فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الوصايا

المواريث والوصايا

مذهبي

هذه نصوص المتون كما هي، وليست مقارنة.للمقارنة: مسائل الخلاف في هذا الباب

في متون المذاهب الأربعة

الحنفية
كتاب آخر
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائعالكاساني، ١٬٧٢٠ مسألة
  1. بَيَان جَوَازِ الْوَصِيَّة

  2. (كِتَابُ الْوَصَايَا)

  3. الْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ يَقَعُ فِي مَوَاضِعَ: فِي بَيَانِ جَوَازِ الْوَصِيَّةِ، وَفِي بَيَانِ رُكْنِ الْوَصِيَّةِ، وَفِي بَيَانِ مَعْنَى الْوَصِيَّةِ، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ رُكْنِ الْوَصِيَّةِ، وَفِي بَيَانِ صِفَةِ عَقْدِ الْوَصِيَّةِ، وَفِي بَيَانِ حُكْمِ الْوَصِيَّةِ، وَفِي بَيَانِ مَا تَبْطُلُ بِهِ الْوَصِيَّةُ.

  4. (أَمَّا) الْأَوَّلُ فَالْقِيَاسُ يَأْبَى جَوَازَ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْمَوْتُ مُزِيلٌ لَلْمِلْكِ فَتَقَعُ الْإِضَافَةُ إلَى زَمَانِ زَوَالِ الْمِلْكِ فَلَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ تَمْلِيكًا فَلَا يَصِحُّ، إلَّا أَنَّهُمْ اسْتَحْسَنُوا جَوَازَهَا بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَالسُّنَّةِ الْكَرِيمَةِ وَالْإِجْمَاعِ، أَمَّا الْكِتَابُ الْعَزِيزُ فَقَوْلُهُ تبارك وتعالى فِي آيَةِ الْمَوَارِيثِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ إلَى قَوْلِهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ وَ ﴿يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ وَ ﴿يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ وَ ﴿تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ شُرِعَ الْمِيرَاثُ مُرَتَّبًا عَلَى الْوَصِيَّةِ فَدَلَّ أَنَّ الْوَصِيَّةَ جَائِزَةٌ، وَقَوْلُهُ سبحانه وتعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ ، نَدَبَنَا سبحانه وتعالى إلَى الْإِشْهَادِ عَلَى حَالِ الْوَصِيَّةِ فَدَلَّ أَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ.

  5. (وَأَمَّا) السُّنَّةُ فَمَا رُوِيَ «أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه وَهُوَ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ كَانَ مَرِيضًا فَعَادَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أُوصِي بِجَمِيعِ مَالِي؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَبِنِصْفِ مَالِي؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَبِثُلُثِ مَالِي؟ فَقَالَ عليه السلام الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» .

  6. وَرُوِيَ: فُقَرَاءُ يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فَقَدْ جَوَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْوَصِيَّةَ بِالثُّلُثِ.

  7. وَرُوِيَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ فِي آخِرِ أَعْمَارِكُمْ زِيَادَةً عَلَى أَعْمَالِكُمْ فَضَعُوهُ حَيْثُ شِئْتُمْ» .

  8. أَخْبَرَ عليه الصلاة والسلام أَنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى جَعَلَنَا أَخَصَّ بِثُلُثِ أَمْوَالِنَا فِي آخِرِ أَعْمَارِنَا لِنَكْسِبَ بِهِ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِنَا.

  9. وَالْوَصِيَّةُ تَصَرُّفٌ فِي ثُلُثِ الْمَالِ فِي آخِرِ الْعُمْرِ زِيَادَةٌ فِي الْعَمَلِ فَكَانَتْ مَشْرُوعَةً.

  10. وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ: فَإِنَّ الْأُمَّةَ مِنْ لَدُنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى يَوْمِنَا هَذَا يُوصُونَ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ مِنْ أَحَدٍ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا مِنْ الْأُمَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَالْقِيَاسُ يُتْرَكُ بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ، وَالسُّنَّةِ الْكَرِيمَةِ وَالْإِجْمَاعِ مَعَ مَا أَنَّ ضَرْبًا مِنْ الْقِيَاسِ يَقْتَضِي الْجَوَازَ وَهُوَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَكُونَ خَتَمَ عَمَلَهُ بِالْقُرْبَةِ زِيَادَةً عَلَى الْقُرَبِ السَّابِقَةِ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ الْحَدِيثُ أَوْ تَدَارُكًا لِمَا فَرَّطَ فِي حَيَاتِهِ وَذَلِكَ بِالْوَصِيَّةِ، وَهَذِهِ الْعُقُودُ مَا شُرِعَتْ إلَّا لِحَوَائِجِ الْعِبَادِ،

  11. فَإِذَا مَسَّتْ حَاجَتُهُمْ إلَى الْوَصِيَّةِ وَجَبَ الْقَوْلُ بِجَوَازِهَا، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ مِلْكَ الْإِنْسَانِ لَا يَزُولُ بِمَوْتِهِ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَلَا يَرَى: أَنَّهُ بَقِيَ فِي قَدْرِ جِهَازِهِ مِنْ الْكَفَنِ، وَالدَّفْنِ وَبَقِيَ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ الَّذِي هُوَ مُطَالَبٌ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ لِحَاجَةٍ إلَى ذَلِكَ كَذَلِكَ هَهُنَا، وَبَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ: الْوَصِيَّةُ وَاجِبَةٌ لَمَا رُوِيَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ لَهُ مَالٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَ رَأْسِهِ» .

  12. وَفِي نَفْسِ الْحَدِيثِ مَا يَنْفِي الْوُجُوبَ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَحْرِيمَ تَرْكِ الْإِيصَاءِ عِنْدَ إرَادَةِ الْإِيصَاءِ، وَالْوَاجِبُ لَا يَقِفُ وُجُوبُهُ عَلَى إرَادَةِ مَنْ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ، أَوْ يُحْمَلُ الْحَدِيثُ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْفَرَائِضِ، وَالْوَاجِبَاتِ كَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ، وَالْكَفَّارَاتِ، وَالْوَصِيَّةُ بِهَا وَاجِبَةٌ - عِنْدَنَا - عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ وَرَدَ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، وَأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الثُّبُوتِ فَلَا يُقْبَلُ،

  13. وَقِيلَ إنَّهَا كَانَتْ وَاجِبَةً فِي الِابْتِدَاءِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِ اللَّهِ تبارك وتعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ،

  14. ثُمَّ نُسِخَتْ وَاخْتُلِفَ فِي النَّاسِخِ قَالَ بَعْضُهُمْ: نَسَخَهَا الْحَدِيثُ وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ رضي الله عنه

  15. عَنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»

  16. وَالْكِتَابُ الْعَزِيزُ قَدْ يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا يُنْسَخُ الْكِتَابَ عِنْدَكُمْ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَهَذَا مِنْ الْآحَادِ، فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُتَوَاتِرٌ غَيْرَ أَنَّ التَّوَاتُرَ ضَرْبَانِ: تَوَاتُرٌ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ أَنْ يَرْوِيَهُ جَمَاعَةٌ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَتَوَاتُرٌ مِنْ حَيْثُ ظُهُورِ الْعَمَلِ بِهِ قَرْنًا فَقَرْنًا مِنْ غَيْرِ ظُهُورِ الْمَنْعِ وَالنَّكِيرُ عَلَيْهِمْ فِي الْعَمَلِ بِهِ إلَّا أَنَّهُمْ مَا رَوَوْهُ عَلَى التَّوَاتُرِ؛

  17. لِأَنَّ ظُهُورَ الْعَمَلِ بِهِ أَغْنَاهُمْ عَنْ رِوَايَتِهِ، وَقَدْ ظَهَرَ الْعَمَلُ بِهَذَا مَعَ ظُهُورِ الْقَوْلِ أَيْضًا مِنْ الْأَئِمَّةِ بِالْفَتْوَى بِهِ بِلَا تَنَازُعٍ مِنْهُمْ،

  18. وَمِثْلُهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ قَطْعًا، فَيَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ بِهِ كَمَا يَجُوزُ بِالْمُتَوَاتِرِ فِي الرِّوَايَةِ إلَّا أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ أَنَّ جَاحِدَ الْمُتَوَاتِرِ فِي الرِّوَايَةِ يُكَفَّرُ وَجَاحِدَ الْمُتَوَاتِرِ فِي ظُهُورِ الْعَمَلِ لَا يُكَفَّرُ لِمَعْنَى عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.

  19. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمَوَارِيثِ، وَفِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ: «إنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» وَقَوْلُهُ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ أَيْ: كُلَّ حَقِّهِ فَقَدْ أَشَارَ عليه الصلاة والسلام إلَى أَنَّ الْمِيرَاثَ الَّذِي أُعْطِيَ لِلْوَارِثِ كُلُّ حَقِّهِ، فَيَدُلُّ عَلَى ارْتِفَاعِ الْوَصِيَّةِ، وَتَحَوُّلِ حَقِّهِ مِنْ الْوَصِيَّةِ إلَى الْمِيرَاثِ وَإِذَا تَحَوَّلَ فَلَا يَبْقَى لَهُ حَقٌّ لَهُ فِي الْوَصِيَّةِ كَالْقِبْلَةِ لَمَّا تَحَوَّلَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إلَى الْكَعْبَةِ لَمْ يَبْقَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ قِبْلَةً.

  20. وَكَالدَّيْنِ إذَا تَحَوَّلَ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ لَا يَبْقَى فِي الذِّمَّةِ الْأُولَى.

  21. وَكَمَا فِي الْحَوَالَةِ الْحَقِيقِيَّةِ.

