فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الإقرار

المعاملات

مذهبي

في متون المذاهب الأربعة

الحنفية
كتاب آخر
المبسوطالسرخسي، ٢٬٨٥٧ مسألة
  1. (قَالَ) : - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَجُلٌ أَقَرَّ أَنَّهُ مَوْلَى فُلَانٍ مَوْلَى عَتَاقَةٍ مِنْ فَوْقُ أَوْ مِنْ تَحْتِ، وَصَدَّقَهُ الْآخَرُ فَهُوَ مَوْلًى لَهُ، وَيَعْقِلُ عَنْهُ قَوْمُهُ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ كَالنَّسَبِ وَالْإِقْرَارُ بِالنَّسَبِ صَحِيحٌ مِنْ الْأَبِ وَالِابْنِ جَمِيعًا فَكَذَلِكَ الْإِقْرَارُ بِالْوَلَاءِ؛

  2. وَهَذَا لِأَنَّ الْأَسْفَلَ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَى الْأَعْلَى بِالْوَلَاءِ، وَالْأَعْلَى يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ،

  3. وَأَنَّ عَلَيْهِ نُصْرَتَهُ، وَإِقْرَارُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نَفْسِهِ نَافِذٌ،

  4. وَإِنْ كَانَ لَهُ أَوْلَادٌ كِبَارٌ وَأَنْكَرُوا ذَلِكَ وَقَالُوا: أَبُونَا مَوْلَى عَتَاقَةٍ لِفُلَانٍ آخَرَ، فَالْأَبُ يُصَدِّقُ عَلَى نَفْسِهِ، وَالْأَوْلَادُ مُصَدِّقُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْأَبِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الْبُلُوغِ فِي عَقْدِ الْوَلَاءِ، فَكَذَلِكَ فِي الْإِقْرَارِ بِهِ وَهُمْ يَمْلِكُونَ مُبَاشَرَةَ عَقْدِ الْوَلَاءِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بَعْدَ الْبُلُوغِ فَيَمْلِكُونَ الْإِقْرَارَ بِهِ،

  5. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي وَلَاءِ الْمُوَالَاةِ فَكَذَلِكَ فِي وَلَاءِ الْعَتَاقَةِ؛ لِأَنَّهُمَا فِي النِّسْبَةِ وَالنُّصْرَةِ سَوَاءٌ،

  6. وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَادُ صِغَارًا كَانَ الْأَبُ مُصَدِّقًا عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ مُبَاشَرَةَ عَقْدِ الْوَلَاءِ عَلَيْهِمْ بِوِلَايَةِ الْأُبُوَّةِ، فَيَنْفُذُ إقْرَارُهُ عَلَيْهِمْ أَيْضًا؛ وَلِأَنَّ الصِّغَارَ مِنْ الْأَوْلَادِ يَتْبَعُونَهُ فِي الْإِسْلَامِ،

  7. وَلَا يُعْتَبَرُ اعْتِقَادُهُمْ بِخِلَافِهِ فَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ أَمٌّ فَقَالَتْ أَنَا مَوْلَاةُ فُلَانٍ، وَصَدَّقَهَا مَوْلَاهَا بِذَلِكَ، فَالْوَلَدُ مَوْلَى مَوَالِي الْأَبِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَبَوَيْنِ أَصْلٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ،

  8. وَلَوْ كَانَ وَلَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْرُوفًا كَانَ الْوَلَدُ مَوْلًى لِمَوَالِي الْأَبِ،

  9. وَلَوْ قَالَتْ الْأُمُّ لِلْأَبِ: أَنْتَ عَبْدُ فُلَانٍ. وَقَالَ: كُنْتُ عَبْدَ فُلَانٍ فَأَعْتَقَنِي وَصَدَّقَهُ فُلَانٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَبِ؛ لِأَنَّ بِتَصَادُقِهِمَا ظَهَرَ فِي جَانِبِ الْأَبِ وَلَاءٌ،

  10. فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِهِمَا فِي حَقِّ الْوَلَدِ بَعْدَ ذَلِكَ،

  11. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَتْ: هُمْ وَلَدِي مِنْ غَيْرِك؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ، وَفِرَاشُ الزَّوْجِ عَلَيْهَا ظَاهِرٌ فَلَا تُصَدَّقُ فِيمَا تَدَّعِي مِنْ فِرَاشٍ آخَرَ غَيْرِ مَعْلُومٍ،

  12. وَلَوْ قَالَتْ وَلَدْتُهُ بَعْدَ عِتْقِي بِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ فَهُوَ مَوْلًى لِمَوَالِيَّ وَقَالَ الزَّوْجُ: وَلَدْتِيهِ بَعْدَ عِتْقِكِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ لِأَنَّ الْوَلَاءَ كَالنَّسَبِ، وَفِي مِثْلِ هَذَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي النَّسَبِ بِأَنْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ: وَلَدْتُهُ بَعْدَ النِّكَاحِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ.

  13. وَقَالَ الزَّوْجُ: بَلْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ. كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الزَّوْجِ لِظُهُورِ فِرَاشِهِ عَلَيْهَا فِي الْحَالِ، فَكَذَلِكَ فِي الْوَلَاءِ لِظُهُورِ وَلَاءِ الْأَبِ فِي الْحَالِ، وَهُوَ مُوجِبٌ جَرَّ وَلَاءَ الْوَلَدِ مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ كَانَ مَقْصُودًا بِالْعِتْقِ.

  14. امْرَأَةٌ فِي يَدِهَا وَلَدٌ لَا يُعْرَفُ أَبُوهُ أَقَرَّتْ أَنَّهَا مُعْتَقَةُ هَذَا الرَّجُلِ، وَصَدَّقَهَا ذَلِكَ الرَّجُلُ لَمْ تُصَدَّقْ عَلَى الِابْنِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَهِيَ مُصَدَّقَةٌ

  15. فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هِيَ تَمْلِكُ مُبَاشَرَةَ عَقْدِ الْوَلَاءِ عَلَى وَلَدِهَا، وَيَتْبَعُهَا الْوَلَدُ فِي الْإِسْلَامِ فَتُصَدَّقُ فِي الْإِقْرَارِ عَلَيْهِ بِالْوَلَاءِ أَيْضًا،

  16. وَكَذَلِكَ إنْ قَالَتْ: كَانَ زَوْجِي رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ أَسْلَمَ أَوْ كَانَ عَبْدًا صُدِّقَتْ عَلَى الْوَلَدِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ،

  17. وَلَا تُصَدَّقُ فِي قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا لَا تَمْلِكُ مُبَاشَرَةَ عَقْدِ الْوَلَاءِ عَلَيْهِ،

  18. وَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ وَهِيَ لَا تَعْرِفُ فَأَقَرَّتْ أَنَّهَا مَوْلَى عَتَاقَةٍ لِرَجُلٍ صُدِّقَتْ عَلَى نَفْسِهَا وَلَا تُصَدَّقُ عَلَى الْوَلَدِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ بِمَا لَهُ مِنْ النَّسَبِ مُسْتَغْنٍ عَنْ الْوَلَاءِ، وَاعْتِبَارُ قَوْلِهَا عَلَيْهِ لِمَنْفَعَةِ الْوَلَدِ،

  19. فَإِذَا لَمْ تُوجَدْ الْمَنْفَعَةُ هُنَا لَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهَا عَلَيْهِ

  20. بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، وَالْإِقْرَارُ بِوَلَاءِ الْعَتَاقَةِ وَالْوَلَاءِ سَوَاءٌ فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ كَالْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ فِي الْمَرَضِ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَحَلِّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ وَالْوَرَثَةِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْوَلَاءِ.

  21. وَإِذَا قَالَ: فُلَانٌ مَوْلًى لِي قَدْ أَعْتَقْتُهُ. وَقَالَ فُلَانٌ: بَلْ أَنَا أَعْتَقْتُك لَمْ يُصَدَّقْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ اعْتِبَارًا لِلْوَلَاءِ بِالسَّبَبِ،

  22. وَلَوْ قَالَ: أَنَا مَوْلًى لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ أَعْتَقَانِي، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِذَلِكَ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ وَحَلَفَ مَا أَعْتَقْته، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ عَبْدٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ يُعْتِقُهُ أَحَدُهُمَا،

  23. وَإِنْ قَالَ: أَنَا مَوْلَى فُلَانٍ أَعْتَقَنِي،

  24. ثُمَّ قَالَ: لَا بَلْ أَعْتَقَنِي فُلَانٌ فَهُوَ مَوْلًى لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْوَلَاءِ لِلْأَوَّلِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ وَبَعْدَ مَا ثَبَتَ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ لِلْأَوَّلِ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِالْوَلَاءِ لِلثَّانِي،

  25. وَلَوْ قَالَ: أَعْتَقَنِي فُلَانٌ أَوْ فُلَانٌ وَادَّعَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَهَذَا الْإِقْرَارُ بَاطِلٌ لِجَهَالَةِ الْمُقَرِّ لَهُ،

  26. فَإِنَّ الْإِقْرَارَ لِلْمَجْهُولِ غَيْرُ مُلْزِمٍ إيَّاهُ شَيْئًا، فَيُقِرُّ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَيِّهِمَا شَاءَ أَوْ لِغَيْرِهِمَا أَنَّهُ مَوْلَاهُ فَيَجُوزُ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ لَمْ يُوجَدْ الْإِقْرَارُ الْأَوَّلُ.

  27. رَجُلٌ أَقَرَّ أَنَّهُ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ أَعْتَقَتْهُ فَقَالَتْ: لَمْ أُعْتِقْكَ وَلَكِنَّك أَسْلَمْت عَلَى يَدِي وَوَالَيْتنِي فَهُوَ مَوْلَاهَا؛ لِأَنَّهُمَا تَصَادَقَا عَلَى ثُبُوتِ أَصْلِ الْوَلَاءِ، وَاخْتَلَفَا فِي سَبَبِهِ، وَالْأَسْبَابُ غَيْرُ مَطْلُوبَةٍ لِأَعْيَانِهَا بَلْ لِأَحْكَامِهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْهَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَهُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى؛

  28. لِأَنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ مِقْدَارُ مَا وُجِدَ فِيهِ التَّصْدِيقُ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ التَّحَوُّلِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: الْمُقِرُّ يُعَامَلُ فِي إقْرَارِهِ كَأَنَّ مَا أَقَرَّ بِهِ حَقٌّ وَفِي زَعْمِهِ أَنَّ عَلَيْهِ وَلَاءَ عَتَاقَةٍ لَهَا، وَذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنْ التَّحَوُّلِ، وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِي النَّسَبِ إذَا أَقَرَّ لِإِنْسَانٍ فَكَذَّبَهُ،

  29. ثُمَّ ادَّعَاهُ لَمْ يَصِحَّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُوَ صَحِيحٌ فِي قَوْلِهِمَا، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْعَتَاقِ.

  30. وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ أَسْلَمَ عَلَى يَدِهَا وَوَالَاهَا، وَقَالَتْ: بَلْ أَعْتَقْتُك فَهُوَ مَوْلَاهَا، وَلَهُ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْهَا مَا لَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ قَوْمُهَا؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ عِنْدَ التَّصْدِيقِ مِقْدَارُ مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُقِرُّ وَهُوَ إنَّمَا أَقَرَّ بِوَلَاءِ

  31. الْمُوَالَاةِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ التَّحَوُّلِ مَا لَمْ يَتَأَكَّدْ بِعَقْلِ الْجِنَايَةِ،

  32. وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّ فُلَانًا أَعْتَقَهُ، وَقَالَ فُلَانٌ: مَا أَعْتَقْتُك وَلَا أَعْرِفُك فَأَقَرَّ أَنَّهُ مَوْلًى لِآخَرَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -،

  33. وَيَجُوزُ فِي قَوْلِهِمَا اعْتِبَارًا لِلْوَلَاءِ بِالنَّسَبِ، وَفِي النَّسَبِ فِي نَظِيرِهِ خِلَافٌ ظَاهِرٌ مِنْهُمْ فَكَذَلِكَ فِي الْوَلَاءِ.

  34. وَإِذَا مَاتَ رَجُلٌ، وَادَّعَى رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ أَعْتَقَهُ، وَصَدَّقَ بَعْضُ أَوْلَادِهِ مِنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ أَحَدَهُمَا، وَصَدَّقَ الْبَاقُونَ الْآخَرَ، فَكُلُّ مَوْلًى لِلَّذِي صَدَّقَهُ؛ لِأَنَّ الْأَوْلَادَ الْبَالِغِينَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَصْلٌ فِي مُبَاشَرَةِ الْوَلَاءِ عَلَى نَفْسِهِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، فَكَذَلِكَ إقْرَارُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْوَلَاءِ لِلَّذِي صَدَّقَهُ صَحِيحٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ.

  35. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمُرْجِعُ وَالْمَآبُ.

  1. (قَالَ) : - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَجُلٌ قَالَ لِأَمَتِهِ: مَا فِي بَطْنِك حُرٌّ،

  2. ثُمَّ قَالَ: إنْ حَبِلْتِ فَسَالِمٌ حُرٌّ فَوَلَدَتْ بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ، فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْمَوْلَى لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْوَلَدُ مَوْجُودًا فِي الْبَطْنِ وَقْتَ الْإِيجَابِ، فَإِنَّمَا يُعْتَقُ هَذَا، أَوْ كَانَ مِنْ حَبَلٍ حَادِثٍ فَإِنَّمَا يُعْتَقُ سَالِمٌ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْعُلُوقَ إنَّمَا يَسْتَنِدُ إلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إثْبَاتُ عِتْقٍ بِالشَّكِّ،

  3. فَأَمَّا إذَا كَانَ فِيهِ إثْبَاتُ عِتْقٍ بِالشَّكِّ فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْيَقِينُ؛ لِأَنَّ بِالشَّكِّ لَا يَزُولُ وَهُنَا تَيَقَّنَّا بِحُرِّيَّةِ أَحَدِهِمَا فَالْبَيَانُ فِيهِ إلَى الْمَوْلَى، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدَيْنِ لَهُ: أَحَدُكُمَا حُرٌّ.

  4. فَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا يَوْمئِذٍ فَهَذَا مِنْهُ إقْرَارٌ بِعِتْقِ الْوَلَدِ،

  5. وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ حَبَلٌ مُسْتَقْبَلٌ عَتَقَ سَالِمٌ لِإِقْرَارِهِ بِهِ،

  6. وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ عَتَقَ سَالِمٌ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا أَنَّهُ مِنْ عُلُوقٍ حَادِثٍ.

  7. رَجُلٌ أَوْصَى بِمَا فِي بَطْنِ أَمَتِهِ لِرَجُلٍ فَأَعْتَقَهُ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ،

  8. فَإِنَّ عِتْقَهُ جَائِزٌ وَهُوَ مَوْلَاهُ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ أُخْتُ الْمِيرَاثِ، فَكَمَا أَنَّ الْجَنِينَ يُمْلَكُ بِالْإِرْثِ فَكَذَلِكَ بِالْوَصِيَّةِ، وَعِتْقُ الْمُوصَى لَهُ فِي مِلْكِهِ نَافِذٌ،

  9. فَإِنْ ضَرَبَ إنْسَانٌ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْهُ مَيِّتًا فَفِيهِ مَا فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ، وَهُوَ مِيرَاثٌ لِمَوْلَاهُ الَّذِي أَعْتَقَهُ؛ لِأَنَّ بَدَلَ نَفْسِ الْجَنِينِ مَوْرُوثٌ عَنْهُ، وَأَبَوَاهُ مَمْلُوكَانِ فَكَانَ مِيرَاثًا لِمَوْلَاهُ،

  10. وَلَوْ أَوْصَى بِمَا فِي بَطْنِ أَمَتِهِ لِفُلَانٍ فَأَعْتَقَهُ الْمُوصَى لَهُ بِهِ، وَأَعْتَقَ الْوَارِثُ الْأَمَةَ، وَأَعْتَقَ مَوْلَى الزَّوْجِ زَوْجَ الْأَمَةِ فَوَلَاءُ الْوَلَدِ لِلْمُوصِي؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ بِالْعِتْقِ مِنْ جِهَتِهِ،

  11. فَإِنْ ضَرَبَ إنْسَانٌ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْهُ مَيِّتًا فَفِيهِ مَا فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ مِيرَاثًا لِأَبَوَيْهِ؛ لِأَنَّهُمَا حُرَّانِ عِنْدَ وُجُوبِ بَدَلِ نَفْسِ الْجَنِينِ فَإِنْ كَانَا أَعْتَقَا بَعْدَ الضَّرْبَةِ

  12. قَبْلَ أَنْ يَسْقُطَ أَوْ بَعْدَ الْإِسْقَاطِ، فَالْغُرَّةُ لِلَّذِي أَعْتَقَ الْوَلَدَ؛ لِأَنَّهُ يُحْكَمُ بِمَوْتِ الْجَنِينِ عِنْدَ الضَّرْبَةِ، وَلِهَذَا وَجَبَ الْبَدَلُ بِهِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ كَانَا مَمْلُوكِينَ فَلَا يَرِثَانِهِ وَإِنْ عَتَقَا بَعْدَ ذَلِكَ بَلْ الْمِيرَاثُ لِلْمُعْتَقِ، وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ هَذَا الْجَوَابُ وَهُوَ أَنَّ وَلَاءَ الْجَنِينِ لِلْمُعْتَقِ إذَا كَانَ عِتْقُ مَا فِي الْبَطْنِ أَوَّلًا، أَوْ كَانَا سَوَاءً،

  13. فَأَمَّا إذَا أَعْتَقَ الْوَارِثُ الْأُمَّ أَوَّلًا فَإِنَّ الْجَنِينَ يُعْتَقُ بِعِتْقِ الْأُمِّ، وَيَكُونُ الْوَارِثُ ضَامِنًا لِلْمُوصَى لَهُ قِيمَةَ الْجَنِينِ يَوْمَ تَلِدُ،

  14. وَلَا يُتَصَوَّرُ الْإِعْتَاقُ مِنْ جِهَتِهِ فِي الْجَنِينِ بَعْدَ ذَلِكَ،

  15. وَلَا يَثْبُتُ لَهُ وَلَاؤُهُ وَإِذَا أَعْتَقَ الرَّجُلُ مَا فِي بَطْنِ أَمَتِهِ فَوَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَقَالَتْ لِلْمَوْلَى: قَدْ أَقْرَرْتَ أَنِّي حَامِلٌ بِقَوْلِكِ: مَا فِي بَطْنِك حُرٌّ. وَقَالَ الْمَوْلَى: هَذَا حَبَلٌ حَادِثٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى لِإِنْكَارِهِ، وَمَا تَقَدَّمَ لَا يَكُونُ إقْرَارًا مِنْهُ بِوُجُودِ الْوَلَدِ فِي الْبَطْنِ يَوْمئِذٍ، بَلْ مَعْنَاهُ مَا فِي بَطْنِكِ حُرٌّ إنْ كَانَ فِي بَطْنِك وَلَدٌ،

  16. وَلَوْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ وَهِيَ مُعْتَدَّةٌ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِتَمَامِ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ وُجُوبِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا فَهُوَ مَوْلًى لِمَوَالِي الْأُمِّ لِأَنَّا حَكَمْنَا بِأَنَّ الْعُلُوقَ كَانَ سَابِقًا عَلَى إعْتَاقِهِ إيَّاهَا حِينَ أَثْبَتْنَا نَسَبَ الْوَلَدِ مِنْ الزَّوْجِ،

  17. فَإِنْ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ أَحَدُهُمَا لِتَمَامِ سَنَتَيْنِ وَالْآخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ، فَكَذَلِكَ أَيْضًا هَكَذَا ذَكَرَهُ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَكُونُ الْوَلَدُ لِمَوَالِي الْأَبِ هُنَا، وَكَأَنَّهَا وَلَدَتْهُمَا لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ قَالَ: أَتْبِعْ الشَّكَّ الْيَقِينَ وَهُمَا يُتْبِعَانِ الثَّانِي الْأَوَّلَ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِيمَا أَمْلَيْنَاهُ مِنْ شَرْحِ الزِّيَادَاتِ.

  18. وَلَا يَمِينَ فِي الْوَلَاءِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ ادَّعَى الْأَعْلَى أَوْ الْأَسْفَلَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: فِيهِ الْيَمِينُ وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا مَعَ نَظَائِرِهِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَالدَّعْوَى،

  19. وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمَوْلَى إذَا جَحَدَ الْعِتْقَ فَإِنَّهُ يُسْتَحْلَفُ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ مِمَّا يَعْمَلُ فِيهِ الْبَدَلُ فَيَجْرِي فِيهِ الِاسْتِحْلَافُ وَعِنْدَ نُكُولِهِ يُقْضَى بِالْعِتْقِ،

  20. ثُمَّ الْوَلَاءُ يَنْبَنِي عَلَيْهِ، وَهُوَ نَظِيرُ الْمَرْأَةِ تُسْتَحْلَفُ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ،

  21. ثُمَّ إذَا نَكَلَتْ يَنْبَنِي عَلَيْهِ صِحَّةُ رَجْعَةِ الزَّوْجِ،

  22. وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَرَبِيٌّ عَلَى وَرَثَةِ مَيِّتٍ قَدْ تَرَكَ ابْنَةً وَمَالًا أَنَّهُ مَوْلَاهُ الَّذِي أَعْتَقَهُ، وَلَهُ نِصْفُ مِيرَاثِهِ فَلَا يَمِينَ عَلَى الِابْنَةِ فِي الْوَلَاءِ، وَلَكِنْ تَحْلِفُ أَنَّهَا مَا تَعْلَمُ لَهُ فِي مِيرَاثِ أَبِيهَا حَقًّا وَلَا إرْثًا؛ لِأَنَّ هَذَا اسْتِحْلَافٌ فِي الْمَالِ، وَالْمَالُ مِمَّا يُعْمَلُ فِيهِ الْبَدَلُ وَهُوَ كَمَنْ ادَّعَى مِيرَاثًا بِنَسَبٍ لَا يُسْتَحْلَفُ الْمُنْكِرُ عَلَى النَّسَبِ عِنْدَهُ، وَيُسْتَحْلَفُ عَلَى الْمِيرَاثِ،

  23. وَإِنْ ادَّعَى عَرَبِيٌّ عَلَى نَبَطِيٍّ أَنَّهُ وَالَاهُ، وَجَحَدَهُ النَّبَطِيُّ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَوَلَاءُ الْمُوَالَاةِ فِي هَذَا كَوَلَاءِ الْعَتَاقَةِ فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ بَعْدَ إنْكَارِهِ فَهُوَ مَوْلَاهُ،

  24. وَلَا يَكُونُ جُحُودُهُ نَقْضًا لِلْوَلَاءِ

  25. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْعَرَبِيُّ هُوَ الْجَاحِدُ؛ لِأَنَّ النَّقْضَ تَصَرُّفٌ فِي الْعَقْدِ بِالرَّفْعِ بَعْدَ الثُّبُوتِ وَإِنْكَارِ أَصْلِ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ تَصَرُّفًا فِيهِ بِالرَّفْعِ كَإِنْكَارِ الزَّوْجِ لِأَصْلِ النِّكَاحِ،

  26. وَإِنْ ادَّعَى نَبَطِيٌّ عَلَى عَرَبِيٍّ أَنَّهُ مَوْلَاهُ الَّذِي أَعْتَقَهُ وَالْعَرَبِيُّ غَائِبٌ،

  27. ثُمَّ ادَّعَى النَّبَطِيُّ ذَلِكَ عَلَى آخَرَ وَأَرَادَ اسْتِحْلَافَهُ فَإِنَّهُ لَا حَلِفَ لِوَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَرَى الِاسْتِحْلَافَ فِي الْوَلَاءِ.

  28. (وَالثَّانِي) أَنَّهُ قَدْ ادَّعَى ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ،

  29. وَلَوْ أَقَرَّ الثَّانِي لَهُ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَوْلَاهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَكَيْفَ يُسْتَحْلَفُ عَلَى ذَلِكَ وَعِنْدَهُمَا إنْ قَدِمَ الْغَائِبُ فَادَّعَى الْوَلَاءَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ،

  30. وَإِنْ أَنْكَرَ فَهُوَ مَوْلًى لِلثَّانِي.

  31. رَجُلٌ مِنْ الْمَوَالِي قَتَلَ رَجُلًا خَطَأً فَادَّعَى وَرَثَتُهُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ قَبِيلَةٍ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ وَأَرَادُوا اسْتِحْلَافَهُ فَلَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمِينَ فِي الْوَلَاءِ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِخَصْمٍ لَهُمْ،

  32. وَإِنْ أَقَرَّ الرَّجُلُ بِهِ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى الْعَاقِلَةِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّ الْعَاقِلَةِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يُلْزِمَهُمْ مَالًا بِإِقْرَارِهِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ أَنْ يُلْزِمَهُمْ ذَلِكَ بِإِنْشَاءِ التَّصَرُّفِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَكَذَلِكَ بِالْإِقْرَارِ، وَتَكُونُ الدِّيَةُ عَلَى الْقَاتِلِ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ،

  33. وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ مِنْ الْمَوَالِي فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ قَبْلَ الْقَتْلِ وَأَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ، وَأَرَادَ اسْتِحْلَافَ الْقَاتِلِ عَلَى الْوَلَاءِ، وَهُوَ مُقِرٌّ بِالْقَتْلِ لَمْ يُسْتَحْلَفْ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يَحْلِفُ مَا يَعْلَمُ لِهَذَا فِي دِيَةِ فُلَانٍ الْمُسَمَّى عَلَيْك حَقًّا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِمَا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي أُمِرَ بِتَسْلِيمِ الدِّيَةِ إلَيْهِ فَإِذَا أَنْكَرَ يُسْتَحْلَفُ عَلَى ذَلِكَ لِرَجَاءِ نُكُولِهِ فَأَمَّا أَصْلُ الْوَلَاءِ فَلَا يَمِينَ فِيهِ عَلَى مِنْ يَدَّعِيهِ فَكَيْفَ عَلَى غَيْرِهِ.

  34. وَوَلَدُ الْمُلَاعَنَةِ مِنْ قَوْمِ أُمِّهِ، وَعَقْلُ جِنَايَتِهِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا نَسَبَ وَلَا وَلَاءَ مِنْ جَانِبِ الْأَبِ، فَيَكُونُ مَنْسُوبًا إلَى قَوْمِ الْأُمِّ بِالنَّسَبِ إنْ كَانَتْ مِنْ الْعَرَبِ وَبِالْوَلَاءِ إنْ كَانَتْ مِنْ الْمَوَالِي،

  35. فَإِنْ أَعْتَقَ ابْنُ الْمُلَاعَنَةِ عَبْدًا فَعَقْلُ جِنَايَتِهِ عَلَى عَاقِلَةِ الْأُمِّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمُعْتَقَ مَنْسُوبٌ بِالْوَلَاءِ إلَى مِنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ الْمُعْتِقُ بِوَاسِطَةٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُعْتِقَ مَنْسُوبٌ إلَى قَوْمِ أُمِّهِ عَلَيْهِمْ عَقْلُ جِنَايَتِهِ، فَكَذَلِكَ مُعْتَقُهُ وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ بَعْدَ مَوْتِ الِابْنِ وَأُمِّهِ وَلَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ، وَرِثَهُ أَقْرَبُ النَّاسِ مِنْ الْأُمِّ مِنْ الْعَصَبَاتِ؛

  36. لِأَنَّ الْوَلَدَ لَمَّا كَانَ مَنْسُوبًا إلَيْهَا كَانَتْ هِيَ فِي حَقِّهِ كَالْأَبِ،

  37. وَلَوْ كَانَ لَهُ أَبٌ كَانَ مِيرَاثُ مُعْتَقِهِ لِأَقْرَبِ عُصْبَةِ الْأَبِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَكَذَلِكَ هُنَا وَلَوْ كَانَ لَهَا ابْنٌ ثُمَّ مَاتَ الْمَوْلَى وَلَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُ ابْنِ الْأُمِّ، وَهُوَ أَخٌ الْمُعْتِقِ لِأُمِّهِ، فَإِنَّهُ يَرِثُ الْمَوْلَى كَأَنَّهُ أَخُ الْمُعْتِقِ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ؛ وَلِأَنَّ هَذَا الِابْنَ أَقْرَبُ عَصَبَةِ الْأُمِّ فِي نِسْبَةِ الْمُعْتِقِ إلَيْهَا كَالْأَبِ، فَكَذَلِكَ ابْنُهَا فِي اسْتِحْقَاقِ مِيرَاثِ الْمُعْتِقِ كَابْنِ الْأَبِ.

