ لَمْ يَنْزَجِرْ لَا يُؤْكَلُ؛
-
لِأَنَّ الزَّجْرَ بِدُونِ الِانْزِجَارِ لَا يَصْلُحُ خَلَفًا عَنْ الْإِرْسَالِ فَكَانَ مُلْحَقًا بِالْعَدَمِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ يُرْسَلُ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ إرْسَالٍ وَلَا زَجْرٍ وَلَوْ أَرْسَلَهُ مُسْلِمٌ وَسَمَّى وَزَجَرَهُ رَجُلٌ وَلَمْ يُسَمِّ عَلَى زَجْرِهِ فَأَخَذَ الصَّيْدَ وَقَتَلَهُ يُؤْكَلُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْإِرْسَالِ فَيُعْتَبَرُ وُجُودُ التَّسْمِيَةِ عِنْدَهُ.
-
وَأَصْلٌ آخَرُ لِتَخْرِيجِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَنَّ الدَّلَالَةَ لَا تُعْتَبَرُ إذَا وُجِدَ الصَّرِيحُ وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ تُعْتَبَرُ فَفِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ وُجِدَ مِنْ الْكَلْبِ صَرِيحُ الطَّاعَةِ بِالْإِرْسَالِ حَيْثُ عَدَا بِإِرْسَالِهِ، وَانْزِجَارُهُ طَاعَةً لِلزَّاجِرِ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي مُقَابَلَةِ الصَّرِيحِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ لَمْ يُوجَدْ الصَّرِيحُ فَاعْتُبِرَتْ الدَّلَالَةُ وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ بَقِيَّةُ الْمَسَائِلِ.
-
وَمِنْهَا بَقَاءُ الْإِرْسَالِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَخْذُ الْكَلْبِ أَوْ الْبَازِي الصَّيْدَ فِي حَالِ فَوْرِ الْإِرْسَالِ لَا فِي حَالِ انْقِطَاعِهِ حَتَّى لَوْ أَرْسَلَ الْكَلْبَ أَوْ الْبَازِيَ عَلَى صَيْدٍ وَسَمَّى فَأَخَذَ صَيْدًا وَقَتَلَهُ ثُمَّ أَخَذَ آخَرَ عَلَى فَوْرِهِ ذَلِكَ وَقَتَلَهُ ثُمَّ وَثُمَّ يُؤْكَلُ ذَلِكَ كُلُّهُ؛
-
لِأَنَّ الْإِرْسَالَ لَمْ يَنْقَطِعْ فَكَانَ الثَّانِي كَالْأَوَّلِ مَعَ مَا بَيَّنَّا أَنَّ التَّعْيِينَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الصَّيْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ فَكَانَ أَخْذُ الْكَلْبِ أَوْ الْبَازِي الصَّيْدَ فِي فَوْرِ الْإِرْسَالِ كَوُقُوعِ السَّهْمِ بِصَيْدَيْنِ،
-
فَإِنْ أَخَذَ صَيْدًا وَجَثَمَ عَلَيْهِ طَوِيلًا ثُمَّ مَرَّ بِهِ آخَرُ فَأَخَذَهُ وَقَتَلَهُ لَمْ يُؤْكَلْ إلَّا بِإِرْسَالٍ مُسْتَقْبَلٍ أَوْ بِزَجْرِهِ وَتَسْمِيَةٍ عَلَى وَجْهٍ يَنْزَجِرُ فِيمَا يَحْتَمِلُ الزَّجْرَ لَبُطْلَانِ الْفَوْرِ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ أَوْ بَازَهُ عَلَى صَيْدٍ فَعَدَلَ عَنْ الصَّيْدِ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً وَتَشَاغَلَ بِغَيْرِ طَلَبٍ الصَّيْدِ وَفَتَرَ عَنْ سَنَنِهِ ذَلِكَ ثُمَّ تَبِعَ صَيْدًا آخَرَ فَأَخَذَهُ وَقَتَلَهُ لَا يُؤْكَلُ إلَّا بِإِرْسَالٍ مُسْتَأْنَفٍ أَوْ أَنْ يَزْجُرَهُ صَاحِبُهُ وَيُسَمِّيَ فَيَنْزَجِرَ فِيمَا يَحْتَمِلُ الزَّجْرَ؛
-
لِأَنَّهُ لَمَّا تَشَاغَلَ بِغَيْرِ طَلَبِ الصَّيْدِ فَقَدْ انْقَطَعَ حُكْمُ الْإِرْسَالِ فَإِذَا صَادَ صَيْدًا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ تَرَسَّلَ بِنَفْسِهِ فَلَا يَحِلُّ صَيْدُهُ إلَّا أَنْ يَزْجُرَهُ صَاحِبُهُ فِيمَا يَحْتَمِلُ الزَّجْرَ لِمَا بَيَّنَّا.
-
وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَرْسَلَ فَهْدًا وَالْفَهْدُ إذَا أُرْسِلَ كَمِنَ وَلَا يَتَّبِعُ حَتَّى يَسْتَمْكِنَ فَيَمْكُثُ سَاعَةً ثُمَّ يَأْخُذُ الصَّيْدَ فَيَقْتُلَهُ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ،
-
وَكَذَلِكَ الْكَلْبُ إذَا أُرْسِلَ فَصَنَعَ كَمَا يَصْنَعُ الْفَهْدُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ مَا صَادَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْإِرْسَالِ لَمْ يَنْقَطِعْ بِالْكُمُونِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكْمُنُ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الصَّيْدِ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الِاصْطِيَادِ وَوَسِيلَةً إلَيْهِ فَلَا يَنْقَطِعُ بِهِ حُكْمُ الْإِرْسَالِ كَالْوُثُوبِ وَالْعَدْوِ،
-
وَكَذَلِكَ الْبَازِي إذَا أُرْسِلَ فَسَقَطَ عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ طَارَ فَأَخَذَ الصَّيْدَ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْقُطُ عَلَى شَيْءٍ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الصَّيْدِ فَكَانَ سُقُوطُهُ بِمَنْزِلَةِ كُمُونِ الْفَهْدِ.
-
وَكَذَلِكَ الرَّامِي إذَا رَمَى صَيْدًا بِسَهْمٍ فَمَا أَصَابَهُ فِي سَنَنِهِ ذَلِكَ وَوَجْهِهِ أُكِلَ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَضَى فِي سَنَنِهِ فَلَمْ يَنْقَطِعْ حُكْمُ الرَّمْيِ فَكَانَ ذَهَابُهُ بِقُوَّةِ الرَّامِي فَكَانَ قَتْلُهُ مُضَافًا إلَيْهِ فَيَحِلُّ،
-
فَإِنْ أَصَابَ وَاحِدًا ثُمَّ نَفَذَ إلَى آخَرَ وَآخَرَ أُكِلَ الْكُلُّ لِمَا قُلْنَا مَعَ مَا أَنَّ تَعْيِينَ الصَّيْدِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَإِنْ أَمَالَتْ الرِّيحُ السَّهْمَ إلَى نَاحِيَةٍ أُخْرَى يَمِينًا أَوْ شِمَالًا فَأَصَابَ صَيْدًا آخَرَ لَمْ يُؤْكَل؛ لِأَنَّ السَّهْمَ إذَا تَحَوَّلَ عَنْ سَنَنِهِ فَقَدْ انْقَطَعَ حُكْمُ الرَّمْيِ فَصَارَتْ الْإِصَابَةُ بِغَيْرِ فِعْلِ الرَّامِي فَلَا يَحِلُّ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى جَبْلٍ سَيْفٌ فَأَلْقَتْهُ الرِّيحُ عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ أَنَّهُ
-
لَا يُؤْكَلُ كَذَا هَذَا فَإِنْ لَمْ تُرْدِهِ الرِّيحُ عَنْ وَجْهِهِ ذَلِكَ أُكِلَ الصَّيْدُ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَضَى فِي وَجْهِهِ كَانَ مُضِيُّهُ بِقُوَّةِ الرَّامِي وَإِنَّمَا الرِّيحُ أَعَانَتْهُ وَمَعُونَةُ الرِّيحِ السَّهْمَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَكَانَ مُلْحَقًا بِالْعَدَمِ فَإِنْ أَصَابَتْ الرِّيحُ السَّهْمَ وَهِيَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَدَفَعَتْهُ لَكِنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ وَجْهِهِ فَأَصَابَ السَّهْمُ الصَّيْدَ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ؛
-
لِأَنَّهُ مَضَى فِي وَجْهِهِ وَمَعُونَةُ الرِّيحِ إذَا لَمْ تَعْدِلْ السَّهْمَ عَنْ وَجْهِهِ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَلَا يُعْتَبَرُ.
-
أَصَابَ السَّهْمُ حَائِطًا أَوْ صَخْرَةً فَرَجَعَ فَأَصَابَ صَيْدًا فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الرَّامِي انْقَطَعَ وَصَارَتْ الْإِصَابَةُ فِي غَيْرِ جِهَةِ الرَّمْيِ فَإِنْ مَرَّ السَّهْمُ بَيْنَ الشَّجَرِ فَجَعَلَ يُصِيبُ الشَّجَرَ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ لَكِنَّ السَّهْمَ عَلَى سَنَنِهِ فَأَصَابَ صَيْدًا فَقَتَلَهُ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ فَإِنْ رَدَّهُ شَيْءٌ مِنْ الشَّجَرِ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً لَا يُؤْكَلُ لِمَا بَيَّنَّا،
-
فَإِنْ مَرَّ السَّهْمُ فَجَحَشَهُ حَائِطٌ وَهُوَ عَلَى سَنَنِهِ ذَلِكَ فَأَصَابَ صَيْدًا فَقَتَلَهُ أُكِلَ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الرَّامِي لَمْ يَنْقَطِعْ وَإِنَّمَا أَصَابَ السَّهْمُ الصَّيْدَ وَالْحَائِطَ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْحِلَّ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله أَنَّ حُكْمَ الْإِرْسَالِ لَا يَنْقَطِعُ بِالتَّغَيُّرِ عَنْ سَنَنِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا إلَّا إذَا رَجَعَ مِنْ وَرَائِهِ.
-
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا رَمَى بِسَهْمٍ وَسَمَّى ثُمَّ رَمَى رَجُلٌ آخَرُ بِسَهْمٍ وَسَمَّى فَأَصَابَ السَّهْمُ الْأَوَّلُ السَّهْمَ الثَّانِيَ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَ الصَّيْدَ فَرَدَّهُ عَنْ وَجْهِهِ ذَلِكَ فَأَصَابَ صَيْدًا فَقَتَلَهُ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا رَدَّهُ السَّهْمُ الثَّانِي عَنْ سَنَنِهِ انْقَطَعَ حُكْمُ الرَّمْيِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحِلُّ، قَالَ الْقُدُورِيُّ: وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الرَّامِيَ الثَّانِيَ لَمْ يَقْصِدْ الِاصْطِيَادَ؛
-
لِأَنَّ الْقَتْلَ حَصَلَ بِفِعْلِهِ وَهُوَ لَمْ يَقْصِدْ الِاصْطِيَادَ فَلَا يَحِلُّ فَأَمَّا إذَا كَانَ الثَّانِي رَمَى لِلِاصْطِيَادِ فَيَحِلُّ أَكْلُ الصَّيْدِ وَهُوَ لِلثَّانِي؛ لِأَنَّهُ مَاتَ بِفِعْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ بِالرَّمْيِ وَتَعْيِينُ الْمَرْمِيِّ إلَيْهِ لَيْسَ بِشَرْطٍ.
-
وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ رَمَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَيْدًا بِسَهْمٍ فَأَصَابَا الصَّيْدَ جَمِيعًا وَوَقَعَتْ الرَّمْيَتَانِ بِالصَّيْدِ مَعًا فَمَاتَ فَإِنَّهُ لَهُمَا وَيُؤْكَلُ.
-
(أَمَّا) حِلُّ الْأَكْلِ فَظَاهِرٌ.
-
(وَأَمَّا) كَوْنُ الصَّيْدِ لَهُمَا فَلِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ وَتَسَاوَيَا فِيهِ فَيَتَسَاوَيَانِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ فَإِنْ أَصَابَهُ سَهْمُ الْأَوَّلِ فَوَقَذَهُ ثُمَّ أَصَابَهُ سَهْمُ الْآخَرِ فَقَتَلَهُ قَالَ أَبُو يُوسُفَ رحمه الله : يُؤْكَلُ وَالصَّيْدُ لِلْأَوَّلِ، وَقَالَ زُفَرُ رحمه الله : لَا يُؤْكَلُ وَهَذَا فَرْعُ اخْتِلَافِهِمْ فِي أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الرَّمْيِ حَالُ الرَّمْيِ أَوْ حَالُ الْإِصَابَةِ فَعِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ الْمُعْتَبَرُ حَالُ الرَّمْيِ، وَعِنْدَ زُفَرَ حَالُ الْإِصَابَةِ.
-
(وَوَجْهُ) الْبِنَاءِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ لَمَّا كَانَ حَالَ الرَّمْيِ عِنْدَنَا فَقَدْ وُجِدَ الرَّمْيُ مِنْهُمَا وَالصَّيْدُ مُمْتَنِعٌ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِالسَّهْمِ الثَّانِي حَظْرٌ إلَّا أَنَّ الْمِلْكَ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ سَهْمَهُ أَخْرَجَهُ مِنْ حَيِّزِ الِامْتِنَاعِ فَصَارَ السَّهْمُ الثَّانِي كَأَنَّهُ وَقَعَ بِصَيْدٍ مَمْلُوكٍ فَلَا يُسْتَحَقُّ بِهِ شَيْءٌ فَكَانَ الِاعْتِبَارُ بِحَالِ الرَّمْيِ فِي حَقِّ الْحِلِّ وَالْإِصَابَةِ فِي حَقِّ الْمِلْكِ؛
-
لِأَنَّ الْحِلَّ يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ وَالْمِلْكَ يَتَعَلَّقُ بِالْمَحَلِّ وَلَمَّا كَانَ الِاعْتِبَارُ بِحَالِ الْإِصَابَةِ عِنْدَهُ فَقَدْ أَصَابَهُ الثَّانِي وَالصَّيْدُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ فَصَارَ كَمَنْ رَمَى إلَى شَاةٍ فَقَتَلَهَا.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ زُفَرَ رحمه الله الِاعْتِبَارُ حَالُ الْإِصَابَةِ أَنَّ الْمِلْكَ يَقِفُ ثُبُوتُهُ عَلَى الْإِصَابَةِ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يُصِبْ لَا يَمْلِكُ فَدَلَّ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ وَقْتُ الْإِصَابَةِ، وَلَنَا أَنَّ حَالَ الرَّمْيِ هُوَ الَّذِي يَفْعَلُهُ وَالتَّسْمِيَةُ مُعْتَبَرَةٌ عِنْدَ فِعْلِهِ فَكَانَ الِاعْتِبَارُ بِحَالِ الرَّمْيِ
-
وَكَذَلِكَ إنْ رَمَى أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ قَبْلَ إصَابَةِ الْأَوَّلِ فَهُوَ كَرَمْيِهِمَا مَعًا فِي الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّ رَمْيَ الثَّانِي وُجِدَ وَالصَّيْدُ مُمْتَنِعٌ فَصَارَ كَمَا لَوْ رَمَيَا مَعًا فَإِنْ أَصَابَهُ سَهْمُ الْأَوَّلِ وَلَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ الِامْتِنَاعِ فَأَصَابَهُ الثَّانِي فَقَتَلَهُ فَهُوَ لِلثَّانِي؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ إذَا لَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ حَدِّ الِامْتِنَاعِ فَفِعْلُ الِاصْطِيَادِ وُجِدَ مِنْ الثَّانِي وَلِلْأَوَّلِ تَسَبُّبٌ فِي الصَّيْدِ فَصَارَ كَمَنْ أَثَارَ صَيْدًا وَأَخَذَهُ غَيْرُهُ أَنَّ الصَّيْدَ يَكُونُ لِلْآخِذِ لَا لِلْمُثِيرِ كَذَا هَذَا.
-
وَإِنْ كَانَ سَهْمُ الْأَوَّلِ وَقَذَهُ وَأَخْرَجَهُ عَنْ الِامْتِنَاعِ ثُمَّ أَصَابَهُ سَهْمُ الثَّانِي فَهَذَا عَلَى وُجُوهٍ: إنْ مَاتَ مِنْ الْأَوَّلِ أَكَلَ وَعَلَى الثَّانِي ضَمَانُ مَا نَقَصَتْهُ جِرَاحَتُهُ؛ لِأَنَّ السَّهْمَ الْأَوَّلَ وَقَعَ بِهِ وَهُوَ صَيْدٌ فَإِذَا قَتَلَهُ حَلَّ وَقَدْ مَلَكَهُ الْأَوَّلُ بِالْإِصَابَةِ فَالْجِرَاحَةُ الثَّانِيَةُ نَقْصٌ فِي مِلْكِ الْأَوَّلِ فَيَضْمَنُهَا الثَّانِي،
-
وَإِنْ مَاتَ مِنْ الْجِرَاحَةِ الثَّانِيَةِ لَمْ يُؤْكَلْ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ رَمَى إلَيْهِ وَهُوَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ فَصَارَ كَالرَّمْيِ إلَى الشَّاةِ وَيَضْمَنُ الثَّانِي مَا نَقَصَتْهُ جِرَاحَتُهُ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ دَخَلَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِفِعْلِهِ ثُمَّ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ مَجْرُوحًا بِجِرَاحَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أُتْلِفَ بِفِعْلِهِ إلَّا أَنَّهُ غَرِمَ نُقْصَانَ الْجُرْحِ الثَّانِي فَلَا يَضْمَنُهُ ثَانِيًا وَالْجُرْحُ الْأَوَّلُ نَقْصٌ حَصَلَ بِفِعْلِ الْمَالِكِ لِلصَّيْدِ فَلَا يَضْمَنُهُ الثَّانِي.
