الرضاع
الأسرة
هذه نصوص المتون كما هي، وليست مقارنة.للمقارنة: مسائل الخلاف في هذا الباب
في متون المذاهب الأربعة
-
(قَالَ:) بَلَغَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» وَذَكَرَ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ: «يَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ بِالْوِلَادَةِ» ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّضَاعَ مِنْ أَسْبَابِ التَّحْرِيمِ، وَأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ فِي ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ؛
-
لِأَنَّ ثُبُوتَ الْحُرْمَةِ بِالنَّسَبِ لِحَقِيقَةِ الْبَعْضِيَّةِ أَوْ شُبْهَةِ الْبَعْضِيَّةِ، وَفِي الرَّضَاعِ شُبْهَةُ الْبَعْضِيَّةِ بِمَا يَحْصُلُ بِاللَّبَنِ الَّذِي هُوَ جُزْءُ الْآدَمِيَّةِ فِي إنْبَاتِ اللَّحْمِ وَإِنْشَازِ الْعَظْمِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «الرَّضَاعُ مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَأَنْشَزَ الْعَظْمَ» وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحُرْمَةَ بِالرَّضَاعِ كَمَا تَثْبُتُ مِنْ جَانِبِ الْأُمَّهَاتِ تَثْبُتُ مِنْ جَانِبِ الْآبَاءِ وَهُوَ الزَّوْجُ الَّذِي نَزَلَ لَبَنُهَا بِوَطْئِهِ،
-
فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَبَّهَهُ بِالنَّسَبِ فِي التَّحْرِيمِ، وَالْحُرْمَةُ بِالنَّسَبِ تَثْبُتُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَكَذَلِكَ بِالرَّضَاعِ،
-
بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ لَا يُحَرِّمُ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، احْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ حُرْمَةَ الرَّضَاعِ فِي جَانِبِ النِّسَاءِ فَقَالَ: {وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ} فَلَوْ كَانَتْ الْحُرْمَةُ تَثْبُتُ مِنْ جَانِبِ الرِّجَالِ لَبَيَّنَهَا اللَّهُ تَعَالَى كَمَا بَيَّنَ الْحُرْمَةَ بِالنَّسَبِ، وَلِأَنَّ الْحُرْمَةَ فِي حَقِّ الرَّجُلِ لَا تَثْبُتُ بِحَقِيقَةِ فِعْلِ الْإِرْضَاعِ، فَإِنَّهُ لَوْ نَزَلَ اللَّبَنُ فِي ثُنْدُوَةِ الرَّجُلِ فَأَرْضَعَ بِهِ صَبِيًّا لَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ، فَلَأَنْ لَا تَثْبُتُ فِي جَانِبِهِ بِإِرْضَاعِ زَوْجَتِهِ أَوْلَى، وَحُجَّتُنَا ذَلِكَ حَدِيثُ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِي فَسَمِعْتُ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى حَفْصَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَقُلْتُ هَذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه مَا أَرَاهُ إلَّا فُلَانًا - عَمَّا لِحَفْصَةَ مِنْ الرَّضَاعِ - فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ فُلَانٌ عَمِّي مِنْ الرَّضَاعِ حَيًّا أَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيَّ.؟ فَقَالَ: نَعَمْ الرَّضَاعَةُ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَفْلَحَ بْنَ أَبِي قُعَيْسٍ يَدْخُلُ عَلَيَّ وَأَنَّا فِي ثِيَابٍ فَضْلٍ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لِيَلِجْ عَلَيْكِ أَفْلَحُ، فَإِنَّهُ عَمُّكِ مِنْ الرَّضَاعَةِ، فَقُلْتُ: إنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ لَا الرَّجُلُ، فَقَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه: لِيَلِجْ عَلَيْكِ فَإِنَّهُ عَمُّكِ» وَالْعَمُّ مِنْ الرَّضَاعَةِ لَا يَكُونُ إلَّا بِاعْتِبَارِ لَبَنِ الْفَحْلِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ سَبَبَ هَذَا اللَّبَنِ فِعْلُ الْوَاطِئِ، فَالْحُرْمَةُ الَّتِي تَنْبَنِي عَلَيْهِ تَثْبُتُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ كَالْوِلَادَةِ،
-
فَأَمَّا مَا قَالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَيَّنَ حُرْمَةَ
-
الرَّضَاعِ فِي جَانِبِ النِّسَاءِ قُلْنَا: مِنْ الْأَحْكَامِ مَا يَثْبُتُ بِالْقُرْآنِ، وَمِنْهَا مَا يَثْبُتُ بِالسُّنَّةِ، فَحُرْمَةُ الرَّضَاعِ فِي جَانِبِ الرَّجُلِ مِمَّا يَثْبُتُ بِالسُّنَّةِ، وَالْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بِسَبَبِ الرَّضَاعِ لَا يُوجَدُ فِي إرْضَاعِ الرَّجُلِ،
-
فَإِنَّ مَا نَزَلَ فِي ثُنْدُوَتِهِ لَا يُغَذِّي الصَّبِيَّ،
-
فَلَا يَحْصُلُ بِهِ إنْبَاتُ اللَّحْمِ، فَهَذَا نَظِيرُ وَطْءِ الْمَيِّتَةِ فِي أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْحُرْمَةَ.
-
(قَالَ:) وَلَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةَ ابْنِهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ،
-
وَلَا امْرَأَةَ أَبِيهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ،
-
وَكَذَلِكَ أَجْدَادُهُ وَنَوَافِلُهُ وَهُوَ نَظِيرُ الْحُرْمَةِ الثَّابِتَةِ بِالنَّسَبِ، وَعَلَى هَذَا الْأَخَوَاتُ مِنْ الرَّضَاعَةِ، أَمَّا إذَا أَرْضَعَتْ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ ثِنْتَيْنِ فَهُمَا أُخْتَانِ،
-
فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا وَاحِدًا فَهُمَا أُخْتَانِ لِأَبٍ وَأُمٍّ مِنْ الرَّضَاعَةِ،
-
وَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا مُخْتَلِفًا عَنْ الْإِرْضَاعَيْنِ فَهُمَا أُخْتَانِ لِأُمٍّ،
-
وَإِنْ كَانَ تَحْتَ الرَّجُلِ امْرَأَتَانِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ لَبَنٌ مِنْهُ فَأَرْضَعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَبِيَّةً فَهُمَا أُخْتَانِ لِأَبٍ مِنْ الرَّضَاعَةِ؛ لِأَنَّ لَبَنَهُمَا مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَعُمُومُ قَوْله تَعَالَى: {وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ} يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ،
-
وَكَذَلِكَ بَنَاتُ الْأَخِ مِنْ الرَّضَاعِ كَبَنَاتٍ لِأَخٍ مِنْ النَّسَبِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا «عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَ: لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي مَا كَانَتْ تَحِلُّ لِي أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاهَا ثُوَيْبَةُ، فَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ تَرْغَبُ فِي قُرَيْشٍ وَتَرْغَبُ عَنَّا، فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ شَيْءٌ.؟ قَالَ: نَعَمْ ابْنَةُ حَمْزَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ» .
-
(قَالَ:) وَإِذَا كَانَ لِلْمَرْأَةِ لَبَنٌ وَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا وَتَزَوَّجَتْ آخَرَ فَحَبِلَتْ مِنْ الْآخَرِ وَنَزَلَ لَهَا اللَّبَنُ فَاللَّبَنُ مِنْ الْأَوَّلِ حَتَّى تَلِدَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -،
-
فَإِذَا وَلَدَتْ فَاللَّبَنُ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ مِنْ الثَّانِي، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا عُرِفَ أَنَّ هَذَا اللَّبَنَ مِنْ الْحَبَلِ الثَّانِي فَهُوَ مِنْ الْآخَرِ، وَقَدْ انْقَطَعَ اللَّبَنُ الْأَوَّلُ،
-
وَعَنْهُ فِي رِوَايَةٍ إذَا حَبِلَتْ مِنْ الثَّانِي انْقَطَعَ حُكْمُ لَبَنِ الْأَوَّلِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَسْتَحْسِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا جَمِيعًا حَتَّى تَضَعَ مِنْ الْآخَرِ، وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ مَا كَانَ بِهَا مِنْ اللَّبَنِ فَهُوَ مِنْ الْأَوَّلِ وَمَا ازْدَادَ بِسَبَبِ الْحَبَلِ فَهُوَ مِنْ الثَّانِي، وَبَابُ الْحُرْمَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاحْتِيَاطِ فَتَثْبُتُ الْحُرْمَةُ مِنْهُمَا جَمِيعًا، كَمَا إذَا حَلَبَ لَبَنَ امْرَأَتَيْنِ فِي قَارُورَةٍ وَأَوْجَرَ صَبِيًّا،
-
فَإِذَا وَضَعَتْ مِنْ الثَّانِي فَقَدْ انْتَسَخَ سَبَبُ لَبَنِ الْأَوَّلِ بِاعْتِرَاضِ مِثْلِهِ عَلَيْهِ، فَلِهَذَا كَانَ اللَّبَنُ مِنْ الثَّانِي بَعْدَهُ وَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: اللَّبَنُ يَنْزِلُ تَارَةً بَعْدَ الْوِلَادَةِ وَتَارَةً بَعْدَ الْحَبَلِ قَبْلَ الْوِلَادَةِ،
-
فَإِذَا عُرِفَ نُزُولُ اللَّبَنِ مِنْ الثَّانِي انْتَسَخَ بِهِ حُكْمُ اللَّبَنِ مِنْ الْأَوَّلِ كَمَا يَنْتَسِخُ بِالْوِلَادَةِ مِنْ الثَّانِي، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى يَقُولُ: لَمَّا كَانَ الْحَبَلُ سَبَبًا لِنُزُولِ اللَّبَنِ، وَحَقِيقَةُ نُزُولِ اللَّبَنِ مِنْ الثَّانِي بَاطِلٌ فَيُقَامُ السَّبَبُ
-
الظَّاهِرُ مَقَامَ الْمَعْنَى الْبَاطِنِ تَيْسِيرًا فَيَنْتَسِخُ بِهِ حُكْمُ لَبَنِ الْأَوَّلِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: كَوْنُ اللَّبَنِ مِنْ الْأَوَّلِ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ، وَاللَّبَنُ يَزْدَادُ تَارَةً وَيَنْقُصُ أُخْرَى بِاعْتِبَارِ الْغِذَاءِ، فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ قُوَّةِ الْغِذَاءِ لَا مِنْ الْحَبَلِ الثَّانِي،
-
فَلَا يَنْتَسِخُ بِهِ حُكْمُ اللَّبَنِ مِنْ الْأَوَّلِ حَتَّى يَتَعَرَّضَ مِثْلُ ذَلِكَ السَّبَبِ مِنْ الثَّانِي، وَذَلِكَ يَكُونُ بِالْوِلَادَةِ.
-
(قَالَ:) وَلَا يَجْتَمِعُ حُكْمُ الرَّضَاعِ لِرَجُلَيْنِ عَلَى امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُمَا لَا يَجْتَمِعُ حَلَالًا شَرْعًا فَكَذَلِكَ مَا يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ السَّبَبِ، وَلَكِنْ مَا بَقِيَ الْأَوَّلُ لَا يَثْبُتُ الثَّانِي وَإِذَا ثَبَتَ الثَّانِي انْتَفَى الْأَوَّلُ.
-
(قَالَ:) وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً أَرْضَعَتْهُ رَضَاعًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ إلَّا بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ يَكْتَفِي الصَّبِيُّ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا،
-
وَمِنْ أَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ مَنْ اعْتَبَرَ ثَلَاثَ رَضَعَاتٍ لِإِيجَابِ الْحُرْمَةِ، وَاسْتَدَلَّ مَنْ شَرَطَ الْعَدَدَ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَحْرُمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ، وَلَا الْإِمْلَاجَةُ وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ.» وَفِي حَدِيثِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ فِي الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ فَنُسِخَ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُتْلَى بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا نَسْخَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَحُجَّتُنَا قَوْله تَعَالَى: {وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} أَثْبَتَ الْحُرْمَةَ بِفِعْلِ الْإِرْضَاعِ فَاشْتِرَاطُ الْعَدَدِ فِيهِ يَكُونُ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ،
-
وَمِثْلُهُ لَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الرَّضَاعُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ» يَعْنِي فِي إيجَابِ الْحُرْمَةِ، وَلِأَنَّ هَذَا سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ التَّحْرِيمِ،
-
فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ كَالْوَطْءِ، أَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - فَضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَتْلُوًّا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ، وَنَسْخُ التِّلَاوَةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَجُوزُ فَلِمَاذَا لَا يُتْلَى الْآنَ.؟
-
وَذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ «فَدَخَلَ دَاجِنٌ الْبَيْتَ فَأَكَلَهُ» وَهَذَا يُقَوِّي قَوْلَ الرَّوَافِضِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: كَثِيرٌ مِنْ الْقُرْآنِ ذَهَبَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُثْبِتْهُ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فِي الْمُصْحَفِ وَهُوَ قَوْلٌ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ،
-
وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ، فَإِنَّمَا كَانَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ إرْضَاعُ الْكَبِيرِ مَشْرُوعًا وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ الْحَدِيثُ الثَّانِي،
-
فَإِنَّ إنْبَاتَ اللَّحْمِ وَإِنْشَازَ الْعَظْمِ فِي حَقِّ الْكَبِيرِ لَا يَحْصُلُ بِالرَّضْعَةِ الْوَاحِدَةِ، فَكَانَ الْعَدَدُ مَشْرُوعًا فِيهِ ثُمَّ انْتَسَخَ بِانْتِسَاخِ حُكْمِ إرْضَاعِ الْكَبِيرِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
(قَالَ:) وَالسَّعُوطُ وَالْوَجُورُ يُثْبِتُ الْحُرْمَةَ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَتَغَذَّى بِهِ الصَّبِيُّ،
-
فَإِنَّ السَّعُوطَ يَصِلُ إلَى الدِّمَاغِ فَيَتَقَوَّى بِهِ، وَالْوَجُورُ يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ
-
فَيَحْصُلُ بِهِ إنْبَاتُ اللَّحْمِ وَإِنْشَازُ الْعَظْمِ،
-
فَأَمَّا الْإِقْطَارُ فِي الْأُذُنِ لَا يُوجِبُ الْحُرْمَةَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى الدِّمَاغِ لِضِيقِ ذَلِكَ الثُّقْبِ،
-
وَكَذَلِكَ الْإِقْطَارُ فِي الْإِحْلِيلِ،
-
فَإِنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّهُ يَصِلُ إلَى الْمَثَانَةِ،
-
فَلَا يَتَغَذَّى بِهِ الصَّبِيُّ عَادَةً،
-
وَكَذَلِكَ الْحُقْنَةُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: إذَا احْتَقَنَ صَبِيٌّ بِلَبَنِ امْرَأَةٍ تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَفْسُدُ بِهِ الصَّوْمُ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: لَيْسَ الْمُوجِبُ لِلْحُرْمَةِ عَيْنُ الْوُصُولِ إلَى الْجَوْفِ بَلْ حُصُولُ مَعْنَى الْغِذَاءِ لِيَثْبُتَ بِهِ شُبْهَةُ الْبَعْضِيَّةِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ مِنْ الْأَعَالِي لَا مِنْ الْأَسَافِلِ ثُمَّ بَيَّنَ مَنْ يَحْرُمُ بِسَبَبِ الرَّضَاعَةِ، وَالْحَاصِلُ فِيهِ مَا بَيَّنَّا أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ، فَكَمَا أَنَّ الْحُرْمَةَ الثَّابِتَةَ بِالنَّسَبِ فِي حَقِّ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ تَتَعَدَّى إلَى الْجَدَّاتِ وَالنَّوَافِلِ وَالْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ فَكَذَلِكَ بِسَبَبِ الرَّضَاعِ.
-
(قَالَ:) وَلَا رَضَاعَ بَعْدَ الْفِصَالِ بَلَغَنَا ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَهَكَذَا رَوَاهُ جَابِرٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا رَضَاعَ بَعْدَ الْفِصَالِ، وَلَا يُتْمَ بَعْدَ الْحُلُمِ، وَلَا صُمَاتَ يَوْمٍ إلَى اللَّيْلِ، وَلَا وِصَالَ فِي صِيَامٍ، وَلَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ، وَلَا عِتْقَ قَبْلَ الْمِلْكِ، وَلَا وَفَاءَ فِي نَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَا يَمِينَ فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَلَا تَغَرُّبَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَلَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» وَالْكَلَامُ هُنَا فِي فُصُولٍ أَحَدُهَا أَنَّ الْحُرْمَةَ لَا تَثْبُتُ بِإِرْضَاعِ الْكَبِيرِ عِنْدَنَا، وَعَلَى قَوْلِ بَعْضِ النَّاسِ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ لِحَدِيثِ «سَهْلَةَ امْرَأَةِ أَبِي حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، فَإِنَّهَا جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ مَا انْتَسَخَ حُكْمُ التَّبَنِّي بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {اُدْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ تَبَنَّى سَالِمًا فَكُنَّا نُعِدُّهُ وَلَدًا لَهُ، وَإِنَّ لَنَا بَيْتًا وَاحِدًا فَمَاذَا تَرَى فِي شَأْنِهِ» وَفِي رِوَايَةٍ «وَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيَّ وَأَنَا أَرَى الْكَرَاهَةَ فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَرْضِعِي سَالِمًا خَمْسًا تَحْرُمِينَ بِهَا عَلَيْهِ» وَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَخَذَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - حَتَّى كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ الرِّجَالِ أَمَرَتْ أُخْتَهَا أُمَّ كُلْثُومٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَوْ بَعْضَ بَنَاتِ أُخْتِهَا أَنْ تَرْضِعَهُ خَمْسًا،
-
ثُمَّ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا إلَّا أَنَّ غَيْرَهَا مِنْ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُنَّ يَأْبَيْنَ ذَلِكَ وَيَقُلْنَ لَا نَرَى هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا رُخْصَةً لِسَهْلَةَ خَاصَّةً،
-
ثُمَّ هَذَا الْحُكْمُ انْتَسَخَ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الرَّضَاعُ مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَأَنْشَزَ الْعَظْمَ» وَذَلِكَ فِي الْكَبِيرِ لَا يَحْصُلُ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ» يَعْنِي مَا يَرُدُّ الْجُوعَ، وَذَلِكَ بِإِرْضَاعِ الْكَبِيرِ لَا يَحْصُلُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «الرَّضَاعُ مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ وَكَانَ قَبْلَ الطَّعَامِ» وَالصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -
-
اتَّفَقُوا عَلَى هَذَا، فَقَدْ ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قَالَا: لَا رَضَاعَ بَعْدَ الْفِصَالِ، وَرُوِيَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا وَلَدَتْ امْرَأَتُهُ وَمَاتَ الْوَلَدُ فَانْتَفَخَ ثَدْيُهَا مِنْ اللَّبَنِ فَجَعَلَ يَمُصُّهُ وَيَمُجُّ، فَدَخَلَ بَعْضُ اللَّبَنِ فِي حَلْقِهِ فَجَاءَ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: حَرُمَتْ عَلَيْكَ، فَجَاءَ إلَى ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: هِيَ حَلَالٌ لَكَ، فَأَخْبَرَهُ بِفَتْوَى أَبِي مُوسَى فَقَامَ مَعَهُ إلَى أَبِي مُوسَى ثُمَّ أَخَذَ بِأُذُنِهِ وَهُوَ يَقُولُ: أَرَضِيعٌ فِيكُمْ هَذَا لِلِّحْيَانِيِّ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ مَادَامَ هَذَا الْحَبْرُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ وَجَاءَ رَجُلٌ إلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ: إنَّ لِي جَارِيَةً فَأَرْضَعَتْهَا امْرَأَتِي فَدَخَلْتُ الْبَيْتَ فَقَالَتْ: خُذْهَا دُونَكَ فَقَدْ وَاَللَّهِ أَرْضَعْتُهَا، فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَزَمْتُ عَلَيْكَ أَنْ تَأْتِيَ امْرَأَتَكَ فَتَضْرِبَهَا ثُمَّ تَأْتِيَ جَارِيَتَكَ فَتَطَأَهَا، وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْآثَارِ انْتِسَاخُ حُكْمِ إرْضَاعِ الْكَبِيرِ
-
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي تَثْبُتُ فِيهَا حُرْمَةُ الرَّضَاعِ، فَقَدَّرَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِثَلَاثِينَ شَهْرًا وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - قَدَّرَا ذَلِكَ بِحَوْلَيْنِ وَزُفَرُ قَدَّرَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ سِنِينَ،
-
فَإِذَا وُجِدَ الْإِرْضَاعُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ وَإِلَّا فَلَا، وَاسْتَدَلَّا بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} ،
-
وَلَا زِيَادَةَ بَعْدَ التَّمَامِ وَالْكَمَالِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} ،
-
وَلَا رَضَاعَ بَعْدَ الْفِصَالِ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الصَّبِيَّ فِي مُدَّةِ الْحَوْلَيْنِ يَكْتَفِي بِاللَّبَنِ وَبَعْدَ الْحَوْلَيْنِ لَا يَكْتَفِي بِهِ فَكَانَ هُوَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْكَبِيرِ فِي حُكْمِ الرَّضَاعِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} وَظَاهِرُ هَذِهِ الْإِضَافَةِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْمَذْكُورِ مُدَّةً لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إلَّا أَنَّ الدَّلِيلَ قَدْ قَامَ عَلَى أَنَّ مُدَّةَ الْحَبَلِ لَا تَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ فَبَقِيَ مُدَّةُ الْفِصَالِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
-
{فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ} الْآيَةَ فَاعْتُبِرَ التَّرَاضِي وَالتَّشَاوُرُ فِي الْفَصْلَيْنِ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْإِرْضَاعِ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
-
{وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} قِيلَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ إذَا أَبَتْ الْأُمَّهَاتُ، وَلِأَنَّ اللَّبَنَ كَمَا يُغَذِّي الصَّبِيَّ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ يُغَذِّيهِ بَعْدَهُ وَالْفِطَامُ لَا يَحْصُلُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ لَكِنْ يُفْطَمُ دَرَجَةً فَدَرَجَةً حَتَّى يَنْسَى اللَّبَنَ وَيَتَعَوَّدَ الطَّعَامَ،
-
فَلَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةٍ عَلَى الْحَوْلَيْنِ بِمُدَّةٍ،
-
وَإِذَا وَجَبَتْ الزِّيَادَةُ قَدَّرْنَا تِلْكَ الزِّيَادَةَ بِأَدْنَى مُدَّةِ الْحَبَلِ، وَذَلِكَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ اعْتِبَارًا لِلِانْتِهَاءِ بِالِابْتِدَاءِ، وَبِهَذَا يَحْتَجُّ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
-
أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ: لَمَّا وَجَبَ اعْتِبَارُ بَعْضِ الْحَوْلِ وَجَبَ اعْتِبَارُ كُلِّهِ، وَتُقَدَّرُ مُدَّةُ الْفِطَامِ بِحَوْلٍ؛ لِأَنَّهُ حَسَنٌ لِلِاخْتِبَارِ وَالتَّحَوُّلِ بِهِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ.