  22. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْوَصِيَّةُ بَقِيَتْ وَاجِبَةً لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ غَيْرِ الْوَارِثِينَ بِسَبَبِ الْكُفْرِ وَالرِّقِّ وَالْآيَةُ،

  23. وَإِنْ كَانَتْ عَامَّةً فِي الْمَخْرَجِ لَكِنْ خُصَّ مِنْهَا الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ الْوَارِثُونَ بِالْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» فَكَانَ الْحَدِيثُ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ الْكِتَابِ لَا نَاسِخًا وَالْحَمْلُ عَلَى التَّخْصِيصِ أَوْلَى مِنْ الْحَمْلِ عَلَى النَّسْخِ إلَّا أَنَّ عَامَّةَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ قَالُوا: إنَّ الْوَصِيَّةَ فِي الِابْتِدَاءِ كَانَتْ فَرِيضَةً لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ الْمُسْلِمِينَ،

  24. ثُمَّ نُسِخَتْ بِحَدِيثِ أَبِي قِلَابَةَ.

  25. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كَانَ عَلَيْهِ حَجٌّ، أَوْ زَكَاةٌ، أَوْ كَفَّارَةٌ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ فَالْوَصِيَّةُ بِذَلِكَ وَاجِبَةٌ،

  26. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ بَلْ جَائِزَةٌ وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ (وَأَمَّا) الْكَلَامُ فِي الِاسْتِحْبَابِ فَقَدْ قَالُوا: إنْ كَانَ مَالُهُ قَلِيلًا، وَلَهُ وَرَثَةٌ فُقَرَاءُ فَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يُوصِيَ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام فِي حَدِيثِ سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: «إنَّكَ إنْ تَرَكْتَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَكُونُ صِلَةً بِالْأَجَانِبِ، وَالتَّرْكَ يَكُونُ صِلَةً بِالْأَقَارِبِ، فَكَانَ أَوْلَى،

  27. وَإِنْ كَانَ مَالُهُ كَثِيرًا،

  28. فَإِنْ كَانَتْ وَرَثَتُهُ فُقَرَاءَ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُوصِيَ بِمَا دُونَ الثُّلُثِ وَيَتْرُكَ الْمَالَ لِوَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّ غُنْيَةً الْوَرَثَةِ تَحْصُلُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ إذَا كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا وَلَا تَحْصُلُ عِنْدَ قِلَّتِهِ.

  29. وَالْوَصِيَّةُ بِالْخُمُسِ أَفْضَلُ مِنْ الْوَصِيَّةِ بِالرُّبْعِ، وَالْوَصِيَّةُ بِالرُّبُعِ أَفْضَلُ مِنْ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ لِمَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: لَأَنْ أُوصِيَ بِالْخُمُسِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُوصِيَ بِالرُّبُعِ، وَلَأَنْ أُوصِيَ بِالرُّبُعِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُوصِيَ بِالثُّلُثِ،

  30. وَمَنْ أَوْصَى بِالثُّلُثِ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا أَيْ: لَمْ يَتْرُكْ مِنْ حَقِّهِ شَيْئًا لِوَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّ الثُّلُثَ حَقُّهُ،

  31. فَإِذَا أَوْصَى بِالثُّلُثِ، فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْ حَقِّهِ شَيْئًا لَهُمْ.

  32. وَرُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ، وَسَيِّدِنَا عُمَرَ، وَسَيِّدِنَا عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّهُمْ قَالُوا: الْخُمُسُ اقْتِصَادٌ، وَالرُّبُعُ جَهْدٌ، وَالثُّلُثُ حَيْفٌ،

  33. وَإِنْ كَانَ وَرَثَتُهُ أَغْنِيَاءَ، فَالْأَفْضَلُ الْوَصِيَّةُ بِالثُّلُثِ،

  34. ثُمَّ الْوَصِيَّةُ بِالثُّلُثِ لِأَقَارِبِهِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ أَفْضَلُ مِنْ الْوَصِيَّةِ بِهِ لِلْأَجَانِبِ، وَالْوَصِيَّةُ لِلْقَرِيبِ الْمُعَادِي أَفْضَلُ مِنْ الْوَصِيَّةِ لِلْقَرِيبِ الْمُوَالِي؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمُعَادِي تَكُونُ أَقْرَبَ إلَى الْإِخْلَاصِ وَأَبْعَدَ عَنْ الرِّيَاءِ، وَنَظِيرُ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام لِذَلِكَ الَّذِي اشْتَرَى عَبْدًا، فَأَعْتَقَهُ،

  35. فَإِنْ شَكَرَكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَشَرٌّ لَكَ،

  36. وَإِنْ كَفَرَكَ، فَهُوَ شَرٌّ لَهُ وَخَيْرٌ لَكَ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْمُعَادِي سَبَبٌ لِزَوَالِ الْعَدَاوَةِ، وَصِيَانَةٌ لِلْقَرَابَةِ عَنْ الْقَطِيعَةِ فَكَانَتْ أَوْلَى هَذَا إذَا اسْتَوَى الْفَرِيقَانِ فِي الْفَضْلِ، وَالدِّينِ وَالْحَاجَةِ، وَأَحَدُهُمَا مُعَادِي (فَأَمَّا) إذَا كَانَ الْمُوَالِي مِنْهُمَا أَعَفَّهُمَا، وَأَصْلَحَهُمَا وَأَحْوَجَهُمَا، فَالْوَصِيَّةُ لَهُ أَفْضَلُ؛

  37. لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَهُ تَقَعُ إعَانَةً عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تبارك وتعالى .

  1. (فَصْلٌ) :

  2. وَأَمَّا رُكْنُ الْوَصِيَّةِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ قَالَ أَصْحَابُنَا الثَّلَاثَةُ رحمهم الله : هُوَ الْإِيجَابُ، وَالْقَبُولُ الْإِيجَابُ مِنْ الْمُوصِي، وَالْقَبُولُ مِنْ الْمُوصَى لَهُ فَمَا لَمْ يُوجَدَا جَمِيعًا لَا يَتِمُّ الرُّكْنُ،

  3. وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: رُكْنُ الْوَصِيَّةِ الْإِيجَابُ مِنْ الْمُوصِي، وَعَدَمُ الرَّدِّ مِنْ الْمُوصَى لَهُ وَهُوَ أَنْ يَقَعَ الْيَأْسُ عَنْ رَدِّهِ، وَهَذَا أَسْهَلُ لِتَخْرِيجِ الْمَسَائِلِ عَلَى مَا نَذْكُرُ.

  4. وَقَالَ زُفَرُ رحمه الله : الرُّكْنُ هُوَ

  5. الْإِيجَابُ مِنْ الْمُوصِي فَقَطْ.

  6. (وَجْهُ) قَوْلِ زُفَرَ أَنَّ مِلْكَ الْمُوصَى لَهُ بِمَنْزِلَةِ مِلْكِ الْوَارِثِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمِلْكَيْنِ يَنْتَقِلُ بِالْمَوْتِ،

  7. ثُمَّ مِلْكُ الْوَارِثِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى قَبُولِهِ.

  8. وَكَذَا مِلْكُ الْمُوصَى لَهُ (وَلَنَا) : قَوْلُهُ تبارك وتعالى :

  9. ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ فَظَاهِرُهُ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْإِنْسَانِ شَيْءٌ بِدُونِ سَعْيِهِ فَلَوْ ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْمُوصَى لَهُ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ لَثَبَتَ مِنْ غَيْرِ سَعْيِهِ، وَهَذَا مَنْفِيٌّ إلَّا مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ، وَلِأَنَّ الْقَوْلَ بِثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُ مِنْ غَيْرِ قَبُولِهِ يُؤَدِّي إلَى الْإِضْرَارِ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا أَنَّهُ يَلْحَقُهُ ضَرَرُ الْمِنَّةِ؛

  10. وَلِهَذَا تَوَقَّفَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ عَلَى قَبُولِهِ دَفْعًا لِضَرَرِ الْمِنَّةِ، وَالثَّانِي أَنَّ الْمُوصَى بِهِ قَدْ يَكُونُ شَيْئًا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمُوصَى لَهُ، كَالْعَبْدِ الْأَعْمَى وَالزَّمِنِ، وَالْمُقْعَدِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ فِي الْأَصْلِ فَقَالَ: أَرَيْتَ لَوْ أَوْصَى بِعَبِيدٍ عُمْيَانَ أَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَبُولُ شَاءَ، أَوْ أَبَى، وَتَلْحَقُهُ نَفَقَتُهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْهُمْ نَفْعٌ فَلَوْ لِزَمَهِ الْمِلْكُ مِنْ غَيْرِ قَبُولِهِ لَلَحِقَهُ الضَّرَرُ مِنْ غَيْرِ الْتِزَامِهِ وَإِلْزَامِ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ الْإِلْزَامِ إذْ لَيْسَ لِلْمُوصِي وِلَايَةُ إلْزَامِ الضَّرَرِ،

  11. فَلَا يَلْزَمُهُ، بِخِلَافِ مِلْكِ الْوَارِثِ؛ لِأَنَّ اللُّزُومَ هُنَاكَ بِإِلْزَامِ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ الْإِلْزَامِ، وَهُوَ اللَّهُ تبارك وتعالى فَلَمْ يَقِفْ عَلَى الْقَبُولِ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ الَّتِي تَلْزَمُ بِإِلْزَامِ الشَّرْعِ ابْتِدَاءً.

  12. وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا كَانَ الْمُوصَى لَهُ أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقْبَلْ، أَوْ يَمُتْ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ؛ لِأَنَّهُ لَا عِتْقَ بِدُونِ الْمِلْكِ وَلَا مِلْكَ بِدُونِ الْقَبُولِ، أَوْ بِدُونِ عَدَمِ الرَّدِّ، وَوُقُوعِ الْيَأْسِ عَنْهُ، وَلَمْ يُوجَدْ الْقَبُولُ مِنْهُ،

  13. وَلَا وَقَعَ الْيَأْسُ عَنْ الرَّدِّ مَا دَامَ حَيًّا فَلَا يُعْتَقُ.