-
وَإِنْ مَاتَ مِنْ الْجِرَاحَتَيْنِ لَمْ يُؤْكَلْ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الرَّمْيَيْنِ حَاظِرٌ وَالْآخَرَ مُبِيحٌ فَالْحُكْمُ لِلْحَاظِرِ احْتِيَاطًا وَالصَّيْدُ لِلْأَوَّلِ لِانْفِرَادِهِ بِسَبَبِ مِلْكِهِ وَهُوَ الْجِرَاحَةُ الْمُخْرِجَةُ لَهُ مِنْ الِامْتِنَاعِ وَعَلَى الثَّانِي لِلْأَوَّلِ نِصْفُ قِيمَتِهِ مَجْرُوحًا بِالْجِرَاحَتَيْنِ وَيَضْمَنُ نِصْفَ مَا نَقَصَتْهُ الْجِرَاحَةُ الثَّانِيَةُ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ بِفِعْلِهَا فَسَقَطَ نِصْفُ
-
الضَّمَانِ وَثَبَتَ نِصْفُهُ وَالْجِرَاحَةُ الثَّانِيَةُ يَضْمَنُهَا الثَّانِي؛ لِأَنَّهَا حَصَلَتْ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ وَلِأَنَّهُ أَتْلَفَ عَلَى شَرِيكِهِ نَصِيبَهُ حِينَ أَخْرَجَهُ مِنْ الْإِبَاحَةِ إلَى الْحَظْرِ فَيَلْزَمُهُ الضَّمَانُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِأَيِّ الْجِرَاحَتَيْنِ مَاتَ فَهُوَ كَمَا لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْجِرَاحَتَيْنِ سَبَبُ الْقَتْلِ فِي الظَّاهِرِ وَاَللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ أَعْلَمُ.
-
وَلَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا عَلَى صَيْدٍ وَسَمَّى فَأَدْرَكَ الْكَلْبُ الصَّيْدَ فَضَرَبَهُ فَوَقَذَهُ ثُمَّ ضَرَبَهُ ثَانِيًا فَقَتَلَهُ أَكَلَ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ أَرْسَلَ كَلْبَيْنِ عَلَى صَيْدٍ فَضَرَبَهُ أَحَدُهُمَا فَوَقَذَهُ ثُمَّ ضَرَبَهُ الْكَلْبُ الْآخَرُ فَقَتَلَهُ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَدْخُلُ فِي تَعْلِيمِ الْكَلْبِ إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعَلَّمَ بِتَرْكِ الْجُرْحِ بَعْدَ الْجُرْحِ الْأَوَّلِ فَلَا يُعْتَبَرُ فَكَأَنَّهُ قَتَلَهُ بِجُرْحٍ وَاحِدٍ.
-
وَلَوْ أَرْسَلَ رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ فَضَرَبَهُ كَلْبُ أَحَدِهِمَا فَوَقَذَهُ ثُمَّ ضَرَبَهُ كَلْبُ الْآخَرِ فَقَتَلَهُ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ جُرْحَ الْكَلْبِ بَعْدَ الْجُرْحِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ التَّحَفُّظُ عَنْهُ فَلَا يُوجِبَ الْحَظْرَ فَيُؤْكَلُ وَيَكُونُ الصَّيْدُ لِصَاحِبِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ جِرَاحَةَ كَلْبِهِ أَخْرَجَتْهُ عَنْ حَدِّ الِامْتِنَاعِ فَصَارَ مِلْكًا لَهُ فَجِرَاحَةُ كَلْبِ الثَّانِي لَا تُزِيلُ مِلْكَهُ عَنْهُ.
-
وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْإِرْسَالُ وَالرَّمْيُ عَلَى الصَّيْدِ وَإِلَيْهِ حَتَّى لَوْ أَرْسَلَ عَلَى غَيْرِ صَيْدٍ أَوْ رَمَى إلَى غَيْرِ صَيْدٍ فَأَصَابَ صَيْدًا لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ الْإِرْسَالَ إلَى غَيْرِ الصَّيْدِ وَالرَّمْيِ إلَى غَيْرِهِ لَا يَكُونُ اصْطِيَادًا فَلَا يَكُونُ قَتْلُ الصَّيْدِ وَجَرْحُهُ مُضَافًا إلَى الْمُرْسَلِ وَالرَّامِي فَلَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْإِبَاحَةُ.
-
وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ مَا إذَا سَمِعَ حِسًّا فَظَنَّهُ صَيْدًا فَأَرْسَلَ عَلَيْهِ كَلْبَهُ أَوْ بَازَهُ أَوْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ فَأَصَابَ صَيْدًا أَوْ بَانَ لَهُ أَنَّ الْحِسَّ الَّذِي سَمِعَهُ لَمْ يَكُنْ حِسَّ صَيْدٍ وَإِنَّمَا كَانَ شَاةً أَوْ بَقَرَةً أَوْ آدَمِيًّا أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ الصَّيْدُ الَّذِي أَصَابَهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛
-
لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَرْسَلَ عَلَى مَا لَيْسَ بِصَيْدٍ وَرَمَى إلَى مَا لَيْسَ بِصَيْدٍ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحِلُّ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ الْفِقْهِ وَصَارَ كَأَنَّهُ رَمَى إلَى آدَمِيٍّ أَوْ شَاةٍ أَوْ بَقَرَةٍ وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ فَأَصَابَ صَيْدًا أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ كَذَا هَذَا،
-
وَإِنْ كَانَ الْحِسُّ حِسَّ صَيْدٍ فَأَصَابَ صَيْدًا يُؤْكَلُ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْحِسُّ حِسَّ صَيْدٍ مَأْكُولٍ أَوْ غَيْرِ مَأْكُولٍ بَعْدَ أَنْ كَانَ الْمُصَابُ صَيْدًا مَأْكُولًا وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ، وَقَالَ زُفَرُ: إنْ كَانَ ذَلِكَ الْحِسُّ حِسَّ صَيْدٍ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ كَالسِّبَاعِ وَنَحْوِهَا لَا يُؤْكَلُ.
-
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله اللَّهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ حِسَّ ضَبُعٍ يُؤْكَلُ الصَّيْدُ وَإِنْ كَانَ حِسَّ خِنْزِيرٍ لَا يُؤْكَلُ الصَّيْدُ.
-
(وَجْهُ) قَوْلِ زُفَرَ إنَّ السَّبُعَ غَيْرُ مَأْكُولٍ فَالرَّمْيُ إلَيْهِ لَا يَثْبُتُ بِهِ حِلُّ الصَّيْدِ الْمَأْكُولِ كَمَا لَوْ كَانَ حِسَّ آدَمِيٍّ فَرَمَى إلَيْهِ فَأَصَابَ صَيْدًا وَلَنَا أَنَّ الْإِرْسَالَ إلَى الصَّيْدِ اصْطِيَادٌ مُبَاحٌ مَأْكُولًا كَانَ الصَّيْدُ أَوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ فَتَتَعَلَّقُ بِهِ إبَاحَةُ الصَّيْدِ الْمَأْكُولِ؛
-
لِأَنَّ حِلَّ الصَّيْدِ الْمَأْكُولِ يَتَعَلَّقُ بِالْإِرْسَالِ فَإِذَا كَانَ الْإِرْسَالُ حَلَالًا يَثْبُتُ حِلُّهُ إلَّا أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِحِلِّ الْإِرْسَالِ حِلُّ حُكْمِ الْمُرْسَلِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ ثَبَتَتْ لِمَعْنًى يَرْجِعُ إلَى الْمَحَلِّ فَلَا تَتَبَدَّلُ بِالْفِعْلِ وَلِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْإِرْسَالِ هُوَ قَصْدُ الصَّيْدِ فَأَمَّا التَّعْيِينُ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِمَا بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ وَقَدْ قَصَدَ الصَّيْدَ حَلَالًا كَانَ أَوْ حَرَامًا
-
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْحِسُّ حِسَّ آدَمِيٍّ؛ لِأَنَّ الْإِرْسَالَ عَلَى الْآدَمِيِّ لَيْسَ بِاصْطِيَادٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ حَلَالًا إذْ لَا يَتَعَلَّقُ حِلُّ الصَّيْدِ بِمَا لَيْسَ بِاصْطِيَادٍ وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ قَصْدُ الصَّيْدِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحِلُّ.
-
(وَجْهُ) رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله فِي فَصْلِهِ بَيْنَ سَائِرِ السِّبَاعِ وَبَيْنَ الْخِنْزِيرِ أَنَّ الْخِنْزِيرَ مُحَرَّمُ الْعَيْنِ حَتَّى لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِوَجْهٍ فَسَقَطَ اعْتِبَارُ الْإِرْسَالِ عَلَيْهِ وَالْتَحَقَ بِالْعَدَمِ،
-
فَأَمَّا سَائِرُ السِّبَاعِ فَجَائِزُ الِانْتِفَاعِ بِهَا فِي غَيْرِ جِهَةِ الْأَكْلِ فَكَانَ الْإِرْسَالُ إلَيْهَا مُعْتَبَرًا وَإِنْ سَمِعَ حِسًّا وَلَكِنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ حِسُّ صَيْدٍ أَوْ غَيْرِهِ فَأَرْسَلَ فَأَصَابَ صَيْدًا لَمْ يُؤْكَلْ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ اسْتَوَى الْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ فَكَانَ الْحُكْمُ لِلْحَظْرِ احْتِيَاطًا.
-
وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ فِيمَنْ رَمَى خِنْزِيرًا أَهْلِيًّا فَأَصَابَ صَيْدًا قَالَ: لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ الْخِنْزِيرَ الْأَهْلِيَّ لَيْسَ بِصَيْدٍ لِعَدَمِ التَّوَحُّشِ وَالِامْتِنَاعِ فَكَانَ الرَّمْيُ إلَيْهِ كَالرَّمْيِ إلَى الشَّاةِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حِلُّ الصَّيْدِ وَإِنْ أَصَابَ صَيْدًا مَأْكُولًا.
-
وَقَدْ قَالُوا فِيمَنْ سَمِعَ حِسًّا فَظَنَّهُ آدَمِيًّا فَرَمَاهُ فَأَصَابَ الْحِسَّ نَفْسَهُ فَإِذَا هُوَ صَيْدٌ أَكَلَ؛ لِأَنَّهُ رَمَى إلَى الْمَحْسُوسِ الْمُعَيَّنِ وَهُوَ الصَّيْدُ فَصَحَّ وَنَظِيرُهُ مَا إذَا قَالَ: لِامْرَأَتِهِ وَأَشَارَ إلَيْهَا هَذِهِ الْكَلْبَةُ طَالِقٌ أَنَّهَا تَطْلُقُ وَبَطَلَ الِاسْمُ وَقَالُوا: لَوْ رَمَى طَائِرًا فَأَصَابَ صَيْدًا وَذَهَبَ الْمَرْمِيُّ إلَيْهِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَوَحْشِيٌّ أَوْ مُسْتَأْنَسٌ أُكِلَ الصَّيْدُ؛
-
لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الطَّيْرِ التَّوَحُّشُ فَيَجِبُ التَّمَسُّكُ بِالْأَصْلِ حَتَّى يُعْلَمَ الِاسْتِئْنَاسُ وَلَوْ عُلِمَ أَنَّ الْمَرْمِيَّ إلَيْهِ دَاجِنٌ تَأْوِي الْبُيُوتَ لَا يُؤْكَلُ الصَّيْدُ؛ لِأَنَّ الدَّاجِنَ يَأْوِيهِ الْبَيْتُ وَتَثْبُتُ الْيَدُ عَلَيْهِ فَكَانَ الرَّمْيُ إلَيْهِ كَالرَّمْيِ إلَى الشَّاةِ وَذَلِكَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحِلُّ كَذَا هَذَا.
-
وَقَالُوا لَوْ رَمَى بَعِيرًا فَأَصَابَ صَيْدًا
-
وَذَهَبَ الْبَعِيرُ فَلَمْ يَعْلَمْ أَنَادٌّ أَوْ غَيْرُ نَادٍّ لَمْ يُؤْكَلْ الصَّيْدُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ الْبَعِيرَ كَانَ نَادًّا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِبِلِ الِاسْتِئْنَاسُ فَيُتَمَسَّكُ بِالْأَصْلِ حَتَّى يَظْهَرَ الْأَمْرُ بِخِلَافِهِ.
-
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله فِيمَنْ رَمَى سَمَكَةً أَوْ جَرَادَةً فَأَصَابَ صَيْدًا فَقَالَ فِي رِوَايَةٍ: لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ السَّمَكَ وَالْجَرَادَ لَا ذَكَاةَ لَهُمَا وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ الْمَرْمِيَّ إلَيْهِ مِنْ جُمْلَةِ الصَّيْدِ وَإِنْ كَانَ لَا ذَكَاةَ لَهُ.
-
وَقَالُوا لَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى ظَبْيٍ مُوثَقٍ فَأَصَابَ صَيْدًا لَمْ يُؤْكَلْ؛ لِأَنَّ الْمُوثَقَ لَيْسَ بِصَيْدٍ لِعَدَمِ مَعْنَى الصَّيْدِ فِيهِ وَهُوَ الِامْتِنَاعُ فَأَشْبَهَ شَاةً وَلَوْ أَرْسَلَ بَازَهُ عَلَى ظَبْيٍ وَهُوَ لَا يَصِيدُ الظَّبْيَ فَأَصَابَ صَيْدًا لَمْ يُؤْكَلْ؛ لِأَنَّ هَذَا إرْسَالٌ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الِاصْطِيَادُ فَصَارَ كَمَنْ أَرْسَلَ كَلْبًا عَلَى قَتْلِ رَجُلٍ فَأَصَابَ صَيْدًا.
-
(وَمِنْهَا) أَنْ لَا يَكُونَ ذُو النَّابِ الَّذِي يَصْطَادُ بِهِ مِنْ الْجَوَارِحِ مُحَرَّمَ الْعَيْنِ فَإِنْ كَانَ مُحَرَّمَ الْعَيْنِ وَهُوَ الْخِنْزِيرُ فَلَا يُؤْكَلُ صَيْدُهُ؛ لِأَنَّ مُحَرَّمَ الْعَيْنِ مُحَرَّمُ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَالِاصْطِيَادُ بِهِ انْتِفَاعٌ بِهِ فَكَانَ حَرَامًا فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحِلُّ.
-
(وَأَمَّا) مَا سِوَاهُ مِنْ ذِي النَّابِ جَمِيعًا: كُلُّ ذِي مِخْلَبٍ وَذِي نَابٍ عُلِّمَ فَتَعَلَّمَ وَلَمْ يَكُنْ مُحَرَّمَ الْعَيْنِ فَصِيدَ بِهِ كَانَ صَيْدُهُ حَلَالًا لِعُمُومِ قَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ وَقَالُوا فِي الْأَسَدِ وَالذِّئْبِ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ الصَّيْدُ بِهِمَا لَا لِمَعْنًى يَرْجِعُ إلَى ذَاتِهِمَا بَلْ لِعَدَمِ احْتِمَالِ التَّعَلُّمِ؛
-
لِأَنَّ التَّعَلُّمَ بِتَرْكِ الْعَادَةِ وَذَلِكَ بِتَرْكِ الْأَكْلِ،
-
وَقِيلَ: إنَّ مِنْ عَادَتِهِمَا أَنَّهُمَا إذَا أَخَذَا صَيْدًا لَا يَأْكُلَانِهِ فِي الْحَالِ فَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال بِتَرْكِ الْأَكْلِ فِيهِمَا عَلَى التَّعَلُّمِ حَتَّى لَوْ تُصُوِّرَ تَعْلِيمُهُمَا يَجُوزُ وَذَكَر هِشَامُ وَقَالَ: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ الذِّئْبِ إذَا عُلِّمَ فَصَادَ، فَقَالَ: هَذَا أَرَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ فَإِنْ كَانَ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَقَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ صَيْدِ ابْنِ عِرْسٍ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رحمه الله قَالَ: إذَا عُلِّمَ فَتَعَلَّمَ فَكُلْ مِمَّا صَادَ فَصَادَ الْأَصْلُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَا لَا يَكُونُ مُحَرَّمَ الْعَيْنِ مِنْ الْجَوَارِحِ إذَا عُلِّمَ فَتَعَلَّمَ يُؤْكَلُ صَيْدُهُ وَاَللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ أَعْلَمُ.
-
(وَمِنْهَا) أَنْ يُعَلَّمَ أَنَّ تَلَفَ الصَّيْدِ بِإِرْسَالٍ أَوْ رَمْيٍ هُوَ سَبَبُ الْحِلِّ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرِ فَإِنْ شَارَكَهُمَا مَعْنًى أَوْ سَبَبٌ يَحْتَمِلُ حُصُولَ التَّلَفِ بِهِ وَالتَّلَفُ بِهِ مِمَّا لَا يُفِيدُ الْحِلُّ لَا يُؤْكَلُ إلَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى مِمَّا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ؛
-
لِأَنَّهُ إذَا اُحْتُمِلَ حُصُولُ التَّلَفِ بِمَا لَا يَثْبُتُ بِهِ الْحِلُّ فَقَدْ اُحْتُمِلَ الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ فَيُرَجَّحُ جَانِبُ الْحُرْمَةِ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّهُ إنْ أَكَلَ عَسَى أَنَّهُ أَكَلَ الْحَرَامَ فَيَأْثَمُ وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَالتَّحَرُّزُ عَنْ الضَّرَرِ وَاجِبٌ عَقْلًا وَشَرْعًا وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِوَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ رضي الله عنه : «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ فَدَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنهما : مَا اُجْتُمِعَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ فِي شَيْءٍ إلَّا وَقَدْ غَلَبَ الْحَرَامُ الْحَلَالَ.