-
(قَالَ:) فَإِنْ فُطِمَ الصَّبِيُّ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ ثُمَّ أُرْضِعَ فِي مُدَّةِ ثَلَاثِينَ شَهْرًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوْ فِي مُدَّةِ الْحَوْلَيْنِ عِنْدَهُمَا فَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِهِمَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ لِوُجُودِ الْإِرْضَاعِ فِي الْمُدَّةِ، فَصَارَ الْفِطَامُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: هَذَا إذَا لَمْ يَتَعَوَّدْ الصَّبِيُّ الطَّعَامَ حَتَّى لَا يَكْتَفِي بِهِ بَعْدَ هَذَا الْفِطَامِ،
-
فَأَمَّا إذَا صَارَ بِحَيْثُ يَكْتَفِي بِالطَّعَامِ لَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بِرَضَاعِهِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ مَا صَارَ بِحَيْثُ يَكْتَفِي بِالطَّعَامِ فَاللَّبَنُ بَعْدَهُ لَا يُغَذِّيهِ،
-
فَلَا يَحْصُلُ بِهِ مَعْنَى الْبَعْضِيَّةِ، بَيَانُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: وَكَانَ قَبْلَ الطَّعَامِ أَيْ قَبْلَ أَنْ يَكْتَفِيَ بِالطَّعَامِ.
-
(قَالَ:) وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ أُمَّ ابْنِهِ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ مِنْ النَّسَبِ فَكَذَلِكَ مِنْ الرَّضَاعَةِ،
-
وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَزَوَّجَ ابْنَتَهَا، وَهَذَا مِنْ النَّسَبِ لَا يَحِلُّ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَ ابْنِهِ لَا لِأَجْلِ النَّسَبِ، وَلَكِنْ لِأَنَّهَا رَبِيبَتُهُ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ أُمَّهَا، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي الرَّضَاعِ فَلِهَذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا،
-
وَكَذَلِكَ يَتَزَوَّجُ أُخْتَ أُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ
-
وَمِثْلُهُ مِنْ النَّسَبِ يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَ أُخْتَ أُخْتِهِ مِنْ النَّسَبِ يَحِلُّ ذَلِكَ بِأَنْ كَانَ لَهُ أَخٌ لِأَبٍ وَأُخْتٌ لِأُمٍّ فَلِأَخِيهِ لِأَبِيهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهُ لِأُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَسَبَ بَيْنَهُمَا مُوجِبٌ لِلْحُرْمَةِ فَكَذَلِكَ فِي الرَّضَاعِ،
-
وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَزَوَّجَ ابْنَةَ عَمِّهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ أَوْ ابْنَةَ عَمَّتِهِ أَوْ ابْنَةَ خَالِهِ أَوْ ابْنَةَ خَالَتِهِ كَمَا لَا بَأْسَ بِهِ مِنْ النَّسَبِ،
-
وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَزَوَّجَ الَّتِي أَرْضَعَتْ أَخَاهُ أَوْ مَا بَدَا لَهُ مِنْ وَلَدِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا رَضَاعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ.
-
(قَالَ:) وَلَا يَجْمَعُ الرَّجُلُ بَيْنَ أُخْتَيْنِ مِنْ الرَّضَاعَةِ،
-
وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَابْنَةِ أُخْتِهَا أَوْ ابْنَةِ أَخِيهَا،
-
وَكَذَلِكَ كُلُّ امْرَأَةٍ ذَاتِ رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ لِلْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنَّا فِي النَّسَبِ أَنَّ كُلَّ امْرَأَتَيْنِ لَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا ذَكَرًا، وَالْأُخْرَى أُنْثَى لَمْ يَجُزْ لِلذَّكَرِ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأُنْثَى، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِالْقِيَاسِ عَلَى حُرْمَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فَكَذَلِكَ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ حُرْمَةَ هَذَا الْجَمْعِ لَيْسَ لِقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الرَّضِيعَتَيْنِ رَحِمٌ، وَحُرْمَةُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ثَابِتَةٌ.
-
(قَالَ:) وَإِذَا وَلَدَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ الرَّجُلِ ثُمَّ طَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ وَأَرْضَعَتْ بِلَبَنِ الْأَوَّلِ وَلَدًا وَهِيَ تَحْتَ الزَّوْجِ الثَّانِي فَالرَّضَاعُ مِنْ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَنْ كَانَ نُزُولُ اللَّبَنِ مِنْهُ لَا مَنْ هِيَ تَحْتَهُ، وَنُزُولُ هَذَا اللَّبَنِ كَانَ مِنْ الْأَوَّلِ.
-
(قَالَ:) وَلَا يَجُوزُ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الرَّضَاعِ أَجْنَبِيَّةً كَانَتْ أَوْ أُمَّ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، وَلَا
-
يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهَا، وَيَسَعُهُ الْمُقَامُ مَعَهَا حَتَّى يَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عُدُولٌ، وَهَذَا عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَثْبُتُ الرَّضَاعُ بِشَهَادَةِ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ أَنَّ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ يُعْتَبَرُ فِيهِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ لِتَقُومَ كُلُّ امْرَأَتَيْنِ مَقَامَ رَجُلٍ، وَزَعَمَ أَنَّ الرَّضَاعَ مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ؛
-
لِأَنَّهُ يَكُونُ بِالثَّدْيِ، وَلَا تَحِلُّ مُطَالَعَتُهُ لِلْأَجَانِبِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ الرَّضَاعُ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ؛ لِأَنَّ ذَا الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ يَنْظُرُ إلَى الثَّدْيِ وَهُوَ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ فِي ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْحُرْمَةَ كَمَا تَحْصُلُ بِالْإِرْضَاعِ مِنْ الثَّدْيِ تَحْصُلُ بِالْإِيجَارِ مِنْ الْقَارُورَةِ، وَذَلِكَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ،
-
فَلَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ، وَكَانَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: تَثْبُتُ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ إذَا كَانَتْ عَدْلًا، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - «أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةَ أَبِي هَانِئٍ فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ وَأَخْبَرَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُمَا فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ ذَكَرَ ثَانِيًا فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ ثَالِثًا فَقَالَ فَارِقْهَا إذَنْ، فَقَالَ: إنَّهَا سَوْدَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ» وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: لَا يُقْبَلُ فِي الرَّضَاعِ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَيْنِ وَلِأَنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْحُرْمَةِ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ،
-
فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ كَالْحُرْمَةِ بِالطَّلَاقِ، وَحَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - دَلِيلُنَا،
-
فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَعْرَضَ عَنْهُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ» فَلَوْ كَانَتْ الْحُرْمَةُ ثَابِتَةً لَمَا فَعَلَ ذَلِكَ،
-
ثُمَّ لَمَّا رَأَى مِنْهُ طُمَأْنِينَةَ الْقَلْبِ إلَى قَوْلِهَا حَيْثُ كَرَّرَ السُّؤَالَ أَمَرَهُ أَنْ يُفَارِقَهَا احْتِيَاطًا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ تِلْكَ الشَّهَادَةَ كَانَتْ عَنْ ضِغْنٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: «جَاءَتْ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ تَسْتَطْعِمُنَا فَأَبِينَا أَنْ نُطْعِمَهَا فَجَاءَتْ تَشْهَدُ عَلَى الرَّضَاعِ» وَبِالْإِجْمَاعِ بِمِثْلِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ لَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ فَعَرَفْنَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ احْتِيَاطًا عَلَى وَجْهِ التَّنَزُّهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ: «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ» وَعِنْدَنَا إذَا وَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهَا صَادِقَةٌ فَالْأَحْوَطُ أَنْ يَتَنَزَّهَ عَنْهَا وَيَأْخُذَ بِالثِّقَةِ، سَوَاءٌ أَخْبَرَتْ بِذَلِكَ قَبْلَ عَقْدِ النِّكَاحِ أَوْ بَعْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ، وَسَوَاءٌ شَهِدَ بِهِ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ،
-
فَأَمَّا الْقَاضِي لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا مَا لَمْ يَشْهَدْ بِهِ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا كَانَ ثِقَةً حَجَّةٌ فِي أُمُورِ الدِّينِ، وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي الْحُكْمِ وَالْقَاضِي لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا إلَّا بِالْحُجَّةِ الْحُكْمِيَّةِ،
-
فَأَمَّا إذَا قَامَتْ عِنْدَهُ حُجَّةٌ دِينِيَّةٌ يُفْتِي لَهُ بِأَنْ يَأْخُذَ بِالِاحْتِيَاطِ؛ لِأَنَّهُ إنْ تَرَكَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ تَحِلُّ لَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً لَا تَحِلُّ لَهُ.
-
(قَالَ:) وَإِذَا نَزَلَ لِلْمَرْأَةِ لَبَنٌ وَهِيَ بِكْرٌ لَمْ تَتَزَوَّجْ فَأَرْضَعَتْ
-
شَخْصًا صَغِيرًا فَهُوَ رَضَاعٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ حُصُولُ شُبْهَةِ الْجُزْئِيَّةِ بَيْنَهُمَا وَاَلَّذِي نَزَلَ لَهَا مِنْ اللَّبَنِ جُزْءٌ مِنْهَا سَوَاءٌ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ لَمْ تَكُنْ، وَلَبَنُهَا يُغَذِّي الرَّضِيعَ فَتَثْبُتُ بِهِ شُبْهَةُ الْجُزْئِيَّةِ.
-
(قَالَ:) وَإِذَا حُلِبَ اللَّبَنُ مِنْ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ ثُمَّ مَاتَتْ فَشَرِبَهُ صَبِيٌّ تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ لِحُصُولِ الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لِلْحُرْمَةِ بِهَذَا اللَّبَنِ،
-
وَلَا مُعْتَبَرَ بِفِعْلِهَا فِي الْإِرْضَاعِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ نَائِمَةً فَارْتَضَعَ مِنْ ثَدْيِهَا الصَّبِيُّ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ،
-
وَكَذَلِكَ الْإِيجَارُ لَوْ حَصَلَ فِي حَيَاتِهَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ فَكَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهَا.
-
(قَالَ:) وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَبَ اللَّبَنَ مِنْ ثَدْيِهَا بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَوْجَرَ الصَّبِيَّ تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تَثْبُتُ وَهُوَ بِنَاءً عَلَى أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ اللَّبَنَ لَا يَمُوتُ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ لَا حَيَاةَ فِيهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُحْلَبُ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ مِنْ الْحَيَوَانِ فَيَكُونُ طَاهِرًا وَمَا فِيهِ الْحَيَاةُ إذَا بَانَ مِنْ الْحَيِّ يَكُونُ مَيِّتًا،
-
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي اللَّبَنِ حَيَاةٌ لَا يَتَنَجَّسُ بِالْمَوْتِ بَلْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَبْقَى طَاهِرًا وَعِنْدَهُمَا يَتَنَجَّسُ بِنَجَاسَةِ الْوِعَاءِ كَمَا فِي إنْفَحَةِ الْمَيْتَةِ، فَكَأَنَّهُ حَلَبَ لَبَنَ امْرَأَةٍ فِي قَارُورَةٍ نَجِسَةٍ فَأَوْجَرَ الصَّبِيَّ بِهِ فَيَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اللَّبَنُ يَمُوتُ فَيَكُونُ نَجِسَ الْعَيْنِ، وَثُبُوتُ حُرْمَةِ الرَّضَاعِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْكَرَامَةِ،
-
فَلَا تَثْبُتُ بِمَا هُوَ نَجِسُ الْعَيْنِ، وَالْأَصْلُ الثَّانِي أَنَّ عِنْدَهُ الْفِعْلَ الَّذِي هُوَ حَرَامٌ بِعَيْنِهِ وَهُوَ الزِّنَا لَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَهَا بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ فَكَذَلِكَ إيجَارُ لَبَنِ الْمَيِّتَةِ حَرَامُ،
-
فَلَا تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ،
-
ثُمَّ قَاسَ لَبَنَ الْمَيِّتَةِ بِوَطْءِ الْمَيِّتَةِ، وَلَكِنْ عِنْدَنَا،
-
وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ حَرَامًا تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ إذَا تَحَقَّقَ فِيهِ الْمَعْنَى الْمُوجِبُ لِلْحُرْمَةِ، وَلِهَذَا أَثْبَتْنَا الْحُرْمَةَ بِالزِّنَا؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْبَعْضِيَّةِ لَا يَنْعَدِمُ بِهِ حَقِيقَةً فَكَذَا هُنَا ثُبُوتُ الْحُرْمَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ اللَّبَنَ يُغَذِّي الصَّبِيَّ فَيَتَقَوَّى بِهِ،
-
وَلَوْ سَلَّمْنَا لَهُ حُرْمَةَ اللَّبَنِ بِالْمَوْتِ فَبِالْحُرْمَةِ لَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُغَذِّيًا.
-
أَلَا تَرَى أَنَّ لَحْمَ الْمَيْتَةِ مُغَذٍّ فَكَذَلِكَ لَبَنُهَا وَبِهِ فَارَقَ وَطْءَ الْمَيِّتَةِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْبَعْضِيَّةِ يَنْعَدِمُ مِنْهُ أَصْلًا وَهُوَ مَعْنَى مَا قَالَ فِي الْكِتَابِ: الْجِمَاعُ بَعْدَ الْمَوْتِ لَيْسَ بِجِمَاعٍ، وَإِيجَارُ لَبَنِ الْمَيِّتَةِ رَضَاعٌ، وَشَبَّهَ اللَّبَنَ بِالْبَيْضَةِ،
-
فَإِنَّ بِالْمَوْتِ لَا تَخْرُجُ الْبَيْضَةُ أَنْ تَكُونَ مُغَذِّيَةً فَكَذَا اللَّبَنُ.
-
(قَالَ:) وَلَوْ أُرْضِعَ الصَّبِيَّانِ مِنْ بَهِيمَةٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ رَضَاعًا، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ طَعَامٍ أَكَلَاهُ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ صَاحِبُ الْأَخْبَارِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ، يَثْبُتُ بِهِ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ، فَإِنَّهُ دَخَلَ بُخَارَى فِي زَمَنِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ أَبِي حَفْصٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَجَعَلَ يُفْتِي فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تَفْعَلْ فَلَسْتَ هُنَالِكَ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ نُصْحَهُ حَتَّى اُسْتُفْتِيَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، إذَا أُرْضِعَ صَبِيَّانِ بِلَبَنِ شَاةٍ
-
فَأَفْتَى بِثُبُوتِ الْحُرْمَةِ، فَاجْتَمَعُوا وَأَخْرَجُوهُ مِنْ بُخَارَى بِسَبَبِ هَذِهِ الْفَتْوَى، وَهَذَا لِأَنَّ ثُبُوتَ الْحُرْمَةِ بِسَبَبِ الْكَرَامَةِ، وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِلَبَنِ الْآدَمِيَّةِ دُونَ لَبَنِ الْأَنْعَامِ، وَشُبْهَةُ الْجُزْئِيَّةِ لَا يَثْبُتُ بَيْنَ الْآدَمِيِّ وَالْأَنْعَامِ بِشُرْبِ لَبَنِهَا فَكَذَلِكَ لَا تَثْبُتُ بَيْنَ الْآدَمِيِّينَ بِشُرْبِ لَبَنِ بَهِيمَةٍ، وَهَذَا قِيَاسُ حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ الَّتِي تَثْبُتُ بِالْوَطْءِ،
-
وَلَا تَثْبُتُ بِوَطْءِ الْبَهَائِمِ فَكَذَلِكَ هُنَا.
-
(قَالَ:) وَلَوْ صُنِعَ لَبَنُ امْرَأَةٍ فِي طَعَامٍ فَأَكَلَهُ الصَّبِيُّ،
-
فَإِنْ كَانَتْ النَّارُ قَدْ مَسَّتْ اللَّبَنَ وَأَنْضَجَتْ الطَّعَامَ حَتَّى تَغَيَّرَ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِرَضَاعٍ،
-
وَلَا يُحَرِّمْ؛ لِأَنَّ النَّارَ غَيَّرَتْهُ فَانْعَدَمَ بِهَا مَعْنَى التَّغَذِّي بِاللَّبَنِ، وَإِنْبَاتُ اللَّحْمِ، وَإِنْشَازُ الْعَظْمِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ النَّارُ لَمْ تَمَسَّهُ،
-
فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ هُوَ الْغَالِبُ لَا تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَغْلُوبَ فِي حُكْمِ الْمُسْتَهْلَكِ، وَلِأَنَّ هَذَا أَكْلٌ وَالْمُوجِبُ لِلْحُرْمَةِ شُرْبُ اللَّبَنِ دُونَ الْأَكْلِ،
-
وَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ هُوَ الْغَالِبِ فَكَذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ، وَالْغَالِبُ هُوَ اللَّبَنُ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ شَيْءٌ عَنْ حَالِهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: إلْقَاءُ الطَّعَامِ فِي اللَّبَنِ يُغَيِّرُهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَرِقُّ بِهِ وَرُبَّمَا يَتَغَيَّرُ بِهِ لَوْنُهُ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ غَيَّرَتْهُ النَّارُ،
-
وَقِيلَ هَذَا إذَا كَانَ لَا يَتَقَاطَرُ اللَّبَنُ مِنْ الطَّعَامِ عِنْدَ حَمْلِ اللُّقْمَةِ،
-
وَأَمَّا إذَا كَانَ يَتَقَاطَرُ مِنْهُ اللَّبَنُ تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الْقَطْرَةَ مِنْ اللَّبَنِ إذَا دَخَلَتْ حَلْقَ الصَّبِيِّ كَانَتْ كَافِيَةً لِإِثْبَاتِ الْحُرْمَةِ،
-
وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا تَثْبُتُ عَلَى كُلِّ حَالٍ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ التَّغَذِّيَ كَانَ بِالطَّعَامِ دُونَ اللَّبَنِ.
-
(قَالَ:) وَإِذَا جَعَلَ لَبَنَ امْرَأَةٍ فِي دَوَاءٍ فَأَوْجَرَ مِنْهُ صَبِيًّا أَوْ أَسُعِطَ مِنْهُ وَاللَّبَنُ غَالِبٌ، فَهَذَا رَضَاعٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُجْعَلُ فِي الدَّوَاءِ لِيَصِلَ بِقُوَّةِ الدَّوَاءِ إلَى مَا لَا يَصِلُ إلَيْهِ وَحْدَهُ فَكَانَ هَذَا أَبْلَغَ فِي حُصُولِ مَعْنَى التَّغَذِّي بِهِ فَلِهَذَا تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ.
-
(قَالَ:) وَإِنْ جَعَلَ اللَّبَنَ فِي مَاءٍ فَشَرِبَهُ الصَّبِيُّ،
-
فَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ هُوَ الْغَالِبُ تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ،
-
وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ غَالِبًا لَا تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ خَلَطَ لَبَنَ الْآدَمِيَّةِ بِلَبَنِ الْأَنْعَامِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَدْرُ مَا يَحْصُلُ بِهِ خَمْسُ رَضَعَاتٍ مِنْ اللَّبَنِ، إذَا جُعِلَ فِي جُبٍّ مِنْ الْمَاءِ فَشَرِبَهُ الصَّبِيُّ تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ
-
فَأَمَّا إذَا خَلَطَ لَبَنَ امْرَأَةٍ بِلَبَنِ امْرَأَةٍ أُخْرَى ثُمَّ أَوْجَرَ مِنْهُ صَبِيًّا فَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ مِنْهُمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ يَكْثُرُ بِجِنْسِهِ،
-
وَلَا يَصِيرُ مُسْتَهْلَكًا بِهِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ يَكُونُ لَبَنُهَا غَالِبًا؛ لِأَنَّ الْمَغْلُوبَ لَا يَظْهَرُ حُكْمُهُ فِي مُقَابَلَةِ الْغَالِبِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهِ رِوَايَتَانِ فِي إحْدَاهُمَا اعْتَبَرَ الْأَغْلَبَ كَمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَفِي الْأُخْرَى قَالَ:
-
تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ مِنْهُمَا وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ لَبَنِ هَذِهِ الْبَقَرَةِ فَخَلَطَ لَبَنَهَا بِلَبَنِ بَقَرَةٍ أُخْرَى فَشَرِبَهُ فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ.
-
(قَالَ:) الرَّضَاعُ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ وَالْوَطْءِ فِي إثْبَاتِ حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُوجَدَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
-
(قَالَ:) وَإِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ أَوْ لَمَسَهَا بِشَهْوَةٍ أَوْ نَظَرَ إلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ لَمْ تَحِلَّ لِابْنِهِ،
-
وَلَا لِأَبِيهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ،
-
وَلَا تَحِلُّ لَهُ أُمُّهَا،
-
وَلَا ابْنَتُهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ كَمَا لَا تَحِلُّ لِابْنِهِ وَأَبِيهِ نَسَبًا،
-
فَإِنَّ هَذِهِ الْحُرْمَةَ تَعَلَّقَتْ بِأَسَامٍ تَثْبُتُ تِلْكَ الْأَسَامِي بِالرَّضَاعَةِ وَهِيَ الْأُبُوَّةُ وَالْأُمُومَةُ،
-
وَكَذَلِكَ لَا يَتَزَوَّجُ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ مِنْهُ أُخْتَهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ،
-
وَلَا ذَاتَ رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْجَمْعِ مُتَعَلِّقَةٌ بِاسْمِ الْأُخْتِيَّةِ، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِالرَّضَاعِ كَمَا يَتَحَقَّقُ بِالنَّسَبِ، وَالْعِدَّةُ تَعْمَلُ عَمَلَ صُلْبِ النِّكَاحِ فِي الْمَنْعِ مِنْ النِّكَاحِ.