  38. وَلَوْ كَانَ لِلْمُعْتَقِ أَخٌ وَأُخْتٌ كَانَ مِيرَاثُ الْمَوْلَى لِلْأَخِ دُونَ الْأُخْتِ لِهَذَيْنِ

  39. الْمَعْنَيَيْنِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُ أُمِّهِ لَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْ الْمِيرَاثِ شَيْءٌ؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَرِثُ مِنْ النِّسَاءِ بِالْوَلَاءِ إلَّا مَا أَعْتَقْنَ أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ، وَكَانَ الْمِيرَاثُ لِأَقْرَبِ النَّاسِ مِنْهَا مِنْ الْعَصَبَاتِ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا لَمْ تَرِثْ شَيْئًا كَانَتْ كَالْمَيِّتَةِ،

  40. فَإِنْ ادَّعَاهُ الْأَبُ وَهُوَ حَيٌّ ثَبَتَ النَّسَبُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ قَدْ اسْتَتَرَ بِاللِّعَانِ بَعْدَ مَا كَانَ ثَابِتًا مِنْهُ بِالْفِرَاشِ، وَبَقِيَ مَوْقُوفًا عَلَى حَقِّهِ،

  41. فَإِذَا ادَّعَاهُ فِي حَالِ قِيَامِ حَاجَتِهِ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ، وَرَجَعَ وَلَاءُ مَوَالِيهِ الْعَتَاقَةِ وَالْمُوَالَاةِ إلَيْهِ، وَيَرْجِعُ عَاقِلَةُ الْأُمِّ بِمَا عَقَلُوا عَنْهُمْ عَلَى عَاقِلَةِ الْأَبِ، وَمَا كَانُوا مُتَبَرِّعِينَ فِي هَذَا الْأَدَاءِ بَلْ كَانُوا مُجْبَرِينَ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ فَيَرْجِعُونَ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا جَرَّ الْأَبُ وَلَاءَ الْوَلَدِ بَعْدَ مَا عَقَلَ عَنْهُ مَوَالِي الْأُمِّ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُونَ عَلَى عَاقِلَةِ الْأَبِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ النَّسَبَ إنَّمَا يَثْبُتُ مِنْ وَقْتِ الْعُلُوقِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ عَاقِلَةَ الْأُمِّ أَدَّوْا مَا كَانَ مُسْتَحَقًّا عَلَى عَاقِلَةِ الْأَبِ،

  42. وَإِنْ كَانَ الِابْنُ مَيِّتًا لَمْ تَجُزْ دَعْوَةُ الْأَبِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَقِيَ لَهُ وَلَدٌ؛ وَلِأَنَّهُ بِالْمَوْتِ اسْتَغْنَى عَنْ النَّسَبِ فَدَعْوَى الْأَبِ لَا تَكُونُ إقْرَارًا بِالنَّسَبِ بَلْ تَكُونُ دَعْوَى لِلْمِيرَاثِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ مُتَنَاقِضٌ،

  43. فَإِنْ خَلَفَ الْوَلَدُ ابْنًا فَحَاجَةُ ابْنِ الِابْنِ كَحَاجَةِ الِابْنِ فِي تَصْحِيحِ دَعْوَى الْأَبِ،

  44. وَلَوْ كَانَ وَلَدُ الْمُلَاعَنَةِ بِنْتًا فَمَاتَتْ وَتَرَكَتْ وَلَدًا،

  45. ثُمَّ ادَّعَاهُ الْأَبُ جَازَتْ دَعْوَتُهُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ مَوْتَهَا عَنْ وَلَدٍ كَمَوْتِ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ عَنْ وَلَدٍ؛ وَهَذَا لِأَنَّ وَلَدَهَا مُحْتَاجٌ إلَى إثْبَاتِ نَسَبَ أُمِّهِ لِيَصِيرَ كَرِيمَ الطَّرَفَيْنِ، وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمْ تَجُزْ دَعْوَتُهُ؛

  46. لِأَنَّ نَسَبَ هَذَا الْوَلَدِ إلَى أَبِيهِ دُونَ أُمِّهِ،

  47. فَإِنَّ الْوَلَدَ مِنْ قَوْمِ أَبِيهِ.

  48. أَلَا تَرَى أَنَّ إبْرَاهِيمَ بْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ قُرَيْشٍ،

  49. وَأَنَّ أَوْلَادَ الْخُلَفَاءِ مِنْ الْإِمَاءِ يَصْلُحُونَ لِلْخِلَافَةِ فَلَا مُعْتَبِرَ بِوُجُودِ هَذَا الْوَلَدِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مَنْسُوبًا إلَيْهَا، فَلِهَذَا لَا تَصِحُّ دَعْوَةُ الْأَبِ،

  50. وَإِنْ كَانَ وَلَدُ الْمُلَاعَنَةِ أَعْتَقَ عَبْدًا،

  51. ثُمَّ مَاتَ لَاعَنَ وَلَدٌ فَادَّعَى الْأَبُ نَسَبَهُ لَمْ يُصَدَّقْ بِاعْتِبَارِ بَقَاءِ مَوْلَاهُ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ أَثَرُ الْمِلْكِ وَلَوْ بَقِيَ لَهُ أَصْلُ الْمِلْكِ عَلَى الْعَبْدِ لَمْ يُصَدَّقْ وَهُوَ فِي الدَّعْوَةِ بِاعْتِبَارِهِ، فَبَقَاءُ الْوَلَاءِ أَوْلَى وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ بَقَاءُ مَنْ يَصِيرُ مَنْسُوبًا إلَيْهِ بِالنَّسَبِ إذَا صَحَّتْ دَعْوَتُهُ، وَالْمَوْلَى لَا يَصِيرُ مَنْسُوبًا إلَيْهِ بِالنَّسَبِ،

  52. وَإِذَا لَاعَنَ بِوَلَدَيْ تَوْأَمٍ،

  53. ثُمَّ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا عَبْدًا وَمَاتَ فَادَّعَى الْأَبُ الْحَيُّ مِنْهُمَا ثَبَتَ نَسَبُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا خُلِقَا مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ، فَبَقَاءُ أَحَدِهِمَا مُحْتَاجًا إلَى النِّسْبَةِ كَبَقَائِهِمَا

  54. وَإِذَا ثَبَتَ نَسَبُهُمَا جَرَّ الْأَبُ وَلَاءَ مُعْتَقِ الْمَيِّتِ مِنْهُمَا إلَى نَفْسِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ ثَابِتَ النَّسَبِ مِنْهُ حِينَ أَعْتَقَهُ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصِّدْقِ وَالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمُرْجِعُ وَالْمَآبُ. قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ انْتَهَى شَرْحُ كِتَابَ الْوَلَاءِ بِطَرِيقِ الْإِمْلَاءِ مِنْ الْمُمْتَحَنِ بِأَنْوَاعِ الْبَلَاءِ.

  55. يَسْأَلُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى تَبْدِيلَ الْبَلَاءِ وَالْجَلَاءِ بِالْعِزِّ وَالْعَلَاءِ،

  56. فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ يَسِيرٌ وَهُوَ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الطَّاهِرِينَ.

  1. (قَالَ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَدُّ الزِّنَا لَا يُقَامُ بِالْإِقْرَارِ إلَّا بِالْإِقْرَارِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي أَرْبَعَةِ مَجَالِسَ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يُقَامُ بِالْإِقْرَارِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَقَالَ ابْنُ لَيْلَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يُقَامُ بِالْإِقْرَارِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ،

  2. وَإِنْ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اُغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» ،

  3. وَأَنَّ «الْغَامِدِيَّةَ لَمَّا جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَتْ: إنَّ بِي حَبَلًا مِنْ الزِّنَا، قَالَ: اذْهَبِي حَتَّى تَضَعِي حَمْلَك ثُمَّ رَجَمَهَا» ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْأَقَارِيرَ الْأَرْبَعَةَ وَاعْتُبِرَ هَذَا الْحَقُّ بِسَائِرِ الْحُقُوقِ فَمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، وَمَا لَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ يَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ الْوَاحِدِ.

  4. وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْإِقْرَارَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِالشَّهَادَةِ فِي الْعَدَدِ،

  5. فَإِنَّ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ الْعَدَدَ مُعْتَبَرٌ فِي الشَّهَادَةِ دُونَ الْإِقْرَارِ،

  6. وَكَذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْعَدَالَةُ تُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ دُونَ الْإِقْرَارِ،

  7. وَكَذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الذُّكُورَةُ وَلَفْظُ الشَّهَادَةِ يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ دُونَ الْإِقْرَارِ، وَهَذَا لِأَنَّ زِيَادَةَ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ تَحْصُلُ بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ،

  8. وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِتَكْرَارِ الْكَلَامِ مِنْ وَاحِدٍ، وَفِي أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ، وَهُوَ سُقُوطُ حَدٍّ عَنْ الْقَاذِفِ يُعْتَبَرُ عَدَدُ الْأَرْبَعَةِ فِي الشَّهَادَةِ دُونَ الْإِقْرَارِ، فَكَذَلِكَ فِي الْحُكْمِ الْآخَرِ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اعْتَبَرَ الْإِقْرَارَ بِالشَّهَادَةِ بِعِلَّةِ أَنَّهُ أَحَدُ حُجَّتَيْ الزِّنَا،

  9. ثُمَّ فِي الشَّهَادَةِ الْمُعْتَبَرُ عَدَدُ الْأَرْبَعَةِ دُونَ اخْتِلَافِ الْمَجَالِسِ، فَكَذَلِكَ فِي الْإِقْرَارِ (وَحُجَّتُنَا) فِيهِ

  10. حَدِيثُ «مَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَإِنَّهُ جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَجَاءَ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَجَاءَ إلَى الْجَانِبِ الثَّالِثِ وَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَجَاءَ إلَى الْجَانِبِ الرَّابِعِ وَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ» ، وَفِي رِوَايَةٍ «قَالَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَأَنَّ هَذَا لِلْآخَرِ فَلَمَّا كَانَ فِي الْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْآنَ أَقْرَرْتَ أَرْبَعًا فَبِمَنْ زَنَيْتَ» ، وَفِي رِوَايَةٍ «الْآنَ شَهِدْتَ عَلَى نَفْسِك أَرْبَعًا فَبِمَنْ زَنَيْتَ؟ قَالَ: بِفُلَانَةَ، قَالَ: لَعَلَّكَ قَبَّلْتَهَا أَوْ لَمَسْتَهَا بِشَهْوَةٍ، لَعَلَّك بَاشَرْتَهَا فَأَبَى إلَّا أَنْ يُقِرَّ بِصَرِيحِ الزِّنَا فَقَالَ: أَبِكَ خَبَلٌ؟ أَبِكَ جُنُونٌ؟»

  11. ، وَفِي رِوَايَةٍ «بَعَثَ إلَى أَهْلِهِ هَلْ يُنْكِرُونَ مِنْ عَقْلِهِ شَيْئًا؟ فَقَالُوا: لَا فَسَأَلَ عَنْ إحْصَانِهِ فَوَجَدَهُ مُحْصَنًا فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ» .

  12. فَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْرَضَ عَنْهُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَحَكَمَ بِالرَّابِعَةِ،

  13. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْعَدَدُ مِنْ شَرْطِهِ لَمْ يَسَعْهُ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ عَلَى مَا قَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَنْبَغِي لِوَالٍ عِنْدَهُ حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ أَلَّا يُقِيمَهُ» ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ فِي الْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ لَمَّا تَمَّتْ الْحُجَّةُ كَيْفَ لَمْ يُعْرِضْ عَنْهُ؟

  14. وَلَكِنَّهُ قَالَ: الْآنَ أَقْرَرْت أَرْبَعًا وَاشْتَغَلَ بِطَلَبِ مَا يَدْرَأُ عَنْهُ الْحَدَّ فَحِينَ لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ اشْتَغَلَ بِالْإِقَامَةِ،

  15. وَلَا يُقَالُ: إنَّمَا أَعْرَضَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَحَسَّ بِهِ الْجُنُونَ عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّهُ جَاءَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ثَائِرَ الرَّأْسِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي قَوْلِهِ: " أَبِك خَبَلٌ؟ " ثُمَّ لَمَّا رَأَى إصْرَارَهُ عَلَى كَلَامٍ وَاحِدٍ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِهِ جُنُونٌ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ قَالَ: الْآنَ أَقْرَرْتَ أَرْبَعًا، وَفِي هَذَا تَنْصِيصٌ أَنَّ الْإِعْرَاضَ قَبْلَ هَذَا لِعَدَمِ قِيَامِ الْحُجَّةِ، وَقَدْ جَاءَ تَائِبًا مُسْتَسْلِمًا مُؤْثِرًا عُقُوبَةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا دَلِيلَ جُنُونِهِ؟

  16. وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِطَلَبِ مَا يَدْرَأُ بِهِ عَنْهُ الْحَدَّ، كَمَا لَقَّنَ الْمُقِرَّ الرُّجُوعَ بِقَوْلِهِ: أَسَرَقْت؟ مَا إخَالُهُ سَرَقَ، أَسَرَقْتِ؟ قَوْلِي لَا، وَإِنَّمَا كَانَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ مِنْ الْبَادِيَةِ، وَقَدْ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا عَلَامَةَ الْأَبْرَارِ فَقَالَ «رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرِينَ لَا يُؤْبَهُ بِهِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» وَابْنُ أَبِي لَيْلَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَسْتَدِلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا وَيَقُولُ الْمَذْكُورُ عَدَدُ الْأَقَارِيرِ دُونَ اخْتِلَافِ الْمَجَالِسِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ قَدْ وُجِدَ اخْتِلَافُ مَجَالِسِ الْمُقِرِّ عَلَى مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَرَدَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ حَتَّى تَوَارَى بِحِيطَانِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ رَجَعَ» ، وَفِي رِوَايَةٍ «، قَالَ: اذْهَبْ وَيْلَك فَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ فَذَهَبَ حَتَّى غَابَ عَنْ بَصَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ رَجَعَ» فَالْمُعْتَبَرُ اخْتِلَافُ مَجَالِسِ الْمُقِرِّ دُونَ الْقَاضِي، حَتَّى إذَا غَابَ عَنْ بَصَرِ الْقَاضِي فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَكْفِي هَذَا لِاخْتِلَافِ الْمَجَالِسِ، وَاَلَّذِي رُوِيَ أَنَّهُ أَقَرَّ خَمْسَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّمَا يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى إقْرَارَيْنِ كَانَا مِنْهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَكَانَا

  17. كَإِقْرَارٍ وَاحِدٍ وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ لَهُ أَقْرَرْت ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إنْ أَقْرَرْت الرَّابِعَةَ رَجَمَك رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ: إيَّاكَ وَالرَّابِعَةَ، فَإِنَّهَا مُوجِبَةٌ وَعَنْ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ، قَالَ: كُنَّا أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَتَحَدَّثُ أَنَّ مَاعِزًا لَوْ جَلَسَ فِي بَيْتِهِ بَعْدَ مَا أَقَرَّ ثَلَاثًا مَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَيْهِ مَنْ يَرْجُمُهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اشْتِرَاطَ عَدَدِ الْأَقَارِيرِ كَانَ مَعْرُوفًا فِيمَا بَيْنَهُمْ،

  18. وَأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ:

  19. «فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» الِاعْتِرَافُ الْمَعْرُوفُ فِي الزِّنَا، وَهُوَ أَرْبَعُ مَرَّاتٍ.

  20. وَالصَّحِيحُ مِنْ حَدِيثِ الْغَامِدِيَّةِ أَنَّهَا أَقَرَّتْ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ هَكَذَا ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَّا أَنَّ الْأَقَارِيرَ مِنْهَا كَانَتْ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ قَبْلَ الْوَضْعِ وَبَعْدَ الْوَضْعِ وَبَعْدَ مَا طَهُرَتْ مِنْ نِفَاسِهَا وَبَعْدَ مَا فَطَمَتْ وَلَدَهَا، وَلِهَذَا لَمْ تَتَّفِقْ الرِّوَايَةُ عَلَى نَقْلِ الْأَقَارِيرِ الْأَرْبَعَةِ فِي حَدِيثِهَا، وَاَلَّذِي رُوِيَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَتُرِيدُ أَنْ تَرْدُدَنِي، كَمَا رَدَدْت مَاعِزًا لَا يَكَادُ يَصِحُّ؛

  21. لِأَنَّ تَرْدِيدَ مَاعِزٍ كَانَ حُكْمًا شَرْعِيًّا فَلَا يُظَنُّ بِهَا أَنَّهَا جَاءَتْ لِطَلَبِ التَّطْهِيرِ ثُمَّ تَعْتَرِضُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا هُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَاعْتِبَارُ هَذَا الْحَقِّ بِسَائِرِ الْحُقُوقِ بَاطِلٌ، فَقَدْ ظَهَرَ فِيهَا مِنْ التَّغْلِيظِ مَا لَمْ يَظْهَرْ فِي سَائِرِ الْأَشْيَاءِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ النِّسْبَةَ إلَى هَذَا الْفِعْلِ مُوجِبٌ لِلْحَدِّ

  22. بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَفْعَالِ وَمُوجِبٌ لِلِّعَانِ إذَا حَصَلَ مِنْ الزَّوْجِ فِي زَوْجَتِهِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَفْعَالِ.

  23. وَيُشْتَرَطُ فِي إحْدَى الْحُجَّتَيْنِ مِنْ الْعَدَدِ مَا لَا يُشْتَرَطُ فِي سَائِرِهَا وَكُلُّ ذَلِكَ لِلتَّغْلِيظِ، فَكَذَلِكَ اعْتِبَارُ عَدَدِ الْإِقْرَارِ إلَّا أَنَّ الْعَدَدَ فِي الشَّهَادَةِ يَثْبُتُ حَقِيقَةً وَحُكْمًا بِدُونِ اخْتِلَافِ الْمَجَالِسِ،

  24. وَلَا يَثْبُتُ فِي الْإِقْرَارِ حُكْمًا إلَّا بِاخْتِلَافِ الْمَجَالِسِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ إذَا تَكَرَّرَ مِنْ وَاحِدٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ بِطَرِيقِ الْإِخْبَارِ يُجْعَلُ كَكَلَامٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ مَعْنَى التَّغْلِيظِ بِاشْتِرَاطِ الْعَدَدِ فِي الْإِقْرَارِ الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ لَا فِي الْإِقْرَارِ الْمُسْقِطِ لِلْحَدِّ عَنْ الْقَاذِفِ، أَلَا تَرَى أَنَّ التَّصْرِيحَ بِلَفْظِ الزِّنَا يُعْتَبَرُ فِي الْإِقْرَارِ الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ دُونَ الْمُسْقِطِ؟

  25. وَكَذَلِكَ عَدَدُ الْأَرْبَعَةِ بِالشُّهُودِ حَتَّى إذَا قَذَفَ امْرَأَةً بِالزِّنَا فَشَهِدَ عَلَيْهَا شَاهِدَانِ أَنَّهَا أُكْرِهَتْ عَلَى الزِّنَا سَقَطَ حَدٌّ عَنْ الْقَاذِفِ.

  26. إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَرُدَّ الْمُعْتَرَفَ بِالزِّنَا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ لِحَدِيثِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قَالَ: اُطْرُدُوا الْمُعْتَرَفِينَ بِالزِّنَا،

  27. فَإِذَا عَادَ الرَّابِعَةَ فَأَقَرَّ عِنْدَهُ سَأَلَهُ عَنْ الزِّنَا مَا هُوَ، وَكَيْفَ هُوَ وَبِمَنْ زَنَى وَأَيْنَ زَنَى لِمَا بَيَّنَّا فِي الشَّهَادَةِ إلَّا أَنَّ فِي الْإِقْرَارِ لَا يَسْأَلُهُ مَتَى زَنَى؛ لِأَنَّ حَدَّ الزِّنَا يُقَامُ بِالْإِقْرَارِ بَعْدَ التَّقَادُمِ، وَإِنَّمَا لَا يُقَامُ بِالْبَيِّنَةِ، فَلِهَذَا يُسْأَلُ الشُّهُودُ مَتَى زَنَى،

  28. وَلَا يُسْأَلُ الْمُقِرُّ عَنْ ذَلِكَ،

  29. فَإِذَا وَصَفَهُ وَأَثْبَتَهُ قَالَ لَهُ فَلَعَلَّك تَزَوَّجْتَهَا أَوْ وَطِئْتَهَا

  30. بِشُبْهَةٍ، وَهَذَا فِي مَعْنَى تَلْقِينِ الرُّجُوعِ وَالْإِمَامُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَاعِزٍ لَعَلَّك قَبَّلْتَهَا» ،

  31. فَإِنْ، قَالَ: لَا نَظَرَ فِي عَقْلِهِ وَسَأَلَ أَهْلَهُ عَنْ ذَلِكَ، كَمَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَاعِزٍ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مِنْ الْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ هَدَرٌ، وَالْعَقْلُ لَيْسَ بِمُعَايَنٍ فَلَا بُدَّ لِلْإِمَامِ مِنْ أَنْ يَتَأَمَّلَ فِي ذَلِكَ،

  32. فَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُ صَحِيحُ الْعَقْلِ يَسْأَلُ عَنْ الْإِحْصَانِ؛ لِأَنَّ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْعُقُوبَةِ يَخْتَلِفُ بِإِحْصَانِهِ وَعَدَمِ إحْصَانِهِ، وَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَعَسَى يُقَرِّبُهُ وَلَا يَطُولُ الْأَمْرُ عَلَى الْقَاضِي فِي طَلَبِ الْبَيِّنَةِ عَلَى إحْصَانِهِ،

  33. فَإِذَا قَالَ: أَحْصَنْت اسْتَفْسَرَهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْإِحْصَانِ يَنْطَلِقُ عَلَى خِصَالٍ، وَرُبَّمَا لَا يَعْرِفُ الْمُقِرُّ بَعْضَهَا فَيَسْأَلُهُ لِهَذَا،

  34. فَإِذَا فَسَّرَهُ أَمَرَ بِرَجْمِهِ،

  35. فَإِذَا رُجِمَ غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَحُنِّطَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَقْتُولٌ بِحَقٍّ فَيُصْنَعُ بِهِ مَا يُصْنَعُ بِالْمَوْتَى.

  36. «وَقَدْ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ غُسْلِ مَاعِزٍ وَتَكْفِينِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَقَالَ: اصْنَعُوا بِهِ مَا تَصْنَعُونَ بِمَوْتَاكُمْ» زَادَ فِي رِوَايَةٍ «وَلَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ تَوْبَتُهُ عَلَى أَهْلِ الْحِجَازِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَفِي رِوَايَةٍ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَقَدْ رَأَيْته يَنْغَمِسُ فِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ» ، وَرُوِيَ «أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ الصَّحَابَةِ قَالَا فِيمَا بَيْنَهُمَا: مَا رَكَنَتْ نَفْسُهُ حَتَّى جَاءَ وَاعْتَرَفَ فَقُتِلَ كَمَا يُقْتَلُ الْكِلَابُ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَكَتَ حَتَّى مَرُّوا بِحِمَارٍ مَيِّتٍ فَقَالَ لِلرَّجُلَيْنِ: انْزِلَا فَكُلَا فَقَالَا: إنَّهَا مَيِّتَةٌ، فَقَالَ: تَنَاوُلُكُمَا مِنْ عِرْضِ أَخِيكُمَا أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ»

  37. (قَالَ) فَإِنْ أَمَرَ بِرَجْمِهِ فَرَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ دُرِئَ حَدٌّ عَنْهُ عِنْدَنَا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يُدْرَأُ عَنْهُ حَدٌّ بِرُجُوعِهِ،

  38. وَكَذَلِكَ الْخِلَافُ فِي كُلِّ حَدٍّ هُوَ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَاعْتُبِرَ هَذَا الْإِقْرَارُ بِسَائِرِ الْحُقُوقِ مِمَّا لَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ أَوْ يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ كَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ فَالرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ بَاطِلٌ فِي هَذَا كُلِّهِ.

  39. (وَحُجَّتُنَا) فِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَّنَ الْمُقِرَّ بِالسَّرِقَةِ الرُّجُوعَ» ،

  40. فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ رُجُوعُهُ لَمَا لَقَّنَهُ ذَلِكَ، فَقَدْ رَوَيْنَا «أَنَّ مَاعِزًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا هَرَبَ انْطَلَقَ الْمُسْلِمُونَ فِي أَثَرِهِ فَرَجَمُوهُ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلَّا خَلَّيْتُمْ سَبِيلَهُ» ، وَلِأَنَّ الرُّجُوعَ بَعْدَ الْإِقْرَارِ إنَّمَا لَا يَصِحُّ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ لِوُجُودِ خَصْمٍ يُصَدِّقُهُ فِي الْإِقْرَارِ وَيُكَذِّبُهُ فِي الرُّجُوعِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِيمَا هُوَ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَيَتَعَارَضُ كَلَامَاهُ الْإِقْرَارُ وَالرُّجُوعُ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَمَثِّلٌ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَالشُّبْهَةُ تَثْبُتُ بِالْمُعَارِضَةِ

  41. (قَالَ) وَإِذَا أَقَرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي أَرْبَعَةِ مَجَالِسَ وَأَنْكَرَ الْإِحْصَانَ وَشَهِدَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ بِالْإِحْصَانِ يُرْجَمُ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ أَقْوَى مِنْ الثَّابِتِ بِالْإِقْرَارِ،

  42. وَلَا يُجْعَلُ إنْكَارُهُ لِلْإِحْصَانِ رُجُوعًا مِنْهُ عَنْ

  43. الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا؛ لِأَنَّهُ مُصِرٌّ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا وَالْتِزَامُ الْعُقُوبَةِ مَعَ إنْكَارِ الْإِحْصَانِ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ الْإِحْصَانَ، وَقَدْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ،

  44. وَلَوْ أَقَرَّ بِالْإِحْصَانِ بَعْدَ إنْكَارِهِ كَانَ يُرْجَمُ، فَكَذَلِكَ إذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ

  45. الْمَرْأَةُ الَّتِي أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِهَا غَائِبَةً

  46. (قَالَ) فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ الَّتِي أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِهَا غَائِبَةً فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يُحَدَّ الرَّجُلُ؛ لِأَنَّهَا لَوْ حَضَرَتْ رُبَّمَا ادَّعَتْ شُبْهَةَ نِكَاحٍ مُسْقِطَةٍ لِلْحَدِّ عَنْهَا فَلَا يُقَامُ حَدٌّ فِي مَوْضِعِ الشُّبْهَةِ،

  47. وَقِيلَ: هَذَا قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى قِيَاسِ مَسْأَلَةِ السَّرِقَةِ إذَا قَالَ: سَرَقْت أَنَا وَفُلَانٌ مَالَ فُلَانٍ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُقَامُ عَلَيْهِ حَدٌّ «لِحَدِيثِ مَاعِزٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُحْضِرْ الْمَرْأَةَ الَّتِي أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِهَا وَلَكِنْ أَمَرَ بِرَجْمِهِ» ، وَفِي «حَدِيثِ الْعَسِيفِ أَوْجَبَ الْجَلْدَ عَلَى ابْنِ الرَّجُلِ ثُمَّ قَالَ: اُغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» فَدَلَّ أَنَّ حُضُورَ الْمَرْأَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَهَذَا؛

  48. لِأَنَّ مَا مِنْ شُبْهَةٍ تَدَّعِيهَا إذَا حَضَرَتْ فَالرَّجُلُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ أَنْ يَدَّعِيَ ذَلِكَ، وَتَوَهُّمُ أَنْ تَحْضُرَ فَتَدَّعِي الشُّبْهَةَ كَتَوَهُّمِ أَنْ يَرْجِعَ الْمُقِرُّ عَنْ إقْرَارِهِ.