  14. وَلَوْ مَاتَ الْمُوصِي، ثُمَّ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ الْقَبُولِ صَارَ الْمُوصَى بِهِ مِلْكًا لِوَرَثَةِ الْمُوصَى لَهُ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ: أَنْ تَبْطُلَ الْوَصِيَّةُ وَيَكُونَ لِوَرَثَتِهِ الْخِيَارُ إنْ شَاءُوا قَبِلُوا،

  15. وَإِنْ شَاءُوا رَدُّوا (وَجْهُ) الْقِيَاسِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْقَبُولَ أَحَدُ رُكْنَيْ الْعَقْدِ، وَقَدْ فَاتَ بِالْمَوْتِ، فَيَبْطُلُ الرُّكْنُ الْآخَرُ كَمَا إذَا أَوْجَبَ الْبَيْعَ،

  16. ثُمَّ مَاتَ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبُولِ، أَوْ أَوْجَبَ الْهِبَةَ،

  17. ثُمَّ مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبْلَ الْقَبُولِ، أَنَّهُ يَبْطُلُ الْإِيجَابُ لِمَا قُلْنَا كَذَا هَذَا (وَجْهُ) الْقِيَاسِ الثَّانِي: أَنَّ الْمُوصَى لَهُ فِي حَيَاتِهِ كَانَ لَهُ الْقَبُولُ، وَالرَّدُّ فَإِذَا مَاتَ تَقُومُ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ.

  18. (وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّ أَحَدَ الرُّكْنَيْنِ مِنْ جَانِبِ الْمُوصَى لَهُ هُوَ عَدَمُ الرَّدِّ مِنْهُ، وَذَلِكَ بِوُقُوعِ الْيَأْسِ عَلَى الرَّدِّ مِنْهُ، وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ فَتَمَّ الرُّكْنُ.

  19. (وَأَمَّا) عَلَى عِبَارَةِ الْقَبُولِ فَنَقُولُ: إنَّ الْقَبُولَ مِنْ الْمُوصَى لَهُ لَا يُشْتَرَطُ لَعَيْنِهِ بَلْ لِوُقُوعِ الْيَأْسِ عَنْ الرَّدِّ، وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بِمَوْتِ الْمُوصَى لَهُ وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا أَوْصَى لَهُ بِجَارِيَتِهِ الَّتِي وَلَدَتْ مِنْ الْمُوصَى لَهُ بِالنِّكَاحِ أَنَّهَا لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ مَا لَمْ يَقْبَلْ الْوَصِيَّةَ، أَوْ يَمُوتُ قَبْلَ الْقَبُولِ،

  20. فَإِذَا مَاتَ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ جَارِيَةً قَدْ وَلَدَتْ مِنْهُ بِالنِّكَاحِ، فَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَيَنْفَسِخُ النِّكَاحُ،

  21. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُوصَى لَهُ بِالْوَصِيَّةِ حَتَّى مَاتَ، أَوْ عَلِمَ وَلَمْ يَقْبَلْ حَتَّى مَاتَ فَهُوَ عَلَى الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا،

  22. وَلَوْ كَانَ حَيًّا وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْوَصِيَّةِ، وَهُوَ يَطَؤُهَا بِالنِّكَاحِ حَتَّى وَلَدَتْ أَوْلَادًا،

  23. ثُمَّ عَلِمَ بِالْوَصِيَّةِ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَبِلَ الْوَصِيَّةَ، فَكَانَتْ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَأَوْلَادُهَا أَحْرَارٌ إنْ كَانُوا يَخْرُجُونَ مِنْ الثُّلُثِ،

  24. وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْبَلْ فَلَا تَكُونُ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ؛ لِأَنَّ قَبُولَهُ شَرْطٌ،

  25. فَإِنْ قَبِلَ، فَقَدْ صَارَتْ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا بِالْقَبُولِ،

  26. وَمَنْ اسْتَوْلَدَ جَارِيَةَ غَيْرِهِ بِالنِّكَاحِ،

  27. ثُمَّ مَلَكَهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَأَوْلَادُهَا أَحْرَارٌ إنْ كَانُوا يُخْرَجُونَ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ عِنْدَ الْقَبُولِ يَثْبُتُ الْمِلْكُ مِنْ وَقْتِ مَوْتِ الْمُوصِي، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ لَهُ فِي الْجَارِيَةِ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ كَمَا فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ أَنَّ عِنْدَ الْإِجَازَةِ يَثْبُتُ الْحُكْمُ، وَهُوَ الْمِلْكُ مِنْ وَقْتِ الْبَيْعِ كَذَا هَهُنَا وَإِذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ مِنْ وَقْتِ مَوْتِ الْمُوصِي يُحْكَمُ بِفَسَادِ النِّكَاحِ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْأَوْلَادَ وُلِدُوا عَلَى فِرَاشِ مِلْكِ الْيَمِينِ، فَدَخَلُوا تَحْتَ الْوَصِيَّةِ فَيَمْلِكُهُمْ بِالْقَبُولِ فَيُعْتَقُونَ إذَا كَانُوا يَخْرُجُونَ مِنْ الثُّلُثِ،

  28. وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ الْوَصِيَّةَ كَانَتْ الْجَارِيَةُ مِلْكًا لِوَرَثَةِ الْمُوصِي، وَالْأَوْلَادُ أَرِقَّاءُ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعَ الْأُمَّ فِي الرِّقِّ، وَالْحُرِّيَّةِ.

  29. وَلَوْ أَوْصَى بِالثُّلُثِ لِرَجُلَيْنِ وَمَاتَ الْمُوصِي فَرَدَّ أَحَدُهُمَا وَقَبِلَ الْآخَرُ الْوَصِيَّةَ كَانَ لِلْآخَرِ حِصَّتُهُ مِنْ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الثُّلُثَ إلَيْهِمَا، وَقَدْ صَحَّتْ الْإِضَافَةُ فَانْصَرَفَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الثُّلُثِ فَإِذَا رَدَّ أَحَدُهُمَا الْوَصِيَّةَ ارْتَدَّ فِي نِصْفِهِ وَبَقِيَ النِّصْفُ الْآخَرُ لِصَاحِبِهِ الَّذِي قَبِلَ كَمَنْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ لِرَجُلَيْنِ فَرَدَّ أَحَدُهُمَا إقْرَارَهُ ارْتَدَّ فِي نَصِيبِهِ خَاصَّةً، وَكَانَ لَلْآخَرِ نِصْفُ الْإِقْرَارِ كَذَا هَهُنَا،

  30. بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى بِالثُّلُثِ لِهَذَا، وَالثُّلُثِ لِهَذَا فَرَدَّ أَحَدُهُمَا وَقَبِلَ الْآخَرُ أَنَّ كُلَّ الثُّلُثِ لِلَّذِي قَبِلَ إلَّا أَنَّهُ إذَا قَبِلَ صَاحِبُهُ يُقَسَّمُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا لِضَرُورَةِ الْمُزَاحَمَةِ إذْ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَإِذَا رَدَّ أَحَدُهُمَا زَالَتْ الْمُزَاحَمَةُ فَكَانَ جَمِيعُ الثُّلُثِ لَهُ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْقَبُولَ رُكْنٌ فِي عَقْدِ الْوَصِيَّةِ

  31. فَوَقْتُ الْقَبُولِ مَا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي،

  32. وَلَا حُكْمَ لِلْقَبُولِ وَالرَّدِّ قَبْلَ مَوْتِهِ حَتَّى لَوْ رَدَّ قَبْلَ الْمَوْتِ،

  33. ثُمَّ قَبِلَ بَعْدَهُ صَحَّ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ إيجَابُ الْمِلْكِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْقَبُولُ أَوْ الرَّدُّ يُعْتَبَرُ، كَذَا الْإِيجَابُ؛ لِأَنَّهُ جَوَابٌ، وَالْجَوَابُ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ تَقَدُّمِ السُّؤَالِ.

  34. وَنَظِيرُهُ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إذَا جَاءَ غَدٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ أَنَّهُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ الْقَبُولُ أَوْ الرَّدُّ إذَا جَاءَ غَدٌ كَذَا هَذَا،

  35. فَإِذَا كَانَ التَّصَرُّفُ يَقَعُ إيجَابًا بَعْدَ الْمَوْتِ يُعْتَبَرُ الْقَبُولُ بَعْدَهُ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.

  1. (فَصْلٌ) :

  2. وَأَمَّا بَيَانُ مَعْنَى الْوَصِيَّةِ فَالْوَصِيَّةُ اسْمٌ لِمَا أَوْجَبَهُ الْمُوصِي فِي مَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَبِهِ تَنْفَصِلُ عَنْ الْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالْهِبَةِ؛ لِأَنَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَا يَحْتَمِلُ الْإِيجَابَ بَعْدَ الْمَوْتِ أَلَا تَرَى: أَنَّهُ لَوْ أَوْجَبَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ بَطَلَ.

  3. وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - فِي حَدِّ الْوَصِيَّةِ مَا أَوْجَبَهُ الْمُوصِي فِي مَالِهِ تَطَوُّعًا بَعْدَ مَوْتِهِ، أَوْ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَقَوْلُهُ: مَا أَوْجَبَهُ الْمُوصِي فِي مَالِهِ تَطَوُّعًا بَعْدَ مَوْتِهِ لَا يَشْمَلُ جَمِيعَ أَفْرَادِ الْوَصَايَا فَإِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ الْوَصِيَّةَ بِالْقُرَبِ الْوَاجِبَةِ الَّتِي تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ: كَالْحَجِّ، وَالزَّكَاةِ، وَالْكَفَّارَاتِ، وَنَحْوِهَا فَلَمْ يَكُنْ الْحَدُّ جَامِعًا.

  4. وَقَوْلُهُ: أَوْ فِي مَرَضِهِ حَدٌّ مُقَسَّمٌ وَأَنَّهُ فَاسِدٌ،

  5. وَكَذَا تَبَرُّعُ الْإِنْسَانِ بِمَالِهِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ مِنْ الْإِعْتَاقِ، وَالْهِبَةِ وَالْمُحَابَاةِ، وَالْكَفَالَةِ وَضَمَانِ الدَّرَكِ لَا يَكُونُ وَصِيَّةً حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ حُكْمَ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ مُنَجَّزٌ نَافِذٌ فِي الْحَالِ قَبْلَ الْمَوْتِ.