-
(قَالَ:) وَإِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الصَّبِيَّةَ فَأَرْضَعَتْهَا أُمُّهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ أَوْ أُمُّهُ الَّتِي وَلَدَتْهُ أَوْ أُخْتُهُ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ امْرَأَةُ ابْنِهِ بِلَبَنِ ابْنِهِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَحْرَمِيَّةَ تَمْنَعُ النِّكَاحَ بِعِلَّةِ الْمُنَافَاةِ،
-
فَإِنَّ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ فِي الْمَحَلِّ مُنَافَاةً وَالْمُنَافِي كَمَا يُؤَثِّرُ إذَا اقْتَرَنَ بِالنَّسَبِ يُنَافِي الْبَقَاءَ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ،
-
فَإِذَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ لَزِمَهُ بِذَلِكَ نِصْفُ الْمَهْرِ لَهَا؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ حَصَلَتْ لَا بِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهَا أَوْ حَصَلَتْ بِمَعْنًى مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ وَهِيَ الْمَحْرَمِيَّةُ، فَيَجِبُ نِصْفُ الصَّدَاقِ لَهَا وَيَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى الَّتِي أَرْضَعَتْهَا إنْ كَانَتْ أَرَادَتْ الْفَسَادَ أَوْ عَمَدَتْ ذَلِكَ،
-
وَإِنْ كَانَتْ أَخْطَأَتْ أَوْ أَرَادَتْ الْخَيْرَ بِأَنْ خَافَتْ عَلَى الرَّضِيعِ الْهَلَاكَ مِنْ الْجُوعِ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَيْهَا، وَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُهَا إنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهَا تَعَمُّدُ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ فِي بَاطِنِهَا لَا يَقِفُ عَلَيْهِ غَيْرُهَا،
-
فَلَا بُدَّ مِنْ قَبُولِ قَوْلِهَا فِيهِ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ فِي نِيَّتِهَا إذَا أَرَادَتْ الْفَسَادَ أَوْ لَمْ تُرِدْ؛ لِأَنَّهَا مُسَبِّبَةٌ لِهَذِهِ الْفُرْقَةِ لَا مُبَاشِرَةٌ، فَإِنَّهَا مُبَاشِرَةٌ لِلْإِرْضَاعِ وَهُوَ لَيْسَ بِسَبَبٍ مَوْضُوعٍ لِلْفُرْقَةِ، وَالْمُسَبِّبُ إذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا فِي تَسَبُّبِهِ يَكُونُ ضَامِنًا،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا لَا يَضْمَنُ كَحَافِرِ الْبِئْرِ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ لَا يَضْمَنُ مَا يَسْقُطُ فِيهِ،
-
بِخِلَافِ الْحَافِرِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ،
-
فَإِذَا أَرَادَتْ الْفَسَادَ كَانَتْ مُتَعَدِّيَةً فِي السَّبَبِ وَإِذَا لَمْ تُرِدْ الْفَسَادَ لَمْ تَكُنْ مُتَعَدِّيَةً فِي السَّبَبِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الصَّدَاقِ عَلَى كُلِّ حَالٍ،
-
فَإِنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ الْمُتَسَبِّبَ كَالْمُبَاشِرِ، وَلِهَذَا جَعَلَ فَتْحَ بَابِ الْقَفَصِ وَالْإِصْطَبْلِ وَحَلَّ قَيْدِ الْآبِقِ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ، وَفِي الْمُبَاشَرَةِ الْمُتَعَدِّي وَغَيْرُ الْمُتَعَدِّي سَوَاءٌ فَكَذَلِكَ فِي التَّسَبُّبِ عَلَى قَوْلِهِ، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَرْجِعُ بِمَهْرِ مِثْلِ الْمَنْكُوحَةِ؛
-
لِأَنَّهَا أَتْلَفَتْ مِلْكَ نِكَاحِهِ فِيهَا، وَمِلْكُ
-
النِّكَاحِ عِنْدَهُ مَضْمُونٌ بِالْإِتْلَافِ حَتَّى قَالَ فِي شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ بَعْدَ الدُّخُولِ إذَا رَجَعَا ضَمِنَا مَهْرَ الْمِثْلِ، وَهَذَا لِأَنَّ مِلْكَ الْبُضْعِ يَتَقَوَّمُ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي مِلْكِ الزَّوْجِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: إنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ لَيْسَ بِمُتَقَوِّمٍ فِي نَفْسِهِ؛
-
لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمِلْكِ عَيْنٍ،
-
وَلَا مَنْفَعَةٍ إنَّمَا هُوَ مِلْكٌ ضَرُورِيٌّ لَا يَظْهَرُ إلَّا فِي حَقِّ الِاسْتِيفَاءِ.
-
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ النَّقْلِ إلَى الْغَيْرِ وَالِانْتِقَالِ إلَى الْوَرَثَةِ فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ التَّقَوُّمِ بِالْمَالِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ فِي نَفْسِهِ،
-
فَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا بِالْمَالِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْإِتْلَافِ مُقَدَّرٌ بِالْمِثْلِ بِالنَّصِّ، وَتَقَوُّمُ الْبُضْعِ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي مِلْكِ الزَّوْجِ لِلضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّهُ تَمَلُّكٌ لِلْبُضْعِ وَهُوَ مُحْتَرَمٌ،
-
فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِعِوَضٍ، وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ لَا تُوجَدُ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ إبْطَالٌ لِلْمِلْكِ لَا تَمْلِيكٌ مِنْهَا، وَإِبْطَالُ الْمِلْكِ لَا يَسْتَدْعِي التَّقَوُّمَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى الْفَرْقِ أَنَّ الْأَبَ يُزَوِّجُ ابْنَهُ الصَّغِيرَ بِمَالِ الصَّغِيرِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْلَعَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ بِمَالِهَا،
-
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مِلْكِهِ لَمْ يَجِبْ الضَّمَانُ عَلَيْهَا بِإِتْلَافِ الْبُضْعِ، وَلَكِنَّهَا قَرَّرَتْ عَلَيْهِ مَا كَانَ عَلَى شَرَفِ السُّقُوطِ،
-
فَإِنَّ الصَّدَاقَ وَإِنْ وَجَبَ بِالْعَقْدِ فَهُوَ بِعَرْضِ السُّقُوطِ مَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا إذَا جَاءَتْ الْفُرْقَةُ مِنْ قِبَلِهَا فَهِيَ قَرَّرَتْ النِّصْفَ عَلَيْهِ بِمَا فَعَلَتْهُ وَهِيَ مُتَسَبِّبَةٌ فِي ذَلِكَ مُتَعَدِّيَةٌ إذَا تَعَمَّدَتْ الْفَسَادَ فَلِهَذَا رَجَعَ عَلَيْهَا بِذَلِكَ.
-
(قَالَ:) وَإِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الصَّبِيَّةَ ثُمَّ تَزَوَّجَ عَمَّتَهَا فَنِكَاحُ الْعَمَّةِ بَاطِلٌ لِلنَّهْيِ،
-
فَإِنْ أَرْضَعَتْ أُمُّ الْعَمَّةِ الصَّبِيَّةَ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّةَ وَإِنْ صَارَتْ أُخْتًا لِلْعَمَّةِ بِالرَّضَاعَةِ، وَلَكِنْ لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُ الْعَمَّةِ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْجَمْعُ الْحَرَامُ فَلِهَذَا بَقِيَ نِكَاحُ الصَّبِيَّةِ.
-
(قَالَ:) وَإِذَا تَزَوَّجَ صَبِيَّتَيْنِ رَضِيعَتَيْنِ فَأَرْضَعَتْهُمَا امْرَأَةٌ مَعًا أَوْ إحْدَاهُمَا بَعْدَ الْأُخْرَى بَانَتَا جَمِيعًا لِأَنَّهُمَا صَارَتَا أُخْتَيْنِ حِينَ أَرْضَعَتْ الثَّانِيَةَ مِنْهُمَا فَتَقَرَّرَ الْجَمْعُ الْمُنَافِي، وَلَيْسَتْ إحْدَاهُمَا بِبُطْلَانِ نِكَاحِهَا بِأَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى،
-
فَإِذَا بَانَتَا فَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الصَّدَاقِ يَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى الْمُرْضِعَةِ إنْ تَعَمَّدَتْ الْفَسَادَ لِمَا قُلْنَا،
-
وَلَوْ كُنَّ ثَلَاثًا فَأَرْضَعَتْهُنَّ مَعًا بِأَنْ حَلَبَتْ لَبَنَهَا فِي قَارُورَةٍ وَأَلْقَمَتْ إحْدَى ثَدْيَيْهَا إحْدَاهُنَّ وَالْأُخْرَى لِلْأُخْرَى، وَأَوْجَرَتْ الثَّلَاثَةَ مَعًا بِنَّ جَمِيعًا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُنَّ صِرْنَ أَخَوَاتٍ مَعًا،
-
وَإِنْ أَرْضَعَتْهُنَّ وَاحِدَةً بَعْدَ الْأُخْرَى بَانَتْ الْأُولَيَانِ وَالثَّالِثَةُ امْرَأَتُهُ؛ لِأَنَّهَا حِينَ أَرْضَعَتْ الثَّانِيَةَ فَقَدْ تَحَقَّقَتْ الْأُخْتِيَّةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأُولَى فَتَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا،
-
ثُمَّ أَرْضَعَتْ الثَّالِثَةَ، وَلَيْسَ فِي نِكَاحِهِ غَيْرُهَا فَفِي نِكَاحِهَا،
-
وَإِنْ كُنَّ أَرْبَعًا فَأَرْضَعَتْهُنَّ مَعًا أَوْ وَاحِدَةً ثُمَّ الثَّلَاثَ مَعًا بِنَّ جَمِيعًا،
-
وَكَذَلِكَ إنْ أَرْضَعَتْهُنَّ جَمِيعًا وَاحِدَةً بَعْدَ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ حِينَ أَرْضَعَتْ الثَّانِيَةَ بَانَتْ الْأُولَيَانِ لِلْأُخْتِيَّةِ وَحِينَ أَرْضَعَتْ الثَّالِثَةَ وَالرَّابِعَةَ بَانَتْ الْأُخْرَيَانِ أَيْضًا
-
لِلْأُخْتِيَّةِ، وَإِنْ أَرْضَعَتْ الثَّلَاثَ أَوَّلًا مَعًا ثُمَّ الرَّابِعَةَ بَانَتْ الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ دُونَ الرَّابِعَةِ؛ لِأَنَّهَا حِينَ أَرْضَعَتْهَا فَلَيْسَ فِي نِكَاحِهِ غَيْرُهَا.
-
(قَالَ:) وَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَصَبِيَّتَيْنِ فَأَرْضَعَتْهُمَا الْمَرْأَةُ إحْدَاهُمَا قَبْلَ الْأُخْرَى وَلَمْ يَدْخُلْ بِالْمَرْأَةِ حُرِّمَتْ الْمَرْأَةُ وَالصَّبِيَّةُ الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا حِينَ أَرْضَعَتْ إحْدَاهُمَا فَقَدْ صَارَتَا أُمًّا وَابْنَةً فَتَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا ثُمَّ أَرْضَعَتْ الثَّانِيَةَ، وَلَيْسَ فِي نِكَاحِهِ غَيْرُهَا فَبَقِيَ نِكَاحُهَا؛ لِأَنَّ السَّابِقَ مُجَرَّدُ الْعَقْدِ عَلَى الْأُمِّ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الْبِنْتِ ثُمَّ لَا مَهْرَ لِلْكَبِيرَةِ؛
-
لِأَنَّ الْفُرْقَةَ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَلِلصَّغِيرَةِ نِصْفُ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ لَيْسَتْ مِنْ قِبَلِهَا إنَّمَا كَانَتْ مِنْ جِهَةِ الْكَبِيرَةِ حِينَ أَرْضَعَتْهَا،
-
فَإِنَّ اللَّبَنَ يَصِلُ إلَى جَوْفِهَا مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ مِنْهَا فِي الِارْتِضَاعِ، وَيَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى الْكَبِيرَةِ إنْ كَانَتْ تَعَمَّدَتْ الْفَسَادَ لِمَا قُلْنَا،
-
وَلَا تَحِلُّ لَهُ هَذِهِ الْكَبِيرَةُ أَبَدًا؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْعَقْدِ عَلَى الْبِنْتِ يُوجِبُ حُرْمَةَ الْأُمِّ،
-
وَأَمَّا الصَّبِيَّةُ فَإِنَّهَا تَحِلُّ لَهُ إذَا فَارَقَتْهُ الَّتِي عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْأُمِّ لَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الْبِنْتِ،
-
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مَا دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ حُرِّمْنَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُمَا صَارَتَا ابْنَتَهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَالدُّخُولُ بِالْأُمِّ يُحَرِّمُ الْبِنْتَ ثُمَّ لِلْكَبِيرَةِ مَهْرُهَا وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الصَّغِيرَتَيْنِ نِصْفُ الْمَهْرِ،
-
وَلَا يَحِلُّ لَهُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَبَدًا لِوُجُودِ الدُّخُولِ بِالْأُمِّ وَصِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَى الْبِنْتِ.
-
(قَالَ:) وَإِذَا تَزَوَّجَ كَبِيرَتَيْنِ وَصَغِيرَتَيْنِ فَأَرْضَعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْكَبِيرَتَيْنِ صَغِيرَةً وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ؛ لِأَنَّ كُلَّ صَغِيرَةٍ صَارَتْ بِنْتًا لِمَنْ أَرْضَعَتْهَا، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ فِي النِّكَاحِ حَرَامٌ،
-
فَإِنْ كَانَتْ أَرْضَعَتْ إحْدَى الْكَبِيرَتَيْنِ الصَّغِيرَتَيْنِ ثُمَّ أَرْضَعَتْ الْكَبِيرَةُ الْأُخْرَى الصَّغِيرَتَيْنِ، وَذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِالْكَبِيرَتَيْنِ،
-
فَأَمَّا الْكَبِيرَةُ الْأُولَى مَعَ الصَّغِيرَةِ الْأُولَى فَقَدْ بَانَتَا لِمَا قُلْنَا، وَالصَّغِيرَةُ الثَّانِيَةُ لَمْ تَبِنْ مِنْهُ بِإِرْضَاعِ الْكَبِيرَةِ الْأُولَى،
-
فَأَمَّا بِإِرْضَاعِ الْكَبِيرَةِ الثَّانِيَةَ،
-
فَإِنْ بَدَأَتْ بِإِرْضَاعِهَا بَانَتْ مِنْهُ،
-
وَإِنْ بَدَأَتْ بِإِرْضَاعِ الْأُولَى فَالصَّغِيرَةُ الثَّانِيَةُ امْرَأَتُهُ لِأَنَّهَا حِينَ أَرْضَعَتْ الْأُولَى صَارَتْ أُمًّا لَهَا وَفَسَدَ نِكَاحُهَا لِصِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَى الصَّغِيرَةِ الْأُولَى فِيمَا سَبَقَ ثُمَّ أَرْضَعَتْ الثَّانِيَةَ، وَلَيْسَ فِي نِكَاحِهِ غَيْرُهَا فَلِهَذَا لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا.
-
(قَالَ:) وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ أُخْتُهُ أَوْ أُمُّهُ أَوْ ابْنَتُهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ ثُمَّ أَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَقَالَ: أَوْهَمْتُ أَوْ أَخْطَأْتُ أَوْ نَسِيتُ وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ فَهُمَا مُصَدَّقَانِ عَلَى ذَلِكَ وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا،
-
وَإِنْ ثَبَتَ عَلَى قَوْلِهِ الْأَوَّلِ، وَقَالَ: هُوَ حَقٌّ كَمَا قُلْتُ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا،
-
وَلَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَفِي الْقِيَاسِ الْجَوَابُ فِي الْفَصْلَيْنِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَالْمُقَرُّ بِهِ يُجْعَلُ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ كَالثَّابِتِ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالْمُعَايَنَةِ، وَالرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ
-
بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ مُلْزِمٌ بِنَفْسِهِ فَسَوَاءٌ رَجَعَ أَوْ ثَبَتَ كَانَ النِّكَاحُ بَاطِلًا بِزَعْمِهِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا،
-
وَلَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ يَقَعُ فِيهِ الِاشْتِبَاهُ فَقَدْ يَقَعُ عِنْدَ الرَّجُلِ أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ رَضَاعٌ فَيُخْبِرُ بِذَلِكَ ثُمَّ يَتَفَحَّصُ عَنْ حَقِيقَةِ الْحَالِ فَيَتَبَيَّنُ لَهُ أَنَّهُ قَدْ غَلِطَ فِي ذَلِكَ، وَفِيمَا يَقَعُ الِاشْتِبَاهُ إذَا أَخْبَرَ أَنَّهُ غَلِطَ فِيهِ يَجِبُ قَبُولُ قَوْلِهِ شَرْعًا لِوَجْهَيْنِ:
-
(أَحَدُهُمَا) أَنَّ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ مِنْ حَقِّ الشَّرْعِ،
-
فَإِذَا تَصَادَقَا عَلَى أَنَّهُمَا قَدْ غَلِطَا، فَلَيْسَ هُنَا مَنْ يُكَذِّبُهُمَا فِي خَبَرِهِمَا.
-
(وَالثَّانِي) أَنَّ إقْرَارَهُ فِي الِابْتِدَاءِ لَمْ يَكُنْ عَلَى نَفْسِهِ إنَّمَا كَانَ عَلَيْهَا بِحُرْمَتِهَا عَلَيْهِ وَالْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ صِفَةُ الْمَحَلِّ وَإِقْرَارُ الْإِنْسَانِ عَلَى الْغَيْرِ لَا يَكُونُ لَازِمًا،
-
فَإِذَا ذَكَرَ أَنَّهُ غَلِطَ فِيهِ فَهُوَ لَا يُرِيدُ بِهَذَا إبْطَالَ شَيْءٍ لَزِمَهُ فَلِهَذَا قُبِلَ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ،
-
وَإِنْ أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِذَلِكَ وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ ثُمَّ أَكْذَبَتْ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، وَقَالَتْ أَخْطَأْتُ فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ أَنْ تُكَذِّبَ نَفْسَهَا فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ،
-
وَلَا تُصَدَّقُ الْمَرْأَةُ عَلَى قَوْلِهَا؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمَحْرَمِيَّةِ لَا تَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ، فَإِنَّهُ خَبَرٌ مُحْتَمَلٌ مُتَمَثِّلٌ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، وَلَكِنَّ الثَّابِتَ عَلَى الْإِقْرَارِ كَالْمُجَدِّدِ لَهُ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَإِقْرَارُهَا بِالْمَحْرَمِيَّةِ بَعْدَ الْعَقْدِ بَاطِلٌ فَكَذَلِكَ إقْرَارُهَا بِهِ قَبْلَ الْعَقْدِ،
-
وَأَمَّا إقْرَارُهُ بِالْحُرْمَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ صَحِيحٌ مُوجِبٌ لِلْفُرْقَةِ،
-
وَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ بِهِ قَبْلَ الْعَقْدِ وَثَبَتَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى تَزَوَّجَهَا،
-
فَإِنْ قِيلَ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ كَمَا لَوْ ابْتَدَأَ بَعْدَ النِّكَاحِ قُلْنَا إنَّمَا لَا يَجِبُ لِوُجُودِ التَّصْدِيقِ مِنْهَا عَلَى بُطْلَانِ أَصْلِ النِّكَاحِ، أَوْ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ بِالْقَصْدِ إلَى إسْقَاطِ الْمَهْرِ إذْ سَبَقَ الْإِقْرَارُ مِنْهُ بِوُجُوبِ الْمَهْرِ بِالنِّكَاحِ، يُوَضِّحُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْإِقْرَارَ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ مُؤَثِّرًا فِي الْمِلْكِ، إمَّا بِالْمُنَافَاةِ أَوْ بِالْإِزَالَةِ، وَإِقْرَارُ الرَّجُلِ مُؤَثِّرٌ فِي ذَلِكَ فَكَانَ مُعْتَبَرًا فِي الْمَنْعِ مِنْ صِحَّةِ النِّكَاحِ إذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ، وَإِقْرَارُ الْمَرْأَةِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي ذَلِكَ،
-
فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكَاحِ.
-
(قَالَ:) وَإِذَا أَقَرَّ الزَّوْجُ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ وَثَبَتَ عَلَيْهَا وَأَشْهَدَ الشُّهُودَ ثُمَّ تَزَوَّجَتْهُ الْمَرْأَةُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ ثُمَّ جَاءَتْ بِهَذِهِ الْحُجَّةِ بَعْدَ النِّكَاحِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا،
-
وَلَا يَنْفَعُهُ جُحُودُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ عَلَى مَقَالَتِهِ فِي الِابْتِدَاءِ وَزَعَمَ أَنَّهُ حَقٌّ لَا غَلَطَ فِيهِ فَقَدْ لَزِمَهُ حُكْمُ إقْرَارِهِ وَصَارَ كَالْمُجَدِّدِ لِذَلِكَ الْإِقْرَارِ بَعْدَ النِّكَاحِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا،
-
وَلَا يَنْفَعُهُ الْجُحُودُ، وَلَوْ أَقَرَّا بِذَلِكَ جَمِيعًا ثُمَّ كَذَّبَا أَنْفُسَهُمَا، وَقَالَا: أَخْطَأْنَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ،
-
وَكَذَلِكَ هَذَا الْبَابُ فِي النَّسَبِ لَيْسَ يَلْزَمُ مِنْ هَذَا إلَّا مَا بَيَّنَّا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْغَلَطَ وَالِاشْتِبَاهَ فِيهِ أَظْهَرُ،
-
فَإِنَّ سَبَبَ النَّسَبِ أَخْفَى مِنْ سَبَبِ الرَّضَاعِ فَكَمَا أَنَّ هُنَاكَ الْإِقْرَارُ بِدُونِ الثَّبَاتِ عَلَيْهِ لَا يُوجِبُ الْحُرْمَةَ فَكَذَلِكَ هُنَا.