  49. فَكَمَا لَا يَمْتَنِعُ إقَامَةُ حَدٍّ عَلَى الْمُقِرِّ لِتَوَهُّمِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ، فَكَذَلِكَ هَذَا،

  50. وَإِنْ جَاءَتْ الْمَرْأَةُ بَعْدَ مَا حُدَّ الرَّجُلُ فَادَّعَتْ النِّكَاحَ وَطَلَبَتْ الْمَهْرَ لَمْ يَكُنْ لَهَا الْمَهْرُ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ حَكَمَ بِأَنَّ فِعْلَهُ كَانَ زِنًى بِهَا حِينَ أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَالزِّنَا لَا يُوجِبُ الْمَهْرَ وَهِيَ تَدَّعِي إبْطَالَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِقَوْلِهَا

  51. (قَالَ) أَرْبَعَةٌ فُسَّاقٌ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا وَأَقَرَّ هُوَ مَرَّةً وَاحِدَةً فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْحُجَّةِ،

  52. فَإِنَّ الْحُجَّةَ الْأَقَارِيرُ الْأَرْبَعَةُ أَوْ شَهَادَةُ أَرْبَعَةٍ عُدُولٍ،

  53. وَلَا يُقَالُ: إقْرَارُهُ مَرَّةً وَاحِدَةً تَعْدِيلٌ مِنْهُ لِلشُّهُودِ وَتَصْدِيقٌ لَهُمْ فَيَنْبَغِي أَنْ يَلْتَحِقُوا بِالْعُدُولِ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي بِشَهَادَةِ الْفُسَّاقِ،

  54. وَإِنْ رَضِيَ بِهِ الْخَصْمُ،

  55. فَإِنَّ التَّوَقُّفَ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ وَاجِبٌ بِالنَّصِّ فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِ ثُمَّ إقْرَارُهُ مَانِعٌ مِنْ الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ تَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْمُنْكِرِ دُونَ الْمُقِرِّ إلَّا إنَّهُ إذَا كَانَ الشُّهُودُ عُدُولًا يُجْعَلُ الْإِقْرَارُ الْوَاحِدُ كَالْمَعْدُومِ لَمَّا لَمْ يَتَبَيَّنْ بِهِ سَبَبُ حَدٍّ فَيَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ،

  56. وَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ عُدُولًا لَمْ يَذْكُرْ فِي الْأَصْلِ وَذَكَرَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ قَدْ بَطَلَتْ بِإِقْرَارِهِ لِكَوْنِهِ حُجَّةً عَلَى الْمُنْكِرِ لَا عَلَى الْمُقِرِّ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُحَدُّ؛

  57. لِأَنَّ الشُّهُودَ عُدُولٌ فَاسْتَغْنَى عَنْ إقْرَارِهِ فَبَطَلَ الْإِقْرَارُ،

  58. وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي شَهَادَةِ الْفَاسِقِ.

  59. (فَإِنْ قِيلَ) فَبِالْإِقْرَارِ الْوَاحِدِ إذَا لَمْ يَثْبُتْ الْحَدُّ يَثْبُتُ الْوَطْءُ الْمُوجِبُ لِلْمَهْرِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْتَبَرَ ذَلِكَ،

  60. وَإِنْ كَرَّرَ الْإِقْرَارَ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ إسْقَاطَ الْمَهْرِ عَنْ نَفْسِهِ فَيَكُونُ مُتَّهَمًا، وَهُوَ نَظِيرُ مَا قُلْتُمْ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي السَّرِقَةِ

  61. أَنَّهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ الْحَدُّ فَبِالْإِقْرَارِ الْوَاحِدِ يَجِبُ الضَّمَانُ فَلَا يُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي إسْقَاطِ الضَّمَانِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ إقْرَارِهِ بِالزِّنَا مُرَاعًى مِنْ حَيْثُ إنَّ الزِّنَا غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْمَهْرِ فَإِنْ تَمَّ عَدَدُ الْأَرْبَعَةِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لِلْمَهْرِ،

  62. وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ كَانَ مُوجِبًا لِلْمَهْرِ، كَمَا أَنَّهُ بَعْدَ تَمَامِ الْإِقْرَارِ إنْ رَجَعَ تَبَيَّنَ أَنَّ الْوَاجِبَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَدٌّ

  63. بِخِلَافِ السَّرِقَةِ، فَإِنَّ نَفْسَ الْأَخْذِ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ، وَإِنَّمَا سَقَطَ الضَّمَانُ لِضَرُورَةِ اسْتِيفَاءِ الْقَطْعِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ

  64. (قَالَ) وَإِذَا وَطِئَ الرَّجُلُ جَارِيَةَ وَلَدِهِ وَقَالَ: عَلِمْت أَنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ لَا يُحَدُّ لِلشُّبْهَةِ الْحُكْمِيَّةِ الَّتِي تَمَكَّنَتْ فِي الْمَوْطُوءَةِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنْتَ، وَمَالُك لِأَبِيك» وَكَيْف يَجِبُ الْحَدُّ؟

  65. وَلَوْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ ثَبَتَ النَّسَبُ وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ.

  66. وَإِنْ وَطِئَ جَارِيَةَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ أَوْ امْرَأَتِهِ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُمَا كَانَا يَعْلَمَانِ بِحُرْمَةِ الْفِعْلِ فَعَلَيْهِمَا الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ هُنَا فِي الْمَحَلِّ، وَإِنَّمَا الشُّبْهَةُ مِنْ حَيْثُ الِاشْتِبَاهُ فَلَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا إذَا لَمْ يُشْتَبَهْ،

  67. فَأَمَّا إذَا قَالَ الْوَاطِئُ: ظَنَنْت أَنَّهَا تَحِلُّ لِي، أَوْ قَالَتْ الْجَارِيَةُ: ظَنَنْت أَنَّهُ يَحِلُّ لِي، لَا حَدَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ شُبْهَةَ الِاشْتِبَاهِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ مُعْتَبَرٌ بِالشُّبْهَةِ الْحُكْمِيَّةِ وَدَعْوَى الشُّبْهَةِ الْحُكْمِيَّةِ مِنْ أَحَدِهِمَا يُسْقِطُ الْحَدَّ عَنْهُمَا، فَكَذَلِكَ شُبْهَةُ الِاشْتِبَاهِ.

  68. وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدَهُ رَجُلٌ أَنَّهُ وَطِئَ جَارِيَةَ أُمِّهِ فَقَالَ لَهُ: أَوَطِئْتَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، حَتَّى قَالَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَأَمَرَ بِضَرْبِهِ الْحَدَّ.

  69. وَخَطَّأَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذَا الْقَضَاءَ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ بِإِقْرَارِهِ بِلَفْظِ الْوَطْءِ لَا يَلْزَمُهُ الْحَدُّ مَا لَمْ يُقِرَّ بِصَرِيحِ الزِّنَا، وَالثَّانِي: وَهُوَ أَنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ الْإِقْرَارَ فِي هَذَا الْبَابِ بِقَوْلِهِ: أَفَعَلْت، بَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ إلَى تَلْقِينِ الرُّجُوعِ، وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ عَنْ عِلْمِهِ بِحُرْمَتِهَا وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقِيمَ الْحَدَّ مَا لَمْ يَعْلَمْ عِلْمَهُ بِحُرْمَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ

  70. (قَالَ) ، وَلَوْ وَطِئَ جَارِيَةَ أَخِيهِ أَوْ أُخْتِهِ وَقَالَ: ظَنَنْت أَنَّهَا تَحِلُّ لِي فَعَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَوْضِعِ الِاشْتِبَاهِ،

  71. وَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي حُكْمِ الْمِلْكِ كَالْأَجْنَبِيِّ.

  72. (قَالَ) فِي الْأَصْلِ، وَلَمْ يَجْعَلْ هَذَا كَالسَّرِقَةِ يَعْنِي إذَا سَرَقَ مَالَ أَخِيهِ أَوْ أُخْتِهِ لَا يُقْطَعُ ثُمَّ أَجَابَ وَقَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ زَنَى بِأُخْتِهِ وَعَمَّتِهِ حَدَدْته،

  73. وَلَوْ سَرَقَ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لَمْ أَقْطَعْهُ؟ وَإِنَّمَا أَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّ فِي حَدِّ السَّرِقَةِ لَا بُدَّ مِنْ هَتْكِ الْحِرْزِ، وَالْإِحْرَازُ لَا يَتِمُّ فِي حَقِّ ذِي الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يَدْخُلُ بَيْتَ بَعْضٍ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ وَحِشْمَةٍ بِخِلَافِ حَدِّ الزِّنَا

  74. وَطِئَ جَارِيَةَ وَلَدِ وَلَدِهِ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ

  75. (قَالَ) وَإِنْ وَطِئَ جَارِيَةَ وَلَدِ وَلَدِهِ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ فَإِنْ كَانَ الْأَبُ حَيًّا لَمْ تَثْبُتْ دَعْوَةُ الْجَدِّ إذَا كَذَّبَهُ وَلَدُ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الِاسْتِيلَادِ تُبْنَى عَلَى وِلَايَةِ نَقْلِ الْجَارِيَةِ إلَى نَفْسِهِ وَلَيْسَ لِلْجَدِّ وِلَايَةُ ذَلِكَ فِي حَيَاةِ الْأَبِ وَلَكِنْ

  76. إنْ أَقَرَّ بِهِ وَلَدُ الْوَلَدِ عَتَقَ بِإِقْرَارِهِ؛ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ ثَابِتُ النَّسَبِ مِنْ الْجَدِّ، وَأَنَّهُ عَمُّهُ فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالْقَرَابَةِ،

  77. وَلَا شَيْءَ عَلَى الْجَدِّ مِنْ قِيمَةِ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَمَلَّكْهَا وَعَلَيْهِ الْعُقْرُ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ قَدْ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ وَسَقَطَ حَدٌّ لِلشُّبْهَةِ الْحُكْمِيَّةِ، وَهُوَ الْبُنُوَّةُ فَيَجِبُ الْعُقْرُ،

  78. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ وَلَدَتْهُ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّا عَلِمْنَا أَنَّ الْعُلُوقَ كَانَ فِي حَيَاةِ الْأَبِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلْجَدِّ عِنْدَ ذَلِكَ وِلَايَةُ نَقْلِهَا إلَى نَفْسِهِ،

  79. وَإِنْ وَلَدَتْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَهُوَ مُصَدَّقٌ فِي الدَّعْوَةِ، صَدَّقَهُ ابْنُ الْأَبِ أَوْ كَذَّبَهُ؛ لِأَنَّ الْعُلُوقَ بِهِ إنَّمَا حَصَلَ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ، وَالْجَدُّ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ فِي الْوِلَايَةِ فَلَهُ أَنْ يَنْقُلَهَا إلَى نَفْسِهِ بِدَعْوَةِ الِاسْتِيلَادِ

  80. شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى زِنًى قَدِيمٍ

  81. (قَالَ) ، وَإِذَا شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى زِنًى قَدِيمٍ لَمْ أُحِدَّ بِشَهَادَتِهِمْ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا، وَلَمْ أُحِدَّهُمْ أَيْضًا؛ لِأَنَّ عَدَدَهُمْ مُتَكَامِلٌ وَالْأَهْلِيَّةُ لِلشَّهَادَةِ مَوْجُودَةٌ وَذَلِكَ يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُمْ قَذْفًا

  82. وَإِنْ أَقَرَّ بِزِنًى قَدِيمٍ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أُقِيم عَلَيْهِ الْحَدُّ عِنْدَنَا، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يُقَامُ اعْتِبَارًا لِحُجَّةِ الْإِقْرَارِ بِحُجَّةِ الْبَيِّنَةِ،

  83. فَإِنَّ الشُّهُودَ كَمَا نَدَبُوا إلَى السَّتْرِ فَالْمُرْتَكِبُ لِلْفَاحِشَةِ أَيْضًا مَنْدُوبٌ إلَى السَّتْرِ عَلَى نَفْسِهِ، قَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ» ، وَلَكِنَّا نَسْتَدِلُّ بِآخِرِ الْحَدِيثِ حَيْثُ قَالَ «وَمَنْ أَبْدَى لَنَا صَفْحَةً أَقَمْنَا عَلَيْهِ حَدُّ اللَّهِ» ، وَهَذَا قَدْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ بِإِقْرَارِهِ،

  84. وَإِنْ كَانَ تَقَادَمَ الْعَهْدُ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ التُّهْمَةَ تَنْتَفِي عَنْ إقْرَارِهِ،

  85. وَإِنْ كَانَ بَعْدَ تَقَادُمِ الْعَهْدِ،

  86. فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُعَادِي نَفْسَهُ عَلَى وَجْهٍ يَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلَى هَتْكِ سِتْرِهِ بَلْ إنَّمَا يَحْمِلُهُ عَلَى ذَلِكَ النَّدَمُ وَإِيثَارُ عُقُوبَةِ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ

  87. بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ، فَبِتَقَادُمِ الْعَهْدِ هُنَاكَ تَتَمَكَّنُ التُّهْمَةُ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْعَدَاوَةَ حَمَلَتْهُمْ عَلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ بَعْدَ مَا اخْتَارُوا السَّتْرَ عَلَيْهِ وَهُنَا كَانَ إصْرَارُهُ يَمْنَعُهُ عَنْ الْإِقْرَارِ ثُمَّ النَّدَمُ وَالتَّوْبَةُ حَمَلَهُ عَلَى الْإِقْرَارِ بَعْدَ تَقَادُمِ الْعَهْدِ

  88. (قَالَ) وَالذِّمِّيُّ وَالْعَبْدُ فِي الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا كَالْحُرِّ الْمُسْلِمِ،

  89. وَأَمَّا الذِّمِّيُّ فَحُرْمَةُ الزِّنَا ثَابِتٌ فِي حَقِّهِ، كَمَا هُوَ ثَابِتٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَإِقْرَارُهُ مُلْزِمٌ أَيْضًا كَإِقْرَارِ الْمُسْلِمِ فَأَمَّا الْعَبْدُ فَإِقْرَارُهُ بِالزِّنَا يَصِحُّ عِنْدَنَا مُوجِبًا لِلْحَدِّ عَلَيْهِ مَأْذُونًا كَانَ أَوْ مَحْجُورًا، وَعِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَصِحُّ؛

  90. لِأَنَّ نَفْسَهُ مَمْلُوكَةٌ لِلْمَوْلَى وَبِهَذَا الْإِقْرَارُ يَتَضَرَّرُ الْمَوْلَى مِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَنْتَقِصُ مَالِيَّتُهُ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمَالِ إذَا كَانَ مَحْجُورًا، فَكَذَلِكَ بِالْحَدِّ، وَلَكِنَّا نَقُولُ مَا لَا يَمْلِكُهُ الْمَوْلَى عَلَى عَبْدِهِ فَالْعَبْدُ فِيهِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْحُرِّ كَطَلَاقِ زَوْجَتِهِ

  91. بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ بِالْمَالِ، فَإِنَّ الْمَوْلَى يَمْلِكُهُ عَلَيْهِ ثُمَّ وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَى الْعَبْدِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ نَفْسٌ مُخَاطَبَةٌ، وَفِيمَا يَرْجِعُ إلَى ذَلِكَ هُوَ كَالْحُرِّ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ بِالْإِقْرَارِ عَلَى

  92. نَفْسِهِ بِالْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلْعُقُوبَةِ، وَلِأَنَّ مَا يَلْحَقُهُ مِنْ الضَّرَرِ فِي ذَلِكَ فَوْقَ مَا يَلْحَقُ الْمَوْلَى فَلِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ حَكَمْنَا بِصِحَّةِ إقْرَارِهِ بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ بِالْمَالِ

  93. (قَالَ) وَلَا يُؤْخَذُ الْأَخْرَسُ بِحَدِّ الزِّنَا،

  94. وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ الْحُدُودِ،

  95. وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ بِإِشَارَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ شَهِدْت بِهِ عَلَيْهِ شُهُودٌ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُؤْخَذُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ نَفْسٌ مُخَاطَبَةٌ فَهُوَ كَالْأَعْمَى أَوْ أَقْطَعَ الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: إذَا أَقَرَّ بِهِ بِالْإِشَارَةِ فَالْإِشَارَةُ بَدَلٌ عَنْ الْعِبَارَةِ وَالْحَدُّ لَا يُقَامُ بِالْبَدَلِ، وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّصْرِيحِ بِلَفْظَةِ الزِّنَا فِي الْإِقْرَارِ وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي إشَارَةِ الْأَخْرَسِ إنَّمَا الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ إشَارَتِهِ الْوَطْءُ،

  96. فَلَوْ أَقَرَّ النَّاطِقُ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ لَا يَلْزَمُهُ الْحَدُّ، فَكَذَلِكَ الْأَخْرَسُ،

  97. وَكَذَلِكَ إنْ كَتَبَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ تَتَرَدَّدُ وَالْكِتَابَةُ قَائِمَةٌ مَقَامَ الْعِبَارَةِ وَالْحَدُّ لَا يُقَامُ بِمِثْلِهِ،

  98. وَكَذَلِكَ إنْ شَهِدَتْ الشُّهُودُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَاطِقًا رُبَّمَا يَدَّعِي شُبْهَةً تَدْرَأُ الْحَدَّ وَلَيْسَ كُلُّ مَا يَكُونُ فِي نَفْسِهِ يَقْدِرُ عَلَى إظْهَارِهِ بِالْإِشَارَةِ،

  99. فَلَوْ أَقَمْنَا عَلَيْهِ كَانَ إقَامَةَ الْحَدِّ مَعَ تَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ،

  100. وَلَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي الْأَعْمَى وَالْأَقْطَعِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ إظْهَارِ دَعْوَى الشُّبْهَةِ.

  101. وَاَلَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَصِحَّاءِ يَلْزَمُهُ الْحَدُّ بِالزِّنَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ سَوَاءٌ أَقَرَّ بِهِ أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ الشُّهُودُ.

  102. وَإِنْ قَالَ: زَنَيْت فِي حَالِ جُنُونِي لَمْ يُحَدَّ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْإِقْرَارَ إلَى حَالَةٍ مَعْهُودَةٍ، وَهُوَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِالْتِزَامِ الْعُقُوبَةِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِكَوْنِهِ مَرْفُوعٌ الْقَلَمُ عَنْهُ، فَهُوَ كَالْبَالِغِ إذَا قَالَ: زَنَيْتُ وَأَنَا صَبِيٌّ،

  103. وَكَذَلِكَ الَّذِي أَسْلَمَ إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ يَزْنِي فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْإِقْرَارَ إلَى حَالَةٍ تُنَافِي الْتِزَامَ الْعُقُوبَةِ بِالزِّنَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَحْتَ وِلَايَةِ الْإِمَامِ،

  104. وَلَا كَانَ مُلْتَزِمًا حُكْمَ الْإِسْلَامِ

  105. أقر الْمَجْبُوب بِالزِّنَا

  106. (قَالَ) ، وَإِنْ أَقَرَّ الْمَجْبُوبُ بِالزِّنَا لَا يُحَدُّ؛ لِأَنَّا نَتَيَقَّنُ بِكَذِبِهِ فَالْمَجْبُوبُ لَيْسَ لَهُ آلَةُ الزِّنَا فَالتَّيَقُّنُ بِكَذِبِهِ أَكْثَرُ تَأْثِيرًا مِنْ رُجُوعِهِ عَنْ الْإِقْرَارِ

  107. (قَالَ) وَإِنْ أَقَرَّ الْخَصِيُّ بِالزِّنَا أَوْ شَهِدَتْ بِهِ عَلَيْهِ الشُّهُودُ حُدَّ؛ لِأَنَّ لِلْخَصِيِّ آلَةُ الزِّنَا، وَإِنَّمَا يَنْعَدِمُ بِالْخَصِيِّ الْإِنْزَالُ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي إتْمَامِ فِعْلِ الزِّنَا فَيَلْزَمُهُ مِنْ حَدٍّ مَا يَلْزَمُ الْفَحْلَ

  108. وَإِنْ قَالَ الْعَبْدُ بَعْدَ عِتْقِهِ: زَنَيْت وَأَنَا عَبْدٌ لَزِمَهُ حَدُّ الْعَبِيدِ؛ لِأَنَّهُ مُصَدَّقٌ فِي إضَافَةِ الْإِقْرَارِ إلَى حَالَةِ الرِّقِّ لِكَوْنِهَا حَالَةً مَعْهُودَةً فِيهِ،

  109. ثُمَّ الثَّابِتُ بِإِقْرَارِهِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ،

  110. وَلَوْ عَايَنَاهُ زَنَى فِي حَالَةِ رِقِّهِ ثُمَّ عَتَقَ كَانَ عَلَيْهِ حَدُّ الْعَبِيدِ فَهَذَا مِثْلُهُ

  111. (قَالَ) وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَنَّهُ زَنَى بِفُلَانَةَ، وَقَالَتْ كَذَبَ مَا زَنَى بِي،

  112. وَلَا أَعْرِفُهُ لَمْ يُحَدَّ الرَّجُلُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يُحَدُّ لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ «أَنَّ رَجُلًا أَقَرَّ بِالزِّنَا بِامْرَأَةٍ وَأَنْكَرَتْ فَحَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ» ، وَلِأَنَّ الزِّنَا

  113. فِعْلَانِ مِنْ الزَّانِيَيْنِ وَفِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَظْهَرُ بِإِقْرَارِهِ مُوجِبًا لِلْحَدِّ عَلَيْهِ فَإِنْكَارُهَا لَا يُؤَثِّرُ فِي إقْرَارِهِ، وَأَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ بِإِنْكَارِهَا ظُهُورُ الزِّنَا فِي حَقِّهَا، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْحَدِّ عَلَى الرَّجُلِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ حَاضِرَةً سَاكِتَةً أَوْ غَائِبَةً، وَكَمَا لَوْ قَالَتْ: زَنَى بِي مُسْتَكْرَهَةً يَجِبُ الْحَدُّ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: فِعْلُ الزِّنَا مِنْ الرَّجُلِ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْمَحَلِّ وَبِإِنْكَارِهَا قَدْ انْتَفَى فِي جَانِبِهَا فَيَنْتَفِي فِي جَانِبِهِ أَيْضًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ انْتَفَى صِفَةُ الزِّنَا فِي جَانِبِهَا بِدَعْوِي النِّكَاحِ سَقَطَ الْحَدُّ عَنْهُمَا؟

  114. فَإِذَا انْتَفَى أَصْلُ الْفِعْلِ أَوْلَى، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ بِالزِّنَا بِهَا مَعَ إنْكَارِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهَا تَبْقَى مُحْصَنَةً لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ بِالزِّنَا بِغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ بِذَلِكَ، وَبِدُونِ الْقَضَاءِ بِالزِّنَا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إقَامَةِ الْحَدِّ.