-
وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا رَمَى صَيْدًا وَهُوَ يَطِيرُ فَأَصَابَهُ فَسَقَطَ عَلَى جَبَلٍ ثُمَّ سَقَطَ مِنْهُ عَلَى الْأَرْضِ فَمَاتَ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ وَهُوَ تَفْسِيرُ الْمُتَرَدِّي؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ الرَّمْيِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَاتَ بِسُقُوطِهِ عَنْ الْجَبَلِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ عَلَى جَبَلٍ فَأَصَابَهُ فَسَقَطَ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى الْجَبَلِ ثُمَّ سَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ فَمَاتَ أَوْ كَانَ عَلَى سَطْحٍ فَأَصَابَهُ فَهَوَى فَأَصَابَ حَائِطَ السَّطْحِ ثُمَّ سَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ فَمَاتَ، أَوْ كَانَ عَلَى نَخْلَةٍ، أَوْ شَجَرَةٍ فَسَقَطَ مِنْهَا عَلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ، أَوْ نَدَّ مِنْ الشَّجَرَةِ ثُمَّ سَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ فَمَاتَ، أَوْ وَقَعَ عَلَى رُمْحٍ مَرْكُوزٍ فِي الْأَرْضِ وَفِيهِ سِنَانٌ فَوَقَعَ عَلَى السِّنَانِ ثُمَّ وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ فَمَاتَ، أَوْ نَشِبَ فِيهِ السِّنَانُ فَمَاتَ عَلَيْهِ، أَوْ أَصَابَ سَهْمُهُ صَيْدًا فَوَقَعَ فِي الْمَاءِ فَمَاتَ فِيهِ لَا يَحِلُّ؛
-
لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَاتَ بِالرَّمْيِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَاتَ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ الْمَوْجُودَةِ بَعْدَهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
-
«وَإِنْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْهُ فَلَعَلَّ الْمَاءَ قَتَلَهُ» بَيَّنَ عليه الصلاة والسلام الْحُكْمَ وَعَلَّلَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ احْتِمَالِ مَوْتِهِ بِسَبَبٍ آخَرَ وَهُوَ وُقُوعُهُ فِي الْمَاءِ، وَالْحُكْمُ الْمُعَلَّلُ بَعْلَةٍ يَتَعَمَّمُ بِعُمُومِ الْعِلَّةِ.
-
وَلَوْ أَصَابَهُ السَّهْمُ فَوَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ فَمَاتَ فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يُؤْكَلَ لِجَوَازِ مَوْتِهِ بِسَبَبِ وُقُوعِهِ عَلَى الْأَرْضِ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْ وُقُوعِ الْمَرْمِيِّ إلَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ فَلَوْ اُعْتُبِرَ هَذَا الِاحْتِمَالُ لَوَقَعَ النَّاسُ فِي الْحَرَجِ، وَذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى فِي الصَّيْدِ إذَا وَقَعَ عَلَى صَخْرَةٍ فَانْشَقَّ بَطْنُهُ أَوْ انْقَطَعَ رَأْسُهُ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ قَالَ الْحَاكِمُ الْجَلِيلُ الشَّهِيدُ الْمَرْوَزِيِّ وَهَذَا خِلَافُ جَوَابِ الْأَصْلِ قَالَ الْقُدُورِيُّ رحمه الله وَعَنَى بِهِ أَنَّهُ خِلَافُ عُمُومِ جَوَابِ الْأَصْلِ؛
-
لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ لَوْ وَقَعَ عَلَى آجُرَّةٍ مَوْضُوعَةٍ فِي الْأَرْضِ أُكِلَ وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ انْشَقَّ بَطْنُهُ أَوْ لَمْ يَنْشَقْ فَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يُؤْكَلَ فِي الْحَالَيْنِ فَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ وَيَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْحَالَيْنِ مِنْ حَيْثُ إنْ
-
لَوْ انْشَقَّ بَطْنُهُ أَوْ انْقَطَعَ رَأْسُهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَوْتَهُ بِهَذَا السَّبَبِ لَا بِالرَّمْيِ فَكَانَ احْتِمَالُ مَوْتِهِ بِالرَّمْيِ احْتِمَالَ خِلَافِ الظَّاهِرِ فَلَا يُعْتَبَرُ،
-
وَإِذَا لَمْ يَنْشَقَّ وَلَمْ يَنْقَطِعْ فَمَوْتُهُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ السَّبَبَيْنِ مُحْتَمَلٌ احْتِمَالًا عَلَى السَّوَاءِ إلَّا أَنَّ التَّحَرُّزَ غَيْرُ مُمَكِّنٍ فَسَقَطَ اعْتِبَارُ مَوْتِهِ بِسَبَبِ الْعَارِضِ.
-
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ فِي الْمُنْتَقَى تَفْسِيرًا لِمَا ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُؤْكَلُ إذَا لَمْ يَنْشَقَّ بَطْنُهُ أَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ رَأْسُهُ فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَيُجْعَلُ الْمُقَيَّدُ بَيَانًا لِلْمُطْلَقِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِهِمَا وَلَوْ وَقَعَ عَلَى حَرْفِ آجُرَّةٍ أَوْ حَرْفِ حَجَرٍ ثُمَّ وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ فَمَاتَ لَمْ يُؤْكَلْ لِمَا قُلْنَا وَلَوْ كَانَتْ الْآجُرَّةُ مُنْطَرِحَةً عَلَى الْأَرْضِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا ثُمَّ مَاتَ أَكَلَ؛
-
لِأَنَّ الْآجُرَّةُ الْمُنْطَرِحَةَ كَالْأَرْضِ فَوُقُوعُهُ عَلَيْهَا كَوُقُوعِهِ عَلَى الْأَرْضِ،
-
وَلَوْ وَقَعَ عَلَى جَبَلٍ فَمَاتَ عَلَيْهِ أُكِلَ؛ لِأَنَّ اسْتِقْرَارَهُ عَلَى الْجَبَلِ كَاسْتِقْرَارِهِ عَلَى الْأَرْضِ.
-
وَذُكِرَ فِي الْمُنْتَقَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله لَوْ رَمَى صَيْدًا عَلَى قِمَّةِ جَبَلٍ فَأَثْخَنَهُ حَتَّى صَارَ لَا يَتَحَرَّكُ وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَأْخُذَهُ فَرَمَاهُ فَقَتَلَهُ وَوَقَعَ لَمْ يَأْكُلْهُ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ صَيْدًا بِالرَّمْيِ الْأَوَّلِ لِخُرُوجِهِ عَنْ حَدِّ الِامْتِنَاعِ فَالرَّمْيُ الثَّانِي لَمْ يُصَادِفْ صَيْدًا فَلَمْ يَكُنْ ذَكَاةً لَهُ فَلَا يُؤْكَلُ.
-
وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ مَا إذَا اجْتَمَعَ عَلَى الصَّيْدِ مُعَلَّمٌ وَغَيْرُ مُعَلَّمٍ أَوْ مُسَمًّى عَلَيْهِ وَغَيْرُ مُسَمًّى أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ لِاجْتِمَاعِ سَبَبَيْ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ وَلَمْ يُعْلَمْ أَيُّهُمَا قَتَلَهُ.
-
وَلَوْ أَرْسَلَ مُسْلِمٌ كَلْبَهُ فَاتَّبَعَ الْكَلْبَ كَلْبٌ آخَرُ غَيْرُ مُعَلَّمٍ لَكِنَّهُ لَمْ يُرْسِلْهُ أَحَدٌ وَلَمْ يَزْجُرْهُ بَعْدَ انْبِعَاثِهِ أَوْ سَبُعٌ مِنْ السِّبَاعِ أَوْ ذُو مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يُعَلَّمَ فَيُصَادُ بِهِ فَرَدَّ الصَّيْدَ عَلَيْهِ وَنَهَشَهُ أَوْ فَعَلَ مَا يَكُونُ مَعُونَةً لِلْكَلْبِ الْمُرْسَلِ فَأَخَذَهُ الْكَلْبُ الْمُرْسَلُ وَقَتَلَهُ لَا يُؤْكَلُ؛
-
لِأَنَّ رَدَّ الْكَلْبِ وَنَهْشَهُ مُشَارَكَةٌ فِي الصَّيْدِ فَأَشْبَهَ مُشَارَكَةَ الْمُعَلَّمِ غَيْرَ الْمُعَلَّمِ وَالْمُسَمَّى عَلَيْهِ غَيْرَ الْمُسَمَّى عَلَيْهِ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا رَدَّ عَلَيْهِ آدَمِيٌّ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ حِمَارٌ أَوْ فَرَسٌ أَوْ ضَبٌّ؛ لِأَنَّ فِعْلَ هَؤُلَاءِ لَيْسَ مِنْ بَابِ الِاصْطِيَادِ فَلَا يُزَاحِمُ الِاصْطِيَادَ فِي الْإِبَاحَةُ فَكَانَ مُلْحَقًا بِالْعَدَمِ فَإِنْ تَبِعَ الْكَلْبَ الْأَوَّلَ كَلْبٌ غَيْرُ مُعَلَّمٍ وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يُهَيَّبْ الصَّيْدَ وَلَكِنَّهُ اشْتَدَّ عَلَيْهِ وَكَانَ الَّذِي أَخَذَ وَقَتَلَ الْكَلْبَ الْمُعَلَّمَ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ؛
-
لِأَنَّهُمَا مَا اشْتَرَكَا فِي الِاصْطِيَادِ لِعَدَمِ الْمُعَاوَنَةِ فَيَحِلُّ أَكْلُهُ وَاَللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ أَعْلَمُ.
-
(وَمِنْهَا) أَنْ يَلْحَقَ الْمُرْسِلُ أَوْ الرَّامِي الصَّيْدَ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ قَبْلَ التَّوَارِي عَنْ عَيْنِهِ أَوْ قَبْلَ انْقِطَاعِ الطَّلَبِ مِنْهُ إذَا لَمْ يَدْرِك ذَبْحَهُ فَإِنْ تَوَارَى عَنْ عَيْنِهِ وَقَعَدَ عَنْ طَلَبِهِ ثُمَّ وَجَدَهُ لَمْ يُؤْكَلْ،
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: صِفْ لِي الْبَازَ الْمُعَلَّمَ وَالْكَلْبَ الْمُعَلَّمَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ: قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هُوَ الَّذِي يَفْقَهُ إذَا زُجِرَ ازْدَجَرَ وَإِذَا أُشْلِيَ أَطَاعَ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا أَرْسَلَ كَلْبَهُ وَنَسِيَ التَّسْمِيَةَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: كُلْهُ وَسَمِّ اللَّهَ، قُلْتُ:
-
وَكَذَلِكَ فِي الْبَازِ وَالسَّهْمِ؟
-
قَالَ: نَعَمْ كَذَلِكَ هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا؟
-
قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَقَدْ سَأَلْته عَنْ تَفْسِيرِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ حِينَ قَالَ لِغُلَامِهِ: سَمِّ اللَّهَ وَيْحَك مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَيَقُولُ الْغُلَامُ قَدْ سَمَّيْت وَلَا يُسْمِعُهُ التَّسْمِيَةَ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ إذْ أَخْبَرَ الذَّابِحُ أَنَّهُ قَدْ سَمَّى اللَّهَ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ:
-
وَمَنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا عَلَى الذَّبِيحَةِ، لَمْ أَرَ أَنْ تُؤْكَلَ الذَّبِيحَةُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، قَالَ: وَالصَّيْدُ عِنْدِي مِثْلُهُ.
-
قَالَ: وَأَمَّا الرَّجُلُ يَذْبَحُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ فَيَأْخُذُ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ فَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُسْلِمَ وَالْمَجُوسِيَّ إذَا أَرْسَلَا الْكَلْبَ جَمِيعًا فَأَخَذَ الصَّيْدَ فَقَتَلَهُ، أَيُؤْكَلُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْهُ فِيهَا شَيْئًا إلَّا أَنِّي سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي كَلْبِ الْمُسْلِمِ: إذَا أَرْسَلَهُ الْمَجُوسِيُّ فَأَخَذَ فَقَتَلَ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ وَأَرَى هَذَا أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَرْسَلْت كَلْبِي عَلَى صَيْدٍ فَتَوَارَيَا مِنِّي جَمِيعًا، فَأَخَذَهُ الْكَلْبُ فَقَتَلَهُ ثُمَّ وَجَدْته أَآكُلُهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَصَابَهُ مَيِّتًا وَفِيهِ أَثَرُ كَلْبِهِ أَوْ أَثَرُ سَهْمِهِ أَوْ أَثَرُ بَازِهِ، وَقَدْ أَنْفَذَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مَقَاتِلَهُ فَلْيَأْكُلْهُ إذَا لَمْ يُفَرِّطْ فِي طَلَبِهِ مَا لَمْ يَبِتْ، قَالَ مَالِكٌ:
-
فَإِنْ بَاتَ فَلَا يَأْكُلْهُ،
-
وَإِنْ كَانَ الَّذِي بِهِ قَدْ أَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ فَلَا يَأْكُلْهُ لِأَنَّهُ قَدْ بَاتَ عَنْهُ،
-
وَإِنْ أَدْرَكَهُ مِنْ يَوْمِهِ مَيِّتًا وَفِيهِ أَثَرُ كَلْبِهِ فَلْيَأْكُلْهُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَوَارَى الصَّيْدُ وَالْكَلْبُ أَوْ الْبَازُ عَنْهُ، فَرَجَعَ الرَّجُلُ إلَى بَيْتِهِ ثُمَّ طَلَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَصَابَهُ مَنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ أَيَأْكُلُهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا، وَلَكِنْ أَرَى أَنْ
-
لَا يَأْكُلَهُ لِأَنَّهُ قَدْ تَرَكَهُ وَرَجَعَ إلَى بَيْتِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ لَوْ كَانَ فِي الطَّلَبِ وَلَمْ يُفَرِّطْ أَنَّهُ كَانَ يُدْرِكُ ذَكَاتَهُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، فَهُوَ لَمَّا رَجَعَ إلَى بَيْتِهِ فَقَدْ فَرَّطَ فَلَا يَأْكُلُهُ لِمَوْضِعِ مَا فَرَّطَ فِي ذَكَاتِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَهُ وَلَمْ يُنْفِذْ الْكَلْبُ مَقَاتِلَهُ فَتَرَكَهُ حَتَّى يَقْتُلَهُ الْكَلْبُ لَمْ يَأْكُلْهُ، فَهَذَا حِينَ رَجَعَ إلَى بَيْتِهِ بِمَنْزِلَةِ هَذَا الَّذِي أَدْرَكَ كَلْبَهُ وَلَمْ يُنْفِذْ مَقَاتِلَ الصَّيْدِ فَتَرَكَهُ حَتَّى قَتَلَهُ الْكَلْبُ فَلَا يَأْكُلْهُ، لِأَنَّهُ لَعَلَّهُ لَوْ كَانَ فِي الطَّلَبِ أَدْرَكَهُ قَبْلَ أَنْ يُنْفِذَ الْكَلْبُ مَقَاتِلَهُ، وَلَعَلَّهُ إنَّمَا أَنْفَذَ الْكَلْبُ مَقَاتِلَهُ بَعْدَ أَنْ جَرَحَهُ وَبَعْدَ أَنْ أَخَذَهُ،
-
فَلَوْ كَانَ هُوَ فِي الطَّلَبِ لَعَلَّهُ كَانَ يُدْرِكُهُ قَبْلَ أَنْ يُنْفِذَ الْكَلْبُ مَقَاتِلَهُ.
-
قَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يُرْسِلُ كَلْبَهُ أَوْ بَازَهُ عَلَى الصَّيْدِ فَيُدْرِكُهُ وَبِهِ مَنْ الْحَيَاةِ مَا لَوْ شَاءَ أَنْ يُذَكِّيَهُ ذَكَّاهُ، وَلَمْ يُنْفِذُ الْكَلْبُ أَوْ الْبَازُ مَقَاتِلَهُ فَيَشْتَغِلُ بِإِخْرَاجِ سِكِّينِهِ مِنْ خُرْجِهِ، أَوْ لَعَلَّهَا أَنْ تَكُونَ مَعَ رَجُلٍ خَلْفَهُ فَيَنْتَظِرُهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ، أَوْ مَعَ غُلَامِهِ فَلَا يُخْرِجُ السِّكِّينَ وَلَا يُدْرِكُهُ مَنْ كَانَ مَعَهُ السِّكِّينُ حَتَّى يَقْتُلَ الْكَلْبُ الصَّيْدَ أَوْ الْبَازُ أَوْ يَمُوتَ،
-
وَإِنْ عَزَلَ الْكَلْبَ أَوْ الْبَازَ عَنْهُ؟
-
قَالَ مَالِكٌ: لَا يَأْكُلْهُ لِأَنَّهُ قَدْ أَدْرَكَهُ حَيًّا،
-
وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُذَكِّيَهُ ذَكَّاهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَدْرَكَهُ وَقَدْ أَنْفَذَتْ الْكِلَابُ أَوْ الْبُزَاةُ مَقَاتِلَهُ،
-
فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْكُلَهُ لِأَنَّ ذَكَاتَهُ هَهُنَا لَيْسَتْ بِذَكَاةٍ.