-
(قَالَ:) وَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ قَالَ لَهَا بَعْدَ
-
النِّكَاحِ هِيَ أُخْتِي أَوْ ابْنَتِي أَوْ أُمِّي مِنْ الرَّضَاعَةِ ثُمَّ قَالَ: أَخْطَأْتُ أَوْ أَوْهَمْتُ فَالنِّكَاحُ بَاقٍ اسْتِحْسَانًا،
-
وَلَوْ ثَبَتَ عَلَى هَذَا النُّطْقِ، وَقَالَ هُوَ حَقٌّ فَشَهِدَتْ عَلَيْهِ الشُّهُودُ بِذَلِكَ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا،
-
وَلَوْ جَحَدَ ذَلِكَ لَمْ يَنْفَعْهُ جُحُودُهُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ إنَّمَا كَانَ مُوجِبًا لِلْفُرْقَةِ بِشَرْطِ الثَّبَاتِ عَلَيْهِ،
-
فَإِنْ قَالَ: أَوْهَمْتُ فَقَدْ انْعَدَمَ مَا هُوَ شَرَطَهُ،
-
فَلَا يُوجِبُ الْفُرْقَةَ، وَإِذَا ثَبَتَ عَلَى ذَلِكَ وُجِدَ مَا هُوَ شَرْطُ الْإِقْرَارِ فَثَبَتَ حُكْمُهُ وَهُوَ الْفُرْقَةُ ثُمَّ لَا يَنْفَعُهُ جُحُودُهُ بَعْدَ ذَلِكَ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: هَذِهِ أُخْتِي أَوْ هَذِهِ ابْنَتِي، وَلَيْسَ لَهَا نَسَبٌ مَعْرُوفٌ ثُمَّ قَالَ: أَوْهَمْتُ يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ هَذَا ابْنِي أَوْ هَذِهِ ابْنَتِي ثُمَّ قَالَ: أَوْهَمْتُ، فَإِنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ،
-
وَلَا يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ وَالْفَرْقُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ إقْرَارَهُ بِالنَّسَبِ فِي عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ مُلْزِمٌ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ لِمَا أَقَرَّ بِهِ مُوجِبًا فِي مِلْكِهِ وَهُوَ زَوَالُ الْمِلْكِ،
-
فَإِنَّ مَنْ اشْتَرَى ابْنَهُ يَصِحُّ الشِّرَاءُ وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ،
-
فَإِذَا كَانَ لِمَا أَقَرَّ بِهِ مُوجَبٌ فِي مِلْكِهِ كَانَ هُوَ مُقِرًّا بِهِ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ، وَإِقْرَارُ الْإِنْسَانِ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ مُلْزِمٌ فَلِهَذَا يُتِمُّ بِنَفْسِهِ ثَبَتَ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَثْبُتْ،
-
فَأَمَّا إقْرَارُهُ بِنَسَبِ زَوْجَتِهِ لَا مُوجِبَ لَهُ فِي مِلْكِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ ابْنَتَهُ لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ أَصْلًا لَا أَنْ يَثْبُتَ النِّكَاحُ ثُمَّ يَزُولَ، وَإِنَّمَا لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ بِحُرْمَةِ الْمَحَلِّ، فَمُوجِبُ إقْرَارِهِ هُنَا لَا يَظْهَرُ فِي مِلْكِهِ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ فِي الْمَحَلِّ،
-
وَلَا حَقَّ لَهُ فِي الْمَحَلِّ؛ لِأَنَّ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ صِفَةُ الْمَحَلِّ فَلَمْ يَكُنْ إقْرَارُهُ مُتَنَاوِلًا لِمِلْكِهِ ابْتِدَاءً،
-
فَلَا يَكُونُ مُلْزِمًا إلَّا إذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ فَحِينَئِذٍ بِحُكْمِ الثَّبَاتِ عَلَيْهِ يَتَعَدَّى ضَرَرُهُ إلَى مِلْكِهِ فَيَلْزَمُهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَالثَّانِي أَنَّ الِاشْتِبَاهَ لَا يَقَعُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالِابْنِ بَلْ عَبْدُهُ فِي الْغَالِبِ مُبَايِنٌ لِابْنِهِ فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَلْبَسِ وَالْمَجْلِسِ،
-
فَإِذَا كَانَ الِاشْتِبَاهُ يَنْدُرُ فِيهِ لَا يُعْتَبَرُ،
-
فَأَمَّا الِاشْتِبَاهُ قَدْ يَقَعُ بَيْنَ زَوْجَتِهِ وَابْنَتِهِ لِتَقَارُبِهِمَا فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَلْبَسِ وَالْمَجْلِسِ فَلِهَذَا يُعْذَرُ إذَا قَالَ: أَوْهَمْتُ.
-
(قَالَ:) وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَذِهِ ابْنَتِي وَثَبَتَ عَلَى ذَلِكَ وَلَهَا نَسَبٌ مَعْرُوفٌ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: هِيَ أُمِّي وَلَهُ أُمٌّ مَعْرُوفَةٌ؛ لِأَنَّهُ مُكَذَّبٌ شَرْعًا فِيمَا أَقَرَّ بِهِ وَتَكْذِيبُ الشَّرْعِ إيَّاهُ أَقْوَى مِنْ تَكْذِيبِهِ نَفْسَهُ،
-
وَلَوْ كَذَّبَ نَفْسَهُ، وَقَالَ: أَوْهَمْتُ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا فَكَذَا إذَا أَكْذَبَهُ الشَّارِعُ وَبِهِ فَارَقَ الْعَبْدَ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ لَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ كَانَ حُرًّا فَكَذَلِكَ إذَا أَكْذَبَهُ الشَّرْعُ بِأَنْ كَانَ ثَابِتَ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِهِ، وَالْمَعْنَى مَا قُلْنَا إنَّ إقْرَارَهُ بِنَسَبِ الْعَبْدِ مُصَادِفٌ مِلْكَهُ وَهُوَ مُصَدَّقٌ فِيمَا يُقِرُّ بِهِ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ فَيَثْبُتُ بِهِ الْعِتْقُ،
-
وَإِنْ امْتَنَعَ بِثُبُوتِ النَّسَبِ لِكَوْنِهِ مَعْرُوفَ النَّسَبِ مِنْ الْغَيْرِ،
-
فَأَمَّا إقْرَارُهُ بِنَسَبِ امْرَأَتِهِ لَا يُصَادِفُ مِلْكَهُ ابْتِدَاءً، وَإِنَّمَا يُصَادِفُ الْمَحَلَّ فَيَثْبُتُ بِهِ حُرْمَةُ الْمَحَلِّ ثُمَّ يَنْبَنِي عَلَيْهِ انْتِفَاءُ الْمِلْكِ
-
وَهُنَا حُرْمَةُ الْمَحَلِّ لَمْ تَثْبُتْ حِينَ كَانَتْ مَعْرُوفَةَ النَّسَبِ مِنْ الْغَيْرِ فَلِهَذَا لَا يَبْطُلُ النِّكَاحُ،
-
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةَ النَّسَبِ مِنْ الْغَيْرِ،
-
وَمِثْلُهَا يُولَدُ لِمِثْلِهِ وَثَبَتَ عَلَى ذَلِكَ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَلَكِنَّهُ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ حَقِيقَةً إلَّا بِتَصْدِيقِ الْمَرْأَةِ إيَّاهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ يُعَامَلُ فِي حَقِّهِ وَكَأَنَّ مَا أَقَرَّ بِهِ حَقٌّ، وَلَكِنْ لَا يُصَدَّقُ فِي حَقِّ الْغَيْرِ فَيُجْعَلُ النَّسَبُ فِي حَقِّهِ كَالثَّابِتِ حَتَّى يَنْتَفِيَ مِلْكُهُ عَنْهَا، وَلَكِنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهَا إلَّا بِتَصْدِيقِهَا،
-
فَلَا يَلْزَمُهَا الِانْتِسَابُ إلَيْهِ إلَّا أَنْ تُصَدِّقَهُ فِي ذَلِكَ،
-
وَإِذَا كَانَ مِثْلُهَا لَا يُولَدُ لِمِثْلِهِ لَمْ يَثْبُتُ النَّسَبُ،
-
وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ تَكْذِيبَ الْحَقِيقَةِ إيَّاهُ أَقْوَى مِنْ تَكْذِيبِهِ نَفْسَهُ، وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْعِتْقِ مَا قُلْنَا إنَّ لِإِقْرَارِهِ بِالنَّسَبِ فِي مِلْكِهِ مُوجِبًا فَيُجْعَلُ ذَلِكَ الْإِقْرَارُ كِنَايَةً عَنْ مُوجِبِهِ مَجَازًا، وَلَيْسَ لِإِقْرَارِهِ بِالنَّسَبِ فِي مِلْكِ النِّكَاحِ مُوجِبٌ مِنْ حَيْثُ الْإِزَالَةُ،
-
فَلَا يُمْكِنُ إعْمَالُهُ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ، وَأَكْثَرُ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يُقَالَ: مُوجِبُهُ نَفْيُ أَصْلِ النِّكَاحِ فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ صَرَّحَ بِذَلِكَ، وَجُحُودُهُ لِأَصْلِ النِّكَاحِ لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلْفُرْقَةِ فَكَذَلِكَ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَرْضَعَتْنِي
-
وَمِثْلُهَا لَا يُرْضِعُ، وَلَا لَبَنَ لَهَا، فَإِنَّهُ مُكَذَّبٌ فِي ذَلِكَ حَقِيقَةً فَيَنَزَّلُ فِي ذَلِكَ مَنْزِلَةَ تَكْذِيبِهِ نَفْسَهُ، فَلِهَذَا لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
-
(قَالَ:) لَا يُحْصِنُ الرَّجُلَ الْمُسْلِمَ إلَّا الْمَرْأَةُ الْحُرَّةُ الْمُسْلِمَةُ إذَا دَخَلَ بِهَا، هَكَذَا نُقِلَ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَ أَمَةً وَدَخَلَ بِهَا لَا يَصِيرُ مُحْصَنًا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُحْصِنُ الْمُسْلِمَ الْيَهُودِيَّةُ، وَلَا النَّصْرَانِيَّةُ، وَلَا الْحُرَّ الْأَمَةُ، وَلَا الْحُرَّةَ الْعَبْدُ» وَكَانَ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ ثُبُوتَ الْإِحْصَانِ يَخْتَصُّ بِالْوَطْءِ بِالنِّكَاحِ حَتَّى لَا يَثْبُتَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَفِي مَعْنَى قَضَاءِ الشَّهْوَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُوجِبَ لِلْفَرْقِ أَنَّ الْإِحْصَانَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِوُجُودِ الْوَطْءِ بَيْنَ مُسْتَوَى الْحَالِ فِي صِفَةِ الْكَمَالِ،
-
فَإِنَّ النِّكَاحَ فِي الْعَادَةِ يَكُونُ بَيْنَ مُسْتَوَى الْحَالِ،
-
وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ الْمَالِكِ وَالْمَمْلُوكِ،
-
فَلَا يَتَحَقَّقُ هَذَا الْمَعْنَى إذَا وُجِدَ الدُّخُولُ بِالْأَمَةِ بِالنِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ الْأَمَةِ وَالْحُرِّ،
-
فَأَمَّا إذَا دَخَلَ بِالْكِتَابِيَّةِ بِالنِّكَاحِ لَمْ يَصِرْ مُحْصَنًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَصِيرُ مُحْصَنًا قِيلَ: هَذَا بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ
-
الَّتِي تُرْوَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْكِتَابِيَّةَ مُحْصَنَةٌ، وَأَنَّهَا تُرْجَمُ إذَا زَنَتْ،
-
وَقِيلَ: بَلْ هِيَ مَسْأَلَةٌ مُبْتَدَأَةٌ، فَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ عَلَى الْكِتَابِيَّةِ، وَعَلَى الْمُسْلِمَةِ بِصِفَةِ الْكَمَالِ بِدَلِيلِ جَوَازِ نِكَاحِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى الْأُخْرَى وَالْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا فِي الْقَسْمِ وَوِلَايَةِ الْمُبَاشَرَةِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِنَفْسِهَا، فَكَمَا يَصِيرُ مُحْصَنًا بِالدُّخُولِ بِالْمُسْلِمَةِ، فَكَذَلِكَ بِالْكِتَابِيَّةِ،
-
بِخِلَافِ الْأَمَةِ فَإِنَّهُ لَا مُسَاوَاةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحُرَّةِ فِي حُكْمِ النِّكَاحِ بَلْ حَالُهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ حَالِ الْحُرَّةِ، وَبِخِلَافِ الصَّغِيرَةِ وَالْمَجْنُونَةِ، فَإِنَّهُ لَا مُسَاوَاةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ فِي وِلَايَةِ الْمُبَاشَرَةِ، وَفِي مَعْنَى قَضَاءِ الشَّهْوَةِ لِمَا فِي طَبْعِهِ مِنْ النُّفْرَةِ عَنْ الْمَجْنُونَةِ، وَحُجَّتُهُمَا مَا رَوَيْنَا،
-
وَكَذَلِكَ لَمَّا «أَرَادَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنْ يَتَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: دَعْهَا فَإِنَّهَا لَا تُحْصِنُكَ» وَلَمَّا أَرَادَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنْ يَتَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً قَالَ لَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - دَعْهَا فَإِنَّهَا لَا تُحْصِنُكَ وَلِأَنَّ الرِّقَّ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الْكُفْرِ فَإِذَا كَانَ الْإِحْصَانُ لَا يَثْبُتُ بِوَطْءِ الْأَمَةِ بِالنِّكَاحِ لِمَا فِيهِ مِنْ الرِّقِّ فَلَأَنْ لَا يَثْبُتَ بِوَطْءِ الْكَافِرَةِ أَوْلَى، وَهَذَا لِأَنَّ مَعْنَى الِازْدِوَاجِ لَا يَتِمُّ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي الدِّينِ فَقَلَّ مَا يَرْكَنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا إلَى صَاحِبِهِ فَكَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الصَّغِيرَةِ وَالْمَجْنُونَةِ تَوْضِيحُهُ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذَا كَانَا كَافِرَيْنِ لَا يَصِيرَانِ مُحْصَنَيْنِ بِالدُّخُولِ، وَمَعْنَى الْمُسَاوَاةِ فِيمَا بَيْنَهُمَا أَظْهَرُ،
-
فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْإِحْصَانُ بِالْوَطْءِ هُنَاكَ فَلَأَنْ لَا يَثْبُتَ هُنَا كَانَ أَوْلَى
-
وَكَذَلِكَ الْمُسْلِمَةُ لَا يُحْصِنُهَا الزَّوْجُ إذَا كَانَ كَافِرًا بِأَنْ أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ ثُمَّ دَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ الْكَافِرُ قَبْلَ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا لَمْ تَصِرْ هِيَ بِهَذَا الدُّخُولِ مُحْصَنَةً فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى مَا قُلْنَا،
-
وَكَذَلِكَ لَا يُحْصِنُهَا الْعَبْدُ وَالْمَجْنُونُ وَغَيْرُ الْبَالِغِ اعْتِبَارًا لِجَانِبِهَا بِجَانِبِهِ،
-
فَإِنَّ الْإِحْصَانَ عِبَارَةٌ عَنْ كَمَالِ الْحَالِ،
-
فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِوَطْءٍ مَوْصُوفٍ بِكَوْنِهِ نِعْمَةً كَامِلَةً مِنْ الْجَانِبَيْنِ.
-
(قَالَ:) وَجِمَاعُ هَؤُلَاءِ يُحِلُّهَا لِلزَّوْجِ الَّذِي قَدْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ ذَلِكَ حَتَّى إنَّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا إذَا كَانَتْ ذِمِّيَّةً فَتَزَوَّجَتْ ذِمِّيًّا ثُمَّ أَسْلَمَتْ فَدَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا حَلَّتْ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ بِهَذَا الدُّخُولِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ بَيْنَهُمَا قَبْلَ تَفْرِيقِ الْقَاضِي، حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا، وَالدُّخُولُ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ يُحِلُّهَا لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ.
-
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا تَزَوَّجَهَا بِإِذْنِ الْمَوْلَى وَدَخَلَ بِهَا حَلَّتْ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ إصَابَةَ الزَّوْجِ الثَّانِي إنَّمَا كَانَ مَشْرُوعًا لِرَفْعِ الطَّلَقَاتِ مُغَايَظَةً لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِدُخُولِ الْعَبْدِ وَالْكَافِرِ بِهَا كَمَا يَحْصُلُ بِدُخُولِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ بَلْ مَعْنَى الْمُغَايَظَةِ فِي هَذَا أَكْثَرُ، بِخِلَافِ الْإِحْصَانِ، فَإِنَّهُ
-
إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْوَطْءِ بِالنِّكَاحِ لِاعْتِبَارِ مَعْنَى كَمَالِ النِّعْمَةِ، وَالْعَبْدُ وَالْكَافِرُ فِي هَذَا لَيْسَ نَظِيرَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ.
-
وَعَلَى هَذَا دُخُولُ الصَّبِيِّ الَّذِي يُجَامِعُ مِثْلُهُ بِالْمَرْأَةِ يُحِلُّهَا لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُحِلُّهَا لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْحِلِّ لِلْأَوَّلِ يَسْتَدْعِي كَمَالَ الْفِعْلِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِالْجِمَاعِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، وَفِعْلُ الصَّبِيِّ دُونَ فِعْلِ الْبَالِغِ فَلِانْعِدَامِ صِفَةِ الْكَمَالِ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْحِلُّ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ، وَلَكِنَّا نَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} وَاسْمُ الزَّوْجِ يَتَنَاوَلُ الصَّبِيَّ كَمَا يَتَنَاوَلُ الْبَالِغَ ثُمَّ هَذَا حُكْمٌ مُخْتَصٌّ بِالْوَطْءِ بِالنِّكَاحِ فَيَتَعَلَّقُ بِوَطْءِ الصَّبِيِّ كَتَقْرِيرِ الْمُسَمَّى وَالْعِدَّةِ وَمَا هُوَ الْمَعْنَى فِيهِ وَهُوَ مُغَايَظَةُ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ حَاصِلٌ أَيْضًا،
-
فَإِنْ اسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا حَتَّى تَذُوقِي مِنْ عُسَيْلَتِهِ» قُلْنَا: لَيْسَ الْمُرَادُ بِذَوْقِ الْعُسَيْلَةِ الْإِنْزَالَ بَلْ هِيَ اللَّذَّةُ، وَهِيَ تَنَالُ ذَلِكَ بِوَطْءِ الصَّبِيِّ الَّذِي يُجَامِعُ، وَلِهَذَا يَلْزَمُهَا الِاغْتِسَالُ بِنَفْسِ الْإِيلَاجِ وَبِهِ يَتَبَيَّنُ كَمَالُ فِعْلِ الصَّبِيِّ فِي الْوَطْءِ.
-
(قَالَ:) وَكَذَلِكَ فِعْلُ هَؤُلَاءِ يُوجِبُ مِنْ التَّحْرِيمِ مَا يُوجِبُهُ جِمَاعُ الْبَالِغِ الْمُحْصَنِ حَتَّى إنَّ الصَّبِيَّ الَّذِي يُجَامِعُ مِثْلُهُ يَتَعَلَّقُ بِوَطْئِهِ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ،
-
وَكَذَا الصَّبِيَّةُ الَّتِي يُجَامَعُ مِثْلُهَا ثَبَتَ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ بِوَطْئِهَا، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُونَ فِيمَا إذَا وَطِئَ صَغِيرَةً لَا يُجَامَعُ مِثْلُهَا فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَثْبُتُ بِهِ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَثْبُتُ لِوُجُودِ فِعْلِ الْوَطْءِ حَقِيقَةً وَهُوَ كَامِلٌ فِي نَفْسِهِ حَتَّى يَتَعَلَّقَ بِهِ الِاغْتِسَالُ بِالْإِيلَاجِ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ، وَيَثْبُتَ بِهِ سَائِرُ أَحْكَامِ الْوَطْءِ أَيْضًا، وَاعْتُبِرَ الْوَطْءُ بِالْعَقْدِ، فَكَمَا أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الصَّغِيرَةِ كَالْعَقْدِ عَلَى الْبَالِغَةِ فِي إيجَابِ الْحُرْمَةِ، فَكَذَلِكَ الْوَاطِئُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّه تَعَالَى - قَالَا: ثُبُوتُ حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ لَيْسَ لِعَيْنِ الْوَطْءِ.
-
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِالْوَطْءِ فِي غَيْرِ الْمَأْتَى، وَلَكِنَّ ثُبُوتَهُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْبَعْضِيَّةِ،
-
وَلَا تَصَوُّرَ لِذَلِكَ إذَا كَانَتْ لَا يُجَامَعُ مِثْلُهَا،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ يُجَامَعُ مِثْلُهَا؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْبَعْضِيَّةِ وَإِنْ كَانَتْ بِاعْتِبَارِ الْمَاءِ فَهُوَ بَاطِنٌ لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ فَيُقَامُ السَّبَبُ الظَّاهِرُ مُقَامَهُ، وَهُوَ بُلُوغُهَا حَدَّ الشَّهْوَةِ،
-
فَإِذَا كَانَتْ مِمَّنْ يُشْتَهَى أُنْزِلَتْ مَنْزِلَةَ الْبَالِغَةِ فِي ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ بِوَطْئِهَا،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ لَا تُشْتَهَى. أَلَا تَرَى أَنَّ إبَاحَةَ هَذَا الْفِعْلِ شَرْعًا لِمَقْصُودِ النَّسْلِ ثُمَّ جَعَلَ بُلُوغَهَا حَدَّ الشَّهْوَةِ فِي حُكْمِ إبَاحَةِ هَذَا الْفِعْلِ قَائِمًا مَقَامَ حَقِيقَةِ الْبُلُوغِ، فَكَذَلِكَ هُنَا،
-
بِخِلَافِ وُجُوبِ الِاغْتِسَالِ، فَإِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِاسْتِطْلَاقِ وِكَاءِ الْمَنِيِّ بِمَعْنَى الْحَرَارَةِ وَاللِّينِ فِي الْمَحَلِّ، فَلِهَذَا يَسْتَوِي فِيهِ الَّتِي يُجَامَعُ مِثْلُهَا وَاَلَّتِي لَا يُجَامَعُ، كَمَا يَسْتَوِي فِيهِ الْفِعْلُ فِي الْمَأْتَى وَغَيْرِ الْمَأْتَى. .
-
(قَالَ:) وَالْخَلْوَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ الْبَالِغَيْنِ
-
الْمُسْلِمَيْنِ وَرَاءَ سِتْرٍ أَوْ بَابٍ مُغْلَقٍ يُوجِبُ الْمَهْرَ وَالْعِدَّةَ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُوجِبُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} الْآيَةَ وَالْمُرَادُ بِالْمَسِيسِ الْجِمَاعُ هَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُكَنِّي الْقَبِيحَ بِالْحَسَنِ كَمَا كَنَّى بِالْمَسِّ عَنْ الْجِمَاعِ وَلِأَنَّ هَذِهِ خَلْوَةٌ خَلَتْ عَنْ الْإِصَابَةِ،
-
فَلَا تُوجِبُ الْمَهْرَ وَالْعِدَّةَ كَالْخَلْوَةِ الْفَاسِدَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ تَقَرُّرَ الْبَدَلِ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ بِقَبْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَعْنًى فِي بَاطِنِهَا لَا يَصِيرُ مُسْتَوْفًى إلَّا بِالْآلَةِ الَّتِي تَصِلُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ،
-
فَلَا تَكُونُ الْخَلْوَةُ فِيهَا قَبْضًا كَالْقِصَاصِ،
-
فَإِنَّ حَقَّ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ فِي الْبَاطِنِ لَا يَصِيرُ مُسْتَوْفًى إلَّا بِالْآلَةِ الْجَارِحَةِ فَلَمْ تَكُنْ الْخَلْوَةُ فِيهِ قَبْضًا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ حُكْمُ الرَّجْعَةِ وَبَقَاءُ الْمُطَالَبَةِ بِالْوَطْءِ،
-
فَإِنَّ الْخَلْوَةَ فِي هَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ لَا تُجْعَلُ كَاسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ فِي حُكْمِ الْمَهْرِ وَالْعِدَّةِ، وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضِ} نَهَى عَنْ اسْتِرْدَادِ شَيْءٍ مِنْ الصَّدَاقِ بَعْدَ الْخَلْوَةِ،
-
فَإِنَّ الْإِفْضَاءَ عِبَارَةٌ عَنْ الْخَلْوَةِ، وَمِنْهُ يُسَمَّى الْمَكَانُ الْخَالِي فَضَاءً، وَمِنْهُ قَوْلُ الْقَائِلِ أَفْضَيْتُ إلَيْهِ بِشَغَرِي أَيْ خَلَوْتُ بِهِ، وَذَكَرْتُ لَهُ سِرِّي، وَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا تَلِي الْمَسِيسَ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ وَهِيَ الْخَلْوَةُ، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ كَشَفَ قِنَاعَ امْرَأَتِهِ وَقَبَّلَهَا فَلَهَا الْمَهْرُ كَامِلًا دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ» وَلَمَّا فَرَّقَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مَا بَيْنَ الْعِنِّينِ وَامْرَأَتِهِ أَلْزَمَاهُ كَمَالَ الْمَهْرِ، وَقَالَا مَا ذَنْبُهُنَّ إنْ جَاءَ الْعَجْزُ مِنْ قِبَلِكُمْ وَعَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَبِي أَوْفَى أَنَّهُ قَالَ: مَضَتْ السُّنَّةُ مِنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنَّ مَنْ أَغْلَقَ عَلَى امْرَأَتِهِ بَابًا أَوْ أَرْخَى حِجَابًا كَانَ عَلَيْهِ الْمَهْرُ كَامِلًا دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَلِأَنَّهَا أَتَتْ بِتَسْلِيمِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهَا بِالْعَقْدِ فَيَتَقَرَّرُ حَقُّهَا فِي الْبَدَلِ كَمَا إذَا وَطِئَهَا الزَّوْجُ.