  6. وَحُكْمُ الْوَصِيَّةِ يَتَأَخَّرُ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ مِنْ الْمَرِيضِ وَصِيَّةً حَقِيقَةً إلَّا أَنَّهَا تُعْتَبَرُ بِالْوَصَايَا فِي حَقِّ اعْتِبَارِ الثُّلُثِ،

  7. فَأَمَّا أَنْ تَكُونَ وَصِيَّةً حَقِيقَةً فَلَا، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ، أَوْ رُبُعِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ قَدْرًا مِنْ مَالِهِ مُشَاعًا، أَوْ مُعَيَّنًا أَنَّ قَدْرَ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُوصَى لَهُ مِنْ مَالٍ هُوَ: مَالُهُ الَّذِي عِنْدَ الْمَوْتِ لَا مَا كَانَ عِنْدَ الْوَصِيَّةِ حَتَّى لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ، وَمَالُهُ يَوْمَ أَوْصَى ثَلَاثَةُ آلَافٍ، وَيَوْمَ مَاتَ ثَلَثُمِائَةٍ لَا يَسْتَحِقُّ الْمُوصَى لَهُ إلَّا مِائَةً،

  8. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يَوْمَ أَوْصَى،

  9. ثُمَّ اكْتَسَبَ مَالًا، ثُمَّ مَاتَ فَلَهُ ثُلُثُ الْمَالِ يَوْمَ مَاتَ.

  10. وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَوْمَ أَوْصَى فَمَاتَ، وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ بَطَلَتْ، وَصِيَّتُهُ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ؛ فَيَسْتَحِقُّ الْمُوصَى لَهُ مَا كَانَ عَلَى مِلْكِ الْمُوصِي عِنْدَ مَوْتِهِ، وَيَصِيرُ الْمُضَافُ إلَى الْوَقْتِ كَالْمُنَجَّزِ عِنْدَهُ كَأَنَّهُ قَالَ عِنْدَ الْمَوْتِ: لِفُلَانٍ ثُلُثُ مَالِي فَيُعْتَبَرُ مَا يَمْلِكُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا مَا قَبْلَهُ، وَذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ فِي نَوَادِرِهِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالَ: إذَا أَوْصَى رَجُلٌ فَقَالَ: لِفُلَانٍ شَاةٌ مِنْ غَنَمِي، أَوْ نَخْلَةٌ مِنْ نَخْلِي، أَوْ جَارِيَةٌ مِنْ جَوَارِيَّ، وَلَمْ يَقُلْ: مِنْ غَنَمِي هَذِهِ،

  11. وَلَا مِنْ جَوَارِيَّ هَؤُلَاءِ،

  12. وَلَا مِنْ نَخْلِي هَذِهِ فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ فِي هَذَا تَقَعُ يَوْمَ مَوْتِ الْمُوصِي،

  13. وَلَا تَقَعُ يَوْمَ أَوْصَى حَتَّى لَوْ مَاتَتْ غَنَمُهُ تِلْكَ، أَوْ بَاعَهَا فَاشْتَرَى مَكَانَهَا أُخْرَى، أَوْ مَاتَتْ جَوَارِيهِ فَاشْتَرَى غَيْرَهُنَّ، أَوْ بَاعَ النَّخْلَ، وَاشْتَرَى غَيْرَهَا،

  14. فَإِنَّ لِلْمُوصَى لَهُ نَخْلَةً مِنْ نَخْلِهِ يَوْمَ يَمُوتُ.

  15. وَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يُعْطُوهُ غَيْرَ ذَلِكَ لِمَا بَيَّنَّا: أَنَّ الْوَصِيَّةَ عَقْدٌ مُضَافٌ إلَى الْمَوْتِ فَكَانَّهُ قَالَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ: لِفُلَانٍ شَاةٌ مِنْ غَنَمِي فَيَسْتَحِقُّ شَاةً مِنْ الْمَوْجُودِ دُونَ مَا قَبْلَهُ قَالَ:

  16. فَإِنْ وَلَدَتْ الْغَنَمُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ الْمُوصِي، أَوْ وَلَدَتْ الْجَوَارِي قَبْلَ مَوْتِهِ، فَلَحِقَتْ الْأَوْلَادُ الْأُمَّهَاتِ،

  17. ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي فَإِنَّ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يُعْطُوهُ إنْ شَاءُوا مِنْ الْأُمَّهَاتِ،

  18. وَإِنْ شَاءُوا مِنْ الْأَوْلَادِ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ عِنْدَ الْمَوْتِ فَكَانَ الْمُسْتَفَادُ بِالْوِلَادَةِ كَالْمُسْتَفَادِ بِالشِّرَاءِ قَالَ فَإِنْ اخْتَارَ الْوَرَثَةُ أَنْ يُعْطُوهُ شَاةً مِنْ غَنَمِهِ، وَلَهَا وَلَدٌ قَدْ وَلَدَتْهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي فَإِنَّ وَلَدَهَا يَتْبَعُهَا.

  19. وَكَذَلِكَ صُوفُهَا، وَلَبَنُهَا؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِشَاةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ لَكِنَّ التَّعْيِينَ مِنْ الْوَرَثَةِ يَكُونُ بَيَانًا أَنَّ الشَّاةَ الْمُعَيَّنَةَ، هِيَ مِنْ الْمُوصَى بِهَا كَأَنَّ الْوَصِيَّةَ وَقَعَتْ بِهَذِهِ الْمُعَيَّنَةِ ابْتِدَاءً فَمَا حَدَثَ مِنْ نَمَائِهَا بَعْدَ الْمَوْتِ يَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ قَالَ:

  20. فَأَمَّا مَا وَلَدَتْ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي فَلَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُوصَى لَهُ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ اعْتِبَارُهَا عِنْدَ الْمَوْتِ فَالْحَادِثُ قَبْلَ الْمَوْتِ يَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ،

  21. وَكَذَلِكَ الصُّوفُ الْمُنْفَصِلُ، وَاللَّبَنُ الْمُنْفَصِلُ قَبْلَ الْمَوْتِ لِمَا قُلْنَا،

  22. فَأَمَّا إنْ كَانَ مُتَّصِلًا بِهَا فَهُوَ لِلْمُوصَى لَهُ،

  23. وَإِنْ حَدَثَ قَبْلَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَرِدُ عَنْهَا بِالتَّمْلِيكِ قَالَ:

  24. وَلَوْ اسْتَهْلَكَتْ الْوَرَثَةُ لَبَنَ الشَّاةِ، أَوْ صُوفَهَا، وَقَدْ حَدَثَ بَعْدَ الْمَوْتِ فَعَلَيْهِمْ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ مَلَكَهُ بِمِلْكِ الْأَصْلِ، فَيَكُونُ مَضْمُونًا بِالْإِتْلَافِ قَالَ:

  25. وَلَوْ قَالَ: أَوْصَيْتُ لَهُ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِي هَذِهِ، أَوْ بِجَارِيَةٍ مِنْ جَوَارِيَّ هَؤُلَاءِ، أَوْ قَالَ: قَدْ أَوْصَيْتُ لَهُ بِإِحْدَى جَارِيَتَيَّ هَاتَيْنِ فَهَذَا عَلَى هَذِهِ الْغَنَمِ، وَهَؤُلَاءِ الْجَوَارِي؛ لِأَنَّهُ عَيَّنَ الْمُوصَى بِهِ، وَهُوَ الشَّاةُ مِنْ الْغَنَمِ الْمُشَارُ إلَيْهَا حَتَّى لَوْ مَاتَتْ الْغَنَمُ، أَوْ بَاعَهَا بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ كَمَا لَوْ قَالَ أَوْصَيْتُ بِهَذِهِ الشَّاةِ، أَوْ بِهَذِهِ الْجَارِيَةِ فَهَلَكَتْ.

  26. وَلَوْ وَلَدَتْ الْغَنَمُ أَوْ الْجَوَارِي فِي حَالِ

  27. حَيَاةِ الْمُوصِي، ثُمَّ أَرَادَ الْوَرَثَةُ أَنْ يُعْطُوهُ مِنْ الْأَوْلَادِ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَعَلَّقَتْ بِعَيْنٍ مُشَارٍ إلَيْهَا،

  28. وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ فِيهَا يَنْزِلُ فِي غَيْرِهَا،

  29. فَإِنْ دَفَعَ الْوَرَثَةُ إلَيْهِ جَارِيَةً مِنْ الْجَوَارِي لَمْ يَسْتَحِقَّ مَا وَلَدَتْ قَبْلَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَمْ تَكُنْ، وَجَبَتْ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الْوَصِيَّةِ إنَّمَا يُنْقَلُ بِالْمَوْتِ فَمَا حَدَثَ قَبْلَ الْمَوْتِ يَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ، فَيَكُونُ لِلْوَرَثَةِ، وَمَا وَلَدَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ فَهُوَ لِلْمُوصَى لَهُ؛

  30. لِأَنَّهُ مَلَكَهَا بِالْمَوْتِ فَحَدَثَ الْوَلَدُ عَلَى مِلْكِهِ قَالَ:

  31. فَإِنْ مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ كُلُّهَا إلَّا وَاحِدَةً تَعَيَّنَتْ الْوَصِيَّةُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَنْ يُزَاحِمُهَا فِي تَعَلُّقِ الْوَصِيَّةِ فَتَعَيَّنَتْ ضَرُورَةُ انْتِفَاءِ الْمُزَاحِمِ،

  32. فَإِنْ مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ كُلُّهَا، وَقَدْ بَقِيَ لَهَا أَوْلَادٌ حَدَثَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ، أَوْ أُحْرِقَ النَّخْلُ، وَبَقِيَ لَهَا ثَمَرٌ حَدَثَ بَعْدَ الْمَوْتِ فَعَلَى الْوَرَثَةِ أَنْ يَدْفَعُوا إلَيْهِ وَلَدَ جَارِيَةٍ، وَثَمَرَةَ نَخْلَةٍ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِهَا فَيَظْهَرُ الِاسْتِحْقَاقُ فِي الْوَلَدِ الْحَادِثِ بَعْدَهُ،

  33. فَإِذَا هَلَكَتْ الْأُمُّ بَقِيَ الْحَقُّ فِي الْوَلَدِ عَلَى حَالِهِ،

  34. وَلَا يَظْهَرُ فِيمَا حَدَثَ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى عز وجل أَعْلَمُ.