  115. وَفِي الْغَائِبَةِ قِيَاسُ اسْتِحْسَانٍ وَالْفَصْلُ الْمُسْتَحْسَنُ لَا يَدْخُلُ عَلَى طَرِيقَةِ الْقِيَاسِ ثُمَّ بِغَيْبَتِهَا وَاسْتِكْرَاهِهَا لَا يَنْتَفِي الْفِعْلُ فِي جَانِبِهَا وَبِإِنْكَارِهَا يَنْتَفِي، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَقَرَّ لِإِنْسَانٍ بِشَيْءٍ وَكَذَّبَهُ بَطَلَ إقْرَارُهُ؟ حَتَّى لَوْ صَدَّقَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ،

  116. وَلَوْ كَانَ غَائِبًا أَوْ حَاضِرًا سَاكِتًا لَمْ يَبْطُلْ بِهِ الْإِقْرَارُ حَتَّى إذَا صَدَّقَهُ عَمِلَ بِتَصْدِيقِهِ، وَهَذَا

  117. بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَتْ زَنَى بِي مُسْتَكْرَهَةً؛ لِأَنَّ الْمَحَلِّيَّةَ وَأَصْلَ الْفِعْلِ هُنَاكَ قَدْ ظَهَرَ فِي حَقِّهَا، وَلِهَذَا سَقَطَ إحْصَانُهَا بِهِ وَحَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَدْ ضَعَّفَهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ،

  118. ثُمَّ تَأْوِيلُ الْحَدِيثِ أَنَّهَا أَنْكَرَتْ وَطَالَبَتْهُ بِحَدِّ الْقَذْفِ فَحَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَذْفِهِ إيَّاهَا بِالزِّنَا لَا بِإِقْرَارِهِ بِالزِّنَا عَلَى نَفْسِهِ

  119. وَعَلَى هَذَا لَوْ أَقَرَّتْ امْرَأَةٌ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فُلَانٌ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَأَنْكَرَ الرَّجُلُ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي بَيَّنَّا فِي إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا، وَكَلَامُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُنَا أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْمُبَاشِرَ لِلْفِعْلِ هُوَ الرَّجُلُ فَلَا يَثْبُتُ أَصْلُ الْفِعْلِ مَعَ إنْكَارِهِ،

  120. وَإِنْ قَالَ الرَّجُلُ صَدَقَتْ حُدَّتْ الْمَرْأَةُ، وَلَمْ يُحَدَّ الرَّجُلُ؛ لِأَنَّهُ بِالتَّصْدِيقِ صَارَ مُقِرًّا بِالزِّنَا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ بِالْإِقْرَارِ الْوَاحِدِ لَا يُقَامُ الْحَدُّ

  121. (قَالَ) الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ فِي دَارِنَا إذَا أَقَرَّ بِالزِّنَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْخِلَافَ فِي هَذَا فِي الْبَيِّنَةِ، فَكَذَلِكَ فِي الْإِقْرَارِ، وَعَلَّلَ فِي الْأَصْلِ فَقَالَ بِأَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْخَرَاجُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى ثُمَّ لَا تُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْتَأْمَنِ عَرَفْنَا أَنَّهُ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ مَا هُوَ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى

  122. (قَالَ) وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَزَنَى هُنَاكَ بِمُسْلِمَةٍ أَوْ ذِمِّيَّةٍ ثُمَّ خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَأَقَرَّ بِهِ لَمْ يُحَدَّ، وَهَذَا عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُحَدَّ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ مُلْتَزَمٌ لِأَحْكَامِ الْإِسْلَامِ حَيْثُ مَا كَانَ،

  123. وَمِنْ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَى الزَّانِي، وَلَكِنَّا نَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُقَامُ الْحُدُودُ

  124. فِي دَارِ الْحَرْبِ» وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْوُجُوبَ لَا يُرَادُ لِعَيْنِهِ بَلْ لِلِاسْتِيفَاءِ، وَقَدْ انْعَدَمَ الْمُسْتَوْفِي؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى نَفْسِهِ وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ وِلَايَةٌ عَلَى مَنْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِيُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدَّ فَامْتَنَعَ الْوُجُوبُ لِانْعِدَامِ الْمُسْتَوْفِي،

  125. وَإِذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ حِينَ بَاشَرَ السَّبَبَ لَا يَجِبُ بَعْدَ ذَلِكَ،

  126. وَإِنْ خَرَجَ إلَى دَارِنَا

  127. (قَالَ) وَكَذَلِكَ سَرِيَّةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ دَخَلَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَزَنَى رَجُلٌ مِنْهُمْ هُنَاكَ أَوْ كَانُوا عَسْكَرًا؛ لِأَنَّ أَمِيرَ الْعَسْكَرِ وَالسَّرِيَّةِ إنَّمَا فُوِّضَ إلَيْهِ تَدْبِيرُ الْحَرْبِ، وَمَا فُوِّضَ إلَيْهِ إقَامَةُ الْحُدُودِ،

  128. وَأَمَّا إذَا كَانَ الْخَلِيفَةُ غَزَا بِنَفْسِهِ أَوْ كَانَ أَمِيرُ مِصْرٍ يُقِيمُ الْحُدُودَ عَلَى أَهْلِهِ،

  129. فَإِذَا غَزَا بِجُنْدِهِ فَإِنَّهُ يُقِيمُ الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ جُنْدِهِ تَحْتَ وِلَايَتِهِ فَمَنْ ارْتَكَبَ مِنْهُمْ مُنْكَرًا مُوجِبًا لِلْعُقُوبَةِ يُقِيمُ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ، كَمَا يُقِيمُهَا فِي دَارِ - الْإِسْلَامِ هَذَا إذَا زَنَى فِي الْمُعَسْكَرِ،

  130. وَأَمَّا إذَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ وَفَعَلَ ذَلِكَ خَارِجًا مِنْ الْمُعَسْكَرِ لَا يُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْمَنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ

  131. (قَالَ) ، وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ زَنَى أَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي مُعَسْكَرِ أَهْلِ الْبَغْيِ مِنْهُمْ،

  132. وَلَا مَنْ كَانَ تَاجِرًا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَأُمَرَاؤُهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ يَدَ إمَامِ أَهْلِ الْعَدْلِ لَا تَصِلُ إلَيْهِمْ لِمَنَعَةِ أَهْلِ الْبَغْيِ وَوِلَايَتُهُ فِي الِاسْتِيفَاءِ مُنْقَطِعَةٌ لِقُصُورِ يَدِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْوُجُوبَ لِلِاسْتِيفَاءِ،

  133. فَإِذَا انْعَدَمَ الْمُسْتَوْفِي امْتَنَعَ الْوُجُوبُ، كَمَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ،

  134. وَإِنْ كَانَ خُرُوجُهُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ أَوْ مِنْ عَسْكَرِ أَهْلِ الْبَغْيِ بَعْدَ تَطَاوُلِ الْمُدَّةِ فَلَا إشْكَالَ فِي أَنَّهُ يَدْرَأُ الْعُقُوبَةَ إذَا تَطَاوَلَتْ الْمُدَّةَ فِي حَدِّ الشُّرْبِ سَوَاءٌ ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ، وَفِي حَدِّ الزِّنَا إذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ

  135. (قَالَ) وَيُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الْعَبْدِ إذَا أَقَرَّ بِالزِّنَا أَوْ بِغَيْرِهِ مِمَّا يُوجِبُ الْحَدَّ،

  136. وَإِنْ كَانَ مَوْلَاهُ غَائِبًا،

  137. وَكَذَلِكَ الْقَطْعُ وَالْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ النَّفْسِيَّةِ فِي مَحَلٍّ لَا حَقَّ لِلْمَوْلَى فِيهِ،

  138. فَإِنَّ حَقَّ الْمَوْلَى فِي الْمَالِيَّةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ فِي حُكْمِ النَّفْسِيَّةِ هُوَ وَالْحُرُّ سَوَاءٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يُفَرِّقَانِ بَيْنَ حُجَّةِ الْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ لِلْمَوْلَى حَقَّ الطَّعْنِ فِي الْبَيِّنَةِ دُونَ الْإِقْرَارِ،

  139. وَأَنَّ الْإِقْرَارَ مُوجِبٌ لِلْحَقِّ بِنَفْسِهِ، وَالْبَيِّنَةُ لَا تُوجِبُ إلَّا بِالْقَضَاءِ، وَقَدْ قَرَرْنَاهُ فِي الْآبِقِ

  140. (قَالَ) وَإِذَا وَجَبَ عَلَى الْمَرِيضِ حَدٌّ مِنْ الْحُدُودِ فِي زِنًى أَوْ شُرْبٍ أَوْ سَرِقَةٍ حُبِسَ حَتَّى يَبْرَأَ لِمَا رُوِيَ عَنْ «رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَمَرَ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى أَمَةٍ فَرَأَى بِهَا أَثَرَ الدَّمِ فَرَجَعَ، وَلَمْ يُقِمْ عَلَيْهَا، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ هَذَا عَلَى أَنَّ أَثَرَ الدَّمِ بِهَا كَانَ نِفَاسًا لَا حَيْضًا؛

  141. لِأَنَّ الْحَائِضَ بِمَنْزِلَةِ الصَّحِيحَةِ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا وَالنُّفَسَاءُ بِمَنْزِلَةِ الْمَرِيضَةِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَقَامَ الْحَدَّ عَلَى الْمَرِيضِ رُبَّمَا يَنْضَمُّ أَلَمُ الْجَلْدِ

  142. إلَى أَلَمِ الْمَرَضِ فَيُؤَدِّي إلَى الْإِتْلَافِ وَالْحَدُّ إنَّمَا يُقَامُ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ زَاجِرًا لَا مُتْلِفًا، وَاَلَّذِي رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَامَ الْحَدَّ عَلَى مَرِيضٍ تَأْوِيلُهُ أَنَّهُ وَقَعَ الْيَأْسُ عَنْ بُرْئِهِ وَاسْتَحْكَمَ ذَلِكَ الْمَرَضُ عَلَى وَجْهٍ يُخَافُ مِنْهُ التَّلَفُ، وَعِنْدَنَا فِي مِثْلِ هَذَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ تَطْهِيرًا، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْحَدُّ رَجْمًا فَأَمَّا الرَّجْمُ يُقَامُ عَلَى الْمَرِيضِ؛

  143. لِأَنَّ إتْلَافَ نَفْسِهِ هُنَاكَ مُسْتَحَقٌّ فَلَا يَمْتَنِعُ إقَامَتُهُ بِسَبَبِ الْمَرَضِ

  144. (قَالَ) رَجُلٌ ثَبَتَ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ وَشُرْبُ الْخَمْرِ وَالْقَذْفُ وَفَقْءُ عَيْنِ رَجُلٍ، فَإِنَّهُ يُبْدَأُ بِالْقِصَاصِ فِي الْفَقْءِ؛ لِأَنَّهُ مَحْضُ حَقِّ الْعِبَادِ وَحَقُّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ فِي الِاسْتِيفَاءِ لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الضَّرَرِ بِالتَّأْخِيرِ؛ لِأَنَّهُ يَخَافُ الْفَوْتَ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ،

  145. ثُمَّ إذَا بَرِئَ مِنْ ذَلِكَ أَخْرَجَهُ وَأَقَامَ عَلَيْهِ حَدَّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُ مَشُوبٌ بِحَقِّ الْعِبَادِ فَيُقَدَّمُ فِي الِاسْتِيفَاءِ عَلَى مَا هُوَ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ إقَامَةِ حَدِّ الْقَذْفِ دَفْعُ الْعَارِ عَنْ الْمَقْذُوفِ، فَلِهَذَا يُبْدَأُ بِهِ قَبْلَ حَدِّ الزِّنَا وَالشُّرْبِ،

  146. وَإِذَا بَرِئَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ بَدَأَ بِحَدِّ الزِّنَا،

  147. وَإِنْ شَاءَ بَدَأَ بِحَدِّ السَّرِقَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ ثَابِتٌ بِنَصٍّ يُتْلَى وَيُجْعَلُ حَدُّ شُرْبِ الْخَمْرِ آخِرَهَا؛ لِأَنَّهُ أَضْعَفُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يُتْلَى فِي الْقُرْآنُ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ.

  148. وَكُلَّمَا أَقَامَ عَلَيْهِ حَدًّا حَبَسَهُ حَتَّى يَبْرَأَ ثُمَّ أَقَامَ الْآخَرَ؛ لِأَنَّهُ إنْ وَالَى إقَامَةَ هَذِهِ الْحُدُودِ رُبَّمَا يُؤَدِّي إلَى الْإِتْلَافِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ زَاجِرًا لَا مُتْلِفًا، وَلَكِنَّهُ يُحْبَسُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ خُلِّيَ سَبِيلُهُ رُبَّمَا يَهْرُبُ فَلَا يُتَمَكَّنُ مِنْ إقَامَةِ الْحَدِّ الْآخَرِ عَلَيْهِ وَيَصِيرُ مُضَيِّعًا لِلْحَدِّ وَالْإِمَامُ مَنْهِيٌّ عَنْ تَضْيِيعِ الْحَدِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ عِنْدَهُ،

  149. وَإِنْ كَانَ مُحْصَنًا اقْتَصَّ مِنْهُ فِي الْعَيْنِ وَضَرَبَهُ حَدَّ الْقَذْفِ لِمَا فِيهِمَا مِنْ حَقِّ الْعِبَادِ ثُمَّ رَجَمَهُ؛ لِأَنَّ حَدَّ السَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.

  150. وَمَتَى اجْتَمَعَتْ الْحُدُودُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِيهَا نَفْسٌ قُتِلَ وَتُرِكَ مَا سِوَى ذَلِكَ هَكَذَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ فِي الْحُدُودِ الْوَاجِبَةِ لِلَّهِ تَعَالَى الْمَقْصُودَ هُوَ الزَّجْرُ، وَأَتَمُّ مَا يَكُونُ مِنْ الزَّجْرِ بِاسْتِيفَاءِ النَّفْسِ، وَالِاسْتِيفَاءُ بِمَا دُونَهُ اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يُفِيدُ، فَلِهَذَا رَجَمَهُ وَدَرَأَ عَنْهُ مَا سِوَى ذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُ يُضَمِّنُهُ السَّرِقَةَ؛

  151. لِأَنَّ الضَّمَانَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ بِالْأَخْذِ، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ لِضَرُورَةِ اسْتِيفَاءِ الْقَطْعِ حَقًّا لِلَّهِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ، فَلِهَذَا يُضَمِّنُهُ السَّرِقَةَ وَيَأْمُرُ بِإِيفَائِهَا مِنْ تَرِكَتِهِ

  152. (قَالَ) ، وَلَا يُقَامُ الْحَدُّ فِي الْمَسْجِدِ،

  153. وَلَا قَوَدٌ، وَلَا تَعْزِيرٌ لِمَا فِيهِ مِنْ وَهْمِ تَلْوِيثِ الْمَسْجِدِ، وَلِأَنَّ الْمَجْلُودَ قَدْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ وَرَفْعَ

  154. أَصْوَاتِكُمْ»، وَلَكِنَّ الْقَاضِيَ يَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ إذَا أَرَادَ إقَامَةَ الْحَدِّ بَيْنَ يَدَيْهِ، كَمَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ الْغَامِدِيَّةِ أَوْ يَبْعَثُ أَمِينًا لِيُقَامَ بِحَضْرَتِهِ، كَمَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَاعِزٍ

  155. (قَالَ) وَإِذَا زَنَى الرَّجُلُ مَرَّاتٍ أَوْ قَذَفَ مَرَّاتٍ أَوْ سَرَقَ مَرَّاتٍ أَوْ شَرِبَ مَرَّاتٍ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْحُدُودِ عَلَى التَّدَاخُلِ لِمَا أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا الزَّجْرُ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِحَدٍّ وَاحِدٍ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ إظْهَارُ كَذِبِ الْقَاذِفِ لِدَفْعِ الْعَارِ عَنْ الْمَقْذُوفِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِإِقَامَةِ حَدٍّ وَاحِدٍ، وَلِأَنَّ الْمُغَلِّبَ فِي حَدِّ الْقَذْفِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَنَا عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي بَابِهِ

  156. وَاطِئِ الْبَهِيمَةِ

  157. (قَالَ) وَلَيْسَ عَلَى وَاطِئِ الْبَهِيمَةِ حَدٌّ عِنْدَنَا، وَلَكِنَّهُ يُعَزَّرُ،

  158. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْحَدَّ لِحَدِيثِ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ» ، وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ شَاذٌّ لَا يَثْبُتُ الْحَدُّ بِمِثْلِهِ،

  159. وَلَوْ ثَبَتَ فَتَأْوِيلُهُ فِي حَقِّ مَنْ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ،

  160. ثُمَّ لَيْسَ لِفَرْجِ الْبَهِيمَةِ حُكْمُ الْفَرْجِ حَتَّى لَا يَجِبُ سِتْرُهُ وَالْإِيلَاجُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْإِيلَاجِ فِي كُوزٍ أَوْ كُوَّةٍ، وَلِهَذَا قُلْنَا أَنَّهُ لَا تَنْتَقِضُ طَهَارَتُهُ بِنَفْسِ الْإِيلَاجِ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ، وَلِأَنَّ الْحَدَّ مَشْرُوعٌ لِلزَّجْرِ،

  161. وَلَا يَمِيلُ طَبْعُ الْعُقَلَاءِ إلَى إتْيَانِ الْبَهِيمَةِ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِمُشْتَهَاةٍ فِي حَقِّ بَنِي آدَمَ وَقَضَاءُ الشَّهْوَةِ يَكُون مِنْ غَلَبَةِ الشَّبَقِ أَوْ فَرْطِ السَّفَهِ، كَمَا يَحْصُلُ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ بِالْكَفِّ وَالْأَلْيَةِ، وَلَكِنَّهُ يُعَذَّرُ لِارْتِكَابِهِ مَا لَا يَحِلُّ.

  162. (قَالَ) فِي الْأَصْلِ بَلَغَنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ أَتَى بَهِيمَةً فَلَمْ يُحِدَّهُ وَأَمَرَ بِالْبَهِيمَةِ فَذُبِحَتْ وَأُحْرِقَتْ بِالنَّارِ، وَهَذَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عِنْدَنَا وَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ كَيْ لَا يُعَيَّرَ الرَّجُلُ بِهِ إذَا كَانَتْ الْبَهِيمَةُ بَاقِيَةً

  163. (قَالَ) وَلَوْ قَذَفَ قَاذِفٌ رَجُلًا بِإِتْيَانِ الْبَهِيمَةِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقَاذِفَ إنَّمَا يَسْتَوْجِبُ الْحَدَّ إذَا نَسَبَهُ إلَى فِعْلٍ يَلْزَمُهُ الْحَدُّ بِمُبَاشَرَتِهِ وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ هُنَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَذَفَهُ بِوَطْءِ الْمَيْتَةِ أَوْ تَقْبِيلِ الْحَرَامِ لَا يَجِبُ الْحَدُّ؟ فَكَذَلِكَ إذَا قَذَفَهُ بِإِتْيَانِ الْبَهِيمَةِ

  164. قَذَفَهُ بِعَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ

  165. (قَالَ) وَإِنْ قَذَفَهُ بِعَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ لَمْ يُحَدَّ إلَّا أَنْ يُفْصِحَ مَعْنَاهُ إذَا قَالَ: يَا لُوطِيُّ لَا حَدَّ عَلَيْهِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ نِسْبَةٌ إلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَكُونُ هَذَا اللَّفْظُ صَرِيحًا فِي الْقَذْفِ،

  166. فَأَمَّا إذَا أَفْصَحَ بِنِسْبَتِهِ إلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُعَزَّرُ،

  167. وَلَا يُحَدُّ؛ لِأَنَّهُ نِسْبَةٌ إلَى فِعْلٍ لَا يَلْزَمُهُ الْحَدُّ بِذَلِكَ الْفِعْلِ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا يَلْزَمُهُ حَدُّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُ نِسْبَةٌ إلَى فِعْلٍ يَسْتَوْجِبُ بِمُبَاشَرَتِهِ الْحَدَّ عِنْدَهُمَا

  168. (قَالَ) وَمَنْ وَطِئَ امْرَأَةً فِي نِكَاحِ فَاسِدٍ ثُمَّ قَذَفَهُ رَجُلٌ لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ وَطْئًا حَرَامًا غَيْرَ مَمْلُوكٍ فَيَسْقُطُ بِهِ إحْصَانُهُ

  169. (قَالَ) ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُلَقِّنَ الشُّهُودَ مَا تَتِمُّ بِهِ شَهَادَتُهُمْ فِي الْحُدُودِ

  170. لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالِاحْتِيَالِ لِدَرْءِ الْحَدِّ لَا لِإِقَامَتِهِ، وَفِي هَذَا احْتِيَالٌ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ فَلَا يَكُونُ لِلْقَاضِي أَنْ يَشْتَغِلَ بِهِ

  171. (قَالَ) وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي إذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَنْ يَسْأَلَ مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ،

  172. وَلَا يَسَعُهُ إلَّا ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} «وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلَّا سَأَلُوهُ إذَا لَمْ يَعْرِفُوهُ، وَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ» ، وَلِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْقَضَاءِ بِحَقٍّ،

  173. وَلَا يَتَّصِلُ إلَى ذَلِكَ فِيمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ إلَّا بِالسُّؤَالِ فَلَا يَسَعُهُ إلَّا ذَلِكَ،

  174. فَإِنْ أَشَارَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الَّذِي هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ فِي رَأْيِ نَفْسِهِ بِمَا هُوَ خَطَأٌ عِنْدَ الْقَاضِي فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ بِمَا هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَهُ إذَا كَانَ يُبْصِرُ وُجُوهَ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ شَرْعًا بِالِاجْتِهَادِ إذَا كَانَ مُسْتَجْمِعًا شَرَائِطَهُ.

  175. وَلَا يَحِلُّ لِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يَدَعَ رَأْيَهُ بِرَأْيِ غَيْرِهِ،

  176. وَإِنْ كَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ، فَقَدْ يَسْبِقُ وَجْهَ الصَّوَابِ فِي حَادِثَةٍ لِإِنْسَانٍ وَيَشْتَبِهُ عَلَى غَيْرِهِ،

  177. وَإِنْ كَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ،

  178. وَإِنْ تَرَكَ رَأْيَهُ وَعَمِلَ بِقَوْلِ ذَلِكَ الْفَقِيهِ كَانَ مُوَسِّعًا عَلَيْهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ هَذَا نَوْعُ اجْتِهَادٍ مِنْهُ،

  179. فَإِنَّ عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَقَاوِيلِ تَرْجِيحُ قَوْلِ مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ نَوْعُ اجْتِهَادٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حَادِثَةٍ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِ مَنْ هُوَ أَفْقَهُ عِنْدَهُ وَيَكُونُ ذَلِكَ اجْتِهَادَ مِثْلِهِ، وَهُنَا أَيْضًا إذَا قَدَّمَ رَأْيَ مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ عَلَى رَأْيِ نَفْسِهِ كَانَ ذَلِكَ نَوْعَ اجْتِهَادٍ مِنْهُ فَكَانَ مُوَسِّعًا عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

  1. (قَالَ) الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إمْلَاءً اعْلَمْ بِأَنَّ الْإِقْرَارَ خَبَرٌ مُتَمَثِّلٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فَكَانَ مُحْتَمَلًا بِاعْتِبَارِ ظَاهِرِهِ وَالْمُحْتَمَلُ لَا يَكُونُ حُجَّةً وَلَكِنَّهُ جُعِلَ حُجَّةً بِدَلِيلٍ مَعْقُولٍ وَهُوَ أَنَّهُ ظَهَرَ رُجْحَانُ جَانِبِ الصِّدْقِ عَلَى جَانِبِ الْكَذِبِ فِيهِ؛

  2. لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيمَا يُقِرُّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ فَفِي حَقِّ الْغَيْرِ رُبَّمَا تَحْمِلُهُ النَّفْسُ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ كَاذِبًا وَرُبَّمَا يَمْنَعُهُ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالصِّدْقِ وَفِي حَقِّ نَفْسِهِ النَّفْسُ الْأَمَّارَةُ

  3. بِالسُّوءِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ كَاذِبًا وَرُبَّمَا يَمْنَعُهُ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالصِّدْقِ وَفِي حَقِّ نَفْسِهِ النَّفْسُ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ لَا تَحْمِلُهُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْكَذِبِ وَرُبَّمَا يَمْنَعُهُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالصِّدْقِ فَلِظُهُورِ دَلِيلِ الصِّدْقِ فِيمَا يُقِرُّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ جُعِلَ إقْرَارُهُ حُجَّةً وَإِلَيْهِ أَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ {بَلْ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} .

  4. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَيْ شَاهِدٌ بِالْحَقِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ شَرْعًا قَوْله تَعَالَى {وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} فَأَمْرُ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ بِالْإِقْرَارِ بِمَا عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ وَالنَّهْيُ عَنْ الْكِتْمَانِ فِي قَوْله تَعَالَى {وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا} {وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إقْرَارَهُ حُجَّةٌ كَمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا نَهَى عَنْ كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ حُجَّةٌ فِي الْأَحْكَامِ «وَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاعِزًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ الْعَسْفِ «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» فَيَكُونُ الْإِقْرَارُ حُجَّةً فِي الْحُدُودِ الَّتِي تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ فِيمَا لَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى ثُمَّ الْإِقْرَارُ صَحِيحٌ بِالْمَعْلُومِ وَالْمَجْهُولِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْلُومُ؛

  5. لِأَنَّهُ إظْهَارٌ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْحَقِّ وَقَدْ يَكُونُ مَا عَلَيْهِ مَجْهُولًا فَيَصِحُّ إظْهَارُهُ بِالْمَجْهُولِ كَالْمَعْدُومِ

  6. بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ فَإِنَّ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْمَشْهُودِ بِهِ.

  7. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلشَّاهِدِ «إذَا رَأَيْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ وَإِلَّا فَدَعْ» فَمَعَ الْجَهْلِ لَا حَاجَةَ إلَى الشَّهَادَةِ بَلْ هُوَ مَمْنُوعٌ عَنْ أَدَائِهَا فَأَمَّا مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ مُحْتَاجٌ إلَى إظْهَارِ مَا عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ مَعْلُومًا كَانَ عِنْدَهُ أَوْ مَجْهُولًا فَقَدْ يَعْلَمُ أَصْلَ الْوُجُوبِ وَيَجْهَلُ قَدْرَ الْوَاجِبِ وَصِفَتَهُ وَلِهَذَا صَحَّ إقْرَارُهُ بِالْمَجْهُولِ وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُوجِبُ حَقًّا إلَّا بِانْضِمَامِ الْقَضَاءِ إلَيْهَا وَالْقَاضِي لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْقَضَاءِ إلَّا بِالْمَعْلُومِ فَأَمَّا الْإِقْرَارُ مُوجِبٌ بِنَفْسِهِ قَبْلَ اتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهِ وَإِذَا احْتَمَلَ بِالْمَجْهُولِ أَمْكَنَ إزَالَةُ الْجَهَالَةِ بِالْإِجْبَارِ عَلَى الْبَيَانِ فَلِهَذَا صَحَّ الْإِقْرَارُ وَلِهَذَا لَا يُعْمَلُ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ وَيُعْمَلُ بِالرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ قَبْلَ اتِّصَالِ الْقَضَاءِ بِهَا إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ رَجُلٌ قَالَ غَصَبْتُ مِنْ فُلَانٍ شَيْئًا فَالْإِقْرَارُ صَحِيحٌ وَيَلْزَمُهُ مَا بَيَّنَهُ وَلَا بُدَّ مِنْ تَبْيِينِ أَيِّ شَيْءٍ هُوَ لِأَنَّ الشَّيْءَ حَقِيقَةً اسْمٌ لِمَا هُوَ مَوْجُودٌ مَالًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ إلَّا أَنَّ لَفْظَ الْغَصْبِ دَلِيلٌ عَلَى الْمَالِيَّةِ فِيهِ فَالْغَصْبُ لَا يَرِدُ إلَّا عَلَى مَا هُوَ مَالٌ وَمَا ثَبَتَ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ فَهُوَ كَالْمَلْفُوظِ كَقَوْلِهِ اشْتَرَيْتُ مِنْ فُلَانٍ شَيْئًا يَكُونُ إقْرَارًا بِشِرَاءِ مَا هُوَ مَالٌ لِأَنَّ الشِّرَاءَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا فِيهِ وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُبَيِّنَ مَا لَا يَجْرِي فِيهِ التَّمَانُعُ بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى لَوْ فَسَّرَهُ بِحَبَّةِ حِنْطَةٍ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِالْغَصْبِ

  8. دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ مِنْ صَاحِبِهِ حَتَّى غَلَبَ عَلَيْهِ فَغَصَبَهُ وَهَذَا مِمَّا يَجْرِي فِيهِ التَّمَانُعُ فَإِذَا تَبَيَّنَ شَيْئًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ قُبِلَ بَيَانُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا بَيَانٌ مُقَرِّرٌ لِأَصْلِ كَلَامِهِ، وَبَيَانُ التَّقْرِيرِ صَحِيحٌ مَوْصُولًا أَوْ مَفْصُولًا فَإِنْ سَاعَدَهُ الْمُقِرُّ عَلَى مَا بَيَّنَّهُ أَخَذَهُ وَإِنْ ادَّعَى غَيْرَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ؛

  9. لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ مُوجَبِ إقْرَارِهِ بِمَا بَيَّنَ فَإِذَا كَذَّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فِيهِ صَارَ رَادًّا إقْرَارَهُ بِنَفْيِ دَعْوَاهُ شَيْئًا آخَرَ عَلَيْهِ وَهُوَ لِذَلِكَ مُنْكِرٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ

  10. وَيَسْتَوِي إنْ بَيَّنَ شَيْئًا يُضْمَنُ بِالْغَصْبِ أَوْ يُضْمَنُ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَجْرِي فِيهِ التَّمَانُعُ حَتَّى الْمَغْصُوبِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ

  11. وَكَذَلِكَ إنْ بَيَّنَ أَنَّ الْمَغْصُوبَ دَارٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَتْ الدَّارَ لَا يَضْمَنُ بِالْغَصْبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فِيمَا إذَا بَيَّنَ الْمَغْصُوبُ زَوْجَتَهُ أَوْ وَلَدَهُ الصَّغِيرُ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بَيَانُهُ مَقْبُولٌ؛