-
وَهَذَا لِأَنَّ الْبَدَلَ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ يَتَقَرَّرُ بِتَسْلِيمِ مَنْ لَهُ الْبَدَلُ لَا بِاسْتِيفَاءِ مَنْ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ إذَا خَلَّى الْبَائِعُ بَيْنَ الْمَبِيعِ وَالْمُشْتَرِي أَوْ خَلَّى الْآجِرُ بَيْنَ الدَّارِ وَالْمُسْتَأْجِرِ فِي الْمُدَّةِ يَتَقَرَّرُ الْبَدَلُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْفِ، وَهَذَا لِأَنَّا لَوْ عَلَّقْنَا تَقَرُّرَ الْبَدَلِ بِالِاسْتِيفَاءِ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ قَصْدًا مِنْهُ إلَى الْإِضْرَارِ بِمَنْ لَهُ الْبَدَلُ،
-
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ التَّسْلِيمُ فَالْمُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ عَلَيْهَا مَا فِي وُسْعِهَا، وَفِي وُسْعِهَا تَسْلِيمُ النَّفْسِ فِي حَالِ زَوَالِ الْمَانِعِ لَا حَقِيقَةِ اسْتِيفَاءِ الْوَطْءِ،
-
فَإِذَا أَتَتْ بِمَا هُوَ الْمُسْتَحَقُّ تَقَرَّرَ حَقُّهَا فِي الْبَدَلِ عَلَى أَنْ تُقَامَ نَفْسُهَا مُقَامَ حَقِيقَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، كَمَا أَنَّهَا فِي جَوَازِ الْعَقْدِ أُقِيمَتْ نَفْسُهَا مُقَامَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ فِي حُكْمِ التَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّ تَقَرُّرَ الْبَدَلِ بِتَسْلِيمٍ مَا بِاعْتِبَارِهِ يُجَوِّزُ الْعَقْدَ، وَهَذَا
-
بِخِلَافِ حَقِّ الرَّجْعَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ حَقِّ الزَّوْجِ وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ حَقِيقَةِ الِاسْتِيفَاءِ،
-
فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ الَّذِي أَبْطَلَ حَقَّ نَفْسِهِ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ وُجُوبِ الْعِدَّةِ ثُبُوتُ الرَّجْعَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ بِالْمَوْتِ يَتَقَرَّرُ الْمَهْرُ وَالْعِدَّةُ وَلَيْسَ فِيهِ تَصَوُّرُ الرَّجْعَةِ، وَمُطَالَبَتُهَا بِالْوَطْءِ لِيَسْتَعِفَّ بِهِ وَيَحْصُلَ لِنَفْسِهَا صِفَةُ الْإِحْصَانِ بِسَبَبِهِ، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِالْخَلْوَةِ إذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: حَدُّ الْخَلْوَةِ الصَّحِيحَةِ أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ مَانِعٌ يَمْنَعُهُ مِنْ وَطْئِهَا طَبْعًا وَلَا شَرْعًا، حَتَّى إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مَرِيضًا مَرَضًا يَمْنَعُ الْجِمَاعَ أَوْ صَائِمًا فِي رَمَضَانَ أَوْ مُحْرِمًا أَوْ كَانَتْ هِيَ حَائِضًا لَا تَصِحُّ الْخَلْوَةُ لِقِيَامِ الْمَانِعِ طَبْعًا أَوْ شَرْعًا، وَفِي صَوْمِ الْقَضَاءِ رِوَايَتَانِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ تَصِحُّ الْخَلْوَةُ؛
-
لِأَنَّ الَّذِي يَجِبُ بِالْفِطْرِ قَضَاءُ يَوْمٍ وَهُوَ يَسِيرٌ كَمَا فِي صَوْمِ النَّفْلِ.
-
وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لَا تَصِحُّ الْخَلْوَةُ اعْتِبَارًا لِلْقَضَاءِ بِالْأَدَاءِ، وَفِي صَوْمِ النَّفْلِ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ أَيْضًا أَنَّهُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْخَلْوَةِ بِمَنْزِلَةِ حَجِّ النَّفْلِ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ رَتْقَاءَ أَوْ قَرْنَاءَ لَا يَحْصُلُ التَّسْلِيمُ لِقِيَامِ الْمَانِعِ حِسًّا،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ مَجْبُوبًا أَوْ عِنِّينًا وَقَدْ بَيِّنَاهُ،
-
وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا ثَالِثٌ لَا تَصِحُّ الْخَلْوَةُ لِقِيَامِ الْمَانِعِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الثَّالِثُ مِمَّنْ لَا يَشْعُرُ بِذَلِكَ كَصَغِيرٍ لَا يَعْقِلُ أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ،
-
وَإِنْ خَلَا بِزَوْجَتِهِ وَهُنَاكَ أَمَتُهُ وَكَانَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: لَا تَصِحُّ الْخَلْوَةُ،
-
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ هُنَاكَ أَمَتَهَا؛ لِأَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ وَطْءُ أَمَتِهِ دُونَ أَمَتِهَا ثُمَّ رَجَعَ، وَقَالَ لَا تَصِحُّ الْخَلْوَةُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهَا اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ مِنْ غَشَيَانِهَا بَيْنَ يَدَيْ أَمَتِهِ طَبْعًا، وَعَلَى هَذَا لَوْ خَلَا بِزَوْجَتَيْهِ لَمْ تَصِحَّ الْخَلْوَةُ لِمَا قُلْنَا، وَالْمَكَانُ الَّذِي لَا تَصِحُّ الْخَلْوَةُ فِيهِ أَنْ يَأْمَنَا فِيهِ اطِّلَاعَ غَيْرِهِمَا عَلَيْهِمَا بِغَيْرِ إذْنٍ كَالدَّارِ وَالْبَيْتِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلِهَذَا لَا تَصِحُّ الْخَلْوَةُ فِي الْمَسْجِدِ وَالطَّرِيقِ الْأَعْظَمِ وَالسَّطْحِ الَّذِي لَيْسَ عَلَى جَوَانِبِهِ سُتْرَةٌ، وَبَعْدَ صِحَّةِ الْخَلْوَةِ إذَا تَصَادَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا لَا يَكُونَا مُحْصَنَيْنِ؛
-
لِأَنَّ الْخَلْوَةَ إنَّمَا تُجْعَلُ كَالِاسْتِيفَاءِ فِيمَا هُوَ مِنْ حُكْمِ الْعَقْدِ، وَالْإِحْصَانُ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ،
-
فَإِنْ أَقَرَّا بِالْجِمَاعِ لَزِمَهُمَا حُكْمُ الْإِحْصَانِ،
-
وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ أَحَدُهُمَا صُدِّقَ عَلَى نَفْسِهِ دُونَ صَاحِبِهِ.
-
وَلَا يُحْصَنُ الْخَصِيُّ إذَا كَانَ لَا يُجَامِعُ،
-
وَكَذَلِكَ الْمَجْبُوبُ وَالْعِنِّينُ، فَإِنْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ حَتَّى ثَبَتَ بِهِ النَّسَبُ مِنْ الزَّوْجِ فَفِي الْخَصِيِّ وَالْعِنِّينِ يَكُونَا مُحْصَنَيْنِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِثُبُوتِ النَّسَبِ حُكْمٌ بِالدُّخُولِ، وَفِي الْمَجْبُوبِ ذَكَرَ فِي اخْتِلَافِ زُفَرَ وَيَعْقُوبَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ عَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هِيَ تَصِيرُ مُحْصَنَةً لَمَّا حَكَمْنَا بِثُبُوتِ النَّسَبِ مِنْ الزَّوْجِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تَصِيرُ هِيَ مُحْصَنَةً؛
-
لِأَنَّهُ لَا تَصَوُّرَ لِلْجِمَاعِ بِدُونِ الْآلَةِ، وَالْحُكْمُ بِثُبُوتِ النَّسَبِ بِطَرِيقِ الْإِنْزَالِ بِالسَّحْقِ وَلَيْسَ
-
ذَلِكَ مِنْ الْجِمَاعِ فِي شَيْءٍ، وَثُبُوتُ حُكْمِ الْإِحْصَانِ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الْجِمَاعِ، الرَّتْقَاءُ لَا تُحْصِنُ الرَّجُلَ لِانْعِدَامِ الْجِمَاعِ مَعَ الرَّتْقِ،
-
وَلَا إحْصَانَ بِالْجِمَاعِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ؛ لِأَنَّ الْإِحْصَانَ عِبَارَةٌ عَنْ كَمَالِ الْحَالِ، فَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِوَطْءٍ هُوَ نِعْمَةٌ بَلْ نِهَايَةٌ فِي النِّعْمَةِ، حَتَّى لَا يَحْصُلَ بِالْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَالْوَطْءُ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ حَرَامٌ، فَلَا يُوجِبُ الْإِحْصَانَ.
-
(قَالَ:) وَإِذَا دَخَلَ الْخُنْثَى بِامْرَأَتِهِ أَوْ دَخَلَ بِالْخُنْثَى زَوْجُهَا فَهُمَا مُحْصَنَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا حُكِمَ بِكَوْنِهِ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً فَالْجِمَاعُ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ تَحَقَّقَ بَيْنَهُمَا فَيَثْبُتُ بِهِ حُكْمُ الْإِحْصَانِ.
-
(قَالَ:) وَلَوْ دَخَلَ مُسْلِمٌ بِامْرَأَتِهِ الْمُسْلِمَةِ ثُمَّ ارْتَدَّا - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى - بَطَلَ إحْصَانُهُمَا؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ تُحْبِطُ الْعَمَلَ وَيَلْحَقُ الْمُرْتَدُّ بِمَنْ لَمْ يَزَلْ كَافِرًا، فَكَمَا أَنَّ الْكَافِرَ الْأَصْلِيَّ لَا يَكُونُ مُحْصَنًا فَالْمُرْتَدُّ كَذَلِكَ.
-
فَإِنْ أَسْلَمَا جَمِيعًا لَمْ يَكُونَا مُحْصَنَيْنِ إلَّا بِجِمَاعٍ جَدِيدٍ بِمَنْزِلَةِ زَوْجَيْنِ حَرْبِيَّيْنِ أَوْ ذِمِّيَّيْنِ أَسْلَمَا
-
وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ مَعَ امْرَأَتِهِ الْأَمَةِ إذَا أَعْتَقَهَا لَمْ يَكُونَا مُحْصَنَيْنِ حَتَّى يُجَامِعَهَا بَعْدَ الْعِتْقِ،
-
فَإِنْ جَامَعَهَا فَهُمَا مُحْصَنَانِ عَلِمَا بِالْعِتْقِ أَوْ لَمْ يَعْلَمَا عَلِمَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّ لَهَا الْخِيَارُ أَوْ لَمْ تَعْلَمْ،
-
فَإِذَا جَامَعَهَا قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا فَقَدْ جَامَعَهَا بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ بَعْدَمَا كَمُلَ حَالُهُمَا بِالْعِتْقِ فَكَانَا مُحْصَنَيْنِ.
-
(قَالَ:) وَإِذَا وَلَدَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ الرَّجُلِ وَهُمَا يُنْكِرَانِ الدُّخُولَ فَهُمَا مُحْصَنَانِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ شَاهِدٌ عَلَى الدُّخُولِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ أَقْوَى مِنْ شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ،
-
فَإِذَا كَانَ الْإِحْصَانُ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ فَبِثُبُوتِ النَّسَبِ أَوْلَى، وَهَذَا لِأَنَّهُمَا مُكَذَّبَانِ فِي إنْكَارِهِمَا الدُّخُولَ شَرْعًا، وَالْمُكَذَّبُ شَرْعًا لَا يُعْتَبَرُ إنْكَارُهُ.
-
(قَالَ:) وَإِذَا أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ أَنَّ زَوْجَهَا قَدْ جَامَعَهَا وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ ثُمَّ فَارَقَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا حَلَّ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ الَّذِي كَانَ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا أَنْ يَصْدُقَهَا وَيَتَزَوَّجَهَا؛ لِأَنَّهَا أَخْبَرَتْ مِنْ أَمْرٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَبِّهَا وَهُوَ حِلُّهَا لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ،
-
وَلَا حَقَّ لِلزَّوْجِ الثَّانِي فِي ذَلِكَ، فَإِنْكَارُهُ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ وُجُودًا وَعَدَمًا بِمَنْزِلَةٍ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ أَخَبَرهُ بِذَلِكَ ثِقَةٌ،
-
وَلَوْ أَنْكَرَتْ الدُّخُولَ بَعْدَ إقْرَارِهَا وَقَدْ تَزَوَّجَهَا الزَّوْجُ الْأَوَّلُ لَمْ تُصَدَّقْ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهَا مُنَاقِضَةٌ،
-
وَلَوْ كَانَ زَوْجُهَا الَّذِي فَارَقَهَا هُوَ الَّذِي أَقَرَّ بِالْجِمَاعِ وَلَمْ تُقِرَّ هِيَ لَمْ يَحِلَّ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا،
-
وَلَا يُصَدَّقُ الزَّوْجُ الثَّانِي عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي حِلِّهَا وَحُرْمَتِهَا لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ،
-
وَلَا قَوْلَ لَهُ فِي ذَلِكَ أَصْلًا، وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ خَلَا بِهَا أَوْ لَمْ يَخْلُ بِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تَصِيرُ مُحْصَنَةً بِإِقْرَارِ الزَّوْجِ الثَّانِي أَنَّهُ قَدْ جَامَعَهَا إذَا أَنْكَرَتْ هِيَ، فَكَذَلِكَ لَا تَصِيرُ مُحَلَّلَةً لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ.
-
(قَالَ:) وَإِذَا قَالَتْ: طَلَّقَنِي زَوْجِي أَوْ مَاتَ عَنَى وَانْقَضَتْ عِدَّتِي حَلَّ لِخَاطِبِهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَيُصْدِقَهَا؛ لِأَنَّ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ مِنْ حَقِّ الشَّرْعِ وَكُلُّ مُسْلِمٍ أَمِينٌ مَقْبُولُ الْقَوْلِ فِيمَا هُوَ مِنْ حَقِّ الشَّرْعِ، إنَّمَا
-
لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي حَقِّ الْغَيْرِ إذَا أَكْذَبَهُ مَنْ لَهُ الْحَقُّ،
-
وَلَا حَقَّ لِأَحَدٍ هُنَا فِيمَا أَخْبَرَتْ بِهِ، فَلِهَذَا جَازَ قَبُولُ خَبَرِهَا فِي ذَلِكَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
-
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إمْلَاءً يَوْمَ الْخَمِيسِ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَة سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
-
اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي كِتَابِ الرَّضَاعِ هَلْ هُوَ مِنْ تَصْنِيفِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَمْ لَا؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ لَيْسَ مِنْ تَصْنِيفِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِنَّمَا صَنَّفَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَنَسَبَهُ إلَيْهِ لِيَرُوجَ بِهِ، وَفِي أَلْفَاظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ ذَكَرَ فِي حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ سَبَبَ الْوَطْءِ الْحَرَامِ قَالَ: وَالتَّنَزُّهُ عَنْهُ أَفْضَلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا كَانَ يُصَحِّحُ الْجَوَابَ فِي مُصَنَّفَاتِهِ فِي الْأَحْكَامِ خُصُوصًا فِيمَا فِيهِ نَصٌّ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ تَصْنِيفَاتِهِ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْحَاكِمُ الْجَلِيلُ فِي الْمُخْتَصَرِ وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: وَهُوَ مِنْ تَصْنِيفَاتِهِ، وَلَكِنَّهُ مِنْ أَوَائِلِ تَصْنِيفَاتِهِ وَلِكُلِّ دَاخِلٍ دَهْشَةٌ.
-
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ أَنَّهُ كَانَ صَنَّفَ الْكُتُبَ مَرَّةً ثُمَّ أَعَادَهَا إلَّا قَلِيلًا مِنْهَا فَهَذَا الْكِتَابُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حِينَ أَعَادَ اكْتَفَى فِي أَحْكَامِ الرَّضَاعِ بِمَا أَوْرَدَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَاكْتَفَى الْحَاكِمُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَيْضًا بِذَلِكَ فَلَمْ يُفْرِدْ هَذَا الْكِتَابَ فِي مُخْتَصَرِهِ قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَلَكِنِّي لَمَّا فَرَغْت مِنْ إمْلَاءِ شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَالطَّاقَةِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ وَالْفَاقَةِ وَأَتْبَعْته بِإِمْلَاءِ كِتَابِ الْكَسْبِ رَأَيْت الصَّوَابَ اتِّبَاعَ ذَلِكَ بِإِمْلَاءِ شَرْحِ هَذَا الْكِتَابِ فَفِيهِ بَعْضُ مَا لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَمَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى شَرْحٍ وَبَيَانٍ ثُمَّ إنَّهُ بَدَأَ الْكِتَابَ بِبَيَانِ الْمُحَرَّمَاتِ مِنْ النِّسَاءِ فَقَالَ
-
أَسْبَابُ حُرْمَةِ النِّسَاءِ ثَلَاثَةٌ النَّسَبُ وَالصِّهْرُ وَالرَّضَاعُ وَالْمُحَرَّمَاتُ بِالنَّسَبِ سَبْعَةٌ، وَذَلِكَ يُتْلَى فِي قَوْله تَعَالَى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} إلَى قَوْله تَعَالَى {وَبَنَاتُ الْأُخْتِ}
-
وَالْمُصَاهَرَةُ كَالنَّسَبِ فِي ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ الْمُؤَبَّدَةِ بِهَا بِطَرِيقِ الْإِكْرَامِ،
-
فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَمَعَ بَيْنَهُمَا قَالَ {وَهُوَ
-
الَّذِي خَلَقَ مِنْ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا}
-
وَالْمُحَرَّمَاتُ بِالْمُصَاهَرَةِ أَرْبَعٌ، وَذَلِكَ يُتْلَى فِي الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} وَقَالَ تَعَالَى {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ} وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ}
-
ثُمَّ حَرَّمَ بِالرَّضَاعِ مِثْلَ هَذَا الْعَدَدِ الَّذِي حَرُمَ بِالنَّسَبِ وَالصِّهْرِ وَثُبُوتُ الْحُرْمَةِ بِسَبَبِ الرَّضَاعِ مَنْصُوصٌ فِي قَوْله تَعَالَى {وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ} وَبَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ بِقَوْلِهِ «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» وَزَعَمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - أَنَّ طَرِيقَ مَعْرِفَةِ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ النَّصُّ خَاصَّةً،
-
وَلَوْ خَلَّيْنَا وَالْقِيَاسَ لَمْ نَقُلْ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ،
-
فَإِنَّ الْإِنَاثَ خُلِقْنَ لِلذُّكُورِ، وَهَذَا مَحَلُّ النِّكَاحِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُنَّ مَكَانُ حَرْثٍ لِلْوَلَدِ وَأَنَّ التَّنَاسُلَ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ وَبِهَذِهِ الْأَسْبَابِ لَا يَخْتَلُّ هَذَا الْمَعْنَى وَالْأَصَحُّ أَنْ نَقُولَ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتُ ثَابِتَةٌ بِالنَّصِّ وَهِيَ مُسْتَحْسَنَةٌ فِي عُقُولِ الْعُقَلَاءِ أَيْضًا عِنْدَ رَفْضِ الْعَادَاتِ السَّيِّئَةِ وَالْعَاقِلُ يَحْرِصُ عَلَى حِمَايَةِ أُمِّهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ وَدَفْعِ الْعَارِ وَالشَّنَارِ عَنْهُمَا، كَمَا يَحْرِصُ عَلَى دَفْعِ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، وَالْمَقْصُودُ بِالنِّكَاحِ الِاسْتِعْرَاضُ لِلْوَطْءِ وَالْعَاقِلُ يَأْنَفُ مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ فِي أُمِّهِ وَابْنَتِهِ كَمَا يَأْنَفُ مِنْ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَشَارَ إلَى ذَلِكَ فِي الْأَخْبَارِ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يَعْرِفُوا الشَّرِيعَةَ وَكَانُوا عُقَلَاءَ فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى} إلَى قَوْله تَعَالَى {أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ} ،
-
فَإِذَا كَانَ يَأْنَفُ مِنْ ذَلِكَ كَيْفَ يَسْتَجِيزُ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يُبَاشِرَ فِعْلَهُ
-
وَكَذَا يَأْنَفُ مِنْ ذَلِكَ فِي حَقِّ امْرَأَةِ أَبِيهِ الَّتِي رَبَّتْهُ وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ أُمِّهِ بِاعْتِبَارِ التَّرْبِيَةِ، وَفِي حَقِّ امْرَأَةِ ابْنِهِ الَّتِي هِيَ لَهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ، وَالْمُتَوَلِّدُ مِنْهَا يَكُونُ وَلَدًا لَهُ،
-
وَكَذَلِكَ يَأْنَفُ مِنْ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الرَّضَاعِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ سَبَبَيْ الْكَوْنِ،
-
فَإِنَّ النَّشْرَ وَالتَّسْوِيَةَ يَحْصُلُ بِهِ، وَلِهَذَا كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُعَظِّمُونَ أَمْرَ الرَّضَاعِ، كَمَا يُعَظِّمُونَ أَمْرَ النَّسَبِ ثُمَّ بِسَبَبِ النَّسَبِ تَتَمَكَّنُ بَيْنَهُمَا الْعَصَبِيَّةُ أَوْ شِبْهُ الْعَصَبِيَّةِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ «أَوْلَادُنَا أَكْبَادُنَا» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ فَاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنِّي إلَّا مَا كَانَ لِآدَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه» ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ لِكَوْنِ الْأَصْلِ الْأَوَّلِ وَاحِدًا كَمَا قَالَ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} ثُمَّ شُبْهَةُ الْعَصَبِيَّةِ تُعْتَبَرُ بِحَقِيقَةِ الْعَصَبِيَّةِ، وَفِي الْمُصَاهَرَةِ شُبْهَةُ الْعَصَبِيَّةِ بِاعْتِبَارِ الْوَاسِطَةِ، وَفِي الرَّضَاعَةِ شُبْهَةُ الْعَصَبِيَّةِ بِاعْتِبَارِ الْبُنُوَّةِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ «الرَّضَاعُ مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَأَنْشَزَ الْعَظْمَ» ثُمَّ بَيَّنَ نَوْعًا آخَرَ مِنْ الْحُرْمَةِ فَقَالَ، وَمِنْ
-
ذَلِكَ مَا حَرُمَ بِالْكُفْرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} ، وَهَذَا فِي الْمَعْنَى لَيْسَ نَظِيرَ مَا تَقَدَّمَ فَتِلْكَ حُرْمَةٌ مُؤَبَّدَةٌ وَهَذِهِ حُرْمَةٌ مُؤَقَّتَةٌ إلَى غَايَةٍ هِيَ الْإِسْلَامُ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْحُرْمَةِ سَبْعَةٌ أَيْضًا:
-
أَحَدُهُمَا: إذَا كَانَ تَحْتَ الرَّجُلِ امْرَأَةٌ فَأُخْتُهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ إلَى غَايَةٍ وَهِيَ أَنْ يُفَارِقَهَا،
-
وَكَذَلِكَ مَا فِي مَعْنَى الْأُخْتِ كَالْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ وَبِنْتِ الْأَخِ وَبِنْتِ الْأُخْتِ ثَبَتَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} وَبِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلَا عَلَى خَالَتِهَا، وَلَا عَلَى ابْنَةِ أُخْتِهَا، وَلَا عَلَى ابْنَةِ أَخِيهَا» .