  1. (فَصْلٌ) :

  2. وَأَمَّا شَرَائِطُ الرُّكْنِ فَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الرُّكْنِ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمُوصِي، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمُوصَى لَهُ، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمُوصَى بِهِ (أَمَّا) الَّذِي يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الرُّكْنِ: فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْقَبُولُ مُوَافِقًا لِلْإِيجَابِ،

  3. فَإِنْ خَالَفَ الْإِيجَابَ لَمْ يَصِحَّ الْقَبُولُ؛ لِأَنَّهُ إذَا خَالَفَهُ لَمْ يَرْتَبِطْ فَبَقِيَ الْإِيجَابُ بِلَا قَبُولٍ فَلَا يَتِمُّ الرُّكْنُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ إذَا قَالَ لِرَجُلَيْنِ: أَوْصَيْتُ بِهَذِهِ الْجَارِيَةِ لَكُمَا فَقَبِلَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، وَرَدَّ الْآخَرُ لَمْ يَصِحَّ الْقَبُولُ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى لَهُمَا جَمِيعًا فَكَانَ وَصِيَّةً لِكُلِّ، وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنِصْفِ الْجَارِيَةِ.

  4. وَكَانَتْ الْجَارِيَةُ بَيْنَهُمَا لَوْ قَبِلَا فَإِذَا رَدَّ أَحَدُهُمَا لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ، وَهُوَ قَبُولُهُمَا جَمِيعًا، فَبَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ،

  5. وَلَوْ أَوْصَى بِهَا لِإِنْسَانٍ،

  6. ثُمَّ أَوْصَى بِهَا لِآخَرَ، فَقَبِلَ أَحَدُهُمَا الْوَصِيَّةَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، وَرَدَّ الْآخَرُ فَالنِّصْفُ لِلْمُوصَى لَهُ، وَالنِّصْفُ لِوَرَثَةِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِيَالِهِ فَلَا يُشْتَرَطُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي الْقَبُولِ،

  7. فَإِذَا رَدَّ أَحَدُهُمَا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي لَمْ يَتِمَّ الرُّكْنُ فِي حَقِّهِ، بَلْ بَطَلَ الْإِيجَابُ فِي حَقِّهِ فَعَادَ نَصِيبُهُ إلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي فَصَحَّ الْقَبُولُ مِنْ الْآخَرِ فَاسْتَحَقَّ نِصْفَ الْوَصِيَّةِ كَالشَّفِيعَيْنِ إذَا سَلَّمَ أَحَدُهُمَا الشُّفْعَةَ بَعْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِالشُّفْعَةِ أَنَّ ذَلِكَ النِّصْفَ يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي،

  8. وَلَا يَكُونُ لِلشَّفِيعِ الْآخَرِ.

  9. الشَّرْط الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمُوصِي

  10. (وَأَمَّا) الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمُوصِي فَأَنْوَاعٌ: مِنْهَا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِذَلِكَ تَبَرُّعٌ بِإِيجَابِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَهْلِيَّةِ التَّبَرُّعِ فَلَا تَصِحُّ مِنْ الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ لِكَوْنِهِ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الضَّارَّةِ الْمَحْضَةِ إذْ لَا يُقَابِلُهُ عِوَضٌ دُنْيَوِيٌّ، وَهَذَا عِنْدَنَا.

  11. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَصِيَّةُ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ فِي الْقُرَبِ صَحِيحَةٌ، وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ أَنَّ سَيِّدَنَا عُمَرَ رضي الله عنه أَجَازَ، وَصِيَّةَ غُلَامٍ يَافِعٍ، وَهُوَ الَّذِي قَرُبَ إدْرَاكُهُ؛ وَلِأَنَّ فِي وَصِيَّتِهِ نَظَرًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ يُثَابُ عَلَيْهِ،

  12. وَلَوْ لَمْ يُوصِ لَزَالَ مِلْكُهُ إلَى الْوَارِثِ مِنْ غَيْرِ ثَوَابٍ؛ لِأَنَّهُ يَزُولُ عَنْهُ جَبْرًا شَاءَ، أَوْ أَبَى فَكَانَ هَذَا تَصَرُّفًا نَافِعًا فِي حَقِّهِ فَأَشْبَهَ صَلَاةَ التَّطَوُّعِ، وَصَوْمَ التَّطَوُّعِ، وَالْجَوَابُ إمَّا إجَازَةُ سَيِّدِنَا عُمَرَ رضي الله عنه فَيَحْتَمِلُ أَنَّ وَصِيَّةَ ذَلِكَ الصَّبِيِّ كَانَتْ لِتَجْهِيزِهِ، وَتَكْفِينِهِ، وَدَفْنِهِ.

  13. وَوَصِيَّةُ الصَّبِيِّ فِي مِثْلِهِ جَائِزَةٌ - عِنْدَنَا - لِأَنَّهُ يَثْبُتُ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ (وَأَمَّا) قَوْلُهُ: يَحْصُلُ لَهُ عِوَضٌ، وَهُوَ الثَّوَابُ فَمُسَلَّمٌ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِعِوَضٍ دُنْيَوِيٍّ،

  14. فَلَا يَمْلِكُهُ الصَّبِيُّ كَالصَّدَقَةِ مَعَ مَا أَنَّ هَذَا فِي حَدِّ التَّعَارُضِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا يُثَابُ عَلَى الْوَصِيَّةِ يُثَابُ عَلَى التَّرْكِ لِلْوَارِثِ، بَلْ هُوَ أَوْلَى فِي بَعْضِ الْأَمْوَالِ لِمَا بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ.

  15. وَسَوَاءٌ مَاتَ قَبْلَ الْإِدْرَاكِ، أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهَا، وَقَعَتْ بَاطِلَةً،

  16. فَلَا تَنْقَلِبُ إلَى الْجَوَازِ بِالْإِدْرَاكِ إلَّا بِالِاسْتِئْنَافِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الصَّبِيُّ مَأْذُونًا فِي التِّجَارَةِ، أَوْ مَحْجُورًا؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَيْسَتْ مِنْ بَابِ التِّجَارَةِ إذْ التِّجَارَةُ مُعَاوَضَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ،

  17. وَلَوْ أَضَافَ الْوَصِيَّةَ إلَى مَا بَعْدَ الْإِدْرَاكِ بِأَنْ قَالَ: إذَا أَدْرَكْتُ،

  18. ثُمَّ مِتُّ فَثُلُثُ مَالِي لِفُلَانٍ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ عِبَارَتَهُ لَمْ تَقَعْ صَحِيحَةً،

  19. فَلَا تُعْتَبَرُ فِي إيجَابِ الْحُكْمِ بَعْدَ الْمَوْتِ.

  20. وَلَا تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ، وَالْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ،

  21. وَلَوْ أَوْصَيَا، ثُمَّ أُعْتِقَا وَمَلَكَا مَالًا،

  22. ثُمَّ مَاتَا: لَمْ تَجُزْ لِوُقُوعِهَا بَاطِلَةً مِنْ الِابْتِدَاءِ،

  23. وَلَوْ أَضَافَ أَحَدُهُمَا الْوَصِيَّةَ إلَى مَا بَعْدَ الْعِتْقِ بِأَنْ قَالَ: إذَا أُعْتِقْتُ،

  24. ثُمَّ مِتَّ فَثُلُثُ مَالِي لِفُلَانٍ: صَحَّ فَرْقًا بَيْنَ الْعَبْدِ، وَالصَّبِيِّ.

  25. وَوَجْهُ الْفَرْقِ: أَنَّ عِبَارَةَ الصَّبِيِّ فِيمَا يَتَضَرَّرُ بِهِ مُلْحَقَةٌ بِالْعَدَمِ لِنُقْصَانِ عَقْلِهِ فَلَمْ تَصِحَّ عِبَارَتُهُ مِنْ الْأَصْلِ، بَلْ بَطَلَتْ.

  26. وَالْبَاطِلُ لَا حُكْمَ لَهُ بَلْ هُوَ ذَاهِبٌ مُتَلَاشٍ فِي حَقِّ الْحُكْمِ،

  27. فَأَمَّا عِبَارَةُ الْعَبْدِ: فَصَحِيحَةٌ لِصُدُورِهَا عَنْ عَقْلٍ مُمَيِّزٍ إلَّا أَنَّ امْتِنَاعَ تَبَرُّعِهِ لَحِقَ الْمَوْلَى فَإِذَا

  28. عَتَقَ فَقَدْ زَالَ الْمَانِعُ وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.

  29. وَمِنْهَا رِضَا الْمُوصِي؛ لِأَنَّهَا إيجَابُ مِلْكٍ، أَوْ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمِلْكِ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الرِّضَا كَإِيجَابِ الْمِلْكِ بِسَائِرِ الْأَشْيَاءِ فَلَا تَصِحُّ، وَصِيَّةُ الْهَازِلِ، وَالْمُكْرَهِ، وَالْخَاطِئِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْعَوَارِضَ تُفَوِّتُ الرِّضَا.