  12. لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِمُبْهَمِ كَلَامِهِ فَإِنَّ لَفْظَ الْغَصْبِ يُطْلَقُ عَلَى الزَّوْجِ وَالْوَلَدِ عَادَةً وَالتَّمَانُعُ فِيهِ يَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ أَكْثَرَ مِمَّا يَجْرِي فِي الْأَمْوَالِ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ بَيَانُهُ بِهَذَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْغَصْبِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا فِيمَا هُوَ مَالٌ فَبَيَانُهُ مَا لَيْسَ بِمَالٍ يَكُونُ إنْكَارًا لِحُكْمِ الْغَصْبِ بَعْدَ إقْرَارِهِ بِسَبَبِهِ وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ مِنْهُ وَفُرِّقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْخُلْعِ فَإِنَّ مَنْ خَالَعَ امْرَأَتَهُ عَلَى مَا فِي بَيْتِهَا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْبَيْتِ شَيْءٌ كَالْخُلْعِ مَجَازًا وَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ تَسْمِيَةَ الشَّيْءِ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى الْمَالِيَّةِ

  13. بِخِلَافِ تَسْمِيَةِ الْمَتَاعِ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ مِنْ أَسْبَابِ الْفُرْقَةِ وَالْفُرْقَةُ قَدْ تَكُونُ بِغَيْرِ بَدَلٍ فِي الْعَادَةِ فَلَا يَكُونُ فِيمَا صَرَّحَ دَلِيلًا عَلَى الْمَالِيَّةِ فِي الشَّيْءِ الْمَذْكُورِ فَأَمَّا الْغَصْبُ لَا يُطْلَقُ فِي الْعَادَةِ إلَّا فِيمَا هُوَ مَالٌ وَلَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ شَرْعًا إلَّا فِيمَا هُوَ مَالٌ فَالتَّنْصِيصُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى الْمَالِيَّةِ فِي الشَّيْءِ الْمَذْكُورِ وَالْعَصْرُ قَبْلَ التَّخَمُّرِ كَانَ مَالًا فَسَدَ تَقَوُّمُهُ بِالتَّخَمُّرِ شَرْعًا وَصَارَ الْمُسْلِمُ مَمْنُوعًا مِنْ تَمَوُّلِهِ مِنْ غَيْرِ انْعِدَامِ أَصْلِ الْمَالِيَّةِ فِيهِ (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ بِالتَّخَلُّلِ يَصِيرُ مَالًا مُتَقَوِّمًا وَهُوَ ذَلِكَ الْغَيْرُ فَلِهَذَا صَحَّ بَيَانُهُ ثُمَّ الْخَمْرُ مَحَلٌّ لِحُكْمِ الْغَصْبِ وَلِهَذَا كَانَ غَاصِبُ الْخَمْرِ مِنْ الذِّمِّيِّ ضَامِنًا لِهَذَا قَبْلَ بَيَانِهِ

  14. وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَ عَبْدًا فَهَذِهِ الْجَهَالَةُ دُونَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ جِنْسَ الْمُقَرِّ بِهِ صَارَ مَعْلُومًا هُنَا ثُمَّ التَّوَسُّعُ فِي الْإِقْرَارِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي الْخُلْعِ، وَالصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَالنِّكَاحِ وَتَسْمِيَةِ الْعَبْدِ مُطْلَقًا صَحِيحٌ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ فَفِي الْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ أَنَّ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ يَنْصَرِفُ إلَى الْوَسَطِ؛

  15. لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَجِبُ النَّظَرُ فِيهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَذَلِكَ بِتَعَيُّنِ الْوَسَطِ الَّذِي هُوَ فَوْقَ الْوَكْسِ وَدُونَ الشَّطَطِ

  16. وَالْإِقْرَارُ لَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ فَلَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ الْوَسَطُ بَلْ يَكُونُ الْمُقِرُّ فِيهِ مَقْبُولًا إذَا لَمْ يُخَالِفْ مَا يَلْفِظْ بِهِ سَوَاءٌ بَيْنَ الرَّدِيءِ أَوْ الْمَعِيبِ فَاسْمُ الْعَبْدِ أَوْلَى تَوْضِيحُ الْفَرْقِ أَنَّ الْغَصْبَ فِعْلٌ يَسْتَدْعِي

  17. مَحَلًّا هُوَ مَفْعُولٌ بِهِ وَلَأَنْ يَسْتَدْعِيَ صِفَةَ السَّلَامَةِ فِيهِ وَمِنْ حَيْثُ الْعَادَةُ أَيْضًا لَيْسَ لِلْغَاصِبِينَ اخْتِيَارُ الْوَسَطِ وَالتَّسْلِيمِ وَإِنَّمَا يَغْصِبُ الْغَاصِبُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَأَمَّا فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ لَهَا مُوجِبٌ شَرْعًا فِي اقْتِضَاءِ صِفَةِ السَّلَامَةِ

  18. وَكَذَلِكَ لِلنَّاسِ عَادَةٌ فِي إيرَادِ عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ دُونَ الْمَعِيبِ فَلِهَذَا يُصْرَفُ مُطْلَقُ الْعَقْدِ فِيهِ إلَى التَّسْلِيمِ فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ الَّذِي بِعَيْبِهِ مَنْصُوبًا فِي يَدِهِ قَائِمًا رَدَّهُ وَإِنْ كَانَ هَالِكًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْأَصْلِ فِي الْغَصْبِ رَدُّ الْعَيْنِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ» وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَى الْقِيمَةِ عِنْدَ عَدَمِ رَدِّ الْعَيْنِ لِيَكُونَ خُلْفًا عَنْ الضَّمَانِ الْأَصْلِيِّ وَسُمِّيَتْ قِيمَةٌ لِقِيَامِهَا مَقَامَ الْعَيْنِ فَإِنْ وَقَعَتْ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَهُمَا فِي مِقْدَارِ الْقِيمَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ لِإِنْكَارِهِ الزِّيَادَةَ مَعَ يَمِينِهِ

  19. وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ بِغَصْبِ شَاةٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ عَرَضٍ

  20. وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ دَارًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي تَعْيِينِهَا سَوَاءٌ عَيَّنَهَا فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ أَوْ فِي بَلْدَةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّ الدَّارَ اسْمٌ لِمَا أُدِيرَ عَلَيْهِ الْحَائِطُ وَذَاكَ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ فَكَانَ بَيَانُهُ مُطَابِقًا لِلَفْظِهِ.

  21. وَلَوْ قَالَ هِيَ هَذِهِ الدَّارُ الَّتِي فِي يَدَيْ هَذَا الرَّجُلِ وَذُو الْيَدِ مُنْكِرٌ يَقُولُ الدَّارُ دَارِي فَالْقَوْلُ فِي تِلْكَ الدَّارِ قَوْلُ ذِي الْيَدِ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الْمُقِرِّ أَنَّهَا لِغَيْرِهِ كَدَعْوَاهُ أَنَّهَا لَهُ فَلَا يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ لَكِنَّهُ خَارِجٌ عَنْ عُهْدَةِ إقْرَارِهِ بِمَا بَيَّنَ فَإِنَّ بَيَانَهُ مُطَابِقٌ لِلَفْظِهِ؛

  22. لِأَنَّ مَا فِي يَدِ الْغَيْرِ مَالٌ مَحَلٌّ لِلْغَصْبِ ثُمَّ لَا يَضْمَنُ الْمُقِرُّ شَيْئًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَصِيرُ ضَامِنًا لِقِيمَتِهَا؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِبَعْضِهَا وَمِنْ أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ أَنَّ الْعَقَارَ لَا يُضَمْنَ بِالْغَصْبِ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ.

  23. وَلَوْ قَالَ غَصَبْتُهُ هَذِهِ الْأَمَةَ أَوْ هَذَا الْعَبْدَ فَادَّعَاهُمَا جَمِيعًا الْمُقَرُّ لَهُ فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلْغَاصِبِ: قِرَّ بِأَيِّهِمَا شِئْتَ وَتَخَلَّفَتْ عَنْ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ حَرْفَ " أَوْ " فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ فَيَتَنَاوَلُ بَعْضَ الْمَذْكُورَيْنِ فَإِذَا أَقَرَّ بِأَحَدِهِمَا خَرَجَ بِهِ عَنْ عُهْدَةِ ذَلِكَ الْإِقْرَارِ وَقَدْ صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فِي ذَلِكَ حِينَ ادَّعَاهُمَا جَمِيعًا فَيَأْخُذُ الْمُقَرُّ لَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ عَيْنَهُ وَتَبْقَى دَعْوَاهُ الْآخَرَ فِي يَدِهِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ الْآخَرُ قَوْلَ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ وَإِنْ ادَّعَى الْمُقَرُّ لَهُ أَحَدَهُمَا بِعَيْنِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ ذَلِكَ إذَا زَعَمَ الْمُقِرُّ أَنَّ الْمَغْصُوبَ هُوَ الْآخَرُ؛

  24. لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِغَصْبٍ فِي مُنْكَرٍ؛ وَلِأَنَّ ادِّعَاءَ الْمُقَرِّ لَهُ مُعَيَّنٌ، وَالْمُعَيَّنُ عِنْدَ الْمُنْكِرِ فَلَمْ يَتَنَاوَلْ إقْرَارُهُ هَذَا الْمَحَلَّ بِعَيْنِهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ بِهِ ثُمَّ هُوَ بِالتَّعْيِينِ قَصَدَ إبْطَالَ حَقِّ الْبَيَانِ الثَّابِتِ لِلْمُقِرِّ فَإِنَّهُ هُوَ الْمُبْهَمُ وَمَنْ أَبْهَمَ شَيْئًا فَإِلَيْهِ بَيَانُهُ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ إبْطَالَ الْحَقِّ الثَّابِتِ لَهُ فَإِنْ بَيَّنَ الْمُقِرُّ الْآخَرُ صَحَّ بَيَانُهُ؛

  25. لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِمُبْهَمِ كَلَامِهِ وَلَكِنَّ الْمُقَرَّ لَهُ كَذَّبَهُ فِي ذَلِكَ وَالْإِقْرَارُ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ فَيَبْطُلُ إقْرَارُهُ بِهِ بِنَفْيِ

  26. دَعْوَى الْمُقَرِّ لَهُ الْآخَرِ عَلَيْهِ وَهُوَ جَاحِدٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ.

  27. وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَ هَذَا الْعَبْدَ مِنْ هَذَا أَوْ مِنْ هَذَا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِيهِ فَإِنْ اصْطَلَحَا عَلَى أَخْذِهِ؛ أَخَذَهُ وَإِنْ لَمْ يَصْطَلِحَا اُسْتُحْلِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ لَا؟ نَقُولُ: فُرِّقَ بَيْنَ هَذَا وَالْأَوَّلِ فَقَالَ هُنَاكَ يُقَالُ لَهُ قِرَّ بِأَيِّهِمَا شِئْتَ وَاحْلِفْ عَلَى الْآخَرِ وَهُنَا لَا يُقَالُ لَهُ قِرَّ لِأَيِّهِمَا شِئْتَ وَاحْلِفْ لِلْآخَرِ؛

  28. لِأَنَّ هُنَاكَ الْإِقْرَارَ صَحِيحٌ مُلْزِمٌ فَإِنَّ الْمُسْتَحَقَّ مَعْلُومٌ إنَّمَا الْجَهَالَةُ فِي الْمُسْتَحِقِّ فَيُمْكِنُ إجْبَارُهُ عَلَى الْبَيَانِ لَمَّا صَحَّ إقْرَارُهُ وَهُنَا إقْرَارٌ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ مَجْهُولٌ وَجَهَالَةُ الْمُقَرِّ لَهُ تَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَثْبُتُ لِلْمَجْهُولِ؛ وَلِأَنَّ الْمَغْصُوبَ عِنْدَ الْغَصْبِ قَدْ بَيَّنَهُ حَالُهُ عَلَى الْغَاصِبِ أَنَّهُ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ وَلَكِنَّ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ لَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ عَادَةً فَلَمْ يَكُنْ إقْرَارُهُ لِلْمَجْهُولِ حُجَّةً تَامَّةً فِي الِاسْتِحْقَاقِ حَتَّى يُجْبَرَ عَلَى الْبَيَانِ وَلَكِنَّهُمَا إنْ اصْطَلَحَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَهُ أُمِرَ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِمَا؛

  29. لِأَنَّ الْمَغْصُوبَ جَهَالَةٌ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ إلَيْهِ وَقَدْ يُزَالُ ذَلِكَ بِاصْطِلَاحِهِمَا فَإِنَّ أَحَدَهُمَا مَالِكٌ وَالْآخَرُ نَائِبٌ عَنْهُ وَكَمَا يُؤْمَرُ الْغَاصِبُ بِالرَّدِّ عَلَى نَائِبِهِ؛ وَلِأَنَّهُ كَانَ مُقِرًّا أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْعَبْدِ مِنْهُمَا فَإِنَّ الْحَقَّ فِيهِ لَا يَعْدُوهُمَا وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ فِي الْتِزَامِ التَّسْلِيمِ إلَى أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ فَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْبَيَانِ؛

  30. لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ ثَابِتٍ بِإِقْرَارِهِ فَإِذَا اصْطَلَحَا فَقَدْ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ مِنْهُمَا يَأْمُرهُ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَصْطَلِحَا اسْتَحْلَفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي الْحَقَّ لِنَفْسِهِ عَيْنًا وَهُوَ لَمْ يُقِرَّ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا أَقَرَّ لِمُنْكَرٍ مِنْهُمَا

  31. وَالْمُنْكَرُ فِي حَقِّ الْمُعَيَّنِ كَالْمَعْدُومِ وَلِلْقَاضِي الْخِيَارُ فِي الْبِدَايَةِ بِالِاسْتِحْلَافِ لِأَيِّهِمَا شَاءَ وَقِيلَ هَذَا بِالِاسْتِحْلَافِ لِمَنْ سَبَقَ بِالدَّعْوَى وَقِيلَ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا تَطْمِينًا لِقُلُوبِهِمَا فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ أَحَدُهُمَا يَأْمُرُهُ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ مَا لَمْ يُحَلِّفْهُ الْآخَرُ

  32. بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ فَإِنَّهُ يَأْمُرهُ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مُوجِبٌ الْحَقَّ لِنَفْسِهِ فَأَمَّا النُّكُولُ لَا يُوجِبُ الْحَقَّ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي وَالْقَاضِي لَا يَقْضِي إلَّا بَعْدَ النَّظَرِ لِكُلِّ قَسَمٍ وَمِنْ حُجَّةِ الْآخَرِ أَنْ يَقُولَ الْقَاضِي إنَّمَا نَكَلَ لَهُ؛

  33. لِأَنَّكَ بَدَأْتَ بِالِاسْتِحْلَافِ لَهُ وَلَوْ بَدَأْتَ بِالِاسْتِحْلَافِ لِي لَكَانَ يَنْكُلُ لِي وَفِي الْإِقْرَارِ لَا يُمْكِنُ الْآخَرُ أَنْ يَحْتَجَّ بِمِثْلِ هَذَا وَقَدْ زَعَمَ أَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ أَحَقُّ بِالْعَيْنِ مِنْهُ فَيَأْمُرُهُ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ فَإِنْ حَلَفَ لِأَحَدِهِمَا وَنَكَلَ لِلْآخَرِ قَضَى الْقَاضِي بِهِ لِلَّذِي يَحِلُّ لَهُ؛

  34. لِأَنَّهُ حَقُّ مَنْ حَلَفَ لَهُ وَقَدْ انْتَفَى بِيَمِينِهِ مَا لَمْ يَأْتِ بِحُجَّةٍ وَلَا حُجَّةَ لَهُ وَنُكُولُهُ فِي حَقِّ الْآخَرِ قَائِمٌ مَقَامَ إقْرَارِهِ فَيَأْمُرُهُ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ وَإِنْ نَكَلَ لَهُمَا قَضَى الْقَاضِي بِالْعَبْدِ بَيْنَهُمَا وَبِقِيمَتِهِ أَيْضًا بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ بِنُكُولِهِ صَارَ عَقْرًا لَهُ وَغَصَبَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَمِيعَهُ وَمَا لَوْ قَدَرَ إلَّا عَلَى النِّصْفِ

  35. يَرُدُّهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى بِهِ مِنْ الْآخَرِ فَيَلْزَمُهُ رَدُّ نِصْفِ الْقِيمَةِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اعْتِبَارًا لِلْجُزْءِ بِالْكُلِّ إذَا تَعَذَّرَ رَدُّهُ وَلَوْ حَلَفَ لَهُمَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا عَلَيْهِ شَيْءٌ لِأَنَّ حَقَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ انْتَفَى بِيَمِينِهِ إلَى أَنْ يَجِدَ الْحُجَّةَ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَصْطَلِحَا بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا ذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْآخَرَ وَكَانَ يَقُولُ أَوَّلًا: لَهُمَا ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -

  36. وَجْهُ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ أَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ عِنْدَ الِاصْطِلَاحِ ثَبَتَ لَهُمَا بِهَذَا الْإِقْرَارِ بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا لَوْ اصْطَلَحَا قَبْلَ الِاسْتِحْلَافِ فَإِنَّ لَهُمَا أَنْ يَأْخُذَاهُ وَالْحَقُّ الثَّابِتُ بِالْإِقْرَارِ لَا يَبْطُلُ بِالْيَمِينِ وَالْمَعْنَى الَّذِي فَاتَ لَهُمَا أَنْ يَأْخُذَاهُ قَبْلَ الِاسْتِحْلَافِ إذَا اصْطَلَحَا عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا مَالِكٌ وَالْآخَرُ نَائِبٌ عَنْهُ وَهَذَا مَوْجُودٌ بِالِاسْتِحْلَافِ؛

  37. وَلِأَنَّ الِاسْتِحْلَافَ هُوَ غَيْرُ مَحَلٍّ لِلْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بِغَيْرِ عَيْنِهِ وَالِاسْتِحْلَافَ كَانَ اسْتِحْقَاقَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ فَلَا يَتَغَيَّرُ بِهِ حُكْمُ ذَلِكَ الْإِقْرَارِ فَالْقَاضِي يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ صَادِقٌ فِي يَمِينِهِ أَوْ كَاذِبٌ وَلَا تَأْخِيرَ لِلْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ فِي إبْطَالِ الِاسْتِحْقَاقِ وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ يَمِينَ الْمُقِرِّ يُبْطِلُ حَقَّ مَنْ حَلَفَ لَهُ كَمَا لَوْ حَلَفَ لِأَحَدِهِمَا يُبْطِلُ حَقَّهُ وَمُزَاحَمَتَهُ ثُمَّ التَّفَقُّهُ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ أَصْلَ الْإِقْرَارِ وَقَعَ فَاسِدًا لِجَهَالَةِ الْمُقَرِّ لَهُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْغَصْبَ يُوجِبُ رَدَّ الْعَيْنِ وَالْمُسْتَحِقُّ لِلرَّدِّ عَلَيْهِ بِهَذَا الْإِقْرَارِ غَيْرُ مَعْلُومٍ أَوْ كَانَ الْإِقْرَارُ فَاسِدًا وَلَكِنْ أَرَادَ: مَنْعُهُ الْعِبَادَ بِرَفْعِ الْمُفْسِدِ بِالِاصْطِلَاحِ مُمْكِنٌ فَإِنْ أَزَالَ ذَلِكَ قَبْلَ تَقَرُّرِ الْفَسَادِ صَحَّ الْإِقْرَارُ وَأَمَرَ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِمَا وَإِنْ تَقَرَّرَ الْفَسَادُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي لَا يُمْكِنُ إزَالَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِرَفْعٍ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ بِخِيَارٍ مَجْهُولٍ أَوْ بِعَمَلٍ مَجْهُولٍ إذَا تَقَرَّرَتْ صِفَةُ الْفَسَادِ بِالْقَضَاءِ وَهُنَا لَمَّا اسْتَحْلَفَهُ الْقَاضِي لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَقَدْ حُكِمَ بِفَسَادِ ذَلِكَ الْإِقْرَارِ فَلَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا بَعْدَ ذَلِكَ بِاصْطِلَاحِهِمَا.

  38. (الثَّانِي) أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمَّا طَلَبَ يَمِينَهُ فَقَدَ عَامِلَةَ الْمُنْكِرِينَ فَصَارَ رَادُّ الْإِقْرَارِ يَرْتَدُّ بِرَدِّ الْمُقَرِّ لَهُ فَلَمْ يَبْقَ لَهُمَا حَقُّ الِاصْطِلَاحِ بَعْدَ ذَلِكَ

  39. بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الِاسْتِحْلَافِ وَالثَّابِتُ بِالْإِقْرَارِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ: إمَّا الِاصْطِلَاحُ أَوْ الِاسْتِحْلَافُ فَكَمَا لَوْ أَقَرَّ عَلَى الِاصْطِلَاحِ كَانَا قَابِلَيْنِ لِإِقْرَارِهِ فَلَا يَبْقَى لَهُمَا حَقُّ الِاسْتِحْلَافِ بَعْدَ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ عَلَى الِاسْتِحْلَافِ كَانَا رَادَّيْنِ لِإِقْرَارِهِ فَلَا يَبْقَى لَهُمَا حَقُّ الِاصْطِلَاحِ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ الِاسْتِحْلَافُ فِي غَيْرِ مَحَلٍّ لِإِقْرَارِهِ قُلْنَا مَحَلُّ الْإِقْرَارِ لَا يَعْدُوهُمَا فَإِذَا وُجِدَ الِاسْتِحْلَافُ مِنْهُمَا فَقَدْ تَيَقَّنَ بِوُجُودِهِ مِمَّنْ وَقَعَ الْإِقْرَارُ لَهُ فَكَانَ ذَلِكَ مُبْطِلًا لِحَقِّ الْإِقْرَارِ.

  40. وَلَوْ قَالَ غَصَبْتُ الْعَبْدَ مِنْ هَذَا لَا بَلْ مِنْ هَذَا فَهُوَ لِلْأَوَّلِ وَلِلْآخَرِ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ " لَا بَلْ " لِلِاسْتِدْرَاكِ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْأَوَّلِ، وَإِقَامَةُ الثَّانِي مَقَامَهُ

  41. إثْبَاتٌ وَالرُّجُوعُ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ لِلْأَوَّلِ بَاطِلٌ وَإِثْبَاتُ مَا أَقَرَّ بِهِ لِلْأَوَّلِ فِي حَقِّ الثَّانِي صَحِيحٌ فَيَبْقَى الْعَبْدُ مُسْتَحَقًّا لِلْأَوَّلِ بِصَدْرِ كَلَامِهِ وَقَدْ صَارَ مُقِرًّا بِبَعْضِهِ مِنْ الثَّانِي وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ رَدِّ عَيْنِهِ حِينَ سَلَّمَهُ إلَى الْأَوَّلِ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ فَكَانَ عَلَيْهِ لِلثَّانِي قِيمَتُهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ كَلِمَةَ " لَا بَلْ " مَوْضُوعَةٌ لِمَا قُلْنَا مِثْلُ قَوْلِ الرَّجُلِ جَاءَنِي زَيْدٌ لَا بَلْ عَمْرٌو يُفْهَمُ مِنْهُ الْإِخْبَارُ بِمَجِيءِ زَيْدٍ وَهُوَ

  42. بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ هَذَا الْعَبْدُ لِفُلَانٍ بَلْ لِفُلَانٍ حَيْثُ يُؤْمَرُ بِتَسْلِيمِهِ إلَى الْأَوَّلِ وَلَا شَيْءَ لِلثَّانِي عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَا أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِفِعْلٍ مُوجِبٍ لِلضَّمَانِ فِي حَقِّ الثَّانِي إنَّمَا شَهِدَ لَهُ بِالْمِلْكِ فِيمَا صَارَ مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ بِصَدْرِ كَلَامِهِ وَالشَّاهِدُ بِالْمِلْكِ إذَا أَرَدْتَ شَهَادَتَهُ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا وَهُنَا أَقَرَّ بِغَصْبِهِ مِنْ الثَّانِي وَهُوَ فِعْلٌ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ.

  43. وَإِذَا أَقَرَّ بِغَصْبِ شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ كَائِنًا مَا كَانَ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ أَوْ مُرْتَدٍّ أَوْ مُسْتَأْمَنٍ أَوْ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ أَوْ تَاجِرٍ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إنْ كَانَ فَائِتًا وَإِنْ كَانَ قَائِمًا رَدَّهُ إلَى الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ صَغِيرًا كَانَ الْمُغْتَصَبُ مِنْهُ أَوْ كَبِيرًا؛

  44. لِأَنَّ رَدَّ الْمَغْصُوبِ يُفْسَخُ مِنْ الْغَاصِبِ لِفِعْلِهِ فِيهِ وَحَقِيقَةُ انْفِسَاخِ فِعْلِهِ بِرَدِّهِ عَلَى مَنْ أَخَذَهُ مِنْهُ فَكَانَتْ جِنَايَتُهُ بِإِزَالَةِ يَدٍ مُحْتَرَمَةٍ لِلْغَيْرِ فِي هَذِهِ الْعَيْنِ وَإِثْبَاتِ الْيَدِ فِي نَفْسِهِ فَإِذَا أَعَادَهُ إلَى مَنْ أَخَذَهُ مِنْهُ فَقَدْ صَارَ بِهِ مُعِيدًا لِمَا أَخَذَ.

  45. (أَلَا تَرَى) أَنَّ مَنْ أَخَذَ مِنْهُ خَصْمٌ لَهُ فِي الِاسْتِرْدَادِ فَيَبْرَأُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَتْ وَهُوَ نَظِيرُ مَنْ انْتَزَعَ خَاتَمًا مِنْ أُصْبُعِ نَائِمٍ ثُمَّ أَعَادَهُ إلَى أُصْبُعِهِ قَبْلَ أَنْ يَنْتَبِهَ بَرِئَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَعَادَهُ كَمَا كَانَ

  46. بِخِلَافِ مَا إذَا انْتَبَهَ ثُمَّ نَامَ ثَانِيًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا انْتَبَهَ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ عَلَى الْمُنْتَبِهِ فَلَا يَبْرَأُ بَعْدَ ذَلِكَ بِإِعَادَتِهِ إلَى أُصْبُعِ النَّائِمِ.