-
وَالثَّانِيَةُ: إذَا كَانَ تَحْتَهُ أَرْبَعَةُ نِسْوَةٍ فَالْخَامِسَةُ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ إلَى أَنْ يُفَارِقَ إحْدَى الْأَرْبَعِ ثَبَتَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} وَبِإِجْمَاعِ الْجُمْهُورِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - عَلَى حُرْمَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ.
-
وَالثَّالِثَةُ: إذَا كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ فَالْأَمَةُ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ إلَى غَايَةٍ وَهِيَ أَنْ يُفَارِقَ الْحُرَّةَ ثَبَتَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُنْكَحُ الْأَمَةُ عَلَى الْحُرَّةِ» وَهِيَ حُرْمَةٌ ثَابِتَةٌ شَرْعًا عِنْدَنَا لَا لِحَقِّ الْمَرْأَةِ حَتَّى إنَّهَا وَإِنْ رَضِيَتْ لَمْ تَحِلَّ إلَّا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَإِنَّهُ يَقُولُ إذَا رَضِيَتْ الْحُرَّةُ جَازَ وَذَكَرَ فِي الْكِتَابِ هَذَا الْقَوْلَ مَنْسُوبًا إلَى بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَمُرَادُهُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
-
وَالرَّابِعَةُ: إذَا وَطِئَ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ فَأُخْتُهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ إلَى غَايَةٍ وَهِيَ انْقِضَاءُ عِدَّةِ هَذِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْعِدَّةَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ كَأَصْلِ النِّكَاحِ فِي إيجَابِ الْحُرْمَةِ كَمَا يُجْعَلُ الرَّضَاعُ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ فِي إيجَابِ الْحُرْمَةِ.
-
وَالْخَامِسَةُ: مَنْكُوحَةُ الْغَيْرِ أَوْ مُعْتَدَّةُ الْغَيْرِ، فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ إلَى غَايَةٍ وَهِيَ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ ثَبَتَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ} أَيْ أَخَوَاتُ الْأَزْوَاجِ وَبِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} .
-
وَالسَّادِسَةُ: مُكَاتَبَةُ الرَّجُلِ، فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ لَا يَطَؤُهَا بِالْمِلْكِ إلَى أَنْ تَعْتِقَ بِالْأَدَاءِ فَيَنْكِحَهَا أَوْ تَعْجِزَ فَيَطَأَهَا بِالْمِلْكِ.
-
وَالسَّابِعَةُ: الْمُشْرِكَةُ فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْمُؤْمِنِ.
-
وَزَعَمَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ نِكَاحَ الْمُشْرِكَةِ لَا يَجُوزُ لِمُشْرِكٍ وَلَا لِلْمُسْلِمِ فَكَانَ يَقُولُ بِبُطْلَانِ أَنْكِحَةِ الْمُشْرِكِينَ أَهْلِ الشِّرْكِ مِنْهُمْ، وَهُوَ بَاطِلٌ عِنْدَنَا،
-
فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} ،
-
فَلَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا نِكَاحٌ لَمَا سَمَّاهَا امْرَأَتَهُ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وُلِدْت مِنْ نِكَاحٍ وَلَمْ أُولَدْ مِنْ سِفَاحٍ» ، وَلَمْ يُفَرِّقْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَحَدٍ مِمَّنْ أَسْلَمَ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ حِينَ أَسْلَمَتْ مَعَهُ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمَا بِتَجْدِيدِ الْعَقْدِ بَلْ أَقَرَّهُمَا عَلَى النِّكَاحِ فَعَرَفْنَا أَنَّ لِلْأَنْكِحَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ حُكْمَ الصِّحَّةِ،
-
وَإِنَّ نِكَاحَ الْمُشْرِكَةِ حَرَامٌ عَلَى الْمُسْلِمِ خَاصَّةً لِخُبْثِهَا وَكَرَامَةِ الْمُسْلِمِ فَفِيهِ مَعْنَى الصِّيَانَةِ لَهُ عَنْ فِرَاشِ الْخَبِيثَةِ وَبِالنِّكَاحِ ثَبَتَ الِازْدِوَاجُ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ
-
بَيْنَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ أَوْ مُتَقَارِبِي الْحَالِ،
-
وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ الْمُشْرِكَةِ وَالْمُسْلِمِ فَكَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ إلَى أَنْ يُؤْمِنَ.
-
(قَالَ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَلَّ نِسَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} فَأَحَلَّ نِسَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ جُمْلَةِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَتَرَكَ بَاقِي أَهْلِ الْكُفْرِ عَلَى التَّحْرِيمِ فِي قَوْله تَعَالَى {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} ،
-
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ هَذَا الْكَلَامُ مُخْتَلٌّ،
-
فَإِنَّ اسْمَ الْمُشْرِكَةِ لَا يَتَنَاوَلُ الْكِتَابِيَّةَ حَتَّى يُقَالَ إنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ هَذِهِ الْحُرْمَةِ بِالنَّصِّ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَطَفَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ؟ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ} ، وَإِنَّمَا يُعْطَفُ الشَّيْءُ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ مَا ذَكَرَهُ الْكِتَابُ صَحِيحٌ،
-
فَإِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ فِي الْحَقِيقَةِ مُشْرِكُونَ وَإِنْ كَانُوا يَدَّعُونَ التَّوْحِيدَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} إلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} وَعَطْفُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ غَيْرُ مُشْرِكِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَاَلَّذِينَ أَشْرَكُوا} فَقَدْ عَطَفَ أَهْلَ الشِّرْكِ عَلَى الْمَجُوسِ وَالْمَجُوسُ مُشْرِكُونَ تَتَنَاوَلُهُمْ الْجِهَةُ الثَّابِتَةُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} فَعَرَفْنَا أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ خُصُّوا مِنْ هَذِهِ الْحُرْمَةِ بِالنَّصِّ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا يَخُصُّ أَهْلَ الْكِتَابِ مِنْ هَذِهِ الْحُرْمَةِ وَكَانَ يَقُولُ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} اللَّاتِي أَسْلَمْنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَسْنَا نَأْخُذُ بِهَذَا فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ لَا يَبْقَى لِلْآيَةِ فَائِدَةٌ؛
-
لِأَنَّ نِكَاحَ الْمُسْلِمَةِ حَلَالٌ لِلْمُسْلِمِ سَوَاءٌ كَانَتْ كِتَابِيَّةً وَأَسْلَمَتْ أَوْ لَمْ تَكُنْ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} الْعَفَائِفُ مِنْهُنَّ أَوْ الْحَرَائِرُ مِنْهُنَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
-
وَهُوَ مَا نَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَمَا حَرَّمَتْهُ السُّنَّةُ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَأَمَّا مَا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فَتَحْرِيمُ الْأُمِّ وَحَرَّمَتْ السُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ أُمَّ الْأُمِّ وَأُمَّ الْأَبِ،
-
وَإِنْ بَعُدَتْ مِنْ قِبَلِ الْأُمَّهَاتِ كَانَتْ أَوْ مِنْ قِبَلِ الْآبَاءِ وَزَعَمَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - أَنَّ ثُبُوتَ حُرْمَةِ الْجَدَّاتِ بِالنَّصِّ أَيْضًا فَاسْمُ الْأُمِّ يَتَنَاوَلُ الْجَدَّاتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ} فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْجَدَّةَ أُمٌّ،
-
وَإِنَّ الْجَوَابَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ أَصَحُّ،
-
فَإِنَّ اسْمَ الْأُمِّ يَتَنَاوَلُ الْجَدَّةَ مَجَازًا حَتَّى يَنْفِيَ عَنْهَا هَذَا الِاسْمَ بِإِثْبَاتِ غَيْرِهِ فَيُقَالُ: إنَّهَا جَدَّةٌ وَلَيْسَتْ بِأُمٍّ، وَلَا
-
يُجْمَعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ مِنْ أَدَاتَيْ لَفْظٍ وَاحِدٍ فَإِنْ قِيلَ: لَا كَذَلِكَ فَمِنْ أُصُولِ عُلَمَائِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ حَتَّى إذَا حَلَفَ أَنْ لَا يَضَعَ قَدَمَهُ فِي دَارِ فُلَانٍ فَدَخَلَهَا حَافِيًا أَوْ مُنْتَعِلًا مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا كَانَ حَانِثًا فِي يَمِينِهِ، وَهَذَا اللَّفْظُ لِلنَّهَارِ حَقِيقَةً وَيَتَنَاوَلُ اللَّيْلَ مَجَازًا وَقَالَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ إذَا اسْتَأْمَنَ الْحَرْبِيُّ عَلَى بَنِيهِ دَخَلَ فِي الْأَمَانِ بَنُو بَنِيهِ مَعَ بَنِيهِ لِصُلْبِهِ وَالِاسْمُ لِبَنِيهِ حَقِيقَةٌ وَلِبَنِي بَنِيهِ مَجَازٌ قُلْنَا: لَا كَذَلِكَ فَالْحَقِيقَةُ اسْتِعْمَالُ الشَّيْءِ فِي مَوْضِعِهِ وَالْمَجَازُ اسْتِعَارَةُ الشَّيْءِ وَاسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ مُسْتَعْمَلًا فِي مَوْضِعِهِ وَمُسْتَعَارًا كَمَا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ عَلَى اللَّابِسِ مِلْكًا لَهُ وَعَارِيَّةً فِي يَدِهِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَمَّا إذَا حَلَفَ لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي دَارِ فُلَانٍ فَذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ الدُّخُولِ عَلِمَ ذَلِكَ بِالْعُرْفِ ثُمَّ يَحْنَثُ فِي الْوُجُوهِ كُلِّهَا؛
-
لِأَنَّهُ دُخُولٌ لَا لِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ،
-
وَكَذَلِكَ الْيَوْمُ فِيمَا لَا يَمْتَدُّ عِبَارَةٌ عَنْ الْوَقْتِ الَّذِي هُوَ ظَرْفٌ لَهُ فَيَحْنَثُ فِي الْوَجْهَيْنِ لِوُجُودِ وَقْتِ الْقُدُومِ لَا لِلْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، فَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ فِيمَا يَمْتَدُّ يُحْمَلُ ذِكْرُ الْيَوْمِ عَلَى بَيَاضِ النَّهَارِ لِيَكُونَ مِعْيَارًا لَهُ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْأَمَانِ رِوَايَتَانِ كِلَاهُمَا فِي السِّيَرِ.
-
وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَدْخُلُ بَنُو الِابْنِ، وَإِنَّمَا أَدْخَلَهُمْ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ أَمْرَ الْأَمَانِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّوَسُّعِ وَأَدْنَى الشَّبَهِ يَكْفِي لِإِثْبَاتِهِ وَالسَّبَبُ الدَّاعِي لَهُ إلَى طَلَبِ هَذَا الْأَمَانِ شَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ وَشَفَقَتُهُ عَلَى بَنِيهِمْ كَشَفَقَتِهِ عَلَى بَنِيهِ، فَلِهَذَا أَدْخَلَهُمْ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ،
-
فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُرَادُ بِاللَّفْظِ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ عَرَفْنَا أَنَّ حُرْمَةَ الْجَدَّاتِ ثَبَتَتْ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ وَعَلَى هَذَا حُرْمَةُ الِابْنَةِ ثَابِتَةٌ بِالنَّصِّ وَحُرْمَةُ ابْنَةِ الْبِنْتِ وَابْنَةِ الِابْنِ ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَالسُّنَّةِ
-
قَالَ وَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَخَوَاتِ وَبَنَاتِ الْأُخْتِ وَبَنَاتِ الْأَخِ بِالنَّسَبِ وَحَرَّمَتْ السُّنَّةُ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ وَلَدِ الْأُخْتِ وَالْأَخِ إلَى أَسْفَلِ الدَّرَجَةِ وَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَمَّةَ بِالنَّسَبِ وَحَرَّمَتْ السُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ أُمَّ الْعَمَّةِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهَا أُمَّ الْأَبِ أَوْ غَيْرَ أُمِّ الْأَبِ؛ لِأَنَّ الْعَمَّةَ إنْ كَانَتْ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأُمٍّ،
-
فَإِنَّ الْعَمَّةَ أُمُّهَا أُمُّ الْأَبِ وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ الْعَمَّةُ لِأَبٍ فَأُمُّهَا امْرَأَةُ أَبِ الْأَبِ وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ} وَأَقَامَتْ السُّنَّةُ امْرَأَةَ الْجَدِّ مَقَامَ امْرَأَةِ الْأَبِ، وَعَمَّةُ الْعَمَّةِ حَرَامٌ إذَا كَانَتْ الْعَمَّةُ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ؛ لِأَنَّهَا أُخْتُ أَبِي الْأَبِ؛
-
لِأَنَّ الْعَمَّةَ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ، كَمَا أَنَّ الْعَمَّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {قَالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} ، وَهُوَ كَانَ عَمًّا وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُؤْذُونِي فِي بَقِيَّةِ آبَائِي» يَعْنِي الْعَبَّاسَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -،
-
فَإِذَا كَانَتْ الْعَمَّةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ أَوْ الْأَبِ فَعَمَّةُ الْعَمَّةِ
-
بِمَنْزِلَةِ عَمَّةِ الْأَبِ، فَإِذَا كَانَتْ الْعَمَّةُ أُخْتَ الْأَبِ لِأُمٍّ فَعَمَّةُ عَمَّتِهَا لَيْسَتْ بِمُحَرَّمَةٍ؛ لِأَنَّ أَبَاهَا رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ لَيْسَ بِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ، وَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْخَالَةَ وَحَرَّمَتْ السُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ أُمَّ الْخَالَةِ؛ لِأَنَّ أُمَّ الْخَالَةِ هِيَ الْجَدَّةُ أُمُّ الْأُمِّ،
-
وَإِنْ كَانَتْ لِأَبٍ فَأُمُّ الْخَالَةِ امْرَأَةُ أَبِ الْأُمِّ وَالْجَدَّةُ بِالسُّنَّةِ قَائِمَةٌ مَقَامَ الْأَبِ فَامْرَأَةُ الْجَدِّ أَبِي الْأُمِّ كَامْرَأَةِ الْأَبِ فِي الْحُرْمَةِ وَخَالَةُ الْخَالَةِ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ الْخَالَةُ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ، كَمَا بَيَّنَّا فِي عَمَّةِ الْعَمَّةِ فَإِنْ كَانَتْ لِأَبٍ الْخَالَةُ فَخَالَتُهَا تَكُونُ أَجْنَبِيَّةً عَنْهَا عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِي عَمَّةِ الْعَمَّةِ فَأَمَّا ابْنَةُ الْعَمِّ وَابْنَةُ الْعَمَّةِ وَابْنَةُ الْخَالَةِ وَابْنَةُ الْخَالِ فَمِنْ جُمْلَةِ الْمُحَلَّلَاتِ، وَذَلِكَ يُتْلَى فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ} وَيُتْلَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ أَيْضًا،
-
فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَيَّنَ الْمُحَرَّمَاتِ ثُمَّ قَالَ {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} فَمَا تَنَاوَلَهُ نَصُّ التَّحْرِيمِ تَنَاوَلَهُ هَذَا النَّصُّ وقَوْله تَعَالَى {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} .
-
وَمَنْكُوحَةُ الْأَبِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُحَرَّمَاتِ عَلَى الِابْنِ وَعَلَى ابْنِ الِابْنِ،
-
وَإِنْ سَفَلَ بِاعْتِبَارِ السُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَيَسْتَوِي إنْ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا؛ لِأَنَّهَا مُبْهَمَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَبْهِمُوا مَا أَبْهَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى،
-
وَكَذَلِكَ أُمَّهَاتُ النِّسَاءِ فَأَمَّا الرَّبَائِبُ فَلَا يَحْرُمْنَ إلَّا بِالدُّخُولِ بِالْأُمِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} وَالْحِجْرُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَذَلِكَ ثَابِتٌ فِي قَوْله تَعَالَى {فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} وَذَكَرَ الْحِجْرَ فِي قَوْلِهِ {وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ} بِطَرِيقِ الْعَادَةِ لَا أَنْ يَكُونَ الْحِجْرُ مُؤَثِّرًا فِي هَذِهِ الْحُرْمَةِ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَكُونُ فِي بَيْتِهِ امْرَأَةٌ لَهَا وَلَدٌ يَعُولُهَا وَيُنْفِقُ عَلَيْهَا ثُمَّ يَتَزَوَّجُ الِابْنَةَ إذَا كَبِرَتْ فَيَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أُمَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي نِكَاحِهِ،
-
وَإِنْ كَانَتْ هِيَ فِي حِجْرِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلْحِجْرِ وَأَنَّهُ مَذْكُورٌ عَلَى طَرِيقِ الْعَادَةِ بِمَنْزِلَةِ قَوْله تَعَالَى {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} وَالْمُبَاشَرَةُ حَرَامٌ عَلَى الْمُعْتَكِفِ فِي الْمَسْجِدِ كَانَ أَوْ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، وَذَكَرَ الْمَسَاجِدَ لِلْعَادَةِ إذْ الِاعْتِكَافُ فِي الْعَادَةِ يَكُونُ فِي الْمَسَاجِدِ.