-
قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْت مَالِكًا عَنْ الصَّيْدِ يُدْرِكُهُ الرَّجُلُ وَقَدْ أَنْفَذَتْ الْكِلَابُ مَقَاتِلَهُ أَوْ الْبَازُ، فَيُفَرِّطُ فِي ذَكَاتِهِ وَيَتْرُكُهُ حَتَّى يَمُوتَ أَيَأْكُلُهُ؟ قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَلْيَأْكُلْهُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَارَى عَنِّي فَأَصَبْتُهُ مِنْ الْغَدِ وَقَدْ أَنَفَذْت مَقَاتِلَهُ بِسَهْمِي، أَوْ أَنْفَذَتْ مُقَاتِلَهُ بُزَاتِي أَوْ كِلَابِي لِمَ قَالَ مَالِكٌ لَا يَأْكُلْهُ إذَا بَاتَ، وَقَالَ يَأْكُلُهُ مَا لَمْ يَبِتْ؟ قَالَ: لَمْ أَرَ لِمَالِكٍ حُجَّةً هَهُنَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا السُّنَّةُ عِنْدَهُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ السَّهْمَ إذَا أَصَبْته فِيهِ قَدْ أَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ إلَّا أَنَّهُ بَاتَ عَنِّي لِمَ قَالَ مَالِكٌ لَا يَأْكُلْهُ؟
-
قَالَ: فِي السَّهْمِ بِعَيْنِهِ سَأَلْنَا مَالِكًا أَيْضًا، إذَا بَاتَ وَقَدْ أَنْفَذَ السَّهْمُ مَقَاتِلَهُ، فَقَالَ: لَا يَأْكُلْهُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ فَأَخَذَ الصَّيْدَ فَأَكَلَ مِنْهُ أَكْثَرَهُ أَوْ أَقَلَّهُ فَأَصَابَ بَقِيَّتَهُ، أَيَأْكُلُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَأْكُلُهُ مَا لَمْ يَبِتْ
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْكَلْبَ إذَا كَانَ كُلَّمَا أَرْسَلَهُ عَلَى صَيْدٍ أَخَذَهُ فَأَكَلَ مِنْهُ أَوْ جَعَلَ أَنْ يَأْكُلَ مَا أَخَذَ، أَهَذَا مُعَلَّمٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَدْرَكَهُ وَقَدْ أَنْفَذَ الْكَلْبُ مَقَاتِلَهُ أَوْ سَهْمُهُ، أَوْ الْبَازُ فَأَدْرَكَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ يَضْطَرِبُ أَيَدَعُهُ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يُذَكِّيهِ؟ قَالَ: يَفْرِي أَوْدَاجَهُ، فَذَلِكَ أَحْسَنُ عِنْدَ مَالِكٍ،
-
وَإِنْ تَرَكَهُ حَتَّى يَمُوتَ أَكَلَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يُدْرِكُ الْكَلْبَ أَوْ الْبَازَ عَلَى صَيْدِهِ فَيُرِيدُ أَنْ يُذَكِّيَهُ فَلَا يَسْتَطِيعُ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: إنْ هُوَ غَلَبَهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَأْتِ التَّفْرِيطُ مِنْهُ حَتَّى فَاتَ بِنَفْسِهِ فَلْيَأْكُلْهُ،
-
وَإِنْ هُوَ لَوْ شَاءَ أَنْ يَعْزِلَهُ عَزَلَهُ عَنْهُ فَذَكَّاهُ فَلَمْ يَعْزِلْهُ حَتَّى مَاتَ فَلَا يَأْكُلْهُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كُنْت لَا أَقْدِرُ أَنْ أُخَلِّصَ الصَّيْدَ مِنْ كَلْبِي أَوْ مَنْ بَازِي وَأَنَّهُ أَقْدِرُ عَلَى أَنْ أُذَكِّيَهُ تَحْتَهُ أَأَتْرُكُهُ أَمْ أُذَكِّيهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَكِّهِ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ لَمْ أُذَكِّهِ فِي مَسْأَلَتِي هَذِهِ أَآكُلُهُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَأْكُلْهُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَدْرَكْته وَقَدْ فَرَى الْكَلْبُ أَوْدَاجَهُ أَوْ فَرَاهُ سَهْمِي أَوْ بَازِي؟ قَالَ: هَذَا قَدْ فَرَغَ مِنْ ذَكَاتِهِ كُلِّهَا وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَدْرَكَ الصَّيْدَ وَالْكِلَابُ تَنْهَشُهُ وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يُذَكِّيهِ بِهِ، فَتَرَكَهُ حَتَّى قَتَلَتْهُ الْكِلَابُ أَيَأْكُلُهُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَأْكُلْهُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَدْرَكَهُ حَيًّا فَذَهَبَ أَنْ يَذْبَحَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُفَرِّطَ فَفَاتَ بِنَفْسِهِ، أَيَأْكُلُهُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ يَأْكُلُهُ عِنْدَ مَالِكٍ.
-
فِي صَيْدِ الطَّيْرِ الْمُعَلَّمِ
-
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْفَهْدَ وَجَمِيعَ السِّبَاعِ إذَا عُلِّمَتْ أَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْكِلَابِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنَّهَا عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْكِلَابِ
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ جَمِيعَ سِبَاعِ الطَّيْرِ إذَا عُلِّمَتْ أَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْبُزَاةِ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي مَا مَسْأَلَتُك هَذِهِ وَلَكِنَّ الْبُزَاةَ وَالْعِقْبَانَ وَالزَّمَامِجَةَ وَالشُّذَانِقَاتِ وَالسَّفَاةَ وَالصُّقُورَ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا،
-
فَلَا بَأْسَ بِهَذَا عِنْدَ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُرْسِلُ كَلْبَهُ عَلَى الصَّيْدِ فَيَأْخُذُ غَيْرَهُ، أَيَأْكُلُهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَأْكُلْهُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ عِنْدَ الْإِرْسَالِ أَيَأْكُلُ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُسَمِّ اللَّهَ إذَا أَكَلَ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا؟ قَالَ: هَذَا بِمَنْزِلَةِ الذَّبِيحَةِ إذَا نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فَهُوَ كَمَنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ،
-
وَإِذَا تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَامِدًا عِنْدَ الْإِرْسَالِ فَهُوَ كَمَنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَامِدًا عِنْدَ الذَّبِيحَةِ لَا يَأْكُلْهُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى جَمَاعَةِ صَيْدٍ وَلَمْ يُرِدْ وَاحِدًا مِنْهَا دُونَ الْآخَرِ فَأَخَذَهَا كُلَّهَا أَوْ أَخَذَ بَعْضَهَا. قَالَ: سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ الَّذِي يُرْسِلُ بَازَهُ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الطَّيْرِ وَهُوَ يَنْوِي مَا أَخَذَ مِنْهَا، فَيَأْخُذُ أَحَدَهَا أَوْ يَرْمِي جَمَاعَةً مِنْ الطَّيْرِ يَنْوِي بِهَا فَيُصِيبُ وَاحِدًا مِنْهَا؟
-
قَالَ مَالِكٌ: يَأْكُلُهُ، فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى أَنَّهُ إنْ أَرَادَهَا كُلَّهَا فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهَا كُلِّهَا،
-
وَإِنْ أَصَابَ وَاحِدًا فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا أَصَابَ فِي رَمْيَتِهِ اثْنَيْنِ مِنْهَا أَكَلَهُمَا. قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْنَاهُ عَنْ الْجَمَاعَتَيْنِ مِنْ الطَّيْرِ تَكُونَانِ فِي الْهَوَاءِ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، فَيَرْمِي وَهُوَ يُرِيدُ الْجَمَاعَتَيْنِ جَمِيعًا يُرِيدُ مَا أَصَابَ مِنْهُمَا أَكَلَهُ؟
-
قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: مَا أَصَابَ مِنْ الْجَمَاعَتَيْنِ جَمِيعًا أَكَلَهُ.
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى جَمَاعَةٍ مَنْ الصَّيْدِ وَنَوَى وَاحِدًا مِنْهَا بِعَيْنِهِ فَأَصَابَ غَيْرَهُ فَلَا يَأْكُلْهُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْكِلَابَ غَيْرَ السَّلَالِقَةِ إذَا عُلِّمَتْ، أَهِيَ بِمَنْزِلَةِ السَّلَالِقَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: السَّلَالِقَةُ وَغَيْرُهَا إذَا عُلِّمَتْ فَهِيَ سَوَاءٌ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْكَلْبَ غَيْرَ الْمُعَلَّمِ إذَا أَرْسَلْته فَصَادَ أَآكُلُهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا تَأْكُلْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعَلَّمًا أَوْ تُدْرِكَ ذَكَاتَهُ فَتُذَكِّيَهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَرْسَلْت كَلْبِي مِنْ يَدَيَّ وَكَانَ مَعِي أَوْ كَانَ يَتْبَعُنِي، فَأَثَرْت الصَّيْدَ فَأَشْلَيْتُ الْكَلْبَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ الْكَلْبُ فِي يَدَيَّ وَلَكِنَّهُ بِحَالِ مَا وَصَفْت لَك فَانْشَلَى الْكَلْبُ فَأَخَذَ الصَّيْدَ فَقَتَلَهُ، أَآكُلُهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: كَانَ مَالِكٌ مَرَّةً يَقُولُ إذَا كَانَ الْكَلْبُ مَعَهُ وَأَثَارَ الرَّجُلُ
-
الصَّيْدَ فَأَشْلَى الْكَلْبَ فَخَرَجَ الْكَلْبُ فِي طَلَبِ الصَّيْدِ بِإِشْلَاءِ الرَّجُلِ وَلَمْ يَكُنْ الْكَلْبُ هُوَ الَّذِي خَرَجَ فِي طَلَبِ الصَّيْدِ،
-
ثُمَّ أَشْلَاهُ سَيِّدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ؟
-
قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ، قَالَ:
-
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْكَلْبُ هُوَ الَّذِي خَرَجَ فِي طَلَبِهِ ثُمَّ أَشْلَاهُ سَيِّدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ مَالِكٌ:
-
فَلَا يَأْكُلْهُ، قَالَ: وَكَانَ هَذَا قَوْلَهُ الْأَوَّلَ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا يَأْكُلْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي يَدِهِ ثُمَّ أَرْسَلَهُ بَعْدَ أَنْ أَثَارَ الصَّيْدَ، قَالَ: وَقَوْلُهُ الْأَوَّلُ أَحَبُّ إلَيَّ،
-
وَإِذَا كَانَ الْكَلْبُ إنَّمَا خَرَجَ فِي طَلَبِ الصَّيْدِ بِإِشْلَاءِ سَيِّدِهِ أَكَلَهُ،
-
وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ يَدِهِ لِأَنَّ الْكَلْبَ هَهُنَا إذَا خَرَجَ بِإِشْلَاءِ سَيِّدِهِ فَكَأَنَّ السَّيِّدَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَهُ مِنْ يَدِهِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ صَيْدَ الصَّبِيِّ إذَا لَمْ يَحْتَلِمْ، أَيُؤْكَلُ إذَا قَتَلَتْ الْكِلَابُ صَيْدَهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَبِيحَةُ الصَّبِيِّ تُؤْكَلُ إذَا أَطَاقَ الذَّبْحَ وَعَرَفَهُ، فَكَذَلِكَ صَيْدُهُ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الذَّبْحِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَرْسَلْت كَلْبًا مُعَلَّمًا عَلَى صَيْدٍ فَأَعَانَهُ عَلَيْهِ كَلْبٌ غَيْرُ مُعَلَّمٍ أَآكُلُهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَعَانَهُ عَلَيْهِ غَيْرُ مُعَلَّمٍ لَمْ يُؤْكَلْ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَرْسَلْت بَازِي عَلَى صَيْدٍ فَأَعَانَهُ عَلَيْهِ بَازٌ غَيْرُ مُعَلَّمٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُؤْكَلُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَرْسَلْت كَلْبِي عَلَى صَيْدٍ وَنَوَيْت مَا صَادَ مَنْ الصَّيْدِ سِوَى هَذَا الصَّيْدِ، وَلَسْت أَرَى شَيْئًا مِنْ الصَّيْدِ غَيْرَ هَذَا الْوَاحِدِ، فَأَخَذَ الْكَلْبُ صَيْدًا وَرَاءَ ذَلِكَ لَمْ أَرَهُ حِين أَرْسَلْت الْكَلْبَ فَقَتَلَهُ أَآكُلُهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُرْسِلُ كَلْبَهُ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّيْدِ وَنَوَى إنْ كَانَ وَرَاءَهَا جَمَاعَةٌ أُخْرَى، فَمَا أَخَذَ مِنْهَا فَقَدْ أَرْسَلَهُ عَلَيْهَا ذَلِكَ نِيَّتُهُ وَلَا يَعْلَمُ أَنَّ وَرَاءَ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ جَمَاعَةٌ أُخْرَى مِنْ الصَّيْدِ، فَأَصَابَ صَيْدًا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْجَمَاعَةِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَرَاهَا حِينَ أَرْسَلَ الْكَلْبَ، قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَأْكُلُهُ،
-
وَإِنْ كَانَ إنَّمَا أَرْسَلَهُ عَلَى هَذِهِ الْجَمَاعَةِ وَوَرَاءَهَا جَمَاعَةٌ أُخْرَى لَمْ يَنْوِ الْجَمَاعَةَ الَّتِي وَرَاءَهَا فَلَا يَأْكُلْهُ إنْ أَخَذَ مِنْ الْجَمَاعَةِ الَّتِي لَمْ يَنْوِهَا،
-
وَإِنْ رَآهَا أَوْ لَمْ يَرَهَا.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَفْلَتَ الْكَلْبُ مِنْ يَدَيَّ عَلَى صَيْدٍ فَزَجَرْتُهُ بَعْدَمَا انْفَلَتَ مِنْ يَدَيَّ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْكَلْبِ يَرَى الصَّيْدَ فَيَخْرُجُ فَيَعْدُو فِي طَلَبِهِ،
-
ثُمَّ يَلِيهِ صَاحِبُهُ فَيَنْشَلِي: إنَّهُ لَا يُؤْكَلْ لِأَنَّهُ خَرَجَ بِغَيْرِ إرْسَالِ صَاحِبِهِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْكَلْبَ إذَا أَرْسَلْته عَلَى الصَّيْدِ فَأَدْرَكَهُ فَقَطَعَ يَدَهُ أَوْ رِجْلَهُ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ قَتَلَهُ الْكَلْبُ بَعْدَ ذَلِكَ أَيُؤْكَلُ الْيَدُ وَالرَّجُلُ وَجَمِيعُ الصَّيْدِ أَمْ لَا؟ قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يُدْرِكُ الصَّيْدَ فَيَضْرِبُ عُنُقَهُ فَيَخْزِلُهُ أَوْ يَضْرِبُ وَسَطَهُ فَيَخْزِلُهُ نِصْفَيْنِ؟
-
قَالَ مَالِكٌ: يُؤْكَلُ هَذَا كُلُّهُ، فَقِيلَ لِمَالِكٍ:
-
فَإِنْ قَطَعَ يَدًا أَوْ رِجْلًا؟
-
قَالَ: لَا يَأْكُلُ الْيَدَ وَلَا الرِّجْلَ، وَلْيُذَكِّ مَا بَقِيَ مِنْهُ وَلْيَأْكُلْهُ،
-
فَإِنْ مَاتَ بِنَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يُذَكِّيَهُ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ فَلْيَأْكُلْهُ وَلَا يَأْكُلْ الْيَدَ وَلَا الرِّجْلَ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ فِي الْكِلَابِ إذَا قَطَعَتْ وَالْبُزَاةُ مِثْلُ هَذَا.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ضَرَبَ عَجُزَهُ فَأَبَانَ الْعَجُزَ، أَيَأْكُلُ الشِّقَّيْنِ جَمِيعًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَكَذَلِكَ الْبَازُ إذَا ضَرَبَ الصَّيْدَ فَأَطَارَ جَنَاحَهُ أَوْ رِجْلَهُ لَمْ يُؤْكَلْ مَا أَبَانَ مِنْ الطَّيْرِ مِنْ جَنَاحٍ أَوْ رِجْلٍ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَك،
-
فَإِنْ خَزَلَهُمَا أَكَلَهُمَا جَمِيعًا؟
-
قَالَ:
-
نَعَمْ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الضَّرْبِ الَّذِي وَصَفْتُ لَك.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ النَّصْرَانِيَّ وَالْيَهُودِيَّ أَيُؤْكَلُ صَيْدُهُمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ إذَا قَتَلَتْ الْكِلَابُ الصَّيْدَ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمَا،
-
وَأَمَّا صَيْدُهُمَا فَلَا يُؤْكَلُ وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} وَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهُ بِهَذَا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يُؤْكَلُ صَيْدُهُمَا. قَالَ سَحْنُونٌ: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِ صَيْدِهِمَا، وَقَالَهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ، فَأَنَا لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ}
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا صَادَ الْمَجُوسِيُّ مَنْ الْبَحْرِ أَيُؤْكَلُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا صَادَ فِي الْبَرِّ أَيُؤْكَلُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَا إلَّا أَنْ تُدْرِكَ ذَكَاةَ مَا اصْطَادَهُ إذَا لَمْ يُنْفِذْ الْمَجُوسِيُّ مَقَاتِلَهُ.