  47. كَمَا لَوْ غَصَبَهُ وَهُوَ مُنْتَبِهٌ ثُمَّ جَعَلَهُ فِي أُصْبُعِهِ فِي حَالِ نَوْمِهِ قَالَ: خَلَا الْوَلَدِ الصَّغِيرُ مَعَ أَبِيهِ الْغَنِيِّ فَلِأَنَّ الْأَبَ فِيمَا يَأْخُذُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ لَا يَكُونُ غَاصِبًا وَلَكِنَّهُ إنْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ؛ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ لِيَصْرِفَهُ إلَى حَاجَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ لِحِفْظِهِ لَهُ فَلَا يَلْزَمُهُ رَدُّهُ عَلَى الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ وَلَا يَكُونُ جَانِبًا فِي حَقِّهِ إلَّا أَنْ يَسْتَهْلِكَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ضَامِنًا لَهُ

  48. وَكَذَلِكَ وَصِيُّ الصَّغِيرِ فِيمَا يَأْخُذُ مِنْ مَالِهِ لَا يَكُونُ غَاصِبًا؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْأَخْذِ لِحِفْظِهِ ثَابِتَةٌ وَإِنْ غَصَبَ الْمَوْلَى مِنْ مُكَاتَبِهِ أَوْ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ الْمَدْيُونِ فَهُوَ يَرُدُّهُ أَوْ الضَّمَانَ عِنْدَ هَلَاكِهِ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ أَخْذِهِ أَمَّا كَسْبُ الْمُكَاتَبِ صَارَ أَحَقَّ بِهِ وَصَارَ الْمُكَاتَبُ كَالْحُرِّ يَدًا فِي مَكَاسِبِهِ فَإِذَا أَبَقَ بِهِ عَلَيْهِ صَارَ ضَامِنًا وَأَمَّا الْعَبْدُ الْمَدْيُونُ؛

  49. لِأَنَّ كَسْبَهُ حَقُّ غُرَمَائِهِ وَالْمَوْلَى مَمْنُوعٌ مِنْ أَخْذِهِ مَا لَمْ يَسْقُطْ الدَّيْنُ فَكَانَ ضَامِنًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ فَكَسْبُهُ خَالِصُ حَقِّ الْمَوْلَى فَلَا يَكُونُ هُوَ فِي أَخْذِهِ مِنْهُ غَاصِبًا

  50. وَكَذَلِكَ يُغْصَبُ مِنْ مَوْلَاهُ

  51. لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي مَالِ الْمَوْلَى وَلَهُ ذِمَّةٌ مُعْتَبَرَةٌ فِي إيجَابِ الدَّيْنِ لِمَوْلَاهُ فَيَكُونُ ضَامِنًا غَصْبَهُ مِنْهُ وَالْعَبْدُ فِيمَا يَغْصِبُ مِنْ مَوْلَاهُ مَأْمُورٌ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ غَيْرُ ضَامِنٍ؛ لِأَنَّ لِلْعَبْدِ ذِمَّةً مُعْتَبَرَةً فِي إيجَابِ الدَّيْنِ فِيهَا لِلْمَوْلَى فَإِنَّ الدَّيْنَ لَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ إلَّا شَاغِلًا مَالِيَّةَ رَقَبَتِهِ وَمَالِيَّةَ حَقِّ مَوْلَاهُ.

  52. وَلَوْ قَالَ غَصَبْتُكَ هَذَا الْعَبْدَ أَمْسِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ اسْتِحْسَانًا وَفِي الْقِيَاسِ اسْتِثْنَاؤُهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الِاسْتِثْنَاءِ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَصِحُّ فِي الْإِنْشَاءَاتِ دُونَ الْإِخْبَارَاتِ وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: الِاسْتِثْنَاءُ يُخْرِجُ الْكَلَامَ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَزِيمَةً إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَيْثُ قَالَ {سَتَجِدُنِي إنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا} وَلَمْ يَصْبِرْ عَلَى ذَلِكَ وَالْوَعْدُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - كَالْعَهْدِ مِنْ غَيْرِهِمْ فَدَلَّ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُخْرِجٌ لِلْكَلَامِ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَزِيمَةً وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ اسْتَثْنَى فَلَهُ ثُنْيَاهُ» وَالْإِقْرَارُ لَا يَكُونُ مُلْزِمًا إلَّا كَلَامٌ هُوَ عَزِيمَةٌ لَكِنْ إنَّمَا يَعْمَلُ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ إذَا كَانَ مَوْصُولًا بِالْكَلَامِ لَا إذَا كَانَ مَفْصُولًا إلَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّهُ قَالَ يُعْمَلُ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَإِنْ كَانَ مَفْصُولًا اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا ثُمَّ قَالَ بَعْدَ سَنَةٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى» وَلَنَا نَقُولُ: الِاسْتِثْنَاءُ مُخْرِجٌ لِكَلَامِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَزِيمَةً فَكَانَ مُغَيِّرًا لِمُوجَبِ مُطْلَقِ الْكَلَامِ وَالتَّعْبِيرُ إنَّمَا يَصِحُّ مَوْصُولًا بِالْكَلَامِ لَا مَفْصُولًا فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْفَسْخِ وَالتَّبْدِيلِ وَالْمُقِرُّ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ فِي إقْرَارِهِ فَكَذَلِكَ لَا يَمْلِكُ الِاسْتِثْنَاءَ الْمَفْصُولَ وَهَذَا

  53. بِخِلَافِ الرُّجُوعِ مِنْ الْإِقْرَارِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ وَإِنْ كَانَ مَوْصُولًا؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُ نَفْيٌ لِمَا أَثْبَتَهُ فَكَانَ تَنَاقُضًا مِنْهُ وَالتَّنَاقُضُ لَا يَصِحُّ مَفْصُولًا كَانَ أَوْ مَوْصُولًا أَمَّا هَذَا بَيَانٌ فِيهِ تَعْبِيرٌ فَإِنَّ الْكَلَامَ نَوْعَانِ لَغْوٌ وَعَزِيمَةٌ فَبِالِاسْتِثْنَاءِ تَبَيَّنَ أَنَّ كَلَامَهُ لَيْسَ بِعَزِيمَةٍ وَبَيَانُ التَّعْبِيرِ يَصِحُّ مَوْصُولًا لَا مَفْصُولًا بِمَنْزِلَةِ التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ فَإِنَّهُ مُتَبَيَّنٌ أَنَّ صَدْرَ كَلَامِهِ لَمْ يَكُنْ إيقَاعًا بَعْدَ أَنْ كَانَ ظَاهِرًا مُقْتَضِيًا لِلْإِيقَاعِ فَصَحَّ ذَلِكَ مَوْصُولًا لَا مَفْصُولًا وَأَمَّا الْحَدِيثُ قُلْنَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بَعْدَ سَنَةٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى» لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِثْنَاءِ إنَّمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الِامْتِثَالِ لِمَا أُمِرَ بِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إذَا نَسِيتَ} . .

  54. وَلَوْ قَالَ غَصَبْتُكَ هَذَا الْعَبْدَ أَمْسِ إلَّا نِصْفَهُ صُدِّقَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ إذَا قُيِّدَ بِالِاسْتِثْنَاءِ يَصِيرُ عِبَارَةً عَمَّا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى لَا أَنْ يَكُونَ رُجُوعًا عَنْ الْقَدْرِ الْمُسْتَثْنَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا} مَعْنَاهُ تِسْعُمِائَةٍ وَخَمْسِينَ فَأَمَّا لَوْ جَعَلْنَاهُ فِي مَعْنَى الرُّجُوعِ كَانَ ذَلِكَ قَوْلًا بِالْغَلَطِ فَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ حَتَّى تَدَارَكَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ثُمَّ هَذَا بَيَانٌ فِيهِ تَعْبِيرٌ؛ لِأَنَّ صَدْرَ كَلَامِهِ

  55. إقْرَارٌ بِغَصْبِ مَا سُمِّيَ عَبْدًا وَبِالِاسْتِثْنَاءِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَغْصُوبَ لَمْ يَكُنْ عَبْدًا فَلَمَّا كَانَ تَعْبِيرًا صَحَّ مَوْصُولًا لَا مَفْصُولًا

  56. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ إلَّا مَلْبَسِهِ إلَّا عَلَى قَوْلِ الْقَرَّارِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ مِمَّا تَكَلَّمَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَتَكَلَّمْ بِذَلِكَ وَلَكِنَّا نُجَوِّزُهُ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا} {نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا} ؛

  57. وَلِأَنَّ طَرِيقَ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يُجْعَلَ عِبَارَةً عَمَّا وَرَاءِ الْمُسْتَثْنَى وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ وَإِنْ لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ الْعَرَبُ لَمْ يَمْتَنِعْ صِحَّتُهُ إنْ كَانَ مُوَافِقًا لِطَرِيقِهِمْ كَاسْتِثْنَاءِ الْكُسُورِ لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ الْعَرَبُ وَكَانَ صَحِيحًا وَلَوْ قَالَ إلَّا الْعَبْدَ كُلَّهُ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ بَاطِلًا؛

  58. لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ بِأَنْ جُعِلَ عِبَارَةً عَمَّا وَرَاءِ الْمُسْتَثْنَى فَإِنَّهُ لَا يَبْقَى وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى شَيْءٌ فَكَانَ هَذَا رُجُوعًا لَا اسْتِثْنَاءً وَالرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ بَاطِلٌ مَوْصُولًا كَانَ أَوْ مَفْصُولًا.

  59. وَلَوْ قَالَ غَصَبْتُكَ كَذَا

  60. وَكَذَا فَهُوَ إقْرَارٌ بِغَصْبِهِمَا فَإِنَّ حَرْفَ الْوَاوِ لِلْعَطْفِ وَالْعَطْفُ لِلِاشْتِرَاكِ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي الْخَبَرِ فَيَقُولُ الرَّجُلُ جَاءَنِي زَيْدٌ وَعُمَرُ فَيَكُونُ إخْبَارًا بِمَجِيئِهِمَا.

  61. فَإِذَا قَالَ غَصَبْتُهُ عَبْدًا أَوْ جَارِيَةً كَانَ إقْرَارًا بِغَصْبِهَا؛ لِأَنَّهُ خَبَرُ الْمَذْكُورِ أَوْ؛ لِأَنَّهُ مَغْصُوبٌ وَلَمْ يُذْكَرْ لِلثَّانِي خَبَرٌ يَسْتَقِلُّ بِهِ فَكَانَ الْخَبَرُ الْأَوَّلُ خَبَرًا لَهُ

  62. وَكَذَا خَبَرُ أَنْ يَقُولَ دَابَّةً مَعَ سَرْجِهَا؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ مَعَ لِلْقِرَانِ فَقَدْ قَرَنَ بَيْنَهُمَا فِي الْإِقْرَارِ بِفِعْلِ الْغَصْبِ فِيهِمَا إذْ لَا تَتَحَقَّقُ الْمُقَارَنَةُ مِنْهُ إلَّا فِي هَذَا

  63. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ كَذَا بِكَذَا نَحْوَ أَنْ يَقُولَ غَصَبْتُهُ فَرَسًا بِلِجَامِهِ أَوْ عَبْدًا بِمِنْدِيلِهِ فَهُوَ إقْرَارٌ بِغَصْبِهِمَا؛ لِأَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ فَيَصِيرُ هُوَ مُلْصِقًا الثَّانِيَ بِالْأَوَّلِ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ فِعْلِ الْغَصْبِ وَيَكُونُ مَبْنِيًّا أَنَّ عِنْدَ غَصْبِهِ كَانَ اللِّجَامُ مُلْصَقًا بِالدَّابَّةِ وَلَنْ يَتَحَقَّقَ الْإِلْصَاقُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ غَاصِبًا لَهُمَا

  64. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ كَذَا فَكَذَا نَحْوَ أَنْ يَقُولَ غَصَبْتُ عَبْدًا فَجَارِيَةً فَإِنَّ الْفَاءَ لِلْوَصْلِ وَفِيهِ مَعْنَى الْعَطْفِ عَلَى سَبِيلِ التَّعْقِيبِ وَلَنْ تَتَحَقَّقَ هَذِهِ الْمَعَانِي إلَّا بَعْدَ أَنْ كَانَ غَاصِبًا لَهُمَا

  65. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ كَذَا وَعَلَيْهِ كَذَا نَحْوَ أَنْ يَقُولَ غَصَبْتُهُ دَابَّةً عَلَيْهَا سَرْجُهَا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمَغْصُوبَ مَحَلًّا لِمَا ذَكَرَهُ آخِرًا فَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ غَاصِبًا لَهُمَا.

  66. وَإِنْ قَالَ كَذَا مِنْ كَذَا بِأَنْ قَالَ غَصَبْتُ مِنْدِيلًا مِنْ غُلَامِهِ أَوْ سَرْجًا مِنْ دَابَّتِهِ كَانَ إقْرَارًا بِالْغَصْبِ فِي الْأَوَّلِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ الِانْتِزَاعُ فَعَلَى أَنَّهُ انْتَزَعَ مَا أَقَرَّ بِغَصْبِهِ أَوَّلًا مِنْ مِلْكِهِ.

  67. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ يَقُولُ مِنْدِيلًا مِنْ رَأْسِهِ أَوْ ثَوْبًا مِنْ بَدَنِهِ فَلَا يُفْهَمُ الْإِقْرَارُ بِغَصْبِ الثَّوْبِ وَالْمِنْدِيلِ

  68. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ كَذَا عَلَيَّ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ غَصَبْتُهُ إكَافًا عَلَى حِمَارِهِ فَيَكُونُ إقْرَارًا بِغَصْبِ الْإِكَافِ خَاصَّةً، وَالْحِمَارُ مَذْكُورٌ لِبَيَانِ مَحَلِّ الْمَغْصُوبِ حِينَ أَخَذَهُ وَغَصْبُ الشَّيْءِ مِنْ مَحَلٍّ

  69. لَا يَكُونُ مُقْتَضِيًا غَصْبَ الْمَحَلِّ وَلَوْ قَالَ كَذَا فِي كَذَا وَإِنْ كَانَ الثَّانِي مِمَّا يَكُونُ وِعَاءً لِلْأَوَّلِ كَالْمَاءِ نَحْوَ ثَوْبٍ فِي مِنْدِيلٍ أَوْ طَعَامٍ فِي سَفِينَةٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ " فِي " حَقِيقَةً لِلظَّرْفِ فَهُوَ مُخْبِرٌ بِأَنَّ الثَّانِيَ كَانَ ظَرْفًا لِلْأَوَّلِ مَعَ غَصْبِهِ وَلَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إلَّا إذَا كَانَ غَصْبُهُ لَهُمَا

  70. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَمْرًا فِي قَوْصَرَّةٍ أَوْ حِنْطَةٍ فِي جَوَالِقَ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي هُوَ مِمَّا لَا يَكُونُ وِعَاءً لِلْأَوَّلِ نَحْوَ قَوْلِهِ غَصَبْتُكَ دِرْهَمَيْنِ فِي دِرْهَمٍ لَمْ يَلْزَمْهُ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ صَالِحٍ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِمَا أَقَرَّ بِغَصْبِهِ أَوَّلًا فَلُغِيَ آخِرُ كَلَامِهِ فَإِنْ (قِيلَ) كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ حَرْفَ " فِي " بِمَعْنَى حَرْفِ " مَعَ " ؛

  71. لِأَنَّ الْكَلَامَ مَعْمُولٌ بِمَجَازِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِحَقِيقَتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} (قُلْنَا) إذَا آلَ الْأَمْرُ إلَى الْمَجَازِ فَكَمَا يَحْتَمِلُ مَعْنَى " مَعَ " يَحْتَمِلُ مَعْنَى " عَلَى " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلِأُصَلِّبَنكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} أَيْ عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ فَإِنْ حُمِلَ عَلَيْهِ لَمْ يَلْزَمْ الثَّانِي وَإِنْ حُمِلَ عَلَى مَعْنَى " مَعَ " لَزِمَهُ وَالذِّمَّةُ فِي الْأَصْلِ بَرِيئَةٌ فَلَا يَجُوزُ شَغْلُهَا بِالشَّكِّ.

  72. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي مِمَّا يَكُونُ الْأَوَّلُ وَسَطَهُ نَحْوَ أَنْ يَقُولَ غَصَبْتُكَ ثَوْبًا فِي عَشَرَةِ أَثْوَابٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَيَلْزَمُهُ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَحَدَ عَشَرَ ثَوْبًا وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْعَشَرَةَ قَدْ تَكُونُ وِعَاءً لِلثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَإِنَّ الثَّوْبَ النَّفِيسَ قَدْ يُلَفُّ عَادَةً فِي الثِّيَابِ فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ حِنْطَةٌ فِي جُوَالِقٍ أَوْ يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ عَشَرَةَ أَثْوَابٍ فِي ثَوْبٍ وَالثَّوْبُ الْوَاحِدُ يَكُونُ وِعَاءً لِلْعَشَرَةِ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِمَا صَرَّحَ بِهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَعُلِّلَ لِأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْجَوَابِ وَقَالَ: إنَّ الْعَشَرَةَ لَا تَكُونُ وِعَاءً مَعْنَاهُ أَنَّ الْوِعَاءَ غَيْرُ الْمُوعَى وَالثَّوْبُ إذَا لُفَّ فِي ثِيَابٍ فَكُلُّ ثَوْبٍ يَكُونُ مُوعًى فِي حَقِّ مَا وَرَاءَهُ فَلَا يَكُونُ وِعَاءً إلَّا الثَّوْبُ الَّذِي هُوَ ثَوْبٌ ظَاهِرٌ فَإِذَا كَانَ لَا يَتَحَقَّقُ كَوْنُ الْعَشَرَةِ وِعَاءً لِلثَّوْبِ الْوَاحِدِ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَغْوًا وَحَمْلُهُ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ لَا مَعْنَى لَهُ فَإِنَّهُ اشْتِغَالٌ بِإِيجَابِ الْمَالِ فِي ذِمَّتِهِ بِالْمُحْتَمَلِ وَبِتَأْوِيلٍ هُوَ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.

  73. وَلَوْ قَالَ غَصَبْتُهُ كِرْبَاسًا فِي عَشَرَةِ أَثْوَابٍ حَرِيرٍ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَلْزَمُهُ الْكِرْبَاسُ وَعَشَرَةُ أَثْوَابٍ حَرِيرٍ؛ لِأَنَّ الْحَرِيرَ لَا يُجْعَلُ وِعَاءً لِلْكَرَابِيسِ عَادَةً.

  74. وَلَوْ قَالَ غَصَبْتُكَ طَعَامًا فِي بَيْتٍ كَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ طَعَامًا فِي سَفِينَةٍ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ قَدْ يَكُونُ وِعَاءً لِلطَّعَامِ فَيَكُونُ إقْرَارًا بِغَصْبِ الْبَيْتِ وَالطَّعَامِ إلَّا أَنَّ الطَّعَامَ يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ بِالْغَصْبِ وَالْبَيْتَ لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ؛

  75. لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُنْقَلُ وَلَا يُحَوَّلُ وَالْغَصْبُ الْمُوجِبُ لِلضَّمَانِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالنَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ وَإِنْ قَالَ لَمْ أُحَوِّلْ الطَّعَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ لَمْ يُصَدَّقْ فِي

  76. ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِغَصْبٍ تَامٍّ وَفِي الطَّعَامِ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِالنَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ فَكَانَ هُوَ فِي قَوْلِهِ: لَمْ أَنْقُلْهُ رَاجِعًا عَمَّا أَقَرَّ بِهِ فَلَمْ يُصَدَّقْ وَكَانَ ضَامِنًا لِلطَّعَامِ وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُوَ ضَامِنٌ لِلْبَيْتِ أَيْضًا وَمَسْأَلَةُ غَصْبِ الْعَقَارِ مَعْرُوفَةٌ.

  77. وَلَوْ قَالَ غَصَبْتُهُ يَوْمًا وَرَدَدْتُهُ عَلَيْهِ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى الرَّدِّ وَإِنْ كَانَ كَلَامًا مَوْصُولًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ إلَى بَيَانِ صَدْرِ الْكَلَامِ بَلْ هُوَ دَعْوَى مُبْتَدِئٍ أَيْ أَوْفَيْتُهُ مَا لَزِمَنِي مِنْ ضَمَانِ الْغَصْبِ وَإِقْرَارُهُ صَحِيحٌ فَأَمَّا دَعْوَاهُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ لَا تَكُونُ صَحِيحَةً وَلَكِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُنْكِرِ لِلرَّدِّ كَالْمُقِرِّ بِالدَّيْنِ إذَا ادَّعَى الْإِيفَاءَ وَالْإِبْرَاءَ كَلَامًا مَوْصُولًا

  78. وَلَوْ قَالَ غَصَبْتُهُ ثَوْبًا مِنْ عَيْنِهِ أَوْ تَمْرًا مِنْ قَوْصَرَّةٍ أَوْ طَعَامًا مِنْ بَيْتٍ أَوْ ظَهْرَ دَابَّةٍ ضَمِنَ التَّمْرَ وَالثَّوْبَ وَالطَّعَامَ خَاصَّةً لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ آخِرَ كَلَامِهِ كَانَ لِبَيَانِ أَنَّ انْتِزَاعَ الْمَغْصُوبِ كَانَ بَيْنَ هَذَا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ غَصَبْتُهُ ثَوْبًا مِنْ يَدِهِ يَكُونُ إقْرَارُهُ بِالْغَصْبِ فِي الثَّوْبِ دُونَ يَدِهِ فَكَذَلِكَ مَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

  1. (بَابُ إقْرَارِ الْمُفَاوَضَةِ بِالدَّيْنِ) قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِذَا أَقَرَّ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ بِدَيْنٍ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ مِنْ تِجَارَتِهِمَا يُوَحَّدُ شَرِيكُهُ بِهِ فِي الْحَالِ وَفِيهِ طَرِيقَانِ لَنَا: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُتَفَاوِضَيْنِ فِي حُقُوقِ التِّجَارَةِ صَارَا بِمَنْزِلَةِ شَخْصٍ وَاحِدٍ وَمُبَاشَرَةُ أَحَدِهِمَا سَبَبُ وُجُوبِ الدَّيْنِ كَمُبَاشَرَتِهِمَا وَالْإِقْرَارُ مِنْ بَابِ التِّجَارَةِ فَوُجُودُهُ مِنْ أَحَدِهِمَا كَوُجُودِهِ مِنْهُمَا وَالْأَصَحُّ أَنْ يَقُولَ وُجُوبُ الدَّيْنِ بِمُبَاشَرَةِ السَّبَبِ عَلَى مَنْ بَاشَرَهُ وَلَكِنَّ الشَّرِيكَ مُطَالَبٌ بِهِ بِسَبَبِ التَّحَمُّلِ الثَّابِتِ بِمُقْتَضَى صَدْرِ الْمُفَاوَضَةِ بَيْنَهُمَا؛

  2. لِأَنَّ عَقْدَ الْمُفَاوَضَةِ يَقْتَضِي الْوَكَالَةَ الْعَامَّةَ وَالْكَفَالَةَ الْعَامَّةَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ فِي دُيُونِ التِّجَارَةِ فَإِنَّهَا تَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ بِهَذَا فَالْمُفَاوِضُ الْمُقِرُّ وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِإِقْرَارِهِ حَتَّى إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فِي الصِّحَّةِ كَانَ مُطَالَبًا بِهِ فِي الْحَالِ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فِي الصِّحَّةِ فَحَقُّ غَرِيمِ الصِّحَّةِ مُقَدَّمٌ وَلَكِنَّ حَقَّ الْمُقَرِّ لَهُ فِي الْمَرَضِ ثَابِتٌ أَيْضًا حَتَّى إذَا فَرَغَتْ التَّرِكَةُ مِنْ حَقِّ غَرِيمِ الصِّحَّةِ صَرَفَ الْمُقَرُّ لَهُ فِي الْمَرَضِ وَإِذَا ثَبَتَ الْوُجُوبُ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ صَارَ الشَّرِيكُ مُطَالَبًا بِهِ بِحُكْمِ الْكَفَالَةِ وَتَأَخُّرِهِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ لِمَكَانِ دَيْنِ الصِّحَّةِ لَا يُوجِبُ التَّأْخِيرَ فِي الشَّرِيكِ كَالْعَبْدِ الْمَحْجُورِ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِدَيْنٍ وَيَكْفُلُ الْبَيَانَ عَنْهُ، يُؤَاخِذُ الْكَفِيلَ فِي الْحَالِ بِهِ وَإِنْ كَانَ مُؤَخَّرًا فِي حَقِّ الْأَصْلِ إلَى مَا بَعْدَ الْعِتْقِ وَهَذَا لَا تَأْجِيلَ فِي أَصْلِ الْمَالِ إنَّمَا التَّأْخِيرُ لِضَرُورَةِ انْعِدَامِ مَحَلِّ الْقَضَاءِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي حَقِّ الْكَفِيلِ فَيَكُونُ مُطَالَبًا فِي الْحَالِ بِإِيفَائِهِ وَلَوْ كَانَ

  3. الْمُفَاوِضُ الْمَرِيضَ أَقَرَّ لِوَارِثِهِ بِدَيْنٍ لَمْ يُلْزِمْهُ شَرِيكَهُ.

  4. وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الصَّحِيحَ هُوَ الطَّرِيقُ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ لَوْ جُعِلَ إقْرَارُ أَحَدِهِمَا لَصَارَ الشَّرِيكُ الْآخَرُ مُطَالَبًا بِالْمَالِ هُنَا وَلَكِنَّ إقْرَارَ الْمَرِيضِ لِوَارِثِهِ بَاطِلٌ فَلَمْ يَجِبْ بِهِ الْمَالُ فِي ذِمَّةِ الْمُقِرِّ وَالْوُجُوبُ عَلَى الشَّرِيكِ بِحُكْمِ الْكَفَالَةِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْمَالُ وَاجِبًا عَلَى الْأَصِيلِ لَا يَجِبُ عَلَى الْكَفِيلِ خِلَافَ الْأَوَّلِ فَإِنَّ إقْرَارَهُ لِلْأَجْنَبِيِّ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ مُؤَخَّرًا عَنْ حَقِّ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ فَوَجَبَ بِهِ الْمَالُ عَلَى الْأَصِيلِ وَصَارَ الْكَفِيلُ مُطَالَبًا بِهِ بِحُكْمِ الْكَفَالَةِ

  5. وَكَذَلِكَ لَوْ كَفَلَ لِوَارِثِهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ كَفَالَةَ الْمَرِيضِ لِوَارِثِهِ بَاطِلَةٌ غَيْرُ مُوجِبَةٍ الْمَالَ عَلَيْهِ فَأَمَّا إذَا كَفَلَ لِلْأَجْنَبِيِّ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُؤَاخَذُ بِهِ شَرِيكُهُ سَوَاءٌ كَفَلَ بِأَمْرِ الْأَصِيلِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يُؤَاخَذُ الشَّرِيكُ بِهِ

  6. وَكَذَلِكَ إنْ أَقَرَّ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ بِكَفَالَةٍ فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُؤَاخَذُ بِهِ شَرِيكُهُ وَعِنْدَهُمَا لَا يُؤَاخَذُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حُجَّتُهُمَا أَنَّ دَيْنَ الْكَفَالَةِ لَيْسَ مِنْ دَيْنِ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ لَا يَنْزِعُ مَا هُوَ تَبَرُّعٌ.

  7. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ حَصَلَ مِنْ الْمَرِيضِ كَانَ مُعْتَبَرًا مِنْ الثُّلُثِ وَلَوْ حَصَلَ مِنْ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ وَالْمُكَاتَبِ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا وَمَا وَجَبَ عَلَى أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ لَا بِجِهَةِ التِّجَارَةِ لَا يَكُونُ شَرِيكُهُ مُطَالَبًا بِهِ كَمَا يَجِبُ مِنْ مَهْرِ امْرَأَتِهِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ بِجِنَايَتِهِ وَكَلَامُهُمَا يَتَّضِحُ فِي الْكَفَالَةِ بِغَيْرِ الْأَصْلِ فَإِنَّهُ تَبَرُّعٌ مَحْضٌ حَتَّى لَا يَسْتَوْجِبَ الْكَفِيلُ الرُّجُوعَ عَلَى الْأَصِيلِ عِنْدَ الْأَدَاءِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - طَرِيقَانِ: الْأَوَّلُ أَنَّ هَذَا الدَّيْنَ وَجَبَ بِمَا هُوَ مِنْ مُتَضَمَّنَاتِ عَقْدِ الْمُفَاوَضَةِ فَيَكُونُ الشَّرِيكُ مُطَالَبًا بِهِ كَالْوَاجِبِ بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ إذَا تَوَكَّلَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْغَيْرِ بِالشِّرَاءِ وَبَيَانُهُ فِيمَا قُلْنَا أَنَّ عَقْدَ الْمُفَاوَضَةِ يَقْتَضِي الْوَكَالَةَ الْعَامَّةَ وَالْكَفَالَةَ الْعَامَّةَ وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ التِّجَارَةِ؛

  8. لِأَنَّ عَقْدَ الْمُفَاوَضَةِ يَتَضَمَّنُ مَا هُوَ مِنْ جِنْسِ التِّجَارَةِ.