  30. وَأَمَّا إسْلَامُ الْمُوصِي فَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ وَصِيَّتِهِ فَتَصِحُّ وَصِيَّةُ الَّذِي بِالْمَالِ لِلْمُسْلِمِ، وَالذِّمِّيِّ فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ لَا يُنَافِي أَهْلِيَّةَ التَّمْلِيكِ أَلَا تَرَى: أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُ الْكَافِرِ، وَهِبَتُهُ فَكَذَا وَصِيَّتُهُ

  31. وَكَذَا الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ إذَا أَوْصَى لِلْمُسْلِمِ، أَوْ الذِّمِّيِّ يَصِحُّ فِي الْجُمْلَةِ لِمَا ذَكَرْنَا غَيْرَ أَنَّهُ إنْ كَانَ دَخَلَ وَارِثُهُ مَعَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَأَوْصَى بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ وَقَفَ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ عَلَى إجَازَةِ وَارِثِهِ؛ لِأَنَّهُ بِالدُّخُولِ مُسْتَأْمَنًا الْتَزَمَ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ، أَوْ أَلْزَمَهُ مِنْ غَيْرِ الْتِزَامِهِ لِإِمْكَانِ إجْرَاءِ الْإِحْكَامِ عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ،

  32. وَمِنْ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ: أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مِمَّنْ لَهُ وَارِثٌ تَقِفُ عَلَى إجَازَةِ وَارِثِهِ.

  33. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ أَصْلًا: تَصِحُّ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، كَمَا فِي الْمُسْلِمِ، وَالذِّمِّيِّ.

  34. وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ لَهُ وَارِثٌ لَكِنَّهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ.

  35. وَحَقُّهُمْ غَيْرُ مَعْصُومٍ؛ لِأَنَّهُ لَا عِصْمَةَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَأَمْوَالِهِمْ فَلَأَنْ لَا يَكُونَ لِحَقِّهِمْ الَّذِي فِي مَالِ مُورِثِهِمْ عِصْمَةٌ أَوْلَى.

  36. وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ، وَلَوْ أَوْصَى الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِوَصِيَّةٍ،

  37. ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ، أَوْ صَارُوا ذِمَّةً،

  38. ثُمَّ اخْتَصَمَا إلَيَّ فِي تِلْكَ الْوَصِيَّةِ،

  39. فَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً بِعَيْنِهَا أَجَزْتُهَا،

  40. وَإِنْ كَانَتْ قَدْ اُسْتُهْلِكَتْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ أَبْطَلْتُهَا؛ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ مِنْ أَهْلِ التَّمْلِيكِ.

  41. أَلَا يَرَى: أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ سَائِرِ التَّمْلِيكَاتِ كَالْبَيْعِ، وَنَحْوِهِ فَكَانَتْ وَصِيَّتُهُ جَائِزَةً فِي نَفْسِهَا إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ لَنَا وِلَايَةُ إجْرَاءِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ، وَتَنْفِيذِهَا فِي دَارِهِمْ،

  42. فَإِذَا أَسْلَمُوا أَوْ صَارُوا ذِمَّةً قَدَرْنَا عَلَى التَّنْفِيذِ فَنُنَفِّذُهَا مَا دَامَ الْمُوصَى بِهِ قَائِمًا،

  43. فَأَمَّا إذَا صَارَ مُسْتَهْلَكًا أَبْطَلْنَا الْوَصِيَّةَ، وَأَلْحَقْنَاهَا بِالْعَدَمِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ إذَا أَسْلَمُوا، أَوْ صَارُوا ذِمَّةً لَا يُؤَاخَذُونَ بِمَا اسْتَهْلَكَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ.

  44. وَبِمَا اغْتَصَبَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ بَلْ يَبْطُلُ ذَلِكَ كَذَا هَذَا، وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُوصِي دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لِتَرِكَتِهِ،

  45. فَإِنْ كَانَ لَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى قَدَّمَ الدَّيْنَ عَلَى الْوَصِيَّةِ، وَالْمِيرَاثِ لِقَوْلِهِ - تَبَارَكَ، وَتَعَالَى - فِي آيَةِ الْمَوَارِيثِ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ وَ ﴿يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ ، وَ ﴿يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: إنَّكُمْ تَقْرَءُونَ الْوَصِيَّةَ قَبْلَ الدَّيْنِ، وَقَدْ «شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَدَأَ بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ» أَشَارَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ رضي الله عنه إلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الذِّكْرِ لَا يُوجِبُ التَّرْتِيبَ فِي الْحُكْمِ.

  46. وَرُوِيَ أَنَّهُ قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما إنَّكَ تَأْمُرُ بِالْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ، وَقَدْ بَدَأَ اللَّهُ تَبَارَكَ، وَتَعَالَى بِالْحَجِّ، فَقَالَ - تَبَارَكَ، وَتَعَالَى - ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فَقَالَ رضي الله عنه كَيْفَ تَقْرَءُونَ آيَةَ الدَّيْنِ، فَقَالُوا مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ، فَقَالَ: وَبِمَاذَا تَبْدَءُونَ قَالُوا بِالدَّيْنِ قَالَ رضي الله عنه هُوَ ذَاكَ، وَلِأَنَّ الدَّيْنَ وَاجِبٌ، وَالْوَصِيَّةُ تَبَرُّعُ وَالْوَاجِبُ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّبَرُّعِ، وَمَعْنَى تَقَدُّمِ الدَّيْنِ عَلَى الْوَصِيَّةِ وَالْمِيرَاثِ أَنَّهُ يُقْضَى الدَّيْنُ أَوَّلًا،

  47. فَإِنْ فَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ يُصْرَفُ إلَى الْوَصِيَّةِ وَالْمِيرَاثِ، وَإِلَّا فَلَا (وَأَمَّا) مَعْنَى تَقَدُّمِ الْوَصِيَّةِ عَلَى الْمِيرَاثِ، فَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يُخْرِجَ الثُّلُثَ، وَيُعْزَلُ عَنْ التَّرِكَةِ، وَيَبْدَأُ بِدَفْعِهِ إلَى الْمُوصَى لَهُ،

  48. ثُمَّ يُدْفَعُ الثُّلُثَانِ إلَى الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ التَّرِكَةَ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ تَكُونُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَبَيْنَ الْمُوصَى لَهُ عَلَى الشَّرِكَةِ وَالْمُوصَى لَهُ شَرِيكُ الْوَرَثَةِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ كَأَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْ الْوَرَثَةِ لَا يَسْتَحِقُّ الْمُوصَى لَهُ مِنْ الثُّلُثِ شَيْئًا قَلَّ، أَوْ كَثُرَ إلَّا.

  49. وَيَسْتَحِقُّ مِنْهُ الْوَرَثَةُ ثُلُثَيْهِ، وَيَكُونُ فَرْضُهُمَا مَعًا لَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ حَتَّى لَوْ هَلَكَ شَيْءٌ مِنْ التَّرِكَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ يُهْلَكُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ وَالْوَرَثَةِ جَمِيعًا،

  50. وَلَا يُعْطَى الْمُوصَى لَهُ كُلَّ الثُّلُثِ مِنْ الْبَاقِي بَلْ الْهَالِكُ يَهْلِكُ عَلَى الْحَقَّيْنِ وَالْبَاقِي يَبْقَى عَلَى الْحَقَّيْنِ، كَمَا إذَا هَلَكَ شَيْءٌ مِنْ الْمَوَارِيثِ بَعْدَ الْوَصَايَا،

  51. بِخِلَافِ الدَّيْنِ، فَإِنَّهُ إذَا هَلَكَ بَعْضُ التَّرِكَةِ، وَبَقِيَ الْبَعْضُ يُسْتَوْفَى كُلُّ الدَّيْنِ مِنْ الْبَاقِي وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُحْسَبُ قَدْرُ الْوَصِيَّةِ مِنْ جُمْلَةِ التَّرِكَةِ، أَوَّلًا؛ لِتَظْهَرَ سِهَامُ الْوَرَثَةِ، كَمَا تُحْسَبُ سِهَامُ أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ، أَوَّلًا لِيَظْهَرَ الْفَاضِلُ لِلْعَصَبَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَبَارَكَ، وَتَعَالَى يُوصِيكُمْ ﴿اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ﴾ إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾ أَيْ سِوَى مَا لَكُمْ أَنْ تُوصُوهُ مِنْ الثُّلُثِ أَوْصَاكُمْ اللَّهُ بِكَذَا وَتَكُونُ بَعْدُ بِمَعْنَى سِوَى وَاَللَّهُ تَعَالَى عَزَّ شَأْنُهُ أَعْلَمُ.

  52. الشَّرْط الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمُوصَى لَهُ

  53. (وَأَمَّا) الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمُوصَى لَهُ، فَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا،

  54. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْمَعْدُومِ لَا تَصِحُّ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا قَالَ: أَوْصَيْتُ بِثُلُثِ مَالِي لِمَا فِي بَطْنِ فُلَانَةَ إنَّهَا، إنْ وَلَدَتْ لِمَا يُعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْبَطْنِ؛ صَحَتْ الْوَصِيَّةُ وَإِلَّا فَلَا

  55. وَإِنَّمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إذَا وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ،

  56. ثُمَّ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ مِنْ وَقْتِ مَوْتِ الْمُوصِي فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعِنْدَ الطَّحَاوِيِّ رحمه الله مِنْ وَقْتِ وُجُودِ الْوَصِيَّةِ وَجْهُ مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ رحمه الله أَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ هُوَ الْوَصِيَّةُ، فَيُعْتَبَرُ وُجُودُهُ (وَجْهُ) ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ وَقْتَ نُفُوذِ الْوَصِيَّةِ وَاعْتِبَارِهَا فِي حَقِّ الْحُكْمِ وَقْتُ الْمَوْتِ، فَيُعْتَبَرُ وُجُودُهُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ؛

  57. لِأَنَّهَا إذَا جَاءَتْ بِهِ لَأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْمَوْتِ، أَوْ مِنْ وَقْتِ الْوَصِيَّةِ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ تَيَقَّنَّا أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا إذْ الْمَرْأَةُ لَا تَلِدُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ.

  58. وَإِذَا جَاءَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا لَا يُعْلَمُ وُجُودُهُ فِي الْبَطْنِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا عَلِقَتْ بَعْدَهُ.