-
وَحَلِيلَةُ الِابْنِ مِنْ النَّسَبِ حَرَامٌ بِالنَّصِّ وَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ حَلِيلَةَ الِابْنِ مِنْ الرَّضَاعَةِ لَا تَكُونُ حَرَامًا لِلْقَيْدِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْله تَعَالَى {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ} وَلَكِنْ نَقُولُ حَلِيلَةُ الِابْنِ مِنْ الرَّضَاعَةِ كَحَلِيلَةِ الِابْنِ مِنْ النَّسَبِ ثَبَتَ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ أَصْلَابِكُمْ يَعْنِي حُرْمَةَ حَلِيلَةِ الِابْنِ مِنْ التَّبَنِّي، فَقَدْ كَانَ التَّبَنِّي مَعْرُوفًا فِيمَا بَيْنَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ مَشْرُوعًا فِي الِابْتِدَاءِ ثُمَّ نَسَخَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ {اُدْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} ، «وَتَبَنَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
-
زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ثُمَّ تَزَوَّجَ زَيْنَبَ امْرَأَةَ زَيْدٍ بَعْدَ مَا فَارَقَهَا»، وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ} فَالْمُرَادُ بِالتَّقْيِيدِ نَفْيُ حُرْمَةِ حَلِيلَةِ الِابْنِ مِنْ التَّبَنِّي ثُمَّ تَحْرِيمُ حَلِيلَةِ ابْنِ الِابْنِ،
-
وَإِنْ سَفَلَ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ
-
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ ثَبَتَ ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ} ،
-
فَإِنَّ ابْنَ ابْنِهِ لَيْسَ مِنْ صُلْبِهِ؟
-
قُلْنَا لَا كَذَلِكَ بَلْ يَتَنَاوَلُهُ هَذَا الِاسْمُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَصْلَهُ مِنْ صُلْبِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ} وَالْمَخْلُوقُ مِنْ التُّرَابِ هُوَ الْأَصْلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
-
وَمَا سِوَى هَذَا مِنْ الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ إلَى تَفْسِيرِ لَبَنِ الْفَحْلِ قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَبَعْضُ هَذِهِ الْفُصُولِ قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ هُنَاكَ أَيْضًا، فَلِهَذَا لَمْ تُسْتَقْصَ هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
-
بَابُ تَفْسِيرِ لَبَنِ الْفَحْلِ (قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -) ذُكِرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ لَهُ امْرَأَتَانِ أَوْ أَمَتَانِ قَدْ وَلَدَتَا مِنْهُ فَتُرْضِعُ إحْدَاهُمَا صَبِيًّا وَالْأُخْرَى صَبِيَّةً قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - اللِّقَاحُ وَاحِدٌ وَبِهِ نَأْخُذُ فَنَقُولُ تَحْرُمُ الْمُنَاكَحَةُ بَيْنَ هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ بِسَبَبِ الْأُخُوَّةِ لِأَبٍ مِنْ الرَّضَاعِ،
-
وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ لَا تَثْبُتُ فَقَالُوا حُرْمَةُ الرَّضَاعِ إنَّمَا تَثْبُتُ مِنْ جَانِبِ الْآبَاءِ فَمَا لَمْ يَجْتَمِعْ صَغِيرَانِ عَلَى ثَدْيٍ وَاحِدٍ لَا تَثْبُتُ بَيْنَهُمَا الْأُخُوَّةُ مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْإِرْضَاعُ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ النِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ وَثُبُوتُ الْحُرْمَةِ بِسَبَبِ الْبَعْضِيَّةِ تُشْبِهُ حُرْمَةَ اللَّبَنِ لِقُرْبِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ
-
وَلَوْ بَاشَرَ الرَّجُلُ الْإِرْضَاعَ بِأَنْ نَزَلَ اللَّبَنُ فِي ثَنْدُوَتِهِ فَأَرْضَعَ صَبِيَّيْنِ لَا تَثْبُتُ الْأُخُوَّةُ بَيْنَهُمَا فَبِإِرْضَاعِ غَيْرِهِ كَيْفَ تَثْبُتُ الْأُخُوَّةُ فِي جَانِبِهِ
-
وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عُرْوَةَ «عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ أَفْلَحَ بْنَ أَبِي قُعَيْسٍ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لِيَلِجَ أَفْلَحُ، فَإِنَّهُ عَمُّك مِنْ الرَّضَاعَةِ فَقَالَتْ إنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ دُونَ الرَّجُلِ فَقَالَ لِيَلِجَ عَلَيْك أَفْلَحُ فَإِنَّهُ عَمُّك مِنْ الرَّضَاعَةِ» ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي بَيْتِهَا فَسَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى حَفْصَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ عَلَى حَفْصَةَ فَقَالَ مَا أَحْسِبُهُ إلَّا بداح عَمُّهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ فَقَالَتْ: أَرَأَيْت لَوْ كَانَ فُلَانٌ عَمِّي مِنْ الرَّضَاعَةِ حَيًّا أَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيَّ فَقَالَ نَعَمْ» ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَبَّهَ الرَّضَاعَةَ بِالنَّسَبِ وَالْحُرْمَةُ بِالنَّسَبِ تَثْبُتُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ
-
فَكَذَلِكَ سَبَبُ الْإِرْضَاعِ؛ لِأَنَّ وَطْءَ الزَّوْجِ، كَمَا كَانَ سَبَبًا لِوِلَادَتِهَا كَانَ سَبَبًا لِنُزُولِ اللَّبَنِ لَهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنْ ثُنْدُوَةِ الرَّجُلِ لَيْسَ بِلَبَنٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ مِمَّنْ تُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْوِلَادَةُ وَعَلَى هَذَا نَقُولُ فِي الْأَخَوَيْنِ إذَا أَرْضَعَتْ امْرَأَةُ أَحَدِهِمَا صَبِيَّةً فَلَيْسَ لِلْأَخِ الْآخَرِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا؛
-
لِأَنَّهَا ابْنَةُ أَخِيهِ وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا عَرَضَ ابْنَةَ حَمْزَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ إنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ»
-
وَلَوْ أَرْضَعَتْ امْرَأَتَا أَخَوَيْنِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا رَضِيعًا أَحَدُهُمَا صَبِيٌّ وَالْأُخْرَى صَبِيَّةٌ تَجُوزُ الْمُنَاكَحَةُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَةَ ابْنَةُ عَمِّ الصَّغِيرِ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَابْنَةُ الْعَمِّ مِنْ النَّسَبِ حَلَالٌ فَكَذَلِكَ مِنْ الرَّضَاعَةِ
-
وَلَوْ أَرْضَعَتْ امْرَأَةٌ صَغِيرَتَيْنِ فَكَبِرَا ثُمَّ إنَّ أَحَدَهُمَا تَزَوَّجَ ابْنَةَ صَاحِبِهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهَا ابْنَةُ أَخِيهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّهُ «لَمَّا عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي كَانَتْ تَحِلُّ لِي أَرْضَعَتْنِي وَإِيَّاهَا ثُوَيْبَةُ»
-
قَالَ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ ابْنٌ وَابْنَةٌ فَجَاءَتْ امْرَأَةُ أَخِيهِ فَأَرْضَعَتْ الِابْنَ وَالِابْنَةَ جَمِيعًا لَمْ يَكُنْ لِلِابْنِ الَّذِي أَرْضَعَتْهُ الْمَرْأَةُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَحَدًا مِنْ وَلَدِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ قَبْلَ الرَّضَاعِ أَوْ بَعْدَهُ مِنْ بَنَاتِ الْعَمِّ كُنَّ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَامْرَأَةُ الْأَخِ وَالْأَجْنَبِيَّةُ فِي هَذَا سَوَاءٌ، فَإِنَّهُمَا لَمَّا اجْتَمَعَا عَلَى ثَدْيٍ وَاحِدٍ ثَبَتَتْ الْأُخُوَّةُ بَيْنَ هَذَا الِابْنِ وَالِابْنَةِ وَبَيْنَ جَمِيعِ أَوْلَادِ الرَّجُلِ مَا كَانَ مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا مِنْ النِّسَاءِ أَوْ السَّرَارِي كَانَ قَبْلَ الرَّضَاعِ أَوْ بَعْدَهُ
-
بِخِلَافِ مَا وَقَعَ عِنْدَ الْجُهَّالِ أَنَّ الْحُرْمَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْأَوْلَادِ الَّذِينَ يَحْدُثُونَ بَعْدَ ذَلِكَ دُونَ مَا انْفَصَلُوا قَبْلَ الْإِرْضَاعِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ هَذِهِ الْحُرْمَةِ تُثْبِتُ الْأُخُوَّةَ وَهُوَ يَجْمَعُ الْكُلَّ، وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْ وَلَدِ الرَّجُلِ،
-
وَلَا مِنْ وَلَدِ الْمَرْأَةِ مَنْ يَتَزَوَّجُ تِلْكَ الْجَارِيَةَ،
-
وَلَا وَلَدِ وَلَدِهَا، وَلَا لِوَلَدِ وَلَدِ الْعَمِّ أَنْ يَتَزَوَّجُوا تِلْكَ الْجَارِيَةَ، فَإِنَّهُمْ أُخُوَّةُ أَوْلَادِ أُخُوَّةٍ وَأَخَوَاتٍ فَإِنْ كَانَ لِلْجَارِيَةِ الْمُرْضِعَةِ وَلَدٌ وَلِلْغُلَامِ الْمُرْضَعِ وَلَدٌ وَلِأَوْلَادِ الْمُرْضِعَةِ الَّتِي أَرْضَعَتْهَا أَوْلَادٌ وَلِأَوْلَادِ زَوْجِهَا أَوْلَادٌ جَازَتْ الْمُنَاكَحَةُ فِيمَا بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ الْأُنْثَى مِنْهُمْ ابْنَةُ عَمٍّ لِلذَّكَرِ مِنْ الرَّضَاعَةِ
-
قَالَ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ ابْنٌ فَأَرْضَعَتْ امْرَأَةٌ ذَلِكَ الْوَلَدَ لَمْ يَكُنْ لِلْوَلَدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَحَدًا مِنْ وَلَدِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ وَلَا مِنْ وَلَدِ خَالِهِ مَا كَانَ قَبْلَ الرَّضَاعِ أَوْ بَعْدَهُ إذَا كَانَ اللَّبَنُ مِنْ الْخَالِ فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِ حَرُمَ وَلَدُ الْمَرْأَةِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَحْرُمْ وَلَدُ الْخَالِ مِنْ غَيْرِهَا لِانْعِدَامِ سَبَبِ الْحُرْمَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا
-
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ امْرَأَتَانِ فَأَرْضَعَتْ إحْدَاهُمَا صَبِيَّةً وَالْأُخْرَى صَبِيًّا لَمْ يَكُنْ لِأَخِي ذَلِكَ الرَّجُلِ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ أَنْ يَتَزَوَّجَ
-
تِلْكَ الصَّبِيَّةَ؛ لِأَنَّهَا ابْنَةُ أَخِيهِ،
-
وَلَا لِعَمِّهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا؛ لِأَنَّهَا ابْنَةُ ابْنِ أَخِيهِ،
-
وَلَا لِابْنِ ذَلِكَ الرَّجُلِ،
-
وَلَا لِابْنِ ابْنِهِ، وَإِنْ سَفَلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا؛ لِأَنَّهَا عَمَّتُهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ،
-
وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِخَالِ ذَلِكَ الرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا؛ لِأَنَّهَا بِنْتُ ابْنِ أُخْتِهِ،
-
وَلَا يَجُوزُ لِهَذَا الصَّبِيِّ الْمُرْضَعِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّ الْمُرْضِعَةِ وَلَا جَدَّتَهَا وَلَا أُخْتَهَا وَلَا خَالَتَهَا وَلَا عَمَّتَهَا اعْتِبَارًا لِلرَّضَاعِ بِالنَّسَبِ
-
وَإِذَا أَرْضَعَتْ امْرَأَةٌ صَبِيَّةً لَمْ يَكُنْ لِابْنِهَا وَلَا لِابْنِ ابْنِهَا وَلَا لِابْنِ ابْنَتِهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا؛ لِأَنَّهَا أُخْتُهُ وَعَمَّتُهُ
-
وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً أَرْضَعَتْ صَبِيًّا فَكَبِرَ ذَلِكَ الصَّبِيُّ وَتَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ فَارَقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ لَمْ يَكُنْ لِزَوْجِ الْمُرْضِعَةِ أَنْ يَتَزَوَّجَ تِلْكَ الْمَرْأَةَ؛ لِأَنَّهَا حَلِيلَةُ ابْنِهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يَحْرُمُ حَلِيلَةُ الِابْنِ مِنْ الرَّضَاعَةِ كَمَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إنَّهَا لَمْ تَحْرُمْ؛
-
لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» قَالَ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَةِ ابْنِهِ نَسَبٌ، وَإِنَّمَا حَرُمَتْ عَلَى الْأَبِ بِسَبَبِ النَّسَبِ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ بِسَبَبِ النَّسَبِ وَلَكِنْ نَقُولُ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْحُرْمَةَ بِسَبَبِ الرَّضَاعِ تُعْتَبَرُ بِحُرْمَةِ النَّسَبِ وَهَذِهِ الْحُرْمَةُ تَثْبُتُ بِالنَّسَبِ فَكَذَلِكَ بِالرَّضَاعِ قَالَ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا وَالتَّنَزُّهُ عَنْهَا أَفْضَلُ وَبِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ يُسْتَدَلُّ عَلَى أَنَّ الْكِتَابَ لَيْسَ مِنْ تَصْنِيفِ مُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
-
قَالَ: وَإِذَا نَزَلَ لِلْبِكْرِ لَبَنٌ فَأَرْضَعَتْ صَبِيًّا، فَإِنَّهَا تَكُونُ أُمُّهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ وَهُوَ الْإِرْضَاعُ قَدْ تَحَقَّقَ،
-
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ تَكُونَ أُمًّا وَهِيَ بِكْرٌ؟ وَكَمَا لَا تُتَصَوَّرُ الْأُمِّيَّةُ مِنْ حَيْثُ النَّسَبِ مَعَ بَقَاءِ صِفَةِ الْبَكَارَةِ فَكَذَلِكَ لَا تُتَصَوَّرُ الْأُمِّيَّةُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَعَ بَقَاءِ صِفَةِ الْبَكَارَةِ قُلْنَا هَذَا تَلْبِيسٌ،
-
فَإِنَّ الْحُكْمَ مَبْنِيٌّ عَلَى السَّبَبِ وَالْأُمِّيَّةُ مِنْ النَّسَبِ سَبَبِيَّةُ الْوِلَادَةِ،
-
وَلَا تُتَصَوَّرُ الْوِلَادَةُ مَعَ بَقَاءِ صِفَةِ الْبَكَارَةِ وَتُتَصَوَّرُ الْأُمِّيَّةُ مِنْ الرَّضَاعِ مَعَ بَقَاءِ صِفَةِ الْبَكَارَةِ وَثُبُوتُ الْحُكْمِ يَتَقَرَّرُ بِسَبَبِهِ
-
وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً طَلَّقَهَا زَوْجُهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا فَأَرْضَعَتْ صَبِيًّا بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فَإِنَّهَا تُثْبِتُ حُرْمَةَ الرَّضَاعِ بَيْنَ هَذَا الصَّبِيِّ وَبَيْنَ زَوْجِهَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ الْإِرْضَاعُ فِي حَالِ قِيَامِ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ سَبَبَ نُزُولِ اللَّبَنِ لَهَا كَانَ وَطْءَ ذَلِكَ الزَّوْجِ فَمَا بَقِيَ ذَلِكَ اللَّبَنُ يَكُونُ مُضَافًا إلَى ذَلِكَ السَّبَبِ فَإِنْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ أَرْضَعَتْ صَبِيًّا فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ مَا لَمْ تَحْبَلْ مِنْ الثَّانِي؛
-
لِأَنَّ التَّزَوُّجَ لَيْسَ سَبَبًا لِنُزُولِ اللَّبَنِ لَهَا فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ فَإِنْ حَبِلَتْ مِنْ الثَّانِي ثُمَّ أَرْضَعَتْ صَبِيًّا فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بَيْنَ الصَّبِيِّ وَالزَّوْجِ الْأَوَّلِ مَا لَمْ تَلِدْ مِنْ الثَّانِي فَإِنْ وَلَدَتْ مِنْ الثَّانِي ثُمَّ أَرْضَعَتْ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ حُكْمُ الرَّضَاعِ لِلثَّانِي، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
-
إذَا ازْدَادَ لَبَنُهَا بِسَبَبِ الْحَبَلِ، فَهُوَ وَمَا لَوْ وَلَدَتْ سَوَاءٌ فِي أَنَّهُ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ مِنْ الثَّانِي وَيَنْقَطِعُ حُكْمُ الْأَوَّلِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ مِنْهُمَا جَمِيعًا اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي بَابِ الْحُرْمَةِ وَاجِبٌ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ أَصْلَ الِابْنِ مِنْ الْأَوَّلِ وَازْدَادَ سَبَبُ الْحَبَلِ مِنْ الثَّانِي فَيُجْعَلُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ خَلَطَ امْرَأَتَانِ اللَّبَنَ بِأَنْ حَلَبَتَا لَبَنَهُمَا وَأَوْجَرَتَا صَبِيًّا وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: لَمَّا حَبِلَتْ مِنْ الثَّانِي وَنَزَلَ لَهَا اللَّبَنُ كَانَ هَذَا نَاسِخًا لِلسَّبَبِ الَّذِي كَانَ مِنْ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ؛
-
لِأَنَّهُ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ مَا هُوَ مِثْلُهُ أَوْ أَقْوَى مِنْهُ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: نُزُولُ اللَّبَنِ فِي الْعَادَةِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ فَمَا لَمْ تَلِدْ مِنْ الثَّانِي لَا يُنْسَخُ السَّبَبُ الْأَوَّلُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ كَوْنَ اللَّبَنِ مِنْ الْأَوَّلِ مُتَيَقَّنٌ بِهِ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بِسَبَبِ الْحَبَلِ مِنْ الثَّانِي وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بِقُوَّةِ طَبْعِهَا وَالْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ
-
وَلَوْ أُخِذَ لَبَنُ امْرَأَةٍ فِي قَارُورَةٍ ثُمَّ مَاتَتْ الْمَرْأَةُ فَأَوْجَرَ بَعْدَ مَوْتِهَا صَبِيًّا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بَيْنَ هَذَا الصَّبِيِّ وَبَيْنَهَا عِنْدَنَا، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ: أَنَّ حُرْمَةَ الرَّضَاعِ لَا تَثْبُتُ بِالْإِيجَارِ أَصْلًا، وَهَذَا بَاطِلٌ فَإِنَّ ثُبُوتَ الْحُرْمَةِ بِشُبْهَةِ الْبَعْضِيَّةِ، وَفِي هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِيجَارِ وَبَيْنَ الِارْتِضَاعِ مِنْ الثَّدْيِ وَعَلَى الْقَوْلِ الظَّاهِرِ إذَا حُلِبَ لَبَنُهَا وَهِيَ حَيَّةٌ فِي قَارُورَةٍ ثَبَتَ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ بِإِيجَارِ هَذَا اللَّبَنِ صَبِيًّا سَوَاءٌ أُوجِرَ قَبْلَ مَوْتِهَا أَوْ بَعْدَ مَوْتِهَا،
-
فَأَمَّا إذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ وَفِي ثَدْيِهَا لَبَنٌ فَارْتَضَعَ صَبِيٌّ مِنْهَا أَوْ حُلِبَ اللَّبَنُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَوْجَرَ بِهِ صَبِيٌّ عِنْدَنَا ثَبَتَتْ الْحُرْمَةُ أَيْضًا، وَعِنْدَهُ لَا تَثْبُتُ لِأَصْلَيْنِ لَهُ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ اللَّبَنَ يَتَنَجَّسُ بِالْمَوْتِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَيَاةً فَيُحِيلُهُ الْمَوْتُ وَالثَّانِي: أَنَّ الْحَرَامَ عِنْدَهُ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ وَعِنْدَنَا لَا حَيَاةَ فِي اللَّبَنِ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ يُحْلَبُ مِنْ الْحَيِّ فَلَا يَتَنَجَّسُ بِهِ وَمَا فِيهِ حَيَاةٌ إذَا بَانَ مِنْ الْحَيِّ، فَهُوَ مَيِّتٌ وَالثَّانِي أَنَّ الْحُرْمَةَ لَا تَمْنَعُ حُكْمَ الرَّضَاعِ بِمَنْزِلَةِ لَبَنٍ وَقَعَ فِيهِ قَطْرَةُ خَمْرٍ فَأَوْجَرَهُ صَبِيٌّ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ بِاعْتِبَارِ شُبْهَةِ الْبَعْضِيَّةِ وَبِالْمَوْتِ لَا تَنْعَدِمُ؛
-
لِأَنَّ اللَّبَنَ وَإِنْ تَنَجَّسَ بِالْمَوْتِ، فَهُوَ غِذَاءٌ يَحْصُلُ بِهِ إنْبَاتُ اللَّحْمِ وَانْتِشَارُ الْعَظْمِ، كَمَا أَنَّ اللَّحْمَ بِالْمَوْتِ لَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ غِذَاءً،
-
وَإِنْ تَنَجَّسَ وَالسَّعُوطُ وَالْوَجُورُ مُوجِبٌ لِلْحُرْمَةِ بِمَنْزِلَةِ الِارْتِضَاعِ مِنْ الثَّدْيِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنَّا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ أَنَّ عِنْدَهُ يُعْتَبَرُ الْعَدَدُ فِي الرَّضَعَاتِ لِيَحْصُلَ بِهِ إنْبَاتُ اللَّحْمِ وَانْتِشَارُ الْعَظْمِ، وَهَذَا بِالسَّعُوطِ وَالْوَجُورِ لَا يَحْصُلُ، وَعِنْدَنَا لَا يُعْتَبَرُ الْعَدَدُ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ وُصُولُ اللَّبَنِ إلَى بَاطِنِهِ عَلَى وَجْهٍ تَحْصُلُ بِهِ التَّرْبِيَةُ، وَذَلِكَ بِالسَّعُوطِ وَالْوَجُورِ يَحْصُلُ، فَإِنَّهُ يَصِلُ إلَى الدِّمَاغِ وَالدِّمَاغُ أَحَدُ الْجَوْفَيْنِ
-
وَلَوْ صُبَّ اللَّبَنُ فِي أُذُنِ صَبِيٍّ أَوْ صَبِيَّةٍ، فَإِنَّهُ لَا تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ
-
وَكَذَلِكَ لَوْ احْتَقَنَ صَبِيٌّ بِلَبَنِ امْرَأَةٍ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ يَصِلُ اللَّبَنُ إلَى أَحَدِ الْجَوْفَيْنِ.