  9. الثَّانِي أَنَّ فِي الْكَفَالَةِ مَعْنَى الْبُيُوعِ فِي الِابْتِدَاءِ وَلَكِنَّهُ مُفَاوَضَةُ أَيِّهِمَا خُصُوصًا فِي الْكَفَالَةِ بِالْأَمْرِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا يُؤَدِّي إلَى الْأَصِيلِ فَفِي حَقِّ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمَرِيضِ اعْتَبِرْنَا مَعْنَى التَّبَرُّعِ فِيهِ فِي الِابْتِدَاءِ فَلَمْ يَكُنْ صَحِيحًا وَفِي حَقِّ الْمُفَاوِضِ اعْتَبِرْنَا مَعْنَى الْمُفَاوَضَةِ فِي الِانْتِهَاءِ؛

  10. لِأَنَّهُ صَحِيحٌ فِي حَقِّ مَنْ بَاشَرَ سَبَبَهُ فَإِذَا صَحَّ انْقَلَبَتْ مُفَاوَضَةً فَعِنْدَ صَيْرُورَةِ الشَّرِيكِ الْآخَرِ مُطَالِبًا لَهُ فِي الْحَالِ وَتَأَخَّرَ فِي حَقِّ الْمَرِيضِ عَنْ حَقِّ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الشَّرِيكِ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ إقْرَارِهِ بِنَفْسِهِ وَهُوَ لَوْ أَقَرَّ بِنَفْسِهِ تَأَخَّرَ عَنْ حَقِّ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ فَكَذَلِكَ مَا لَزِمَ بِإِقْرَارِ شَرِيكِهِ أَوْ يُجْعَلُ هَذَا كَإِقْرَارِهِمَا جَمِيعًا فَإِنْ (قِيلَ) كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي حَقِّ الْمَرِيضِ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ؛

  11. لِأَنَّ الْوُجُوبَ عَلَيْهِ كَانَ لِسَبَبِ

  12. الْكَفَالَةِ عَنْ شَرِيكِهِ وَكَفَالَةُ الْمَرِيضِ مُعْتَبَرَةٌ مِنْ ثُلُثِهِ (قُلْنَا) هَذَا إذْ لَوْ كَانَتْ مُبَاشَرَةُ الْكَفَالَةِ فِي الْمَرَضِ وَهُنَا الْكَفَالَةُ بِمُقْتَضَى عَقْدِ الْمُفَاوَضَةِ فَإِنَّمَا كَانَ فِي حَالِ الصِّحَّةِ فَالْوُجُودُ وَإِنْ حَصَلَ فِي حَالَةِ الْمَرَضِ لَمَا كَانَ سَبَبُهُ مَوْجُودًا فِي حَالِ الصِّحَّةِ فَالْوَاجِبُ كَانَ مُعْتَبَرًا مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ فَإِنْ (قِيلَ) إذَا كَانَ سَبَبُهُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ عَنْ حَقِّ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ

  13. (قُلْنَا) وُجُوبُ الدَّيْنِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ السَّبَبِ إنَّمَا حَصَلَ فِي الْمَرَضِ فَكَانَ ذَلِكَ مَزِيدَ الْمَرَضِ لِهَذَا الْمَرِيضِ؛ وَلِأَنَّ إقْرَارَ الْغَيْرِ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ أَبْعَدَ مِنْ إقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ أَقَرَّ الصَّحِيحُ لِوَارِثِ الْمَرِيضِ بِدَيْنٍ لَزِمَ الصَّحِيحَ كُلُّهُ دُونَ الْمَرِيضِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الصَّحِيحِ فِي حَقِّ الْمَرِيضِ كَإِقْرَارِهِ بِنَفْسِهِ وَإِقْرَارُهُ لِوَارِثِهِ بَاطِلٌ فَكَذَلِكَ إقْرَارُ الصَّحِيحِ فِي حَقِّهِ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ امْتِنَاعِ وُجُوبِ الْمَالِ عَلَى الْكَفِيلِ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَى الْأَصِيلِ فَلِهَذَا وَجَبَ الْمَالُ عَلَى الصَّحِيحِ فَإِنْ (قِيلَ) إقْرَارُ الْمَرِيضِ لِوَارِثِهِ إنَّمَا لَا يَصِحُّ لِتُهْمَةِ الْإِيثَارِ وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي حَقِّ إقْرَارِ شَرِيكِهِ (قُلْنَا) لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَتَمَكَّنُ تُهْمَةُ الْمُوَاضَعَةِ هُنَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ إقْرَارَهُ لِوَارِثِهِ بِنَفْسِهِ لَا يَصِحُّ لِشَرِيكِهِ لِتَقَرُّبِهِ لَهُ ثُمَّ يُسْتَوْفَى مِنْ مَالِ الْمَرِيضِ فَلْيُمَكِّنْ هَذِهِ التُّهْمَةَ؛

  14. (قُلْنَا) لَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ فِي حَقِّ الْمَرِيضِ وَلَا تُهْمَةَ فِي مَا يُقِرُّ لَهُ الشَّرِيكُ عَلَى نَفْسِهِ فِي حَقِّهِ فَكَانَ هُوَ مُطَالَبًا بِالْمَالِ.

  15. وَلَوْ كَانَ الْمُفَاوِضُ قَالَ لِرَجُلٍ مَا ذَابَ لَكَ عَلَى فُلَانٍ فَهُوَ عَلَيَّ أَوْ مَا وَجَبَ لَكَ عَلَيْهِ أَوْ مَا قُضِيَ لَكَ عَلَيْهِ ثُمَّ مَرِضَ ثُمَّ أَقَرَّ فُلَانٌ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لِذَلِكَ الرَّجُلِ وَقُضِيَ بِهَا لَهُ عَلَيْهِ لَزِمَ الْمَرِيضَ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ؛

  16. لِأَنَّ وُجُوبَ هَذَا الْمَالِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ بِطَرِيقِ الْكَفَالَةِ وَلَكِنْ صَحَّ سَبَبُهُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ وَلَزِمَ حَتَّى لَوْ أَرَادَ الرُّجُوعَ عَنْهُ لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الدُّيُونِ فِي كَوْنِهِ مُعْتَبَرًا مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ.

  17. (أَلَا تَرَى) أَنَّ الصَّحِيحَ لَوْ ضَمِنَ الدَّرَكَ عَنْ رَجُلٍ فِي دَارٍ بَاعَهَا ثُمَّ مَرِضَ فَلَزِمَ الدَّرَكُ كَانَ مُطَالَبًا مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ لَزِمَ فِي حَالِ الصِّحَّةِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ فَكَانَ مُعْتَبَرًا مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ لَزِمَ فِي حَالِ الصِّحَّةِ هُنَا؛

  18. لِأَنَّ الْوُجُوبَ مُسْتَنِدٌ إلَى سَبَبِهِ وَلَمَّا تَمَّ السَّبَبُ هُنَا وَلَزِمَهُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ اسْتَنَدَ حُكْمُ الْوُجُوبِ إلَيْهِ فَلِهَذَا كَانَ مُزَاحِمًا لِغُرَمَاءِ الصِّحَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

  1. (بَابُ الْإِقْرَارِ لِمَا فِي الْبَطْنِ) (قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْإِقْرَارُ لِمَا فِي الْبَطْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا أَنْ يُبَيِّنَ سَبَبًا صَالِحًا مُسْتَقِيمًا بِأَنْ يَقُولَ: لِمَا فِي بَطْنِ فُلَانَةَ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ جِهَةِ مِيرَاثٍ وَرِثَهُ عَنْ أَبِيهِ فَاسْتَهْلَكَتْهُ

  2. أَوْ وَصِيَّةٌ أَوْصَى بِهَا بِمَا لَهُ فَاسْتَهْلَكَتْهُ فَهَذَا صَحِيحٌ)؛ لِأَنَّهُ بَيَّنَ سَبَبًا مُسْتَقِيمًا لَوْ عَايَنَهُ حَكَمْنَا بِوُجُوبِ الْمَالِ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ إذَا ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ هَذَا؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ فِي الْحَقِيقَةِ لِلْمُوَرِّثِ وَالْمُوصِي فَإِنَّ الْمَالَ مَنْفِيٌّ عَلَى حَقِّهِ مَا لَمْ يَصْرِفْهُ إلَى وَارِثِهِ أَوْ إلَى مَنْ أَوْصَى لَهُ بِهِ

  3. وَكَذَلِكَ الْمُوَرِّثُ وَالْمُوصِي مِنْ أَهْلِ الْإِقْرَارِ لَهُ فَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ قَالَ لِدَابَّةِ فُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ أَوْصَى لَهُ بِالْعَلَفِ فَاسْتَهْلَكَتْهُ ثُمَّ إنْ وَلَدَتْ وَلَدًا حَيًّا فَالْمُقَرُّ بِهِ لَهُ وَإِنْ وَلَدَتْهُ مَيِّتًا فَالْمَالُ مَرْدُودٌ عَلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ وَالْمُوصِي،

  4. وَإِنْ جَاءَتْ بِوَلَدَيْنِ أَحَدُهُمَا ذَكَرٌ وَالْآخَرُ أُنْثَى فَفِي الْوَصِيَّةِ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَفِي الْمِيرَاثِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُقِرِّ فِي بَيَانِ السَّبَبِ مَقْبُولٌ، وَهَذَا إذَا وَضَعَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ مَاتَ الْمُوصِي وَالْمُوَرِّثُ حَتَّى عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَإِنْ وَضَعَتْهُ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ؛

  5. لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مُعْتَدَّةً فَحِينَئِذٍ إذَا جَاءَتْ بِالْوَلَدِ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ حَتَّى حُكِمَ بِثُبُوتِ السَّبَبِ فِي ذَلِكَ حُكْمًا بِوُجُودِهِ فِي الْبَطْنِ حِينَ مَاتَ الْمُوصِي وَالْمُوَرِّثُ.

  6. الْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يُبَيِّنَ سَبَبًا بِمُسْتَحِيلٍ بِأَنْ يَقُولَ لِمَا فِي بَطْنِ فُلَانَةَ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ ثَمَنُ بَيْعٍ بَايَعَتْهُ أَوْ قَرْضٍ أَقْرَضَتْهُ فَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْمُبَايَعَةَ وَالْإِقْرَاضَ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْ الْجَنِينِ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا أَمَّا الْحَقِيقَةُ فَلَا يُشْكِلُ وَأَمَّا الْحُكْمُ فَلِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِأَحَدٍ عَلَى الْجَنِينِ حَتَّى يَكُونَ تَصَرُّفُهُ بِمَنْزِلَةِ تَصَرُّفِ الْجَنِينِ فَيَصِيرُ مُضَافًا إلَيْهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَاذَا كَانَ مَا سَبَّبَهُ مِنْ السَّبَبِ مُحَالًا صَارَ كَلَامُهُ لَغْوًا فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فَإِنْ (قِيلَ) هَذَا يَكُونُ رُجُوعًا عَنْ إقْرَارِهِ بِإِذْنٍ وَالرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ لَا يَصِحُّ وَإِنْ كَانَ مَوْصُولًا (قُلْنَا) لَا كَذَلِكَ بَلْ هُوَ بَيَانُ السَّبَبِ مُحْتَمَلٌ فَقْدُ نَسَبِهِ عَلَى الْجَاهِلِ فَيَظُنُّ أَنَّ الْجَنِينَ يَثْبُتُ عَلَيْهِ الْوِلَايَةُ كَالْمُنْفَصِلِ فَيُعَامِلُهُ ثُمَّ يُقِرُّ بِذَلِكَ الْمَالِ لِلْجَنِينِ بِنَاءً عَلَى ظَنِّهِ وَتَبَيُّنِ سَبَبِهِ ثُمَّ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ السَّبَبَ كَانَ بَاطِلًا فَكَانَ كَلَامُهُ بَيَانًا لَا رُجُوعًا فَلِهَذَا كَانَ مَقْبُولًا مِنْهُ.

  7. وَالثَّالِثُ أَنْ يُقِرَّ لِلْجَنِينِ بِمَالٍ مُطْلَقٍ مِنْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ فَيَقُولُ لِمَا فِي بَطْنِ فُلَانَةَ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، أَوْ هَذَا الْعَيْنُ مِلْكٌ لِمَا فِي بَطْنِ فُلَانَةَ فَوَلَدَتْ لِمُدَّةٍ يُعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ فِي الْبَطْنِ وَقْتَ الْإِقْرَارِ فَالْإِقْرَارُ بَاطِلٌ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْإِقْرَارُ صَحِيحٌ.

  8. وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ مُطْلَقَ كَلَامِ الْعَاقِلِ مَحْمُولٌ عَلَى الصِّحَّةِ مَا أَمْكَنَ؛ لِأَنَّ عَقْلَهُ وَدِينَهُ يَدْعُو بِهِ إلَى التَّكَلُّمِ بِمَا هُوَ صَحِيحٌ لَا بِمَا هُوَ لَغْوٌ فَيُجْعَلُ مُطْلَقُ إقْرَارِهِ صَحِيحًا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ بَيَّنَ سَبَبًا صَحِيحًا لِإِقْرَارِهِمَا وَهَذَا لِأَنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ مَهْمَا أَمْكَنَ إعْمَالُهُ لَا يَجُوزُ إبْطَالُهُ وَالْجَنِينُ جُعِلَ فِي حُكْمِ الْمُنْفَصِلِ حَتَّى يَصِحَّ الْإِقْرَارُ وَسَبَبُهُ وَيَصِحَّ إعْتَاقُهُ وَالْإِقْرَارُ يَعْتِقُهُ وَيَرِثُ وَيُوصِي لَهُ

  9. فَكَمَا أَنَّ الْإِقْرَارَ لِلْمُنْفَصِلِ بِالْمَالِ مُطْلَقًا يَكُونُ إقْرَارًا صَحِيحًا فَكَذَلِكَ الْإِقْرَارُ بِهِ لِلْجَنِينِ وَلِأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ مُطْلَقَ الْإِقْرَارِ بِالْمَالِ مَحْمُولٌ عَلَى الِالْتِزَامِ بِالْعَقْدِ فَكَأَنَّهُ أَقَرَّ بِهِ وَهَذَا لِأَنَّ دِينَهُ وَعَقْلَهُ يَمْنَعَانِهِ مِنْ الِاسْتِهْلَاكِ وَيَدْعُو بِهِ إلَى الِالْتِزَامِ بِالْعَقْدِ فَيَجِبُ حَمْلُ مُطْلَقِ إقْرَارِهِ عَلَيْهِ.

  10. (أَلَا تَرَى) أَنَّ أَحَدَ الْمُتَفَاوِضَيْنِ إذَا أَقَرَّ بِمَالٍ مُطْلَقٍ يَلْزَمُ شَرِيكَهُ، وَالْعَبْدُ الْمَأْذُونُ إذَا أَقَرَّ بِالْمَالِ مُطْلَقًا يَصِحُّ إقْرَارُهُ وَيُؤْخَذُ بِهِ فِي الْحَالِ وَكَانَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ حَمْلِ مُطْلَقِ الْإِقْرَارِ عَلَى جِهَةِ التِّجَارَةِ فَكَذَلِكَ هُنَا يُحْمَلُ مُطْلَقُ إقْرَارِهِ عَلَى جِهَةِ التِّجَارَةِ فَكَأَنَّهُ بَيَّنَ جِهَةَ التِّجَارَةِ؛

  11. وَلِأَنَّ الْإِقْرَارَ ابْتِدَاءً هُنَا يَقَعُ لِلْجَنِينِ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ حَقُّ ابْتِدَاءٍ مَا لَمْ يَنْفَصِلْ وَلِهَذَا لَا يَلِي عَلَيْهِ أَحَدٌ؛ لِأَنَّهُ مَا دَامَ مُخْتَبِئًا فِي الْبَطْنِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْإِجْرَاءِ وَالْإِبْعَاضِ فَأَمَّا الْعِتْقُ وَالْوَصِيَّةُ مِمَّا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ فَيُجْعَلُ كَالْمُضَافِ إلَى مَا بَعْدَ الِانْفِصَالِ وَالْإِقْرَارُ بِالسَّبَبِ لَيْسَ بِإِيجَابِ حَقٍّ لَهُ ابْتِدَاءً بَلْ إخْبَارٌ بِأَنَّهُ عَلِقَ مِنْ مَائِهِ وَالْإِقْرَارُ بِاسْتِهْلَاكِ مِيرَاثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ لَهُ لَا يَكُونُ إيجَابًا لِلْجَنِينِ ابْتِدَاءً بَلْ يَكُونُ إقْرَارًا لِلْمُوَرِّثِ وَالْمُوصِي ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ بِسَبَبِ الْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ إنْ انْفَصَلَ حَيًّا أَمَّا هَذَا إيجَابُ الْحَقِّ لِلْجَنِينِ ابْتِدَاءً وَهُوَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِذَلِكَ فَلِهَذَا بَطَلَ إقْرَارُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

  1. (بَابُ الْإِقْرَارِ بِالْعَارِيَّةِ) (قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:

  2. وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ أَنَّ هَذَا الثَّوْبَ أَوْ هَذِهِ الدَّارَ عِنْدَهُ عَارِيَّةٌ بِمِلْكِ فُلَانٍ أَوْ بِمِيرَاثِهِ أَوْ بِحَقِّ فُلَانٍ هَذَا كُلُّهُ إقْرَارٌ) ؛ لِأَنَّ الْبَاءَ فِي الْأَصْلِ لِلْإِلْصَاقِ، فَقَدْ جَعَلَ الْمُقَرَّ بِهِ مُلْصَقًا بِمِلْكِ فُلَانٍ وَمِيرَاثِهِ وَحَقِّهِ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ هَذَا الْإِلْصَاقُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَهُ وَكَالَةٌ، وَقَدْ تَكُونُ الْبَاءُ صِلَةً كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ} ،

  3. وَإِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى مَعْنَى الصِّلَةِ هُنَا كَانَ إقْرَارًا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ تَقْدِيرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ مِلْكُ فُلَانٍ أَوْ مِيرَاثُ فُلَانٍ أَوْ حَقُّ فُلَانٍ، وَقَدْ تَكُونُ الْبَاءُ لِلتَّبْعِيضِ أَيْضًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} اقْتَضَى الْمَسْحَ بِبَعْضِ الرَّأْسِ،

  4. وَإِذَا حُمِلَ عَلَى هَذَا كَانَ إقْرَارًا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمُقَرَّ بِهِ بَعْضَ مِلْكِهِ وَمِيرَاثِهِ وَحَقِّهِ.

  5. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ عَارِيَّةً عِنْدِي مِنْ مِلْكِ فُلَانٍ أَوْ مِنْ مِيرَاثِهِ أَوْ مِنْ حَقِّهِ؛ لِأَنَّ " مِنْ " فِي الْأَصْلِ لِلتَّبْعِيضِ فَذَلِكَ إقْرَارٌ يَكُونُ الْمُقَرُّ بِهِ بَعْضَ مِلْكِهِ، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ صِلَةً كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} وقَوْله تَعَالَى {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الْأَوْثَانِ} ،

  6. وَإِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى الصِّلَةِ فَهُوَ إقْرَارٌ أَيْضًا، وَقَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى الْبَاءِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} يَعْنِي بِأَمْرِ اللَّهِ فَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى هَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ، وَقَدْ تَكُونُ " مِنْ " لِلتَّمْيِيزِ كَمَا يُقَالُ سَيْفٌ مِنْ حَدِيدٍ وَخَاتَمٌ مِنْ فِضَّةٍ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ إقْرَارًا أَيْضًا؛

  7. لِأَنَّهُ مَيَّزَ الْمُقَرَّ بِهِ عَنْ سَائِرِ مَا فِي يَدِهِ بِإِقْرَارِهِ أَنَّهُ لِلْمُقِرِّ.

  8. وَلَوْ قَالَ عَارِيَّةٌ عِنْدِي لِمِلْكِ فُلَانٍ أَوْ لِمِيرَاثِهِ كَانَ إقْرَارًا أَيْضًا،

  9. وَلَوْ قَالَ: وَالثَّوْبُ وَالدَّابَّةُ عَارِيَّةٌ عِنْدِي لِحَقِّ فُلَانٍ، لَا يَكُونُ إقْرَارًا لِأَنَّ اللَّامَ قَدْ تَكُونُ لِلتَّأْكِيدِ، وَقَدْ تَكُونُ لِلْوَقْتِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} وقَوْله تَعَالَى {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} . وَقَدْ تَكُونُ لِلتَّمْلِيكِ، وَقَدْ تَكُونُ لِلتَّعْلِيلِ فَعَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ حُمِلَ قَوْلُهُ لِمِلْكِ فُلَانٍ أَوْ لِمِيرَاثِ فُلَانٍ إقْرَارًا مُؤَكَّدًا،

  10. وَأَمَّا إذَا قَالَ لِحَقِّ فُلَانٍ فَنَقُولُ: اللَّامُ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى الْمُجَازَاةِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِغَيْرِهِ أَكْرَمْتُكَ لِتُكْرِمَنِي وَزُرْتُكَ لِتَزُورَنِي، وَقَدْ تَكُونُ لِبَيَانِ الْحُرْمَةِ كَالرَّجُلِ يُرِيدُ أَنْ يَضْرِبَ عَبْدَهُ فَنَهَاهُ الْغَيْرُ فَيَقُولُ تَرَكْتُهُ لَكَ أَيْ لِحُرْمَتِكَ وَشَفَاعَتِكَ فَهُنَا قَوْلُهُ لِحَقِّ

  11. فُلَانٍ يَحْتَمِلُ مَعْنَى الشَّفَاعَةِ وَالْحُرْمَةِ يَعْنِي لِأَجْلِ شَفَاعَتِهِ وَحُرْمَتِهِ إعَادَةُ صَاحِبِهِ، فَهُنَا قَوْلُهُ " مِنِّي " فَلَمَّا احْتَمَلَ هَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَجْعَلْ إقْرَارًا لَهُ بِالشَّكِّ

  12. بِخِلَافِ قَوْلِهِ لِمِلْكِ فُلَانٍ أَوْ لِمِيرَاثِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَحْتَمِلُ مَعْنَى الْحُرْمَةِ وَالشَّفَاعَةِ.

  13. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: هَذَا الْأَلْفُ مُضَارَبَةً عِنْدِي لِحَقِّ فُلَانٍ لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِمَعْنَى الْحُرْمَةِ وَالشَّفَاعَةِ أَيْ إنَّمَا رَفَعَهَا صَاحِبُهَا إلَى مُضَارَبَةٍ لِأَجْلِ شَفَاعَةِ فُلَانٍ وَحُرْمَتِهِ

  14. بِخِلَافِ مَا لَوْ أَقَرَّ بِالْقَرْضِ لِحَقِّ فُلَانٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ إقْرَارًا؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ لَا تُجْزِئُ فِيهِ الشَّفَاعَةُ عَادَةً إنَّمَا تُجْزِئُ فِيهِ الْكَفَالَاتُ، فَإِذَنْ انْتَفَى مَعْنَى الشَّفَاعَةِ فِي الْقَرْضِ فَبَقِيَ إقْرَارًا لِمِلْكِهِ

  15. بِخِلَافِ الْعَوَارِيِّ وَالْمُضَارَبَةِ فَإِنَّهُ تُجَزِّئُ فِيهِمَا الشَّفَاعَاتُ عَادَةً.

  16. وَلَوْ قَالَ: هَذِهِ الدَّرَاهِمُ عِنْدِي عَارِيَّةٌ لِحَقِّ فُلَانٍ فَهَذَا إقْرَارٌ لَهُ بِهَا لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ فِي الدَّرَاهِمِ قَرْضٌ فَكَانَ هَذَا وَالْإِقْرَارُ بِالْقَرْضِ سَوَاءٌ بِخِلَافِ الدَّابَّةِ وَالثَّوْبِ.

  17. وَلَوْ قَالَ: أَخَذْتُ هَذَا الثَّوْبَ مِنْكَ عَارِيَّةً، وَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: بَلْ أَخَذْتُهُ مِنِّي بَيْعًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآخِذِ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُمَا تَصَادَقَا عَلَى أَنَّ الْأَخْذَ حَصَلَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَى الْآخِذِ بِاعْتِبَارِ عَقْدِ الضَّمَانِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ لَهُ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ.