-
الدَّوَابِّ تَخْرُجُ مِنْ الْبَحْرِ تَحْيَا الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ وَنَحْوَهَا أَتُؤْكَلُ بِغَيْرِ ذَكَاة
-
فِي الدَّوَابِّ تَخْرُجُ مِنْ الْبَحْرِ فَتَحْيَا الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ وَنَحْوَهَا أَتُؤْكَلُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الدَّوَابَّ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ الْبَحْرِ، فَتَحْيَا الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ، أَتُؤْكَلُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ؟ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ تُرْسِ الْبَحْرِ أَيُذَكَّى؟ فَقَالَ مَالِكٌ: وَإِنِّي لَأُعْظِمُ هَذَا مِنْ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ لَا يُؤْكَلُ إلَّا بِذَكَاةٍ
-
فِي صَيْدِ الْمُرْتَدِّ وَذَبْحِ النَّصَارَى لِأَعْيَادِهِمْ
-
ْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ النَّصْرَانِيَّ إذَا ذَبَحَ وَسَمَّى بِاسْمِ الْمَسِيحِ، أَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ أَوْ بَازَهُ أَوْ سَهْمَهُ وَسَمَّى بِاسْمِ الْمَسِيحِ أَيُؤْكَلُ أَمْ لَا؟ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَكْرَهُ كُلَّ مَا ذَبَحُوا لِأَعْيَادِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ، إذَا ذَبَحُوا لِكَنَائِسِهِمْ قَالَ مَالِكٌ: أَكْرَهُ أَكْلَهَا. قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْهُ أَنَّهُ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} ، وَكَانَ يَكْرَهُهَا كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً، قَالَ: وَمَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِي مَسْأَلَتِكَ إذَا سَمَّوْا الْمَسِيحَ شَيْئًا.
-
قَالَ: وَأَرَاهُمْ إذَا سَمَّوْا الْمَسِيحَ بِمَنْزِلَةِ ذَبْحِهِمْ لِكَنَائِسِهِمْ فَلَا أَرَى أَنْ تُؤْكَلَ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ كَلْبَ الْمَجُوسِيِّ إذَا عَلَّمَهُ الْمَجُوسِيُّ فَأَخَذَهُ مُسْلِمٌ وَأَرْسَلَهُ، أَيَأْكُلُ مَا قَتَلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ أَرَأَيْتَ الْغُلَامَ إذَا كَانَ أَبَوَاهُ مَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَحَدُهُمَا مَجُوسِيٌّ وَالْآخَرُ نَصْرَانِيٌّ، أَتُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ وَصَيْدُهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْوَلَدُ تَبَعٌ لِلْأَبِ فِي الْحُرِّيَّةِ فَأَرَى الْوَالِدَ إذَا كَانَ نَصْرَانِيًّا أَنْ تُؤْكَلَ ذَبِيحَتُهُ،
-
وَلَا يُؤْكَلُ صَيْدُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ تَمَجَّسَ وَتَرَكَهُ عَلَى ذَلِكَ فَلَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا قَتَلْتُ الْحِبَالَاتُ مِنْ الصَّيْدِ أَيُؤْكَلُ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُؤْكَلُ إلَّا مَا أُدْرِكَتْ ذَكَاتُهُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَقِيلَ لِمَالِكٍ:
-
فَإِنْ كَانَتْ فِي الْحِبَالَاتِ
-
حَدِيدَةٌ فَأَنْفَذَتْ الْحَدِيدَةُ مَقَاتِلَ الصَّيْدِ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُؤْكَلُ مِنْهُ إلَّا مَا أُدْرِكَتْ ذَكَاتُهُ، قُلْتُ: فَهَذَا الَّذِي قَدْ أَنْفَذَتْ الْحِبَالَاتُ مَقَاتِلَهُ، إنْ أَدْرَكَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَكَاةٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ لَا ذَكَاةَ لَهُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الصَّيْدَ صَيْدَ الْمُرْتَدِّ أَيُؤْكَلُ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَبِيحَتُهُ لَا تُؤْكَلُ فَكَذَلِكَ صَيْدُهُ مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ فِي ذَبِيحَتِهِ، أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ صَيْدَ السَّمَكِ أَيُحْتَاجُ فِيهِ إلَى التَّسْمِيَةِ كَمَا يُحْتَاجُ فِي صَيْدِ الْبَرِّ إلَى التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْإِرْسَالِ؟ قَالَ: لَا وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنَّ صَيْدَ الْبَحْرِ مُذَكًّى كُلُّهُ عِنْدَ مَالِكٍ، فَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى التَّسْمِيَةِ مَا يُذَكَّى، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَجُوسِيَّ يَصِيدُهُ فَيَكُونُ حَلَالًا.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا طَفَا عَلَى الْمَاءِ مِنْ حِيتَانِ الْبَحْرِ وَدَوَابِّ الْبَحْرِ أَيُؤْكَلُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَا أَدْرِي مَا الدَّوَابُّ، وَلَكِنِّي لَمْ أَسْمَعْ مَالِكًا يَكْرَهُ شَيْئًا مِنْ دَوَابِّ الْبَحْرِ وَلَمْ يَكُنْ يَرَى بِالطَّافِي بَأْسًا.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَأْخُذُ الطَّيْرَ مِنْ طَيْرِ الْمَاءِ فَيَذْبَحُهُ فَيَجِدُ فِي بَطْنِهِ حُوتًا، أَيَأْكُلُهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْحُوتِ يُوجَدُ فِي بَطْنِهِ الْحُوتُ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ فَكَذَلِكَ مَا فِي بَطْنِ الطَّيْرِ لَا بَأْسَ بِهِ.
-
مَا جَاءَ فِي أَكْلِ الْجَرَادِ
-
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْجَرَادَ إذَا وَجَدْته مَيِّتًا يَتَوَطَّؤُهُ غَيْرِي، أَوْ أَتَوَطَّؤُهُ فَيَمُوتُ أَيُؤْكَلُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُؤْكَلُ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ صِدْتُ الْجَرَادَ فَجَعَلْتُهُ فِي غِرَارَةٍ فَيَمُوتُ فِي الْغِرَارَةِ أَيُؤْكَلُ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُؤْكَلُ إلَّا مَا قَطَعْتَ رَأْسَهُ وَتَرَكْتَهُ حَتَّى تَطْبُخَهُ أَوْ تَقْلِيَهُ أَوْ تَسْلُقَهُ،
-
وَإِنْ أَنْتَ طَرَحْتَهُ فِي النَّارِ أَوْ سَلَقْتَهُ أَوْ قَلَيْتَهُ وَهُوَ حَيٌّ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَقْطَعَ رَأْسَهُ، فَذَلِكَ حَلَالٌ أَيْضًا عِنْدَ مَالِكٍ،
-
وَلَا يُؤْكَلُ الْجَرَادُ إلَّا بِمَا ذَكَرْتُ مِنْ هَذَا.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذَ الْجَرَادَ فَقَطَعَ أَجْنِحَتَهَا وَأَرْجُلَهَا فَرَفَعَهَا حَتَّى تَسْلُقَهَا أَوْ تَقْلِيَهَا فَتَمُوتَ، أَيَأْكُلُهَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا، إلَّا أَنَّهُ إذَا قَطَعَ أَرْجُلَهَا وَأَجْنِحَتَهَا فَتُمُوِّتَتْ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهَا، لِأَنَّهَا قَدْ تُمُوِّتَتْ مِنْ قِبَلِ فِعْلِهِ بِهَا مِنْ قَطْعِ أَرْجُلِهَا وَأَجْنِحَتِهَا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَطْعِ رُءُوسِهَا، قُلْتُ: فَحِينَ أَخَذَهَا وَأَدْخَلَهَا غَرَائِرَهُ أَلَيْسَ إنَّمَا مَاتَتْ مِنْ فِعْلِهِ؟
-
قَالَ: لَمْ أَرَ عِنْدَ مَالِكٍ الْقِتْلَةَ إلَّا بِشَيْءٍ يَفْعَلُهُ بِهَا بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَقَدْ سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ خِنْزِيرِ الْمَاءِ فَلَمْ يَكُنْ يُجِيبُنَا فِيهِ، وَيَقُولُ أَنْتُمْ تَقُولُونَ خِنْزِيرٌ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنِّي لَأَتَّقِيهِ وَلَوْ أَكَلَهُ رَجُلٌ لَمْ أَرَهُ حَرَامًا.
-
فِي الرَّجُلِ يُدْرِكُ الصَّيْدَ وَقَدْ أَخَذَتْهُ الْكِلَابُ فَيُذَكِّيهِ وَهِيَ تَنْهَشُهُ حَتَّى يَمُوتَ
-
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُدْرِكُ كِلَابَهُ وَقَدْ أَخَذْت الصَّيْدَ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنْهَا فَتَرَكَهَا تَنْهَشُهُ وَيُذَكِّيهِ وَهُوَ فِي أَفْوَاهِهَا، فَتَنْهَشُهُ وَهُوَ يُذَكِّيهِ حَتَّى يَمُوتَ أَيُؤْكَلُ أَمْ لَا؟ قَالَ:
-
قَالَ مَالِكٌ: لَا يُؤْكَلُ لِأَنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا مَاتَ مِنْ نَهْشِهَا، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَيْقَنَ أَنَّهُ قَدْ ذَكَّاهُ وَحَيَاتُهُ فِيهِ مُجْتَمِعَةٌ قَبْلَ أَنْ تُنْفِذَ مَقَاتِلَهُ الْكِلَابُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الَّذِي يَذْبَحُ ذَبِيحَتَهُ فَتَسْقُطُ فِي الْمَاءِ بَعْدَمَا ذَبَحَهَا أَوْ تَتَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهَا.
-
قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ فِي الَّذِي يَذْبَحُ ذَبِيحَتَهُ فَيَقْطَعُ مِنْهَا بَضْعَةً قَبْلَ أَنْ تَزْهَقَ نَفْسُ الذَّبِيحَةِ، قَالَ مَالِكٌ: بِئْسَ مَا صَنَعَ، وَأَكْلُ تِلْكَ الْبَضْعَةِ حَلَالٌ فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى أَنَّ الَّذِي تَرَكَ الْكِلَابَ تَصْنَعُ بِصَيْدِهَا مَا صَنَعَتْ أَنَّهُ بِئْسَ مَا صَنَعَ وَأَكْلُهَا حَلَالٌ إذَا كَانَ ذَكَّاهُ وَهُوَ يَسْتَيْقِنُ بِحَيَاتِهِ قَبْلَ أَنْ تُنْفِذَ الْكِلَابُ مَقَاتِلَهُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُرْسِلُ كَلْبَهُ أَوْ بَازَهُ عَلَى الصَّيْدِ فَيَطْلُبُهُ سَاعَةً ثُمَّ يَرْجِعُ الْكَلْبُ،
-
ثُمَّ يَعُودُ فِي الطَّلَبِ فَيَأْخُذُ الصَّيْدَ فَيَقْتُلُهُ، أَيُؤْكَلُ أَمْ لَا وَهَلْ تَرَى رُجُوعَهُ عَنْ صَيْدِهِ قَطْعًا لِإِرْسَالِهِ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى إنْ كَانَ إنَّمَا ضَلَّ عَنْهُ صَيْدُهُ فَعَطَفَ الْكَلْبُ أَوْ الْبَازُ كَمَا تَصْنَعُ الْجَوَارِحُ إذَا ضَلَّ عَنْهَا صَيْدُهَا، طَلَبَتْهُ يَمِينًا وَشِمَالًا وَعَطَفَتْ كُلَّ ذَلِكَ فِي الطَّلَبِ، فَهِيَ عَلَى إرْسَالِهَا مَا دَامَتْ بِهَذِهِ الْحَالِ،
-
فَأَمَّا إنْ مَرَّ الْكَلْبُ بِكَلْبٍ مِثْلِهِ. فَوَقَفَ يَشُمُّهُ، وَمَرَّ عَلَى جِيفَةٍ فَوَقَفَ يَأْكُلُ مِنْهَا أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا، أَوْ يَكُونُ الطَّيْرُ عَجَزَ عَنْ صَيْدِهِ فَيَسْقُطُ عَلَى مَوْضِعٍ أَوْ عَطَفَ رَاجِعًا لَمَّا عَجَزَ عَنْ صَيْدِهِ، فَهَذَا تَارِكٌ لِمَا أُرْسِلَ فِيهِ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ الْإِرْسَالِ الْأَوَّلِ،
-
فَإِنْ كَانَ لَمَّا عَطَفَ رَاجِعًا تَارِكًا لِلطَّلَبِ أَبْصَرَ ذَلِكَ الصَّيْدَ فَطَلَبَهُ أَوْ لَمَّا رَجَعَ عَاجِزًا عَنْ صَيْدِهِ تَارِكًا لِلطَّلَبِ نَظَرَ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَطَلَبَهُ، فَهَذَا ابْتِدَاءٌ مِنْهُ وَلَيْسَ بِإِرْسَالٍ،
-
وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْكِلَابِ وَلَمْ أَسْمَعْ هَذَا مِنْ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الصَّيْدَ إذَا رَمَاهُ رَجُلٌ فَأَثْخَنَهُ حَتَّى صَارَ لَا يَسْتَطِيعُ الْفِرَارَ، فَرَمَاهُ آخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَتَلَهُ أَيُؤْكَلُ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُؤْكَلُ، قُلْتُ: فَقَدْ صَارَ هَذَا عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةِ الشَّاةِ لَا تُؤْكَلُ إلَّا بِذَكَاةٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ لِأَنَّ هَذَا قَدْ صَارَ أَسِيرَهُ، قُلْتُ: فَهَلْ يَضْمَنُهُ هَذَا الَّذِي رَمَاهُ فَقَتَلَهُ لِلْأَوَّلِ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا أَوْ أَرَاهُ ضَامِنًا.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَرْمِي الصَّيْدَ وَهُوَ فِي الْجَوِّ فَيُصِيبُهُ فَيَقَعُ إلَى الْأَرْضِ فَيُدْرِكُهُ مَيِّتًا، فَيَنْظُرُ فَإِذَا سَهْمُهُ لَمْ يُنْفِذْ مَقَاتِلَهُ أَيَأْكُلُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَأْكُلُهُ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مِنْ أَيِّ ذَلِكَ مَاتَ أَمِنَ السَّقْطَةِ أَمْ مِنْ السَّهْمِ؟
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ الصَّيْدُ يَكُونُ فِي الْجَبَلِ فَيَرْمِيهِ الرَّجُلُ فَيَتَرَدَّى مِنْ الْجَبَلِ فَيَمُوتُ، قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَأْكُلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ بِالرَّمْيَةِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَطْلُبُ الصَّيْدَ فَيُخْرِجُهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ دَارَ قَوْمٍ، فَيَأْخُذُهُ أَهْلُ الدَّارِ أَوْ يَأْخُذُهُ الَّذِي طَلَبَهُ فِي دَارِ الْقَوْمِ، لِمَنْ يَكُونُ؟ وَكَيْفَ إنْ قَالَ رَبُّ الدَّارِ دَخَلَ الصَّيْدُ دَارِي قَبْلَ أَنْ يَقَعَ لِي مِلْكُكَ أَيُّهَا الطَّالِبُ، فَقَدْ صَارَ مَا فِي دَارِي لِي وَقَالَ الطَّالِبُ أَخَذْتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ فِي مِلْكِكَ يَا صَاحِبَ الدَّارِ، لِأَنَّ مَا دَخَلَ دَارَكَ لَيْسَ بِمِلْكٍ لَك وَإِنْ كَانَ لَا مَالِكَ لَهُ مَا الْقَوْلُ فِي هَذَا؟
-
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنِّي أَرَى إنْ كَانَ الْكِلَابُ أَوْ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي اضْطَرَّهُ وَرَهِقَهُ لَأَخْذِهِ
-
فَأَرَاهُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَضْطَرَّهُ وَذَلِكَ بَعِيدٌ لَا يَدْرِي أَتَأْخُذُهُ الْكِلَابُ أَوْ الطَّارِدُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَمْ لَا وَهُوَ مِنْ الصَّيْدِ بَعِيدٌ، فَأَرَى الصَّيْدَ لِصَاحِبِ الدَّارِ وَلَا أَرَى لِصَاحِبِ الْكَلْبِ وَلَا لِلطَّارِدِ شَيْئًا، وَقَدْ سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الْحِبَالَاتِ الَّتِي تُنْصَبُ: أَنَّ مَا وَقَعَ فِيهَا فَأَخَذَهُ رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ أَنَّ صَاحِبَ الْحِبَالَاتِ أَحَقُّ بِهِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَعَمَّدْتُ صَيْدًا فَرَمَيْتُهُ وَسَمَّيْت وَأَصَبْت غَيْرَهُ، آكُلُهُ أَمْ لَا؟ وَكَيْفَ إنْ أَنْفَذْتُ الَّذِي سَمَّيْتُ عَلَيْهِ وَأَصَبْتُ آخَرَ وَرَاءَهُ لَمْ أَتَعَمَّدْهُ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَأْكُلْ إلَّا الَّذِي تَعَمَّدْتَ وَحْدَهُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ رَمَيْت صَيْدًا وَتَعَمَّدْته وَنَوَيْت آخَرَ إنْ كَانَ وَرَاءَهُ فَأَصَابَهُ سَهْمِي أَنَّهُ مِمَّا أَرْمِي وَلَسْت أَرَى وَرَاءَهُ شَيْئًا أَوْ أَصَبْت هَذَا الَّذِي رَمَيْت فَأَنْفَذْتُهُ وَأَصَابَ السَّهْمُ آخَرَ وَرَاءَهُ، أَوْ أَصَابَ سَهْمِي الَّذِي وَرَاءَهُ وَأَخْطَأَهُ أَآكُلُهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُك أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُرْسِلُ كَلْبَهُ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّيْدِ فَيَطْلُبُهَا، فَيَكُونُ خَلْفَهَا جَمَاعَةٌ أُخْرَى فَيَأْخُذُ مِنْ تِلْكَ الَّتِي كَانَتْ مِنْ وَرَائِهِ وَلَا يَأْخُذُ مِنْ الْجَمَاعَةِ الْأُولَى فَيَقْتُلُهُ؟
-
قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ حِينَ أَرْسَلَهُ يَنْوِي إنْ كَانَ خَلْفَهَا جَمَاعَةٌ أُخْرَى فَيَأْخُذُ مِنْ تِلْكَ الَّتِي كَانَتْ وَرَاءَ،
-
وَلَا يَأْخُذُ مِنْ الْجَمَاعَةِ الْأُولَى فَلْيَأْكُلْهُ وَإِلَّا فَمَسْأَلَتُك وَهَذِهِ سَوَاءٌ.