-
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الصَّوْمَ يَفْسُدُ بِهَذَا، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَقُولُ: مَعْنَى إنْبَاتِ اللَّحْمِ إنَّمَا يَصِلُ بِمَا يَصِلُ إلَى جَوْفِهِ مِنْ الْجَانِبِ الْأَعْلَى لَا مِنْ الْجَانِبِ الْأَسْفَلِ وَثُبُوتُ الْحُرْمَةِ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى ثُمَّ ذُكِرَ مَا إذَا جُعِلَ لَبَنُ امْرَأَةٍ فِي دَوَاءٍ أَوْ طَعَامٍ وَمَا يَكُونُ مِنْ الْإِرْضَاعِ بَعْدَ مُضِيِّ الْحَوْلَيْنِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْفُصُولَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ
-
وَلَوْ أَنَّ صَبِيَّيْنِ شَرِبَا مِنْ لَبَنِ شَاةٍ أَوْ بَقَرَةٍ لَمْ تَثْبُتْ بِهِ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ؛ لِأَنَّ الرَّضَاعَ مُعْتَبَرٌ بِالنَّسَبِ، وَكَمَا لَا يَتَحَقَّقُ النَّسَبُ بَيْنَ آدَمِيٍّ وَبَيْنَ الْبَهَائِمِ فَكَذَلِكَ لَا تَثْبُتُ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ بِشُرْبِ لَبَنِ الْبَهَائِمِ وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ صَاحِبُ التَّارِيخِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَانَتْ سَبَبَ إخْرَاجِهِ مِنْ بُخَارَى، فَإِنَّهُ قَدِمَ بُخَارَى فِي زَمَنِ أَبِي حَفْصٍ الْكَبِيرِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَجَعَلَ يُفْتِي فَنَهَاهُ أَبُو حَفْصٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَالَ لَسْت بِأَهْلٍ لَهُ فَلَمْ يَنْتَهِ حَتَّى سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَأَفْتَى بِالْحُرْمَةِ فَاجْتَمَعَ النَّاسُ وَأَخْرَجُوهُ
-
(قَالَ: وَالرَّضَاعُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَدَارِ الْحَرْبِ سَوَاءٌ فِي ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ عَلَى قِيَاسِ النَّسَبِ،
-
فَإِنَّ الْأَنْسَابَ تَثْبُتُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَكَذَلِكَ حُكْمُ الرَّضَاعِ)
-
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ صَبِيَّةً فَأَرْضَعَتْ الصَّبِيَّةَ أُمُّ الرَّجُلِ مِنْ النَّسَبِ أَوْ مِنْ الرَّضَاعِ أَوْ أُخْتَهُ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى أَحْكَامٍ أَرْبَعَةٍ: حُكْمِ الْحُرْمَةِ وَحُكْمِ وُجُوبِ الصَّدَاقِ وَثُبُوتِ الرُّجُوعِ عَلَى الْمُرْضِعَةِ، وَحُرْمَةِ التَّزَوُّجِ، أَمَّا حُرْمَةُ الْفُرْقَةِ فَنَقُولُ: وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِسَبَبِ الرَّضَاعِ؛
-
لِأَنَّهَا صَارَتْ أُخْتَ الزَّوْجِ،
-
وَإِذَا ثَبَتَتْ لَهُ أُخْتِيَّتُهُ يَغْرَمُ لَهَا نِصْفَ الصَّدَاق "؛ لِأَنَّ فِعْلَ الصَّبِيِّ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا فِي بِنَاءِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ مِنْ جِهَتِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَيَكُونُ لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ وَيُرْجَعُ بِهِ عَلَى الَّتِي أَرْضَعَتْهَا إنْ كَانَتْ تَعَمَّدَتْ الْفَسَادَ، وَإِنْ لَمْ تَتَعَمَّدْ الْفَسَادَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا إلَّا فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُرْجَعُ عَلَيْهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهَا تَسَبَّبَتْ فِي تَقْرِيرِ نِصْفِ الصَّدَاقِ عَلَيْهِ وَكَانَ بِعَرْضِ السُّقُوطِ فَكَأَنَّهَا أَلْزَمَتْهُ ذَلِكَ وَمُجَرَّدُ التَّسَبُّبِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ، كَمَا قَالَ فِيمَنْ فَتَحَ بَابَ الْقَفَصِ فَطَارَ الطَّيْرُ، وَعِنْدَنَا التَّسَبُّبُ إنَّمَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ إذَا كَانَ الْمُسَبِّبُ مُتَعَدِّيًا فِي التَّسَبُّبِ، وَلَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ مُبَاشَرَةٌ فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا أَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ مُبَاشَرَةٌ مِنْ مُخْتَارٍ لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ وَهُنَا إذَا تَعَمَّدَتْ الْفَسَادَ فَهِيَ غَيْرُ مُتَعَدِّيَةٍ فِي التَّسَبُّبِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ يُخَافُ الْهَلَاكُ عَلَى الرَّضِيعِ فَإِرْضَاعُهُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ أَوْ مَأْمُورٌ فَلَا يَكُونُ تَعَدِّيًا، وَلَا طَرِيقَ لِمَعْرِفَةِ تَعَمُّدِهَا الْفَسَادَ إلَّا بِالرُّجُوعِ إلَيْهَا فَيُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا يَكُونُ فِي بَاطِنِ الْمَرْءِ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ
-
فِي ذَلِكَ فَإِنْ قَالَتْ تَعَمَّدْت الْفَسَادَ ضَمِنَتْ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا ثُمَّ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا أَبَدًا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أُخْتَهُ أَوْ ابْنَةَ أُخْتِهِ،
-
وَلَوْ كَانَتْ أَرْضَعَتْ هَذِهِ الصَّبِيَّةُ خَالَةَ الرَّجُلِ أَوْ عَمَّتُهُ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ ابْنَةَ خَالَتِهِ أَوْ ابْنَةَ عَمَّتِهِ وَابْتِدَاءُ الْمُنَاكَحَةِ بَيْنَهُمَا يَجُوزُ فَالْبَقَاءُ أَوْلَى،
-
وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا امْرَأَةُ أَبِيهِ فَإِنْ كَانَ لَبَنُهَا مِنْ أَبِيهِ حَرُمَتْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أُخْتَهُ لِأَبِيهِ،
-
وَإِنْ كَانَ لَبَنُهَا مِنْ غَيْرِ أَبِيهِ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ أَرْضَعَتْهَا امْرَأَةُ أَخِيهِ أَوْ امْرَأَةُ ابْنِهِ
-
(قَالَ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ امْرَأَتَانِ صَغِيرَةٌ وَكَبِيرَةٌ فَأَرْضَعَتْ أُمُّ الْكَبِيرَةِ الصَّغِيرَةَ بَانَتَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُمَا صَارَتَا أُخْتَيْنِ مِنْ الرَّضَاعَةِ ثُمَّ يَكُونُ لِلْكَبِيرَةِ جَمِيعُ الصَّدَاقِ إنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا،
-
وَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ) ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ لَا بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا وَلِلصَّغِيرَةِ أَيْضًا نِصْفُ الصَّدَاقِ لِمَا بَيَّنَّا وَيُرْجَعُ بِمَا غَرِمَ لَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَى الْمُرْضِعَةِ إنْ تَعَمَّدَتْ الْفَسَادَ،
-
وَإِنْ لَمْ تَتَعَمَّدْ لَمْ يُرْجَعْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ كَمَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ،
-
وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ لَمْ يُرْجَعْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ مِنْ مَهْرِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ،
-
حصول لبن امرة وإن ميتة وصغيرة
-
بوجور
-
أو سعوط
-
أو حقنة تكون غذاء
-
أو خلط لا غلب
-
ولا كماء أصفر
-
وبهيمة
-
واكتحال به:
-
محرم إنْ حَصَلَ فِي الْحَوْلَيْنِ أَوْ بِزِيَادَةِ الشَّهْرَيْنِ
-
إلا: أن يستغني ولو فيهما
-
ما حرمه النسب
-
إلا أم أخيك وأختك
-
وَأُمَّ وَلَدِ وَلَدِك
-
وَجَدَّةَ وَلَدِك
-
وَأُخْتَ وَلَدِك
-
وَأُمَّ عَمِّك وَعَمَّتِك
-
وَأُمَّ خَالِك وَخَالَتِك
-
فَقَدْ لا يحرمن من الرضاع
-
وَقُدِّرَ الطِّفْلُ خَاصَّةً وَلَدًا لِصَاحِبَةِ اللَّبَنِ
-
وَلِصَاحِبِهِ من وطئه لانقطاعه ولو بعد سنين
-
واشترك مع القديم
-
ولو بحرام لا يلحق به الولد
-
وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ إنْ أَرْضَعَتْ مَنْ كَانَ زَوْجًا لها لأنها زوجة ابنه:
-
كمرضعة مبانته
-
أو مرتضع منها
-
وإن أرضعت زوجتيه اختار
-
وإن الأخيرة
-
وَإِنْ كَانَ قَدْ بَنَى بِهَا حَرُمَ الْجَمِيعُ
-
وأدبت المتعمدة للإفساد
-
وفسخ نكاح المتصادقين عليه:
-
كَقِيَامِ بَيِّنَةٍ عَلَى إقْرَارِ أَحَدِهِمَا قَبْلَ الْعَقْدِ
-
وَلَهَا الْمُسَمَّى بِالدُّخُولِ
-
إلَّا أَنْ تَعْلَمَ فَقَطْ فالكفارة
-
وَإِنْ ادَّعَاهُ فَأَنْكَرَتْ أُخِذَ بِإِقْرَارِهِ:
-
وَلَهَا النِّصْفُ
-
وإن ادعته فأنكر: لم يندفع
-
ولا تقدر على طلب المهر قبله
-
وَإِقْرَارُ الْأَبَوَيْنِ: مَقْبُولٌ قَبْلَ النِّكَاحِ
-
لَا بَعْدَهُ
-
كَقَوْلِ أَبِي أَحَدِهِمَا
-
وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ أَنَّهُ أراد الاعتذار
-
بخلاف أم أحدهما فالتنزه
-
وَيَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ
-
وَبِامْرَأَتَيْنِ إنْ فَشَا قَبْلَ العقد
-
وهل تشجرط العدالة مع الفشو؟ تردد
-
وبرجلين
-
لا بامرأة ولو فشا
-
وندب التنزه مطلقا
-
ورضاع الكفر: معتبر
-
والغيلة: وطء المرضع
-
وتجوز.
-
إنما يثبت بلبن امرأة حية بلغت تسع سنين
-
ولو حلبت فأوجر بعد موتها حرم في الأصح
-
ولو جبن أو نزع منه زبد حرم
-
ولو خلط بمائع حرم إن غلب
-
فإن غلب وشرب الكل قيل: أو البعض حرم في الأظهر
-
ويحرم إيجار
-
وكذا إسعاط على المذهب
-
لا حقنة في الأظهر
-
وشرطه رضيع حي لم يبلغ سنتين
-
وخمس رضعات
-
وضبطهن بالعرف
-
فلو قطع إعراضا تعدد
-
أو للهو وعاد في الحال أو تحول من ثدي إلى ثدي فلا
-
ولو حلب منها دفعة وأوجره خمسا أو عكسه فرضعة
-
وفي قول خمس
-
ولو شك هل خمسا أم أقل أو هل رضع في حولين أم بعد فلا تحريم
-
وفي الثانية قول أو وجه
-
وتصير المرضعة أمه والذي منه اللبن أباه
-
وتسري الحرمة إلى أولاده
-
ولو كان لرجل خمس مستولدات أو أربع نسوة وأم ولد فرضع طفل من كل رضعة صار ابنه في الأصح فيحرمن عليه لأنهن موطوآت أبيه
-
ولو كان بدل المستولدات بنات أو أخوات فلا حرمة في الأصح
-
وآباء المرضعة من نسب أو رضاع أجداد للرضيع وأمهاتها جداته وأولادها من نسب أو رضاع إخوته وإخوتها وأخواتها أخواله وخالاته وأبو ذي اللبن جده وأخوه عمه وكذا الباقي
-
واللبن لمن نسب إليه ولد نزل به بنكاح أو وطء شبهة
-
لا زنا
-
ولو نفاه بلعان انتفى اللبن عنه
-
ولو وطئت منكوحة بشبهة أو وطىء اثنان بشبهة فولدت فاللبن لمن لحقه الولد بقائف أو غيره
-
ولا تنقطع نسبة اللبن عن زوج مات أو طلق وإن طالت المدة أو انقطع وعاد
-
فإن نكحت آخر وولدت منه فاللبن بعد الولادة له وقبلها للأول
-
وإن لم يدخل وقت ظهور لبن حمل الثاني
-
وكذا إن دخل
-
وفي قول للثاني
-
وفي قول لهما.
فصل
-
تحته صغيرة فأرضعتها أمه أو أخته أو زوجة أخرى انفسخ نكاحه
-
وللصغيرة نصف مهرها
-
وله على المرضعة نصف مهر مثل
-
وفي قول كله
-
ولو رضعت من نائمة فلا غرم
-
ولا مهر للمرضعة
-
ولو كان تحته كبيرة وصغيرة فأرضعت أم الكبيرة الصغيرة انفسخت الصغيرة
-
وكذا الكبيرة في الأظهر
-
وله نكاح من شاء منهما
-
وحكم مهر الصغيرة وتغريمه المرضعة ما سبق
-
وكذا الكبيرة إن لم تكن موطوأة
-
فإن كانت موطوأة فله على المرضعة مهر مثل في الأظهر
-
ولو أرضعت بنت الكبيرة الصغيرة حرمت الكبيرة أبدا
-
وكذا الصغيرة إن كانت الكبيرة موطوأة
-
ولو كانت تحته صغيرة فطلقها فأرضعتها امرأة صارت أم امرأته
-
ولو نكحت مطلقته صغيرا وأرضعته بلبنه حرمت على المطلق والصغير أبدا
-
ولو زوج أم ولده عبده الصغير فأرضعته لبن السيد حرمت عليه وعلى السيد
-
ولو أرضعت موطوأته الأمة صغيرة تحته بلبنه أو لبن غيره حرمتا عليه
-
ولو كان تحته صغيرة وكبيرة فأرضعتها انفسختا وحرمت الكبيرة أبدا
-
وكذا الصغيرة إن كان الإرضاع بلبنه
-
وإلا فربيبة
-
ولو كان تحته كبيرة وثلاث صغائر فأرضعتهن حرمت أبدا
-
وكذا الصغائر إن أرضعتهن بلبنه أو لبن غيره وهي موطوأة
-
وإلا فإن أرضعنهن معا بإيجارهن الخامسة انفسخن ولا يحرمن مؤبدا
-
أو مرتبا لم يحرمن وتنفسخ الأولى والثالث: ة وتنفسخ الثانية بإرضاع الثالث: ة
-
وفي قول لا ينفسخ
-
ويجري القولان فيمن تحته صغيرتان أرضعتهما أجنبية مرتبا أينفسخان أم الثانية.
فصل
-
قال هند بنتي أو أختي برضاع أو قالت هو أخي حرم تناكحهما
-
ولو قال زوجان بيننا رضاع محرم فرق بينهما وسقط المسمى ووجب مهر مثل إن وطىء
-
وإن ادعى رضاعا فأنكرت انفسخ ولها المسمى إن وطىء وإلا فنصفه
-
وإن ادعته فأنكر صدق بيمينه إن زوجت برضاها
-
وإلا فالأصح تصديقها ومهر مثل إن وطىء وإلا فلا شيء لها
-
ويحلف منكر رضاع على نفي علمه
-
ومدعيه على بت
-
ويثبت بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين وبأربع نسوة
-
والإقرار به شرطه رجلان
-
وتقبل شهادة المرضعة إن لم تطلب أجرة ولا ذكرت فعلها
-
وكذا إن ذكرت فقالت أرضعته في الأصح
-
والأصح أنه لا يكفي بينهما رضاع محرم بل يجب ذكر وقت وعدد ووصول اللبن جوفه
-
ويعرف ذلك بمشاهة حلب وإيجار وازدراد أو قرائن كالتقام ثدي ومصه وحركة حلقه بتجرع وازدراد بعد علمها إنها لبون.
كتاب آخر
- زاد المستقنع٢١
- الإقناع١٦٥
- الكافي في فقه الإمام أحمد١٢٧
- الرعاية الصغرى٩٣
- مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله٧٣
- الفروع٧٢
- منتهى الإرادات٧٢
- المقنع٦٤
- غاية المنتهى٦٣
- التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع٢١
- المحرر في الفقه٢١
- منظومة مفردات الإمام أحمد١٩
- مختصر الخرقي١٩
- عمدة الفقه١٢
- عمدة الطالب لنيل المآرب١٠
- دليل الطالب لنيل المطالب٩
-
والمحرم خمس رضعات يقطعن الطفل مختارا.
-
وعنه: ثلاث.
-
وعنه: مرة.
-
فإن قطع المصة للتنفس، أو ما ألهاه، او قطعت عليه المرضعة قهرا؛ فرضعة.
-
وعنه: لا.
-
وإن انتقل إلى ثدي آخر أو مرضعة أخرى فاثنتان على الأصح.
-
وقيل: إن قرب الزمن فواحدة.
-
وقيل: إذا قطع عليه فعاد.
-
وإن أوجرته أو أسعط فرضاع على الأصح،
-
فلو شيب بمائع أو جامد فوجهان.
-
وقيل: إن غلب اللبن حرم وإلا فلا.
-
وإن عمل منه خبز فأكله مرارا حرمه.
-
قلت: ويحتمل ضده.
-
وإن حقن به لم يحرمه، نص عليه.
-
وعنه: بلى.
-
ولبن الميتة كلبن الحية، نص عليه.
-
وقيل: لا يحرم كلبن غير حبلى- ولا موطوءة على الأصح- وكلبن الرجل والخنثى.
-
وقيل: يقف أمره حتى ينكشف.
-
وقيل: إن حرم لبن بغير حبل ولا وطء ففي المشكل وجهان.
-
وإن شكت المرضعة في الرضاع أو كماله ولا بينة فلا تحريم.
-
ولا تحريم بلبن بهيمة.
-
ومن أرضعت بلبن ولد زنى أو منفي بلعان طفلا صار ولدها دون الزاني والملاعن.
-
وقيل: وابنهما.
-
وقي: ابن الزاني دون الملاعن.
-
فعلى الأول: إن أرضعت أنثى حرمت على الزاني بالصهرية،
-
وإن أرضعت ذكرا حرم على بنته.
-
وقيل: لا.
-
ولبن وطء الشبهة يحرم.
-
ومن أرضعته امرأة وما عبر حولين صار ولدها في النكاح والنظر والخلوة والمحرمية، وولد من نسب لبنها إليه بحمل أو وطء لو علقت منه لحقه، ومحارمها في النكاح محارمه، ومحارمه محارمها دون أبويه وأصولهما وفروعهما، فتباح المرضعة لأب المرتضع وأخيه من النسب، وأمه وأخته من النسب لأبيه وأخيه من الرضاع.
-
من أفسدت نكاحها برضاع قبل الدخول سقط مهرها،
-
ولو كانت طفلة دبت فرضعت من نائمة أو مغمى عليها،
-
وإن كان بعد الدخول وجب كل المسمى.
-
وقيل: نصفه.
-
وإن أفسده غيرها لزم الزوج نصفه قبل الدخول، وكله بعده، ويرجع به فيهما على المفسد، نص عليه.
-
وقيل: مع العمد والعلم.
-
وإن أفسده جماعة وزع على رضعاتهن المحرمة.
-
وقيل: لا يرجع هو بعد الدخول بشيء.
-
ومن أرضعت أمته أو كبرى زوجتيه بلبنه صغراهما حرمن عليه أبدا.
-
وكذا إن كان لبن غيره وقد دخل بالكبرى.
-
وإن أرضعتها زوجته بلبن غيره قبل الدخول وبعد طلاقا أو طلاق أحدهما حرمت الكبرى أبدا، وبقي نكاح الصغرى إن لم تكن طلقت.
-
وإن أرضعتها وهما تحته حرمت أبدا وبقي نكاح الصغرى.
-
وعنه: يبطل، وله نكاحها.
-
وإن أرضعت بعدها أخرى بطل نكاحهما على الأولى، وعلى الثانية يبقى نكاح الثانية فقط.
-
وإن أرضعت بعدها ثالثة بقي نكاحها فقط على الأولى، وعلى الثانية يبطل نكاح الكل.
-
فإن كان دخل بالكبرى حرمن أبدا.
-
وإن أرضعت اثنتين معا حرمت هي وهما أبدا إن دخل بالكبرى، وإلا هي فقط وبطل نكاح الصغيرتين، وله نكاح أيتهما شاء.
-
فإن أرضعت ثالثة حرمت إن كان دخل بالكبرى، وإلا بقي نكاحها.
-
وإن أرضعت الثلاثة معا بوجور- وقلنا: يرحم- أو واحدة منفردة،
-
ثم اثنتين معا؛ بطل نكاح الكل، وحرمت الكبرى أبدا، وله نكاح إحدى الصغار.
-
وإن كان دخل بالكبرى حرم الكل أبدا.
-
وإن أرضعتهن أجنبية معا بطل نكاحهن ولم يحرمن.
-
وإن أرضعتهن منفردات بطل نكاح الأوليين فقط.
-
ولو أرضعت أم زوجته الكبرى المدخول بها للصغرى بطل نكاحهما، وله نكاح أيتهما شاء، وتغرم المرضعة كل مهر الكبرى للزوج. وقيل: لا.
-
ومن حرمت عليه بنتها فأرضعت طفلة حرمتها عليه. (ق/٩٦ - أ) ومن حرمت عليه بنت رجل فأرضعت زوجته بلبنه طفلة حرمتها عليه، وبطل نكاحها إن كانت زوجة.
-
وإن أرضع زوجته الصغرى خمس بنات زوجته الكبرى رضعة رضعة- وقلنا: المحرم أكثر- حرمت الكبرى.
-
وقيل: لا تصير جدة.
-
وفي الصغرى روايتان.
-
وإن أرضع ثلاث منهن ثلاث زوجاته الصغار معا ما يحرم حرمت الكبرى مطلقا وحرمن الصغار إن كان دخل بالكبرى، وإلا بطل نكاحهن على الأصح.
-
وقيل: نكاح من كمل رضاعها.
-
وإن أرضعن واحدة كل واحدة رضعتين حرمت به الكبرى.
-
وقيل: لا.
-
فإن كان له خمس أمهات أولاد أو واحدة مع أربع زوجات فأرضعن طفلا كل واحدة رضعة- وقلنا: المحرم أكثر- لم يصر ولد أحداهن، وفي الأبوة وجهان.
-
وإن أرضعن امرأة له صغرى كل واحدة رضعة، أو كان له ثلاث نسوة فقط فأرضعتها كل واحدة رضعتين حرمت عليه في الأصح دونهن.
-
ومن له خمس بنات أو أخوات فأرضعن طفلا كل واحدة رضعة، أو أرضعته أمه وجدته وبنته وأخته وزوجته لم تحرم إن لن تحرم الرضعة.
-
وإن أبان زوجة لها منه لبن فنكحت طفلا وأرضعته بلبنه، أو نكحت طفلا أولا ثم فسخت نكاحه بعيب أو عتق،
-
ثم نكحت رجلا فصار لها منه لبن فأرضعته به؛ حرمت عليهم أبدا.
-
وكذا إن زوج أم ولده بعد استبرائها بحر رضيع فأرضعته ما حرمها.
-
ومن تزوج امرأة لها لبن من زوج قبله فحملت منه وزاد لبنها في أوانه فأرضعت به طفلا صار ابنهما.
-
وكذا إن انقطع من الأول وعاد بحملها من الثاني- وقيل: هو ابن الثاني فقط- وإن لم يزد أو زاد قبل أوانه فهو للأول.
-
وإن ولدت فزاد فهو للثاني،
-
وإن لم يزد ولم ينقص من الأول حتى ولدت فهو لهما، نص عليه.
-
وقيل للثاني.
-
وإن ألحقت القافة ولدا باثنين فرضع طفل من لبنه فهما ابناهما،
-
وإن ألحقته بأخذهما انفرد بهما،
-
وإن ضاع نسبه بموت أو غيره فالرضيع ابنهما.
-
وقيل: إن لم يلحق بأحدهما ثبت تحريم الرضاع في حقهما.
-
ومن قال: زوجتي أختي لرضاع بطل النكاح،
-
فإن كان قبل الدخول وصدقته فلا مهر،
-
وإن كذبته فلها نصفه،
-
وإن كان بعده وجب كله.
-
وقيل: إن صدقته سقط؟
-
وإن قالت قبل: هو أخي لرضاع وأكذبها ولا بينة بقي النكاح حكما،
-
ولا مهر إن قالته قبل الدخول،
-
وإن كان قبض لم يطلبه الزوج،
-
وإن كان دخل بها وجب.
-
وقيل: إن جهلت الرضاع وتحريمه حين الوطء وإلا سقط وتمنعه نفسها بعد العلم.
-
وإن قاله لغيرها أو قالته لغيره حرم كل واحد على الآخر.
-
ويقبل على الأصح قول المرضعة أو غيرها وحدها.
-
وقيل: مع اليمين.
-
ولو شهد به أبو الزوجة لم يقبل،
-
ولو شهد أبو الزوج قبل،
-
ولا يقبل في الإقرار به شهادة النساء.
-
ومن قال لمثله سنا فأكبر: هذه بنتي لرضاع حلت له لكذبه.
في كتب الخلاف
الإجماعابن المنذرلا كلام له في هذا الباب
التجريدالقدوريلا كلام له في هذا الباب
المبسوطالسرخسيبَابُ الرَّضَاعِ، بَابُ الْإِحْصَانِ، كِتَابُ الرَّضَاعِ٤٨١ مسألة
بداية المجتهدابن رشدلا كلام له في هذا الباب
المغنيابن قدامة، على «مختصر الخرقي»كتاب الرضاع٢٧١ سطرًا
المجموع شرح المهذبالنووي، على «المهذب»لا كلام له في هذا الباب
الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر، على «المقنع»كِتَابُ الرَّضَاعِ، فَصْلٌ، فَصْلٌ٢٨٨ سطرًا
الفقه على المذاهب الأربعةعبد الرحمن الجزيريتعريفه، شروط الرضاع، مبحث من يحرم بالرضاع ومن لا يحرم٣٧١ مسألة
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميأسامة القحطاني وآخرونالفصل الخامس: مسائل الإجماع في الرضاع٣٨٤ مسألة
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)بإشراف علوي السقاف٩ - الرضاع، * المحرم من الرضاع خمس رضعات في الحولين:، * حد الرضعة:١٧ مسألة
عرضٌ لما في كتب المذاهب، وليس فتوى.في الخريطة: الرضاع