  59. فَلَا يُعْلَمُ وُجُودُهُ بِالشَّكِّ إلَّا إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُعْتَدَّةً مِنْ زَوْجِهَا مِنْ طَلَاقٍ، أَوْ وَفَاةٍ، فَوَلَدَتْ إلَى سَنَتَيْنِ مُنْذُ طَلَّقَهَا، أَوْ مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا، فَلَهُ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ نَسَبَ الْوَلَدِ يَثْبُتُ مِنْ زَوْجِهَا إلَى سَنَتَيْنِ،

  60. وَمِنْ ضَرُورَةِ ثَبَاتِ النَّسَبِ الْحُكْمُ بِوُجُودِهِ فِي الْبَطْنِ وَقْتَ مَوْتِ الْمُوصِي فُرِّقَ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ لِمَا فِي الْبَطْنِ وَبَيْنَ الْهِبَةِ لِمَا فِي الْبَطْنِ أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَصِحُّ، وَالْوَصِيَّةُ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ لَا صِحَّةَ لَهَا بِدُونِ الْقَبْضِ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَالْوَصِيَّةُ لَا تَقِفُ صِحَّتُهَا عَلَى الْقَبْضِ.

  61. وَلَوْ قَالَ: إنْ كَانَ فِي بَطْنِ فُلَانَةَ جَارِيَةٌ؛ فَلَهَا وَصِيَّةُ أَلْفٍ وَإِنْ كَانَ فِي بَطْنِهَا غُلَامٌ؛ فَلَهُ وَصِيَّةُ أَلْفَانِ، فَوَلَدَتْ جَارِيَةً لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ إلَّا يَوْمًا وَوَلَدَتْ غُلَامًا بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمَيْنِ؛ فَلَهُمَا جَمِيعُ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمَا أُوصِي لَهُمَا جَمِيعًا لَكِنْ لِأَحَدِهِمَا بِأَلْفٍ وَلِلْآخَرِ بِأَلْفَيْنِ، وَقَدْ عُلِمَ كَوْنُهُمَا فِي الْبَطْنِ أَمَّا الْجَارِيَةُ،

  62. فَلَا شَكَّ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا وُلِدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْمُوصِي فَعُلِمَ أَنَّهَا كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي الْبَطْنِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.

  63. وَكَذَا الْغُلَامُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وُلِدَ لَأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بِيَوْمٍ، أَوْ يَوْمَيْنِ عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ فِي الْبَطْنِ مَعَ الْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّهُ تَوْأَمٌ، فَكَانَ مِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِ أَحَدِهِمَا فِي الْبَطْنِ كَوْنُ الْآخَرِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا عَلِقَا مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ،

  64. فَإِنْ وَلَدَتْ غُلَامَيْنِ وَجَارِيَتَيْنِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَذَلِكَ إلَى الْوَرَثَةِ يُعْطُونَ أَيَّ الْغُلَامَيْنِ شَاءُوا وَأَيَّ الْجَارِيَتَيْنِ شَاءُوا إلَّا أَنَّهُ مَا أَوْصَى لَهُمَا جَمِيعًا، وَإِنَّمَا أَوْصَى لِأَحَدِهِمَا وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، فَكَانَ الْبَيَانُ إلَى الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُمْ قَائِمُونَ مَقَامَ الْمُوَرِّثِ،

  65. وَقِيلَ إنَّ هَذَا الْجَوَابَ عَلَى مَذْهَبِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -،

  66. فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى، وَهُوَ مَا إذَا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِفُلَانٍ وَفُلَانٌ أَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِأَحَدِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه أَنَّ الْوَصِيَّةَ بَاطِلَةٌ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - أَنَّهَا صَحِيحَةٌ غَيْرَ أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْوَصِيَّةُ لَهُمَا جَمِيعًا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لِأَحَدِهِمَا وَخِيَارُ التَّعْيِينِ إلَى الْوَرَثَةِ يُعْطُونَ أَيَّهمَا شَاءُوا، فَقَاسُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى تِلْكَ؛

  67. لِأَنَّ الْمَعْنَى يَجْمَعُهُمَا، وَهُوَ جَهَالَةُ الْمُوصَى لَهُ، وَمِنْهُمْ مِنْ قَالَ: هَهُنَا يَجُوزُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا وَفَرَّقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْجَهَالَةَ هُنَاكَ مُقَارِنَةٌ لِلْعَقْدِ، وَهَهُنَا طَارِئَةٌ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ هُنَاكَ حَالَ وُجُودِهَا أُضِيفَتْ إلَى مَا فِي الْبَطْنِ لَا إلَى أَحَدِ الْغُلَامَيْنِ وَإِحْدَى الْجَارِيَتَيْنِ،

  68. ثُمَّ طَرَأَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْوِلَادَةِ.

  69. وَالْبَقَاءُ أَسْهَلُ مِنْ الِابْتِدَاءِ كَالْعِدَّةِ إذَا قَارَنَتْ النِّكَاحَ مَنَعَتْهُ مِنْ الِانْعِقَادِ،

  70. فَإِذَا طَرَأَتْ عَلَيْهِ لَا تَرْفَعُهُ كَذَا هَهُنَا،

  71. وَلَوْ قَالَ: إنْ كَانَ الَّذِي فِي بَطْنِ فُلَانَةَ غُلَامًا؛ فَلَهُ أَلْفَانِ،

  72. وَإِنْ كَانَ جَارِيَةً؛ فَلَهَا أَلْفٌ، فَوَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَةً، فَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْءٌ مِنْ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ شَرْطَ اسْتِحْقَاقِ الْوَصِيَّةِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ هُوَ كُلُّ مَا فِي الْبَطْنِ بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ الَّذِي فِي بَطْنِهَا كَذَا فَلَهُ كَذَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَيْسَ هُوَ كُلُّ مَا فِي الْبَطْنِ بَلْ بَعْضُ مَا فِيهِ، فَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُ صِحَّةِ اسْتِحْقَاقِ الْوَصِيَّة، فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا،

  73. فَلَا يَسْتَحِقُّ أَحَدُهُمَا شَيْئًا،

  74. بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ إنْ كَانَ فِي بَطْنِ فُلَانَةَ جَارِيَةٌ؛ فَلَهَا كَذَا،

  75. وَإِنْ كَانَ فِي بَطْنِهَا غُلَامٌ؛ فَلَهُ كَذَا لَيْسَ فِيهِ شَرْطٌ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ كُلَّ مَا فِي الْبَطْنِ بَلْ الشَّرْطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ فِي بَطْنِهَا غُلَامٌ،

  76. وَأَنْ يَكُونَ فِي بَطْنِهَا جَارِيَةٌ، وَقَدْ كَانَ فِي بَطْنِهَا غُلَامٌ وَجَارِيَةٌ، فَوُجِدَ شَرْطُ الِاسْتِحْقَاقِ،

  77. وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى بِمَا فِي بَطْنِ دَابَّةِ فُلَانٍ أَنْ يُنْفَقَ عَلَيْهِ، أَنَّ الْوَصِيَّةَ جَائِزَةٌ إذَا قَبِلَ صَاحِبُهَا، وَتُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُدَّةُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا هَذَا هُوَ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ لِمَا فِي الْبَطْنِ،

  78. فَأَمَّا حُكْمُ الْإِقْرَارِ بِمَالٍ لِمَا فِي بَطْنِ فُلَانَةَ، فَهَذَا فِي الْأَصْلِ عَلَى وَجْهَيْنِ (أَمَّا) إنْ بَيَّنَ السَّبَبَ (وَأَمَّا) إنْ لَمْ يُبَيِّنْ بَلْ أَطْلَقَ،

  79. فَإِنْ بَيَّنَ السَّبَبَ (فَإِمَّا) إنْ بَيَّنَ سَبَبًا هُوَ جَائِزُ الْوُجُودِ.

  80. (وَإِمَّا) إنْ بَيَّنَ سَبَبًا هُوَ مُسْتَحِيلُ الْوُجُودِ عَادَةً،

  81. فَإِنْ بَيَّنَ سَبَبًا هُوَ جَائِزُ الْوُجُودِ عَادَةً بِأَنْ قَالَ: لِمَا فِي بَطْنِ فُلَانَةَ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ؛ لِأَنِّي اسْتَهْلَكْتُ مَالَهُ، أَوْ غَصَبْتُ أَوْ سَرَقَتْ؛ جَازَ إقْرَارُهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا،

  82. وَإِنْ بَيَّنَ سَبَبًا، هُوَ مُسْتَحِيلُ الْوُجُودِ عَادَةً بِأَنْ قَالَ: لِمَا فِي بَطْنِ فُلَانَةَ

  83. عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ لِأَنِّي اسْتَقْرَضْتُ مِنْهُ لَا يَجُوزُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ أَسْنَدَ إقْرَارَهُ إلَى سَبَبٍ هُوَ مُحَالٌ عَادَةً،

  84. وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ لِلْإِقْرَارِ سَبَبًا بَلْ سَكَتَ عَنْهُ بِأَنْ قَالَ: لِمَا فِي بَطْنِ فُلَانَةَ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ، فَهَذَا الْإِقْرَارُ بَاطِلٌ فِي قَوْلِهِمَا وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ صَحِيحٌ.

  85. (وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ تَصَرُّفَ الْعَاقِلِ يُحْمَلُ عَلَى الصِّحَّةِ مَا أَمْكَنَ؛ وَأَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ بِالْحَمْلِ عَلَى سَبَبٍ مُتَصَوَّرِ الْوُجُودِ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ تَصْحِيحًا لَهُ؛ وَلَهُمَا أَنَّ الْإِقْرَارَ الْمُطْلَقَ بِالدَّيْنِ يُرَادُ بِهِ الْإِقْرَارُ بِسَبَبِ الْمُدَايَنَةِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ السَّبَبُ الْمَوْضُوعُ لِثُبُوتِ الدَّيْن، وَإِنَّهُ فِي الدَّيْنِ هَهُنَا مُحَالٌ عَادَةً، وَالْمُسْتَحِيلُ عَادَةً كَالْمُسْتَحِيلِ حَقِيقَةً.