  18. وَهَذَا إذَا لَمْ يَلْبَسْهُ،

  19. فَإِنْ لَبِسَهُ فَهَلَكَ كَانَ ضَامِنًا لَهُ؛ لِأَنَّ لُبْسَ ثَوْبِ الْغَيْرِ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَى اللَّابِسِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِإِذْنٍ مِنْ صَاحِبِهِ، وَاللَّابِسُ وَصَاحِبُهُ مُنْكِرَانِ،

  20. فَإِنْ (قِيلَ) لَا كَذَلِكَ فَإِنَّ بَيْعَ الثَّوْبِ مِنْ الْغَيْرِ تَسْلِيطٌ مِنْهُ عَلَى لُبْسِهِ فَلَمَّا أَقَرَّ صَاحِبُهُ بِالْبَيْعِ، فَقَدْ ثَبَتَ الْإِذْنُ فِي اللُّبْسِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَضْمَنَ اللَّابِسُ كَمَا قُلْنَا فِي الْآخِذِ (قُلْنَا) التَّسْلِيطُ بِإِيجَابِ الْبَيْعِ مِنْ حَيْثُ التَّمْلِيكُ لِيَلْبَسَ مِلْكَ نَفْسِهِ،

  21. فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ لَهُ لِإِنْكَارِهِ لَمْ يَثْبُتْ تَسْلِيطُ صَاحِبِهِ إيَّاهُ عَلَى لُبْسِهِ، وَهُوَ فِي اللُّبْسِ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ، وَذَلِكَ سَبَبٌ مُوجِبٌ الضَّمَانَ عَلَيْهِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ

  22. بِخِلَافِ الْآخِذِ، فَقَدْ يَكُونُ فِي الْآخِذِ عَامِلًا لِلْمَأْخُوذِ مِنْهُ كَالْمُودِعِ فِي أَخْذِ الْوَدِيعَةِ لِيَحْفَظَهَا فَلَا يَتَقَرَّرُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ بِالْإِقْرَارِ بِالْأَخْذِ إذَا لَمْ يُنْكِرْ صَاحِبُهُ أَصْلَ الْإِذْنِ

  23. الْإِذْنِ وَلَوْ قَالَ: أَقْرَضَنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: لَا بَلْ غَصَبَنِي فَالْمُقِرُّ ضَامِنٌ لَهَا؛ لِأَنَّهُمَا تَصَادَقَا عَلَى كَوْنِ الْمَالِ مَضْمُونًا عَلَيْهِ لِلْمُقَرِّ لَهُ،

اعرض ٢٬٤٥٧ مسألة أخرى
المالكية
كتاب آخر
مختصر خليلخليل، ١٣٥ مسألة
  1. يؤاخذ المكلف بلا حجر بإقراره لأهل لم يكذبه ولم يتهم

  2. كالعبد في غير المال

  3. وأخرس

  4. وَمَرِيضٍ إنْ وَرِثَهُ وَلَدٌ لِأَبْعَدَ

  5. أَوْ لِمُلَاطِفِهِ

  6. أو لمن لم يرثه

  7. أو المجهول حاله:

  8. كزوج علم بغضه لها

  9. أو جهل وورثه ابن أو بنون

  10. إلا أن تنفرد بالصغير

  11. ومع الإناث والعصبة قولان

  12. كإقراره للولد العاق

  13. أَوْ لِأُمِهْ

  14. أَوْ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُقِرَّ له أبعد وأقرب

  15. لا المساوي والأقرب

  16. كأخرني لسنة وأنا أقر

  17. ورجع للخصومة

  18. وَلَزِمَ لِحَمْلٍ إنْ وُطِئَتْ وَوَضْعٍ لِأَقَلِّهِ

  19. وَإِلَّا فلأكثره

  20. وسوى بين توأميه

  21. إلا لبيان الفضل

  22. بعلي أَوْ فِي ذِمَّتِي أَوْ عِنْدِي أَوْ أَخَذْت منك

  23. ولو زاد إنْ شَاءَ اللَّهُ

  24. أَوْ قَضَى

  25. أَوْ وَهَبْته لي

  26. أو بعته

  27. أو وفيته

  28. أو أقرضتني

  29. أو ما أقرضتني

  30. أو ألم تقرضني

  31. أَوْ سَاهِلْنِي

  32. أَوْ اتَّزِنْهَا مِنِّي

  33. أَوْ لَأَقْضَيْتُكَ الْيَوْمَ

  34. أَوْ نَعَمْ أَوْ بَلَى أَوْ أَجَلٌ جوابا لا ليس لي عندك

  35. أو ليست لي ميسرة

  36. لَا أُقِرُّ

  37. أَوْ: عَلَيَّ أَوْ: عَلَى فُلَانٍ

  38. أَوْ مِنْ أَيِّ ضَرْبٍ تَأْخُذُهَا مَا أَبْعَدَك منها

  39. وَفِي حَتَّى يَأْتِيَ وَكِيلِي وَشَبَهُهُ أَوْ اتَّزِنْ أو خذ قولان:

  40. كذلك عَلَيَّ أَلْفٌ فِيمَا أَعْلَمُ أَوْ أَظُنُّ أَوْ علمي

  41. ولزم إن نوكل في ألف من ثمن خمر أو عبد ولم أقبضه

  42. كَدَعْوَاهُ الرِّبَا وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ رَابَاهُ فِي ألف

  43. لا إن أقامها على إقْرَارِ الْمُدَّعِي أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمَا إلَّا الربا

  44. أَوْ اشْتَرَيْت خَمْرًا بِأَلْفٍ

  45. أَوْ اشْتَرَيْت عَبْدًا بألف ولم أقبضه

  46. أَوْ أَقْرَرْت بِكَذَا وَأَنَا صَبِيٌّ

  47. كَانَا مُبَرْسَمٌ إن علم تقدمه

  48. أَوْ أَقَرَّ اعْتِذَارًا

  49. أَوْ بِقَرْضٍ شُكْرًا عَلَى الأصح

  50. وَقَبْلَ أَجَلِ مِثْلِهِ فِي: بَيْعٍ

  51. لَا قَرْضٍ

  52. وتفسير ألف في: كألف ودرهم

  53. وخاتم فَصُّهُ لِي نَسَقًا

  54. إلَّا فِي غَصْبٍ فَقَوْلَانِ

  55. لا بجذع وَبَابٍ فِي لَهُ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ أَوْ الأرض

  56. كفي على الأحسن

  57. وَمَالُ نِصَابٍ

  58. وَالْأَحْسَنُ تَفْسِيرُهُ:

  59. كَشَيْءٍ وَكَذَا

  60. وَسِجْنٌ له

  61. وكعشرة ونيف

  62. وسقط في كمائة وشيء

  63. وكذا درهما وعشرون

  64. وكذا وكذا أحد وعشرون

  65. وكذا وكذا أحد عشر

  66. وبضع أو دراهم ثلاثة

  67. وَكَثِيرَةٌ أَوْ لَا كَثِيرَةٌ وَلَا قَلِيلَةٌ أَرْبَعَةٌ

  68. وَدِرْهَمُ الْمُتَعَارَفِ

  69. وَإِلَّا فَالشَّرْعِيُّ

  70. وَقُبِلَ غِشُّهُ وَنَقْصُهُ إن وصل

  71. وَدِرْهَمٌ مَعَ دِرْهَمٍ أَوْ تَحْتَهُ أَوْ فَوْقَهُ أَوْ عَلَيْهِ أَوْ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ فدرهم أو ثم درهم درهمان

  72. وسقط في لا بل ديناران

  73. وَدِرْهَمٌ دِرْهَمٌ أَوْ بِدِرْهَمٍ دِرْهَمٍ

  74. وَحَلَفَ مَا أراداهما

  75. كَإِشْهَادٍ فِي ذِكْرٍ بِمِائَةٍ وَفِي آخِرِ بِمِائَةٍ

  76. وبمائة وبمائتين الأكثر

  77. وَجُلُّ الْمِائَةِ أَوْ قُرْبُهَا أَوْ نَحْوُهَا الثُّلُثَانِ فأكثر وبالاجتهاد

  78. وَهَلْ يَلْزَمُهُ فِي عَشَرَةٍ فِي عَشَرَةٍ عِشْرُونَ أو مائة؟ قولان

  79. وَثَوْبٌ فِي صُنْدُوقٍ

  80. وَزَيْتٌ فِي جَرَّةٍ

  81. وَفِي لزوم ظرفه قولان

  82. لا دابة في اصطبل

  83. وَأَلْفٌ إنَّ اسْتَحَلَّ أَوْ أَعَارَنِي لَمْ يَلْزَمْ

  84. كإن حلف في غير الدعوى

  85. أو إن شهد فلان غير العدل

  86. وَهَذِهِ الشَّاةُ أَوْ هَذِهِ النَّاقَةُ لَزِمَتْهُ الشَّاةُ وحلف عليها

  87. وَغَصَبْته مِنْ فُلَانِ لَا بَلْ مِنْ آخَرَ فهو للأول وقضي للثاني بقيمته

  88. وَلَك أَحَدُ ثَوْبَيْنِ عُيِّنَ

  89. وَإِلَّا فَإِنْ عَيَّنَ الْمُقَرُّ لَهُ أَجْوَدَهُمَا حَلَفَ

  90. وَإِنْ قَالَ: لَا أدري حلفا على نفي العلم واشتركا

  91. وَالِاسْتِثْنَاءُ هُنَا كَغَيْرِهِ

  92. وَصَحَّ لَهُ الدَّارُ وَالْبَيْتُ لي

  93. وَبِغَيْرِ الْجِنْسِ كَأَلْفٍ إلَّا عَبْدًا وَسَقَطَتْ قِيمَتُهُ

  94. وَإِنْ أَبْرَأ فُلَانًا مِمَّا لَهُ قَبْلَهُ أَوْ من كل حق أو أبرأه برىء مطلقا

  95. ومن القذف والسرقة

  96. فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ وَإِنْ بِصَكٍّ

  97. إلَّا بِبَيِّنَةٍ أنه بعده

  98. وإن أبرأه مما معه برىء من الأمانة

  99. لا الدين.

  100. فصل في بيان أحكام الاستلحاق (الإقرار بالنسب)

  101. إنما يستلحق الأب مجهول النسب

  102. إنْ لَمْ يُكَذِّبْهُ الْعَقْلُ لِصِغَرِهِ

  103. أَوْ الْعَادَةُ

  104. إن لم يكن رقا لمكذبه

  105. أو مولى

  106. لكنه يلحق به

  107. وَفِيهَا أَيْضًا يُصَدَّقُ وَإِنْ أَعْتَقَهُ مُشْتَرِيهِ إنْ لم يستدل على كذبه

  108. وَإِنْ كَبِرَ أَوْ مَاتَ

  109. وَوَرِثَهُ! إنْ وَرِثَهُ ابن

  110. أَوْ بَاعَهُ وَنَقَضَ

  111. وَرَجَعَ بِنَفَقَتِهِ إنْ لَمْ تكن له خدمة على الأرجح

  112. وإن ادعى آستيلادها بسابق فقولان

  113. فيها: وَإِنْ بَاعَهَا فَوَلَدَتْ فَاسْتَلْحَقَهُ: لَحِقَ

  114. وَلَمْ يُصَدَّقْ فِيهَا إنْ اُتُّهِمَ بِمَحَبَّةٍ أَوْ عَدَمِ ثَمَنٍ أَوْ وَجَاهَةٍ

  115. وَرَدَّ ثَمَنَهَا

  116. وَلَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ مطلقا

  117. وإن اشترى مستلحقة والملك لغيره عتق

  118. كشاهد ردت شهادته

  119. وَإِنْ اسْتَلْحَقَ غَيْرَ وَلَدٍ: لَمْ يَرِثْهُ إنْ كان وارث

  120. وإلا فخلاف

  121. وَخَصُّهُ الْمُخْتَارُ بِمَا إذَا لَمْ يَطُلْ الْإِقْرَارُ

  122. وَإِنْ قَالَ لِأَوْلَادِ أَمَتِهِ أَحَدُهُمْ وَلَدِي: عَتَقَ الْأَصْغَرُ وَثُلُثَا الْأَوْسَطِ وَثُلْثَ الْأَكْبَرِ

  123. وَإِنْ افْتَرَقَتْ أمهاتهم: فواحد بالقرعة

  124. وَإِذَا وَلَدَتْ زَوْجَةُ رَجُلٍ وَأَمَةٍ آخَرَ وَاخْتَلَطَا عينته القافة

  125. وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ وُجِدَتْ مَعَ ابْنَتِهَا أخرى لا تلحق به واحدة منهما

  126. وَإِنَّمَا تَعْتَمِدُ الْقَافَةُ عَلَى أَبٍ لَمْ يُدْفَنْ

  127. وإن أقر عدلان بثالث ثبت النسب

  128. وعدل يحلف معه ويرث ولا نسب

  129. وإلا فحصة المقر كالمال

  130. وَهَذَا أَخِي بَلْ هَذَا فَلِلْأَوَّلِ نِصْفُ إرْثِ أبيه وللثاني نصف ما بقي

  131. وَإِنْ تَرَكَ أُمًّا وَأَخًا فَأَقَرَّتْ بِأَخٍ فَلَهُ منها السدس

  132. وَإِنْ أَقَرَّ مَيِّتٌ بِأَنَّ فُلَانَةَ جَارِيَتَهُ وَلَدَتْ مِنْهُ فُلَانَةَ وَلَهَا ابْنَتَانِ أَيْضًا وَنَسِيَتَهَا الْوَرَثَةُ وَالْبَيِّنَةُ فَإِنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ الْوَرَثَةُ فَهُنَّ أَحْرَارٌ وَلَهُنَّ مِيرَاثُ بِنْتٍ

  133. وَإِلَّا لَمْ يَعْتِقْ شَيْءٌ

  134. وَإِنْ اسْتَلْحَقَ وَلَدًا ثُمَّ أَنْكَرَهُ ثُمَّ مَاتَ الْوَلَدُ فَلَا يَرِثُهُ وَوَقَفَ مَالَهُ

  135. فَإِنْ مَاتَ فلورثته وقضي دَيْنَهُ

  136. وَإِنْ قَامَ غُرَمَاؤُهُ وَهُوَ حَيٌّ: أَخَذُوهُ.

الشافعية
كتاب آخر
منهاج الطالبينالنووي، ١٢١ مسألة
كتاب الإقرار١٢١ مسألة
  1. يصح من مطلق التصرف

  2. وإقرار الصبي والمجنون لاغ

  3. فإن ادعى البلوغ بالاحتلام مع الإمكان صدق ولا يحلف

  4. وإن ادعاه بالسن طولب ببينة

  5. والسفيه والمغلس سبق حكم إقرارهما

  6. ويقل إقرار الرقيق بموجب عقوبة

  7. ولو أقر بيدن جناية لا توجب عقوبة فكذبه السيد تعلق بذمته دون رقبته

  8. وإن أقر بدين معاملة لم يقبل على السيد إن لم يكن مأذونا في التجارة

  9. ويقبل إن كان ويؤدي من كسبه وما في يده

  10. ويصح إقرار المريض مرض الموت لأجنبي

  11. وكذا الوارث على المذهب

  12. ولو أقر في صحته بدين وفي مرضه لآخر لم يقدم الأول

  13. ولو أقر في صحته أو مرضه وأقر وارثه بعد موته لآخر لم يقدم الأول في الأصح

  14. ولا يصح إقرار مكره

  15. ويشترط في المقر له أهلية استحقاق المقر به

  16. فلو قال لهذه الدابة علي كذا فلغو

  17. فإن قال بسببها لمالكها وجب

  18. ولو قال لحمل هند كذا بإرث أو وصية لزمه

  19. وإن أسنده إلى جهة لا تمكن في حقه فلغو

  20. وإن أطلق صح في الأظهر

  21. وإذا كذب المقر له المقر ترك المال في يده في الأصح

  22. فإن رجع المقر في حال تكذيبه وقال غلطت قبل قوله في الأصح.

  23. فصل

  24. قوله لزيد كذا صيغة إقرار

  25. وقوله علي وفي ذمتي للدين ومعي وعندي للعين

  26. ولو قال لي عليك ألف فقال زن أو خذ أو زنه أو خذه أو اختم عليه أو اجعله في كيسك فليس بإقرار

  27. ولو قال بلى أو نعم أو صدقت أو أبرأتني منه أو قضيته أو أنا مقر به فهو إقرار

  28. ولو قال أنا مقر أو أنا أقربه فليس بإقرار

  29. ولو قال أليس لي عليك كذا فقال بلى أو نعم فإقرار

  30. وفي نعم وجه

  31. ولو قال اقض الألف الذي لي عليك فقال نعم أو أقضي غدا أو أمهلني يوما أو حتى أقعد أو أفتح الكيس أو أجد فإقرار في الأصح

  32. فصل

  33. يشترط في المقر به أن لا يكون ملكا للمقر

  34. فلو قال داري أو ثوبي أو ديني الذي على زيد لعمرو فهو لغو

  35. ولو قال هذا لفلان وكان ملكي إلى أن أقررت به فأول كلامه إقرار وآخره لغو

  36. وليكن المقر به في يد المقر ليسلم بالإقرار للمقر له

  37. فلو أقر ولم يكن في يده ثم صار عمل يمقتضى الإقرار

  38. فلو أقر بحرية عبد في يد غيره ثم اشتراه حكم بحريته

  39. ثم إن كان قال هو حر الأصل فشراؤه افتداء

  40. وإن قال أعتقه فافتداء من جهته وبيع من جهة البائع على المذهب فيثبت فيه الخياران للبائع فقط

  41. ويصح الإقرار بالمجهول

  42. فإذا قال له على شيء قبل تفسيره بكل ما يتمول وإن قل

  43. ولو فسره بما لا يتمول لكنه من جنسه كحبة حنطة أو بما يحل اقتناؤه ككلب معلم وسرجين قبل في الأصح

  44. ولا يقبل بما لا يقتني كخنزير وكلب لا نفع فيه

  45. ولا بعيادة ورد سلام

  46. ولو أقر بمال أو مال عظيم أو كبير أو كثير قبل تفسيره بما قل منه

  47. وكذا بالمستولدة في الأصح

  48. لا بكلب وجلد ميتة

  49. وقوله له كذا كقوله شيء

  50. وقوله شيء شيء أو كذا كذا كما لو لم يكرر

  51. ولو قال شيء وشيء أو كذا وكذا وجب شيئان

  52. ولو قال كذا درهما أو رفع الدرهم أو جره لزمه درهم

  53. والمذهب أنه لو قال كذا وكذا درهما بالنصب وجب درهمان

  54. وأنه لو رفع أو جر فدرهم

  55. ولو حذف الواو فدرهم في الأحوال

  56. ولو قال ألف ودرهم قبل تفسير الألف بغير الدراهم

  57. ولو قال خمسة وعشرون درهما فالجميع دراهم على الصحيح

  58. ولو قال الدراهم التي أقررت بها ناقصة الوزن فإن كانت دراهم البلد تامة الوزن فالصحيح قبوله إن ذكره متصلا ومنعه إن فصله عن الإقرار

  59. وإن كانت ناقصة قبل إن وصله

  60. وكذا إن فصله في النص

  61. والتفسير بالمغشوشة كهو بالناقصة

  62. ولو قال له علي من درهم إلى عشرة لزمه تسعة في الأصح

  63. وإن قال درهم في عشرة فإن أراد المعية لزمه أحد عشر أو الحساب فعشرة وإلا فدرهم.

  64. فصل

  65. قال له عندي سيف في غمد أو ثوب في صندوق لا يلزمه الظرف

  66. أو غمد فيه سيف أو صندوق فيه ثوب لزمه الظرف وحده

  67. أو عبد على رأسه عمامة لم تلزمه العمامة على الصحيح

  68. أو دابة بسرجها أو ثوب مطرز لزمه الجميع

  69. ولو قال في ميراث أبي ألف فهو إقرار على أبيه بدين

  70. ولو قال في ميراثي من أبي فهو وعد هبة

  71. ولو قال له علي درهم درهم لزمه درهم

  72. فإن قال ودرهم لزمه درهمان

  73. ولو قال له درهم ودرهم ودرهم لزمه بالأولين درهمان

  74. وأما الثالث: فإن أراد به تأكيد الثاني لم يجب به شيء

  75. وإن نوى الاستئناف لزمه ثالث

  76. وكذا إن نوى تأكيد الأول أو أطلق في الأصح

  77. ومتى أقر بمبهم كشيء وثوب وطولب بالبيان فامتنع فالصحيح أنه يحبس

  78. ولو بين وكذبه المقر له فليبين وليدع والقول قول المقرفي نفيه

  79. ولو أقر له بألف ثم أقر له بألف في يوم آخر لزمه ألف فقط

  80. وإن اختلف القدر دخل الأقل في الأكثر

  81. فلو وصفهما بصفتين مختلفتين أو أسندهما إلى جهتين أو قال قبضت يوم السبت عشرة ثم قال قبضت يوم الأحد عشرة لزما

  82. ولو قال له علي ألف من ثمن خمر أو كلب أو ألف قضيته لزمه الألف في الأظهر

  83. ولو قال من ثمن عبد لم أقبضه إذا سلمه سلمت قبل على المذهب وجعل ثمنا

  84. ولو قال له علي ألف إن شاء الله لم يلزمه شيء على المذهب

  85. ولو قال ألف لا يلزم لزمه

  86. ولو قال له علي ألف ثم جاء بالألف وقال أردت به هذا وهو وديعة فقال المقر له لي عليه ألف آخر صدق المقر في الأظهر بيمينه

  87. فإن كان قال في ذمتي أو دينا صدق المقر له على المذهب

  88. قلت: فإذا قبلنا التفسير بالوديعة فالأصح أنها أمانة فيقبل دعواه التلف بعد الإقرار ودعوى الرد

  89. وإن قال له عندي أو معي ألف صدق في دعوى الوديعة والرد والتلف قطعا والله أعلم

  90. ولو أقر ببيع أو هبة وإقباض ثم قال كان فاسدا وأقررت لظني الصحة لم يقبل

  91. وله تحليف المقر له فإن نكل حلف المقر وبرىء

  92. ولو قال هذه الدار لزيد بل لعمرو أو غصبتها من زيد بل من عمر وسلمت لزيد

  93. والأظهر أن المقر يغرم قيمتها لعمر وبالإقرار

  94. ويصح الاستثناء إن اتصل ولم يستغرق

  95. فلو قال له علي عشرة إلا تسعة إلا ثمانية وجب تسعة

  96. ويصح من غير الجنس كألف إلا نوبا ويبين بثوب قيمته دون ألف

  97. ومن المعين كهذه الدار له إلا هذا البيت أو هذه الدراهم له إلا ذا الدرهم

  98. وفي المعين وجه شاذ.

  99. قلت: ولو قال هؤلاء العبيد له إلا واحدا قبل ورجع في البيان إليه

  100. فإن ماتوا إلا واحدا وزعم أنه المستثنى صدق بيمينه على الصحيح. والله أعلم.

  101. فصل

  102. أقر بنسب إن ألحقه بنفسه اشترط لصحته أن لا يكذبه الحس ولا الشرع بأن يكون معروف النسب من غيره

  103. وأن يصدقه المستلحق إن كان أهلا للتصديق

  104. فإن كان بالغا فكذبه لم يثبت إلا ببينة

  105. وإن استحلق صغيرا ثبت

  106. فلو بلغ وكذبه لم يبطل في الأصح

  107. ويصح أن يستلحق ميتا صغيرا

  108. وكذا كبيرا في الأصح

  109. ويرثه

  110. ولو استلحق اثنان بالغا ثبت لمن صدقه

  111. وحكم الصغير يأتي في اللقيط إن شاء الله تعالى

  112. ولو قال لولد أمته هذا ولدي ثبت نسبه ولا يثبت الاستيلاد في الأظهر

  113. وكذا لو قال ولدي ولدته في ملكي

  114. فإن قال علقت به في ملكي ثبت الإستيلاد

  115. فإن كانت فراشا له لحقه بالفراش من غير استلحاق

  116. وإن كانت مزوجة فالولد للزوج واستلحاق السيد باطل

  117. وأما إذا ألحق النسب بغيره كهذا أخي أو عمي ثبت نسبه من الملحق به بالشروط السابقة

  118. ويشترط كون الملحق به ميتا

  119. ولا يشترط أن لا يكون نفاه في الأصح

  120. ويشترط كون المقر وارثا حائزا

  121. والأصح أن المستلحق لا يرث ولا يشارك المقر في حصته

  122. وأن البالغ من الورثة لا ينفرد بالإقرار

  123. وأنه لو أقر أحد الوارثين وأنكر الآخر ومات ولم يرثه إلا المقر ثبت النسب

  124. وأنه لو أقر ابن حائز بأخوة مجهولة فأنكر المجهول نسب المقر لم يؤثر فيه ويثبت أيضا نسب المجهول

  125. وأنه إذا كان الوارث الظاهر يحجبه المستلحق كأخ أقر بابن للميت ثبت النسب ولا إرث

الحنابلة
كتاب آخر
زاد المستقنعالحجاوي، ٣٦ مسألة
  1. إذا أقر كل الورثة ولو أنه واحد بوارث للميت فصدق أو كان صغيرا "أو مجنونا والمقر به مجهول النسب" ثبت نسبه وإرثه.

  2. وإن أقر أحد ابنيه بأخ مثله فله ثلث ما بيده

  3. وإن أقر بأخت فلها خمسه.

  1. ويصح من مكلف مختار غير محجور عليه

  2. ولا يصح من مكره

  3. وإن أكره على وزن مال فباع ملكه لذلك صح.

  4. وإن أقر في مرضه بشيء فكإقراره في صحته

  5. إلا في إقراره بالمال لوارثه فلا يقبل

  6. وإن أقر لامرأته بالصداق فلها مهر المثل "بالزوجية لا بإقراره"

  7. ولو أقر أنه كان أبانها في صحته لم يسقط إرثها.

  8. وإن أقر لوارث فصار عند الموت أجنبيا لم يلزم إقراره

  9. "لا أنه باطل"

  10. وإن أقر لغير وارث "أو أعطاه" صح وإن صار عند الموت وارثا.

  11. وإن أقرت امرأة على نفسها بنكاح "ولم يدعها اثنان" قبل

  12. وإن أقر وليها بالنكاح "أو الذي أذنت له" صح.

  13. وإن أقر بنسب صغير أو مجنون مجهول النسب أنه ابنه ثبت نسبه منه،

  14. فإن كان ميتا ورثه

  15. وإن ادعى على شخص بشيء فصدقه صح.

  16. فصل

  17. إذا وصل بإقراره ما يسقطه مثل أن يقول له: علي ألف لا يلزمني ونحوه لزمه الألف

  18. وإن قال: كان له علي وقضيته فقوله مع يمينه ما لم تكن بينة "أو يعترف بسبب الحق" .

  19. وإن قال: له علي مائة ثم سكت سكونا يمكنه الكلام فيه ثم قال: زيوفا أو مؤجلة لزمه مائة جيدة حالة

  20. وإن أقر بدين مؤجل فأنكر المقر له الأجل فقول المقر "مع يمينه"

  21. وإن أقر أنه وهب أو رهن وأقبض أو أقر بقبض ثمن أو غيره ثم أنكر القبض "ولم يجحد الإقرار" وسأل إحلاف خصمه فله ذلك.

  22. وإن باع شيئا أو وهبه أو عتقه ثم أقر أن ذلك كان لغيره لم يقبل قوله ولم ينفسخ البيع ولا غيره ولزمته غرامته للمقر له

  23. وإن قال: لم يكن ملكي ثم ملكته بعد وأقام بينة قبلت

  24. إلا أن يكون قد أقر أنه ملكه أو أنه قبض ثمن ملكه لم يقبل.

  25. فصل

  26. إذا قال: له علي شيء أو كذا قيل له فسره فإن أبى حبس حتى يفسره

  27. فإن فسره بحق شفعة أو أقل مال قبل

  28. وإن فسره بميتة أو خمر أو كقشر جوزة لم يقبل

  29. ويقبل بكلب "يباح نفعه" أو حد قذف

  30. وإن قال: له علي ألف رجع في تفسير جنسه إليه

  31. فإن فسره "بجنس" واحد أو بأجناس قبل منه.

  32. وإذا قال: له علي ما بين درهم وعشرة لزمه ثمانية

  33. "وإن قال: ما بين درهم إلى عشرة" أو من درهم إلى عشرة لزمه تسعة

  34. وإن قال: له علي درهم أو دينار لزمه أحدهما.

  35. وإن قال: له علي تمر في جراب أو سكين في قراب أو فص في خاتم ونحوه فهو مقر بالأول.

  36. من مقدمة المؤلفوالله سبحانه وتعالى أعلم.

في كتب الخلاف

الإجماعابن المنذرلا كلام له في هذا الباب
التجريدالقدوريكتاب الإقرار، مسألة ٧٧٥، مسألة ٧٧٦٧٢٦ مسألة
المبسوطالسرخسيبَابُ الْإِقْرَارِ بِالْوَلَاءِ، بَابُ عِتْقِ مَا فِي الْبَطْنِ، بَابُ الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا٢٬٨٥٧ مسألة
بداية المجتهدابن رشدلا كلام له في هذا الباب
المغنيابن قدامة، على «مختصر الخرقي»باب الإقرار٧٩٥ سطرًا
المجموع شرح المهذبالنووي، على «المهذب»لا كلام له في هذا الباب
الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر، على «المقنع»بَابُ الْإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ، فَصْلٌ، كِتَابُ الْإِقْرَارِ٩١٧ سطرًا
الفقه على المذاهب الأربعةعبد الرحمن الجزيريمبحث الإقرار بالزنى، مبحث الشبهات في الزنى، تشديد الشريعة في إثبات جريمة الزنا٢١١ مسألة
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميأسامة القحطاني وآخرونالفصل التاسع: مسائل الإجماع في باب ميراث الإقرار بمشارك.، الباب الأول مسائل الإجماع في أبواب التبرعات، الفصل التاسع: مسائل الإجماع في ميراث الإقرار بمشارك٢٨٠ مسألة
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)بإشراف علوي السقاف١ - الإقرار، * حكم الإقرار:٧ مسائل

عرضٌ لما في كتب المذاهب، وليس فتوى.في الخريطة: الإقرار