-
الرَّجُلِ يَرْمِي الصَّيْدَ بِمِعْرَاضٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ عَصًا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ
-
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا أَصَابَ بِحَجَرٍ أَوْ بِبُنْدُقَةٍ فَخَرَقَ أَوْ بَضَعَ أَوْ بَلَغَ الْمَقَاتِلَ أَيُؤْكَلُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُؤْكَلُ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ ذَلِكَ بِخَرْقٍ وَإِنَّمَا ذَلِكَ رَضٌّ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا كَانَ مِنْ مِعْرَاضٍ أَصَابَ بِهِ فَخَرَقَ وَلَمْ يُنْفِذْ الْمَقَاتِلَ فَمَاتَ، أَيُؤْكَلُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ السَّهْمِ إذَا لَمْ يُصِبْهُ بِهِ عَرَضًا.
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا خَرَقَ الْمِعْرَاضُ آكُلُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ رَمَيْتُ صَيْدًا بِعُودٍ أَوْ بِعَصًا فَخَرَقَتْهُ أَيُؤْكَلُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: هُوَ مِثْلُ الْمِعْرَاضِ أَنَّهُ يُؤْكَلُ.
-
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ رَمَى بِرُمْحِهِ أَوْ بِمِطْرَدِهِ أَوْ بِحَرْبَتِهِ فَخَرَقَ أَيَأْكُلُهُ؟
-
قَالَ: نَعَمْ هَذَا كُلُّهُ سَوَاءٌ.
-
فِي الْإِنْسِيَّةِ مِنْ الْإِبِلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِهَا فَرَمَاهَا فَذَكَّاهَا
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا نَدَّ مِنْ الْإِنْسِيَّةِ مَنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، فَلَمْ يُسْتَطَعْ أَنْ يُؤْخَذَ أَيُذَكَّى بِمَا يُذَكَّى بِهِ الصَّيْدُ مِنْ الرَّمْيِ وَغَيْرِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُؤْكَلُ مَا نَدَّ مِنْهَا إلَّا أَنْ يُؤْخَذَ فَيُذَكَّى كَمَا تُذَكَّى الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا أُخِذَ مِنْ الصَّيْدِ فَدَجَنَ فِي أَيْدِي النَّاسِ،
-
ثُمَّ اسْتَوْحَشَ وَنَدَّ أَيُذَكَّى بِمَا يُذَكَّى بِهِ الصَّيْدُ مِنْ الرَّمْيِ
-
وَغَيْرِ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ إذَا نَدَّ وَلَحِقَ بِالْوَحْشِ صَارَ مِنْهَا، قَالَ مَالِكٌ: وَتُذَكَّى بِمَا يُذَكَّى بِهِ الصَّيْدُ، قُلْتُ: فَلِمَ قَالَ مَالِكٌ فِي هَذَا إنَّهُ يُذَكَّى بِمَا يُذَكَّى بِهِ الصَّيْدُ وَقَالَ فِيمَا نَدَّ مِنْ الْإِنْسِيِّ إنَّهُ لَا يُذَكَّى بِمَا يُذَكَّى بِهِ الْإِنْسِيُّ، أَرَأَيْتَ هَذَا الصَّيْدَ أَلَيْسَ قَدْ كَانَ إذَا كَانَ دَاجِنًا سَبِيلُهُ فِي الذَّكَاةِ سَبِيلَ الْإِنْسِيِّ، فَلَمَّا اسْتَوْحَشَ جُعِلَتْ سَبِيلُهُ سَبِيلَ الْوَحْشِيِّ فِي الذَّكَاةِ، فَلِمَ لَا يَكُونُ أَيْضًا سَبِيلُ مَا نَدَّ مِنْ الْإِنْسِيَّةِ وَاسْتَوْحَشَ فِي الذَّكَاةِ سَبِيلَ الْوَحْشِ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هَذَا الْإِنْسِيُّ إذَا اسْتَوْحَشَ فَإِنَّمَا عَلَى أَصْلِهِ، وَأَصْلُهُ لَا يُؤْكَلُ إلَّا بِالذَّبْحِ أَوْ النَّحْرِ، وَالْوَحْشِيُّ إذَا اسْتَوْحَشَ فَهُوَ عَلَى أَصْلِهِ، وَأَصْلُ الصَّيْدِ أَنَّهُ يُذَكَّى بِالرَّمْيِ وَالذَّبْحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
-
فِي رَجُلٍ رَمَى صَيْدًا بِسِكِّينٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَبَضَعَ مِنْهُ وَقَتَلَهُ
-
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ رَمَيْت صَيْدًا بِسِكِّينٍ أَوْ بِسَيْفٍ فَأَصَبْتُهُ فَقَتَلْتُهُ، وَقَدْ بَضَعَ السَّيْفُ أَوْ السِّكِّينُ مِنْهُ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُنْفِذْ مَقَاتِلَهُ، آكُلُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: إنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ فَكُلْهُ عِنْدَ مَالِكٍ.
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ رَمَى صَيْدًا بِسِكِّينٍ فَقَطَعَ رَأْسَهُ، قَالَ: إنْ كَانَ رَمَاهُ حِينَ رَمَاهُ وَنِيَّتُهُ اصْطِيَادُهُ فَلَا أَرَى بِأَكْلِهِ بَأْسًا،
-
وَإِنْ كَانَ رَمَاهُ حِينَ رَمَاهُ وَلَيْسَ مِنْ نِيَّتِهِ اصْطِيَادُهُ فَلَا يَأْكُلْهُ
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ رَمَيْت حَجَرًا وَأَنَا أَظُنُّهُ حَجَرًا فَإِذَا هُوَ ' صَيْدٌ، فَأَصَبْتُهُ وَأَنْفَذْتُ مَقَاتِلَهُ آكُلُهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا، أَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الَّذِي يَرْمِي الصَّيْدَ بِسِكِّينٍ فَيَقْطَعُ رَأْسَهُ وَهُوَ لَا يَنْوِي اصْطِيَادَهُ: إنَّهُ لَا يَأْكُلُهُ، فَهَذَا الَّذِي رَمَى حَجَرًا لَمْ يَنْوِ اصْطِيَادَ هَذَا الصَّيْدِ الَّذِي أَصَابَ فَلَا يَأْكُلُهُ، قُلْتُ:
-
وَكَذَلِكَ إنْ رَمَى صَيْدًا وَهُوَ يَظُنُّهُ سَبُعًا أَوْ خِنْزِيرًا فَأَصَابَ ظَبْيًا أَنَّهُ لَا يَأْكُلُهُ؟
-
قَالَ: نَعَمْ مِثْلُ مَا أَخْبَرْتُك لِأَنَّهُ حِينَ رَمَى لَمْ يُرِدْ بِرَمْيَتِهِ الِاصْطِيَادَ فَلَا يَأْكُلْهُ.
-
قُلْتُ: لِمَ كَرِهَ مَالِكٌ هَذَا الَّذِي رَمَى ظَبْيًا وَهُوَ يَظُنُّهُ سَبُعًا؟ فَقَالَ: لَا يَأْكُلُهُ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَتَى إلَى شَاةٍ لَهُ فَضَرَبَهَا بِالسِّكِّينِ وَهُوَ لَا يُرِيدُ قَتْلَهَا وَلَا ذَبْحَهَا، فَأَصَابَ حَلْقَهَا فَفَرَى الْحَلْقَ وَالْأَوْدَاجَ أَيَأْكُلُهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَا يَأْكُلُهَا لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهَا الذَّبْحَ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا تُؤْكَلُ الْإِنْسِيَّةُ بِشَيْءِ مِمَّا يُؤْكَلُ بِهِ الْوَحْشِيُّ مِنْ الضَّرْبِ وَالرَّمْيِ، فَهَذَا وَاَلَّذِي سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ إرْسَالِهِ عَلَى الصَّيْدِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ سَبُعٌ فَهُوَ سَوَاءٌ لَا يُؤْكَلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُرْسِلْهُ عَلَى صَيْدٍ فَلَمْ يُرِدْ الذَّكَاةَ،
-
وَكَذَلِكَ إذَا ضَرَبَ شَاتَه بِسَيْفِهِ وَهُوَ لَا يُرِيدُ ذَكَاتَهَا فَفَرَى أَوْدَاجَهَا فَلَا يَأْكُلُهَا.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ طَلَبَ الْكِلَابُ الصَّيْدَ أَوْ الْبُزَاةُ فَلَمْ تَزَلْ فِي الطَّلَبِ حَتَّى مَاتَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَأْخُذَهُ الْكِلَابُ أَوْ الْبُزَاةُ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهُ أَيُؤْكَلُ؟
-
قَالَ: لَا يُؤْكَلُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذَتْهُ الْكِلَابُ فَقَتَلَتْهُ وَلَمْ تُدْمِهِ، أَيُؤْكَلُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ وَكَيْفَ إنْ صَدَمَتْهُ الْكِلَابُ فَقَتَلَتْهُ وَلَمْ تُدْمِهِ أَيُؤْكَلُ أَمْ لَا؟ وَكَيْفَ إنْ أَدْرَكْت الصَّيْدَ فَجَعَلْتُ أَضْرِبُهُ بِسَيْفِي وَلَا يَقْطَعُ السَّيْفُ حَتَّى مَاتَ مِنْ ذَلِكَ
-
أَيُؤْكَلُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ السَّيْفُ فِي هَذَا إذَا لَمْ يَقْطَعْ وَالْكِلَابُ إذَا لَمْ تُنَيِّبْ وَتُدْمِ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يُؤْكَلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَا يُؤْكَلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، لِأَنَّ السَّيْفَ إذَا لَمْ يَقْطَعْ فَهُوَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْعَصَا لَا تَأْكُلْهُ،
-
وَأَمَّا الْكِلَابُ إذَا صَدَمَتْ فَقَتَلَتْ وَلَمْ تُنَيِّبْ فَهُوَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْعَصَا،
-
وَلَا أَرَى أَنْ يَجُوزَ مِنْ قَتْلِ الْكِلَابِ إلَّا مَا يَجُوزُ مِنْ قَتْلِكَ بِيَدِكَ، وَمَا مَاتَ مِنْ الصَّيْدِ مِنْ طَلَبِ الْكِلَابِ أَوْ مَاتَ مِنْ عَضِّهَا وَلَمْ تُنَيِّبْهُ فَلَا يُؤْكَلُ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا نَدَّ صَيْدٌ قَدْ كَانَ دَجَنَ عِنْدِي فَهَرَبَ مِنِّي فَصَادَهُ غَيْرِي لِمَنْ يَكُونُ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَخَذَهُ هَذَا الْآخَرُ بِحِدْثَانِ مَا هَرَبَ مِنْ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يَلْحَقْ بِالْوَحْشِ وَلَمْ يَسْتَوْحِشْ فَهُوَ لِلْأَوَّلِ،
-
وَإِنْ كَانَ قَدْ اسْتَوْحَشَ وَلَحِقَ بِالْوَحْشِ وَلَمْ يَأْخُذْهُ الْآخَرُ بِحِدْثَانِ مَا هَرَبَ مِنْ الْأَوَّلِ فَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ، قُلْتُ:
-
وَكَذَلِكَ الْبُزَاةُ وَالصُّقُورُ وَالظِّبَاءُ وَكُلُّ شَيْءٍ؟
-
قَالَ: كَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ فِي الْبُزَاةِ وَالصُّقُورِ وَالظِّبَاءِ وَكُلِّ شَيْءٍ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ضَرَبْتُ فَخْذَ الصَّيْدِ أَوْ يَدَهُ أَوْ رِجْلَهُ فَتَعَلَّقَتْ فَمَاتَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ قَدْ أَبَانَهَا أَوْ كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِشَيْءٍ مِنْ الْجِلْدِ أَوْ اللَّحْمِ لَا يَجْرِي فِيهَا دَمٌ وَلَا رُوحٌ،
-
وَلَا تَعُودُ لِهَيْئَتِهَا أَبَدًا فَلَا يُؤْكَلُ مَا تَعَلَّقَ مِنْهَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، وَلْيُذَكِّهِ وَلْيَأْكُلْهُ، وَلْيَطْرَحْ مَا تَعَلَّقَ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَوْ تُرِكَ عَادَ لِهَيْئَتِهِ يَوْمًا، فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ضَرَبَ عُنُقَ الصَّيْدِ فَأَبَانَهُ أَيَأْكُلُهُ أَمْ لَا؟ قَالَ قَالَ مَالِكٌ: يَأْكُلُ الرَّأْسَ وَجَمِيعَ الْجِلْدِ، قُلْتُ:
-
فَإِنْ ضَرَبَ خَطْمَهُ فَأَبَانَهُ أَيَأْكُلُهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: هُوَ مِثْلُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ عِنْدِي، لَا يَأْكُلُهُ وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَلَا أَرَى أَنْ يُؤْكَلَ الْخَطْمُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا ضَرَبَ عُنُقَ شَاةٍ بِالسَّيْفِ فَأَبَانَهَا، وَهُوَ يُرِيدُ الذَّكَاةَ أَيَأْكُلُهَا أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ ذَبَحَ شَاةً وَهُوَ يُرِيدُ الْمَذْبَحَ فَأَخْطَأَ فَذَبَحَ مِنْ الْعُنُقِ أَوْ مِنْ الْقَفَا: أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ، قَالَ: فَكَذَلِكَ هَذَا الَّذِي ضَرَبَ عُنُقَهَا وَهُوَ يُرِيدُ الذَّبْحَ فَأَخْطَأَ، لَا يُؤْكَلُ.
-
قُلْتُ: فَهَلْ يَكْرَهُ مَالِكٌ أَكْلَ شَيْءٍ مَنْ الطَّيْرِ؟ قَالَ: لَا.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْأَرْنَبَ وَالضَّبَّ مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِمَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الضَّبِّ وَالْأَرْنَبِ وَالْوَبْرِ وَالظَّرَابِينِ وَالْقُنْفُذِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الضَّبُعَ وَالثَّعْلَبَ وَالذِّئْبَ هَلْ يُحِلُّ مَالِكٌ أَكْلَهَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ. لَا أُحِبُّ أَكْلَ الضَّبُعِ وَلَا الذِّئْبِ وَلَا الثَّعْلَبِ وَلَا الْهِرِّ الْوَحْشِيِّ وَلَا الْإِنْسِيِّ وَلَا شَيْئًا مِنْ السِّبَاعِ.
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: مَا فَرَسَ وَأَكَلَ اللَّحْمَ فَهُوَ مِنْ السِّبَاعِ وَلَا يَصْلُحُ أَكْلُهُ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ.
-
قَالَ سَحْنُونٌ: كَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَكْرَهُ صَيْدَ النَّصْرَانِيِّ، وَأَنَا لَا أَرَى بِأَكْلِ صَيْدِ النَّصْرَانِيِّ بَأْسًا
-
ِ قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ الْيَرْبُوعَ وَالْخُلْدَ هَلْ يَحِلُّ أَكْلُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا،
-
وَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا إذَا ذُكِّيَ وَهُوَ عِنْدِي مِثْلُ الْوَبْرِ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْوَبْرِ: إنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ هَوَامَّ الْأَرْضِ كُلَّهَا خَشَاشَهَا وَعَقَارِبَهَا وَدُودَهَا وَحَيَّاتِهَا، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مَنْ هَوَامِّهَا أَيُؤْكَلُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الْحَيَّاتِ إذَا ذُكِّيَتْ فِي مَوْضِعِ ذَكَاتِهَا: إنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهَا لِمَنْ احْتَاجَ إلَيْهَا، قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَوَامِّ الْأَرْضِ شَيْئًا، إلَّا أَنِّي سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي خَشَاشِ الْأَرْضِ كُلِّهِ: أَنَّهُ إذَا مَاتَ فِي الْمَاءِ أَنَّهُ لَا يُفْسِدُ الْمَاءَ وَالطَّعَامَ، وَمَا لَمْ يُفْسِدْ الْمَاءَ وَالطَّعَامَ فَلَيْسَ بِأَكْلِهِ بَأْسٌ إذَا أُخِذَ حَيًّا فَصُنِعَ بِهِ مَا يُصْنَعُ بِالْجَرَادِ،
-
وَأَمَّا الضَّفَادِعُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهَا وَإِنْ مَاتَتْ لِأَنَّهَا مِنْ صَيْدِ الْمَاءِ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ. قَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ شَيْءٍ يَكُونُ فِي الْمَغْرِبِ يُقَالُ لَهُ الْحَلَزُونُ يَكُونُ فِي الصَّحَارَى يَتَعَلَّقُ بِالشَّجَرِ أَيُؤْكَلُ؟
-
قَالَ: أَرَاهُ مِثْلَ الْجَرَادِ مَا أُخِذَ مِنْهُ حَيًّا فَسُلِقَ أَوْ شُوِيَ فَلَا أَرَى بِأَكْلِهِ بَأْسًا، وَمَا وُجِدَ مِنْهُ مَيِّتًا فَلَا يُؤْكَلُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ إذَا دَجَنَ وَصَارَ يُعْمَلُ عَلَيْهِ كَمَا يُعْمَلُ عَلَى الْأَهْلِيِّ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا صَارَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ فَلَا يُؤْكَلُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا لَا أَرَى بَأْسًا.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْجَلَّالَةَ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، هَلْ يَكْرَهُ مَالِكٌ لُحُومَهَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَوْ كَرِهْتُهَا لَكَرِهْتُ الطَّيْرَ الَّتِي تَأْكُلُ الْجِيَفَ، قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِالْجَلَّالَةِ
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الطَّيْرَ كُلَّهُ أَلَيْسَ لَا يَرَى مَالِكٌ بِأَكْلِهِ بَأْسًا، الرَّخَمَ وَالْعِقْبَانَ وَالنُّسُورَ وَالْحِدَأَ وَالْغِرْبَانَ وَمَا أَشْبَهَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِهَا كُلِّهَا مَا أَكَلَ الْجِيَفَ مِنْهَا وَمَا لَمْ يَأْكُلْ،
-
وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ الطَّيْرِ كُلِّهِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَذْبَحُ بِالْمَرْوَةِ أَوْ بِالْعُودِ أَوْ بِالْحَجَرِ أَوْ بِالْعَظْمِ وَمَعَهُ السِّكِّينُ أَيَجُوزُ ذَلِكَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا احْتَاجَ الرَّجُلُ إلَى الْحَجَرِ وَالْعُودِ وَالْعَظْمِ وَمَا
-
سِوَاهُ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَذَبَحَ بِهَا، أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ:
-
فَإِذَا ذَبَحَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْتَاجَ إلَيْهَا لِأَنَّ مَعَهُ سِكِّينًا فَلْيَأْكُلْهُ إذَا فَرَى الْأَوْدَاجَ، قُلْتُ: وَيُجِيزُ مَالِكٌ الذَّبْحَ بِالْعَظْمِ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ذَبَحَ فَقَطَعَ الْحُلْقُومَ وَلَمْ يَقْطَعْ الْأَوْدَاجَ، أَوْ فَرَى الْأَوْدَاجَ وَلَمْ يَقْطَعْ الْحُلْقُومَ، أَيَأْكُلُهُ. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَأْكُلْهُ إلَّا بِاجْتِمَاعٍ مِنْهُمَا جَمِيعًا، لَا يَأْكُلْ إنْ قَطَعَ الْحُلْقُومَ وَلَمْ يَفْرِ الْأَوْدَاجَ،
-
وَإِنْ فَرَى الْأَوْدَاجَ وَلَمْ يَقْطَعْ الْحُلْقُومَ فَلَا يَأْكُلْهُ أَيْضًا،
-
وَلَا يَأْكُلْهُ حَتَّى يَقْطَعَ جَمِيعَ ذَلِكَ الْحُلْقُومِ وَالْأَوْدَاجِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَرِيءَ هَلْ يَعْرِفُهُ مَالِكٌ؟
-
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مَالِكًا يَذْكُرُ الْمَرِيءَ.
-
قُلْتُ: هَلْ يُنْحَرُ أَوْ يُذْبَحُ مَا يُنْحَرُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُنْحَرُ مَا يُذْبَحُ وَلَا يُذْبَحُ مَا يُنْحَرُ.
-
قُلْتُ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَالْبَقَرُ إنْ نُحِرَتْ أَتَرَى أَنْ تُؤْكَلَ؟
-
قَالَ: نَعَمْ وَهِيَ خِلَافُ الْإِبِلِ إذَا ذُبِحَتْ، قَالَ مَالِكٌ: وَالذَّبْحُ فِيهَا أَحَبُّ إلَيَّ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} ، قَالَ: فَالذَّبْحُ أَحَبُّ إلَيَّ،
-
فَإِنْ نُحِرَتْ أُكِلَتْ. قَالَ: وَالْبَعِيرُ إذَا ذُبِحَ لَا يُؤْكَلُ إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ لِأَنَّ سُنَّتَهُ النَّحْرُ، قُلْتُ:
-
وَكَذَلِكَ الْغَنَمُ إنْ نُحِرَتْ لَمْ تُؤْكَلْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ، إذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ.
-
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الطَّيْرُ مَا نُحِرَ مِنْهُ لَمْ يُؤْكَلْ فِي قَوْلِهِ؟
-
قَالَ: لَمْ أَسْأَلْهُ عَنْ الطَّيْرِ
-
وَكَذَلِكَ هُوَ عِنْدِي لَا يُؤْكَلُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ ثَوْرٌ أَوْ بَعِيرٌ أَوْ شَاةٌ،
-
وَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَنْحَرُوا الْبَعِيرَ وَلَا يَذْبَحُوا الْبَقَرَةَ وَلَا الشَّاةَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَا اُضْطُرُّوا إلَيْهِ فِي مِثْلِ هَذَا فَإِنَّ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَالْمَذْبَحِ مَنْحَرٌ وَمَذْبَحٌ،
-
فَإِنْ ذُبِحَ فَجَائِزٌ وَإِنْ نُحِرَ فَجَائِزٌ، قُلْتُ:
-
وَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ هَذَا.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قُلْنَا لِمَالِكٍ: فَالْجَنْبُ وَالْجَوْفُ وَالْكَتِفُ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُؤْكَلُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي ذَكَرْتُ لَك مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَالْمَذْبَحِ وَيُتْرَكُ يَمُوتُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْت مَالِكًا هَلْ كَانَ يَأْمُرُ أَنْ تُوَجَّهَ الذَّبِيحَةُ إلَى الْقِبْلَةِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ تُوَجَّهُ الذَّبِيحَةُ إلَى الْقِبْلَةِ، قَالَ مَالِكٌ: وَبَلَغَنِي أَنَّ الْجَزَّارِينَ يَجْتَمِعُونَ عَلَى الْحُفْرَةِ يَدُورُونَ بِهَا فَيَذْبَحُونَ الْغَنَمَ حَوْلَهَا، قَالَ: فَبَعَثْتُ فِي ذَلِكَ لِيُنْهَى عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَرْتُ أَنْ يَأْمُرُوهُمْ أَنْ يُوَجِّهُوا بِهَا إلَى الْقِبْلَةِ.
-
قُلْتُ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ أَنْ يَبْدَأَ الْجَزَّارُ بِسَلْخِ الشَّاةِ قَبْلَ أَنْ تَزْهَقَ نَفْسُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ كَانَ يَكْرَهُ ذَلِكَ وَيَقُولُ: لَا تُنْخَعُ وَلَا تُقْطَعُ رَأْسُهَا وَلَا شَيْءٌ مِنْ لَحْمِهَا حَتَّى تَزْهَقَ نَفْسُهَا، قُلْتُ:
-
فَإِنْ فَعَلُوا بِهَا ذَلِكَ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا أُحِبُّ لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ بِهَا، قَالَ:
-
فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ بِهَا أُكِلَتْ وَأُكِلَ مَا قُطِعَ مِنْهَا.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ النَّخْعَ عِنْدَ مَالِكٍ أَهُوَ قَطْعُ الْمُخِّ الَّذِي فِي عِظَامِ الْعُنُقِ؟
-
قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَكَسْرُ الْعُنُقِ مِنْ النَّخْعِ؟
-
قَالَ: نَعَمْ إذَا انْقَطَعَ النُّخَاعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ سَبَقَتْهُ يَدُهُ فِي ذَبِيحَتِهِ فَقَطَعَ رَأْسَهَا، أَيَأْكُلُهَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَأْكُلُهَا إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ ذَلِكَ، قُلْتُ:
-
فَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ لَمْ يَأْكُلْهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا،
-
وَأَرَى إنْ كَانَ أَضْجَعَهَا لِيَذْبَحَهَا فَذَبَحَهَا فَأَجَازَ عَلَى الْحُلْقُومِ وَالْأَوْدَاجِ، وَسَمَّى اللَّهَ ثُمَّ تَمَادَى فَقَطَعَ عُنُقَهَا، فَأَرَى أَنْ تُؤْكَلَ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ ذَبِيحَةٍ ذُكِّيَتْ،
-
ثُمَّ عَجَّلَ فَاحْتَرَزَ رَأْسَهَا قَبْلَ أَنْ تَمُوتَ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهَا
-
وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ فِي الَّتِي تُقْطَعُ رَأْسُهَا قَبْلَ أَنْ تَمُوتَ.
-
قَالَ سَحْنُونٌ: اخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهَا فَمَرَّةً قَالَ لَا تُؤْكَلُ إذَا تَعَمَّدَ،
-
ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لِي تُؤْكَلُ وَإِنْ تَعَمَّدَ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَجَّهَ ذَبِيحَتَهُ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ أَيَأْكُلُ؟ قَالَ: نَعَمْ يَأْكُلُ وَبِئْسَ مَا صَنَعَ.
-
قُلْتُ: كَيْفَ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى الذَّبِيحَةِ؟ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ.
-
قُلْتُ هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ أَنْ يَذْكُرَ عَلَى الذَّبِيحَةِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ، أَوْ يَقُولُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ؟
-
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَذَلِكَ مَوْضِعٌ لَا يُذْكَرُ هُنَالِكَ إلَّا اسْمُ اللَّهِ وَحْدَهُ
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الضَّحَايَا هَلْ يَذْكُرُ عَلَيْهَا اسْمَ اللَّهِ، وَيَقُولُ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ فُلَانٍ، قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَقُولُ عَلَى الضَّحَايَا بِاسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ فَإِنْ أَحَبَّ قَالَ: اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي وَإِلَّا فَإِنَّ التَّسْمِيَةَ تَكْفِيهِ. قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَهَذَا الَّذِي يَقُولُ النَّاسُ اللَّهُمَّ مِنْكَ وَإِلَيْكَ؟
-
فَأَنْكَرَهُ، وَقَالَ: هَذَا بِدْعَةٌ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَرْأَةَ تَذْبَحُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ أَتُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ تُؤْكَلُ.
-
قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الْمَرْأَةِ تَضْطَرُّ إلَى الذَّبِيحَةِ وَعِنْدَهَا الرَّجُلُ النَّصْرَانِيُّ أَتَأْمُرُهُ أَنْ يَذْبَحَ لَهَا؟
-
قَالَ: لَا وَلَكِنْ تَذْبَحُ هِيَ.
-
قُلْتُ: أَفَتَحِلُّ ذَبَائِحُ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَصِبْيَانِهِمْ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنْ إذَا حَلَّ ذَبَائِحُ رِجَالِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِذَبَائِحِ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ إذَا أَطَاقُوا الذَّبْحَ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا ذَبَحُوا لِأَعْيَادِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ أَيُؤْكَلُ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَكْرَهُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ، وَتَأَوَّلَ مَالِكٌ فِيهِ {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} وَكَانَ يَكْرَهُهُ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحَرِّمَهُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَالِكًا هَلْ كَانَ يَكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُمَكِّنَ أُضْحِيَّتَهُ أَوْ هَدْيَهُ مِنْ أَحَدٍ مَنْ النَّصَارَى أَوْ الْيَهُودِ أَنْ يَذْبَحَهُ؟ قَالَ: كَانَ مَالِكٌ يُكْرَهُ أَنْ يُمَكِّنَ أُضْحِيَّتَهُ أَوْ هَدْيَهُ مِنْ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ أَنْ يَذْبَحَهُ لَهُ، وَلَكِنْ يَلِيهَا هُوَ بِنَفْسِهِ.
-
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ ذَبَحَ النَّصْرَانِيُّ أُضْحِيَّةَ الْمُسْلِمِ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِ أَعَادَ أُضْحِيَّتَهُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْيَهُودِيُّ مِثْلُهُ. قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَهَلْ يُبَاعُ لَحْمُهَا؟
-
قَالَ: لَا لِأَنَّهَا ذُبِحَتْ عَلَى نُسُكٍ،
-
فَلَا يُبَاعُ النُّسُكُ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ كَمِثْلِ الْهَدْيِ الَّذِي يَعْطَبُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ فَيُنْحَرَ، لَا يُبَاعُ مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ لِأَنَّهُ نُسُكٌ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ ذَبَحَهَا مَنْ يَحِلُّ ذَبْحُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَيُجْزِئُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُجْزِئُهُ وَبِئْسَمَا صَنَعَ وَالشَّأْنُ أَنْ يَلِيَهَا هُوَ بِنَفْسِهِ أَعْجَبُ إلَى مَالِكٍ
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا ذَبَحَتْ الْيَهُودُ مِنْ الْغَنَمِ فَأَصَابُوهُ فَاسِدًا عِنْدَهُمْ لَا يَسْتَحِلُّونَهُ لِأَجْلِ الرِّئَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا الَّتِي يُحَرِّمُونَهَا فِي دِينِهِمْ، أَيَحِلُّ أَكْلُهُ لِلْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: كَانَ مَالِكٌ مَرَّةً يُجِيزُهُ فِيمَا بَلَغَنِي،
-
ثُمَّ لَمْ أَزَلْ أَسْمَعُهُ يَكْرَهُهُ بَعْدُ، فَقَالَ: لَا يُؤْكَلُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَرَأَيْتُ مَالِكًا يَسْتَثْقِلُ ذَبَائِحَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَلَا يُحَرِّمُهَا، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَرَأْيِي أَنَّ مَا ذَبَحَتْ الْيَهُودُ مِمَّا لَا
-
يَسْتَحِلُّونَهُ أَنْ لَا يُؤْكَلَ
-
قُلْتُ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ ذَبَائِحَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ؟ قَالَ: أَهْلُ الْحَرْبِ وَاَلَّذِينَ عِنْدَنَا مِنْ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ عِنْدَ مَالِكٍ سَوَاءٌ فِي ذَبَائِحِهِمْ، وَهُوَ يَكْرَهُ ذَبَائِحَهُمْ كُلِّهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحَرِّمَهَا،
-
وَيَكْرَهُ شِرَاءَ اللَّحْمِ مِنْ مَجَازِرِهِمْ وَلَا يَرَاهُ حَرَامًا.
-
قَالَ مَالِكٌ: وَبَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إلَى الْبُلْدَانِ يَنْهَاهُمْ أَنْ يَكُونَ النَّصَارَى وَالْيَهُودَ فِي أَسْوَاقِهِمْ صَيَارِفَةً أَوْ جَزَّارِينَ،
-
وَأَنْ يُقَامُوا مِنْ الْأَسْوَاقِ،
-
فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ أَغْنَانَا بِالْمُسْلِمِينَ قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: مَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ يُقَامُونَ مِنْ الْأَسْوَاقِ؟
-
قَالَ: لَا يَكُونُونَ صَيَارِفَةً وَلَا جَزَّارِينَ وَلَا يَبِيعُونَ فِي أَسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، قَالَ مَالِكٌ: وَأَرَى أَنْ يُكَلَّمَ مَنْ عِنْدَهُمْ مِنْ الْوُلَاةِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقِيمُوهُمْ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ الْمُسْلِمَ يَرْتَدُّ إلَى الْيَهُودِيَّةِ أَوْ النَّصْرَانِيَّةِ أَتَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَا
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ ذَبِيحَةَ الْأَخْرَسِ، أَتُؤْكَلُ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَلَا أَرَى بِهَا بَأْسًا
-
قُلْتُ: إذَا تَرَدَّتْ الذَّبِيحَةُ مِنْ جَبَلٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَانْدَقَّ عُنُقُهَا أَوْ انْدَقَّ مِنْهَا مَا يُعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَعِيشُ مِنْ ذَلِكَ، أَتُؤْكَلُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَا لَمْ يَكُنْ قَدْ نَخَعَهَا ذَلِكَ قَالَ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
-
قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ فِي الشَّاةِ الَّتِي تُخْرَقُ بَطْنُهَا فَتُشَقُّ أَمْعَاؤُهَا فَتَمُوتُ: إنَّهَا لَا تُؤْكَلُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ تَذْكِيَةً، لِأَنَّ الَّذِي صَنَعَ السَّبُعُ بِهَا كَانَ قَتْلًا لَهَا، وَإِنَّمَا الَّذِي فِيهَا مِنْ الْحَيَاةِ خُرُوجُ نَفْسِهَا لِأَنَّهَا لَا تَحْيَا عَلَى حَالٍ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْأَزْلَامَ هَلْ سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ فِيهَا شَيْئًا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْأَزْلَامُ قِدَاحٌ كَانَتْ تَكُونُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ: فِي وَاحِدٍ افْعَلْ وَفِي الْآخَرِ لَا تَفْعَلْ، وَالْآخَرُ لَا شَيْءَ فِيهِ، قَالَ: فَكَانَ أَحَدُهُمْ إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَوْ حَاجَةً ضَرَبَ بِهَا،
-
فَإِنْ خَرَجَ الَّذِي فِيهِ افْعَلْ فَعَلَ ذَلِكَ وَخَرَجَ،
-
وَإِنْ خَرَجَ الَّذِي فِيهِ لَا تَفْعَلْ تَرَكَ ذَلِكَ وَلَمْ يَخْرُجْ،
-
وَإِنْ خَرَجَ الَّذِي لَا شَيْءَ فِيهِ أَعَادَ الضَّرْبَ.
-
ذكاة الحيوان المأكول بذبحه في حلق أو لبة إن قدر عليه
-
وإلا فبعقر مزهق حيث كان
-
وشرط ذابح وصائد حل مناكحته
-
وتحل ذكاة أمة كتابية
-
ولو شارك مجوسي مسلما في ذبح أو اصطياد حرم
-
ولو أرسلا كلبين أو سهمين فإن سبق آلة المسلم فقتل أو أنهاه إلى حركة مذبوح حل
-
ولو انعكس أو جرحاه معا أو جهل أو مرتبا ولم يذفف أحدهما حرم
-
ويحل ذبح صبي مميز
-
وكذا غير مميز ومجنون وسكران في الأظهر
-
وتكره ذكاة أعمى
-
ويحرم صيده برمي وكلب في الأصح
-
وتحل ميتة السمك والجراد ولو صادهما مجوسي
-
وكذا الدود المتولد من طعام كخل وفاكهة إذا أكل معه في الأصح
-
ولا يقطع بعض سمكة
-
فإن فعل أو بلع سمكة حية حل في الأصح
-
وإذا رمى صيدا متوحشا أو بعيرا ند أو شاة شردت بسهم أو أرسل عليه جارحة فأصاب شيئا من بدنه ومات في الحال حل
-
ولو تردى بعير ونحوه في بئر ولم يمكن قطع حلقومه فكناد.
-
قلت: الأصح لا يحل بإرسال الكلب وصححه الروياني والشاشي والله أعلم
-
ومتى تيسر لحوقه بعدو أو استعانة بمن يستقبله فمقدرو عليه
-
ويكفي في الناد والمتردي جرح يفضي إلى الزهوق.
-
وقيل: يشترط مذفف
-
وإذا أرسل سهما أو كلبا أو طائرا على صيد فأصابه ومات فإن لم يدرك فيه حياة مستقرة أو أدركها وتعذر ذبحه بلا تقصير بأن سل السكين فمات قبل إمكان أو امتنع بقوته ومات قبل القدرة حل
-
وإن مات لتقصيره بأن لا يكون معه سكين أو غصبت أو نشبت في الغمد حرم
-
ولو رماه فقده نصفين حلا
-
ولو أبان منه عضوا بجرح مذفف حل العضو والبدن
-
أو بغير مذفف ثم ذبحه أو جرحه جرحا آخر مذففا حرم العضو وحل الباقي
-
فإن لم يتمكن من ذبحه ومات بالجرح حل الجميع.
-
وقيل: يحرم العضو
-
وذكاة كل حيوان قدر عليه بقطع كل الحلقوم وهو مخرج النفس والمرىء وهو مجرى الطعام
-
ويستحب قطع الودجين
-
وهما عرقان في صفحتي العنق
-
ولو ذبحه من قفاه عصى
-
فإن أسرع فقطع الحلقوم والمريء وبه حياة مستقرة حل وإلا فلا
-
وكذا إدخال سكين بإذن ثعلب
-
ويسن نحر إبل وذبح بقر وغنم
-
ويجوز عكسه
-
وأن يكون البعير قائما معقول ركبة
-
والبقر والشاة مضجعة لجنبها الأيسر وتترك رجلها اليمنى ويشد باقي القوائم
-
وإن يحد شفرته
-
ويوجه للقبلة ذبيحته
-
وأن يقول بسم الله ويصلى على النبي صلى الله عليه وسلم
-
ولا يقل باسم الله واسم محمد.
فصل
-
يحل ذبح مقدور عليه وجرح غيره بكل محدد يجرح كحديد ونحاس وذهب وخشب وقصب وحجر وزجاج
-
إلا ظفرا وسنا وسائر العظام
-
فلو قتل بمثقل أو ثقل محدد كبندقة وسوط وسهم بلا نصل ولا حد أو سهم وبندقة أو جرحه نصل وأثر فيه عرض السهم في مروره ومات بهما أو انخنق بأحبولة أو أصابه سهم فوقع بأرض أو جبل ثم سقط منه حرم
-
ولو أصابه سهم بالهواء فسقط بأرض ومات حل
-
ويحل الاصطياد بجوارح السباع والطير ككلب وفهد وباز وشاهين
-
بشرط كونها معلمة بان تنزجر جارحة السباع بزجر صاحبه ويسترسل بإرساله ويمسك الصيد ولا يأكل منه
-
ويشترط ترك الأكل في جارحة الطير في الأظهر
-
ويشترط تكرر هذه الأمور بحيث يظن تأدب الجارحة
-
ولو ظهر كونه معلما ثم أكل من لحم صيد لم يحل ذلك الصيد في الأظهر
-
فيشترط تعليم جديد
-
ولا أثر للعق الدم
-
ومعض الكلب من الصيد نجس
-
والأصح أنه لا يعفى عنه
-
وأنه يكفي غسله بماء وتراب
-
ولا يجب أن يقور ويطرح
-
ولو تحاملت الجارحة على صيد فقتلته بثقلها حل في الأظهر
-
ولو كان بيده سكين فسقط وانجرح به صيد أو احتكت به شاة وهو في يده فانقطع حلقومها أو مريئها أو استرسل كلب بنفسه فقتل لم يحل
-
وكذا لو استرسل كلب فأغراه صاحبه فزاد عدوه في الأصح
-
ولو أصابه سهم بإعانة ريح حل
-
ولو أرسل سهما لاختبار قوته أو إلى غرض فاعترض صيد فقتله حرم في الأصح
-
ولو رمى صيد أظنه حجرا أو سرب ظباء فأصاب واحدة حلت
-
وإن قصد واحدة فأصاب غيرها حلت في الأصح
-
ولو غاب عنه الكلب والصيد ثم وجده ميتا حرم
-
وإن جرحه وغاب ثم وجده ميتا حرم في الأظهر.
فصل
-
يملك الصيد بضبطه بيده وبجرح مذفف وبازمان وكسر جناح وبوقوعه في شبكة نصبها وبإلجائه إلى مضيق لا يفلت منه
-
ولو وقع صيد في ملكه وصار مقدورا عليه بتوحل وغيره لم يملكه في الأصح
-
ومتى ملكه لم يزل ملكه بانفلاته
-
وكذا بإرسال المالك له في الأصح
-
ولو تحول حمامه إلى برج غيره لزمه رده
-
فإن اختلط وعسر التمييز لم يصح بيع أحدهما وهبته شيأ منه لثالث
-
ويجوز لصاحبه في الأصح
-
فإن باعهما والعدد معلوم والقيمة سواء صح وإلا فلا
-
ولو جرح الصيد اثنان متعاقبان فإن ذفف الثاني أو أزمن دون الأول فهو للثاني
-
وإن ذفف الأول فله
-
وإن أزمن فله
-
ثم إن ذفف الثاني بقطع حلقوم ومريء فهو حلال وعليه للأول ما نقص بالذبح
-
وإن ذفف لا بقطعهما أو لم يذفف ومات بالجرحين فحرام ويضمنه الثاني للأول
-
وإن جرحا معا وذففا أو أزمنا فلهما
-
وإن ذفف أحدهما أو أزمن دون الآخر فله
-
وإن ذفف واحد وأزمن آخر وجهل السابق حرم على المذهب.
كتاب آخر
- زاد المستقنع٧٠
- الإقناع٤٥٥
- الكافي في فقه الإمام أحمد٣٤٢
- غاية المنتهى٣١٣
- منتهى الإرادات٢٤٩
- الفروع٢٢٦
- المقنع١٧٥
- الرعاية الصغرى١٤٤
- التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع٨٥
- مختصر الخرقي٦٩
- مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله٥٥
- بداية العابد وكفاية الزاهد٤٦
- المحرر في الفقه٤١
- عمدة الفقه٣٦
- دليل الطالب لنيل المطالب٣٢
- عمدة الطالب لنيل المآرب١٧
- منظومة مفردات الإمام أحمد١٣
-
وَهُوَ ضَرْبَانِ:
-
مَا لَهُ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ، فَيَجِبُ فِيهِ ذَلِكَ المِثْلُ، وَهُوَ نَوْعَانِ:
-
أَحَدُهُمَا: قَضَتْ فِيهِ الصَّحَابَةُ، وَمِنْهُ: فِي النَّعَامَةِ: بَدَنَةٌ.
-
وَفِي حِمَارِ الوَحْشِ، وَبَقَرِهِ، وَإِيَّلٍ، وَتَيْتَلٍ، وَوَعِلٍ: بَقَرَةٌ. وَفِي الضَّبُعِ: كَبْشٌ. وَفِي الغَزَالِ: شَاةٌ.
-
وَفِي الوَبْرِ وَالضَّبِّ: جَدْيٌ.
-
وَفِي اليَرْبُوعِ: جَفْرَةٌ لَهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ.
-
وَفِي الأَرْنَبِ: عَنَاقٌ دُونَ الجَفْرَةِ.
-
وَفِي الحَمَامِ -وَهُوَ كُلُّ مَا عَبَّ المَاءَ وَهَدَرَ-: شَاةٌ.
-
النَّوْعُ الثَّانِي: مَا لَمْ تَقْضِ فِيهِ الصَّحَابَةُ، وَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى قَوْلِ عَدْلَيْنِ خَبِيرَيْنِ.
-
الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا لَا مِثْلَ لَهُ، وَهُوَ بَاقِي الطَّيْرِ، وَفِيهِ قِيمَتُهُ مَكَانَهُ.
-
وَحَرُمَ صَيْدُ حَرَمِ مَكَّةَ.
-
وَحُكْمُهُ حُكْمُ صَيْدِ الإِحْرَامِ.
-
وَحَرُمَ قَطْعُ شَجَرِهِ وَحَشِيشِهِ حَتَّى الشَّوْكِ وَلَوْ ضَرَّ، وَالسِّوَاكِ وَنَحْوِهِ، وَالوَرَقِ، إِلَّا: اليَابِسَ. وَالإِذْخِرَ . وَالكَمْأَةَ، وَالفَقْعَ. وَالثَّمَرَةَ.
-
وَمَا زَرَعَهُ آدَمِيٌّ، حَتَّى مِنَ الشَّجَرِ. وَيُبَاحُ رَعْيُ حَشِيشِهِ. وَانْتِفَاعٌ بِمَا زَالَ.
-
أَوِ انْكَسَرَ بِغَيْرِ فِعْلِ آدَمِيٍّ؛ وَلَوْ لَمْ يَبِنْ. وَتُضْمَنُ
-
الشَّجَرَةُ الصَّغِيرَةُ عُرْفًا: بِشَاةٍ، وَمَا فَوْقَهَا: بِبَقَرَةٍ.
-
وَيُخَيَّرُ بَيْنَ ذَلِكَ، وَبَيْنَ تَقْوِيمِهِ.
-
وَيَفْعَلُ بِقِيمَتِهِ كَجَزَاءِ صَيْدٍ. وَحَشِيشٌ: بِقِيمَتِهِ.
-
وَكُرِهَ إِخْرَاجُ تُرَابِ الحَرَمِ، وَحِجَارَتِهُ إِلَى الحِلِّ. لَا مَاءِ زَمْزَمَ. وَتُسْتَحَبُّ المُجَاوَرَةُ بِمَكَّةَ.
-
وَهِيَ أَفْضَلُ مِنَ المَدِينَةِ.
-
وَتُضَاعَفُ الحَسَنَةُ وَالسَّيِّئَةُ بِمَكَانٍ وَزَمَانٍ فَاضِلٍ. وَحَرُمَ: صَيْدُ حَرَمِ المَدِينَةِ.
-
وَقَطْعُ شَجَرِهِ وَحَشِيشِهِ لِغَيْرِ: حَاجَةِ عَلَفٍ . وَقَتَبٍ ، وَنَحْوِهِمَا. وَلَا جَزَاءَ.
-
يُسَنُّ: نَهَارًا.
-
مِنْ أَعْلَاهَا مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ.
-
وَخُرُوجٌ مِنْ أَسْفَلِهَا مِنْ ثَنِيَّةِ كُدًى.
-
وَدخُولُ المَسْجِدِ الحَرَامِ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ.
-
فَإِذَا رَأَى البَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ مَا وَرَدَ. ثُمَّ يَطُوفُ: مُتَمَتِّعٌ لِلعُمْرَةِ.
-
وَمُفْرِدٌ وَقَارِنٌ لِلقُدُومِ، وَهُوَ الوُرُودُ.
-
وَيَضْطَبِعُ غَيْرُ حَامِلِ مَعْذُورٍ فِي كُلِّ أُسْبُوعِهِ.
-
وَيَبْتَدِئُهُ مِنَ الحَجَرِ الأَسْوَدِ، فَيُحَاذِيهِ أَوْ بَعْضَهُ بِكُلِّ بَدَنِهِ:
-
وَيَسْتَلِمُهُ بِيَدِهِ اليُمْنَى، وَيُقبِّلُهُ، وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ.
-
فَإِنْ شَقَّ: لَمْ يُزَاحِمْ، وَاسْتَلَمَهُ بِيَدِهِ وَقَبَّلَهَا.
-
فَإِنْ شَقَّ: فَبِشَيْءٍ وَقَبَّلَهُ.
-
فَإِنْ شَقَّ: أَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ أَوْ بِشَيْءٍ وَلَا يُقَبِّلُهُ.
-
وَاسْتَقْبَلَهُ بِوَجْهِهِ، وَقَالَ مَا وَرَدَ.
-
ثُمَّ يَجْعَلُ البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ.
-
وَيَرْمُلُ الأُفُقِيُّ فِي هَذَا الطَّوَافِ.
-
فَإِذَا فَرَغَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.
-
وَالأَفْضَلُ كَوْنُهُمَا خَلْفَ المَقَامِ. وَتُجْزِئُ مَكْتُوبَةٌ عَنْهُمَا.
-
ثُمَّ يَسْتَلِمُ الحَجَرَ، وَيَخْرُجُ لِلسَّعْيِ مِنْ بَابِ الصَّفَا فَيَرْقَاهُ حَتَّى يَرَى البَيْتَ.
-
فَيُكَبِّرَ ثَلَاثًا، وَيَقُولُ مَا وَرَدَ.
-
ثُمَّ يَنْزِلُ مَاشِيًا إِلَى العَلَمِ الأَوَّلِ، فَيَسْعَى سَعْيًا شَدِيدًا إِلَى العَلَمِ الآخَرِ.
-
ثُمَّ يَمْشِي وَيَرْقَى المَرْوَةَ ، وَيَقُولُ مَا قَالَهُ عَلَى الصَّفَا.
-
ثُمَّ يَنْزِلُ فَيَمْشِي فِي مَوْضِعِ مَشْيِهِ، وَيَسْعَى فِي مَوْضِعِ سَعْيِهِ إِلَى الصَّفَا.
-
يَفْعَلُهُ سَبْعًا، وَيَحسُبُ ذَهَابَهُ سَعْيَةً وَرُجُوعَهُ سَعْيَةً، يَفْتَتِحُ بِالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالمَرْوَةِ.
-
فَإِنْ بَدَأَ بِالمَرْوَةِ: لَمْ يَحْتَسِبْ بِذَلِكَ الشَّوْطِ.
في كتب الخلاف
الإجماعابن المنذرلا كلام له في هذا الباب
التجريدالقدوريمسألة ١٥٢٢، مسألة ١٥٢٣، مسألة ١٥٢٤١٦ مسألة
المبسوطالسرخسيبَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ، بَابُ الْمُحْصَرِ، بَابُ الْجِمَاعِ لِلْمُحْرِمِ١٬١٨٩ مسألة
بداية المجتهدابن رشدكِتَابُ الذَّبَائِحِ [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ مَحَلِّ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ]، الْبَابُ الْخَامِسُ: فِي مَعْرِفَةِ الذَّابِحِ وَالنَّاحِرِ.، الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: هَلْ لِلْجَرَادِ ذَكَاةٌ أَمْ لَا؟٢٨٢ مسألة
المغنيابن قدامة، على «مختصر الخرقي»باب الفدية وجزية الصيد، كتاب الصيد والذبائح١٬٥٢٦ سطرًا
المجموع شرح المهذبالنووي، على «المهذب»باب الصيد والذبائح٥٣١ سطرًا
الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر، على «المقنع»بَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ، فَصْلٌ، بَابُ صَيْدِ الْحَرَمِ وَنَبَاتِهِ٨٦٥ سطرًا
الفقه على المذاهب الأربعةعبد الرحمن الجزيريمبحث ذبح الذبائح، وعمل الأطعمة في المآتم، مباحث الصيد والذبائح، دليله١٩٩ مسألة
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميأسامة القحطاني وآخرونلا كلام له في هذا الباب
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)بإشراف علوي السقافالمبحث الأول: التسمية، المبحث الثاني: إنهار الدم، المبحث الثالث: ما هو القدر الواجب الذي يكتفى به في حصول التذكية؟٣٦٠ مسألة
عرضٌ لما في كتب المذاهب، وليس فتوى.في الخريطة: الصيد والذبائح