  86. وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ حَيًّا وَقْتَ مَوْتِ الْمُوصِي حَتَّى لَوْ قَالَ: أَوْصَيْتُ بِثُلُثِ مَالِي لِمَا فِي بَطْنِ فُلَانَةَ، فَوَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ مَوْتِ الْمُوصِي وَلَدًا مَيِّتًا لَا وَصِيَّةَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ اسْتِحْقَاقِ الْوَصِيَّةِ، كَمَا لَيْسَ مِنْ أَهْلِ اسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ بِأَنْ وُلِدَ مَيِّتًا، وَإِنَّهَا أُخْتُ الْمِيرَاثِ،

  87. وَلَوْ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ حَيًّا وَمَيِّتًا، فَجَمِيعُ الْوَصِيَّةِ لِلْحَيِّ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَصْلُحُ مَحِلًّا لِوَضْعِ الْوَصِيَّةِ فِيهِ؛ وَلِهَذَا لَوْ أَوْصَى لِحَيٍّ وَمَيِّتٍ كَانَ كُلُّ الْوَصِيَّةِ لِلْحَيِّ، كَمَا لَوْ أَوْصَى لِآدَمِيٍّ وَحَائِطٍ وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.

  88. (وَمِنْهَا) أَنْ لَا يَكُونَ وَارِثُ الْمُوصِي وَقْتَ مَوْتِ الْمُوصِي،

  89. فَإِنْ كَانَ لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» وَفِي هَذَا حِكَايَةٌ، وَهِيَ مَا حُكِيَ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ الْأَعْمَشِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَانَ مَرِيضًا، فَعَادَهُ أَبُو حَنِيفَةَ رضي الله عنه فَوَجَدَهُ يُوصِي لِابْنَيْهِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: رضي الله عنه إنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ، فَقَالَ: وَلِمَ يَا أَبَا حَنِيفَةَ فَقَالَ: لِأَنَّكَ رَوَيْتَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» فَقَالَ سُلَيْمَانُ رحمه الله : يَا مَعْشَرَ الْفُقَهَاءِ أَنْتُمْ الْأَطِبَّاءُ وَنَحْنُ الصَّيَادِلَةُ.

  90. فَقَدْ نَفَى الشَّارِعُ عليه الصلاة والسلام أَنْ يَكُونَ لِوَارِثٍ وَصِيَّةٌ نَصًّا.

  91. وَأَشَارَ إلَى تَحَوُّلِ الْحَقِّ مِنْ الْوَصِيَّةِ إلَى الْمِيرَاثِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّا لَوْ جَوَّزْنَا الْوَصِيَّةَ لِلْوَرَثَةِ؛ لَكَانَ لِلْمُوصِي أَنْ يُؤْثِرَ بَعْضَ الْوَرَثَةِ، وَفِيهِ إيذَاءُ الْبَعْضِ وَإِيحَاشُهُمْ، فَيُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الرَّحِمِ، وَإِنَّهُ حَرَامٌ وَمَا أَفْضَى إلَى الْحَرَامِ، فَهُوَ حَرَامٌ دَفْعًا لِلتَّنَاقُضِ،

  92. ثُمَّ الشَّرْطُ أَنْ لَا يَكُونَ وَارِثُ الْمُوصِي وَقْتَ مَوْتِ الْمُوصِي لَا وَقْتَ الْوَصِيَّةِ حَتَّى لَوْ أَوْصَى لِأَخِيهِ وَلَهُ ابْنٌ وَقْتَ الْوَصِيَّةِ،

  93. ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي،

  94. ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ، وَهُوَ الْأَخُ صَارَ وَارِثَ الْمُوصِي عِنْدَ مَوْتِهِ وَلَوْ أَوْصَى لِأَخِيهِ وَلَا ابْنَ لَهُ وَقْتَ الْوَصِيَّةِ،

  95. ثُمَّ وُلِدَ لَهُ ابْنٌ،

  96. ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْأَخَ لَيْسَ بِوَارِثِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ لِصَيْرُورَتِهِ مَحْجُوبًا بِالِابْنِ.

  97. وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَتْ الْوِرَاثَةُ وَقْتَ مَوْتِ الْمُوصِي لَا وَقْتَ وَصِيَّتِهِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَيْسَتْ بِتَمْلِيكٍ لِلْحَالِ لِيُعْتَبَرَ كَوْنُهُ وَارِثًا وَقْتَ وُجُودِهَا، بَلْ هِيَ تَمْلِيكٌ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ عِنْدَ الْمَوْتِ،

  98. وَكَذَلِكَ الْهِبَةُ فِي الْمَرَضِ بِأَنْ وَهَبَ الْمَرِيضُ لِوَارِثِهِ شَيْئًا،

  99. ثُمَّ مَاتَ إنَّهُ يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ وَارِثًا لَهُ وَقْتَ الْمَوْتِ لَا وَقْتَ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّ هِبَةَ الْمَرِيضِ فِي مَعْنَى الْوَصِيَّةِ حَتَّى تُعْتَبَرَ مِنْ الثُّلُثِ.

  100. وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذْ أَوْصَى لِامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، وَهُوَ مَرِيضٌ أَوْ صَحِيحٌ،

  101. ثُمَّ تَزَوَّجَهَا إنَّهُ لَا يَصِحُّ،

  102. وَلَوْ أَقَرَّ الْمَرِيضُ لِامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ بِدَيْنٍ،

  103. ثُمَّ تَزَوَّجَهَا جَازَ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ إنَّمَا تَصِيرُ مِلْكًا عِنْدَ مَوْتِ الْمُوصِي فَيُعْتَبَرُ كَوْنُهَا وَارِثَةً لَهُ حِينَئِذٍ، وَهِيَ وَارِثَتُهُ عِنْدَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ فَلَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ (فَأَمَّا) الْإِقْرَارُ فَاعْتِبَارُهُ حَالَ وُجُودِهِ وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ حَالَ وُجُودِهِ فَاعْتِرَاضُ الزَّوْجِيَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُهُ

  104. وَكَذَا لَوْ وَهَبَ لَهَا هِبَةً فِي مَرَضِ مَوْتِهِ،

  105. ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَطَلَتْ الْهِبَةُ؛ لِأَنَّ تَبَرُّعَاتِ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ تُعْتَبَرُ بِالْوَصَايَا وَلَوْ أَوْصَى وَهُوَ مَرِيضٌ، أَوْ صَحِيحٌ لِابْنِهِ النَّصْرَانِيِّ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَارِثِهِ،

  106. فَلَوْ أَسْلَمَ الِابْنُ قَبْلَ مَوْتِهِ بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ لِمَا قُلْنَا أَنَّ اعْتِبَارَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَهُوَ وَارِثٌ بَعْدَ الْمَوْتِ،

  107. وَلَوْ أَقَرَّ الْمَرِيضُ بِدَيْنٍ لِابْنِهِ النَّصْرَانِيِّ،

  108. ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ رحمهم الله تَعَالَى وَعِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَصِحُّ (وَجْهُ) قَوْلِهِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْمَرْأَةِ أَنَّ الْإِقْرَارَ يُعْتَبَرُ حَالَ وُقُوعِهِ وَإِنَّهُ غَيْرُ وَارِثٍ وَقْتَ الْإِقْرَارِ، فَاعْتِرَاضُ الْوِرَاثَةِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُ الدَّيْنَ الثَّابِتَ، كَمَا قُلْنَا فِي الْمَرْأَةِ.

  109. (وَلَنَا) أَنَّ الْوِرَاثَةَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً عِنْدَ الْإِقْرَارِ لَكِنَّ سَبَبَهَا كَانَ قَائِمًا وَهُوَ الْقَرَابَةُ لَكِنْ لَمْ يَظْهَرْ عَمَلُهَا لِلْحَالِ لِمَانِعٍ، وَهُوَ الْكُفْرُ، فَعِنْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ يَلْحَقُ بِالْعَدَمِ مِنْ الْأَصْلِ، وَيُعْمَلُ السَّبَبُ مِنْ وَقْتِ وُجُودِهِ لَا مِنْ وَقْتِ زَاوَلَ الْمَانِعِ، كَمَا فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ إنَّ عِنْدَ سُقُوطِ الْخِيَارِ يُعْمَلُ السَّبَبُ، وَهُوَ الْبَيْعُ فِي الْحُكْمِ مِنْ، وَقْتِ وُجُودِهِ لَا مِنْ وَقْتِ

  110. سُقُوطِ الْخِيَارِ، وَالْجَامِعُ أَنَّ الْعَامِلَ عِنْدَ ارْتِفَاعِ الْمَانِعِ ذَاتَ الْبَيْعِ وَذَاتَ الْقَرَابَةِ فَتَسْتَنِدُ السَّبَبِيَّةُ إلَى وَقْتِ وُجُودِ ذَاتِهِ فَيَظْهَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ لِوَارِثِهِ فَلَمْ يَصِحَّ، أَوْ يُقَالُ إنَّ إقْرَارَ الْمَرِيضِ لِوَارِثِهِ إنَّمَا يُرَدُّ لِلتُّهْمَةِ، وَسَبَبُ التُّهْمَةِ وَقْتَ الْإِقْرَارِ مَوْجُودٌ، وَهُوَ الْقَرَابَةُ،

  111. بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَرَّ لِامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ،

  112. ثُمَّ تَزَوَّجَهَا؛ لِأَنَّ هُنَاكَ سَبَبَ الْقَرَابَةِ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا وَقْتَ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الزَّوْجِيَّةُ، وَلَمْ تَكُنْ وَقْتَ الْإِقْرَارِ، وَإِنَّمَا وُجِدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَبَعْدَ وُجُودِهَا لَا تَحْتَمِلُ الِاسْتِنَادَ، فَيُقْتَصَرُ عَلَى حَالِ وُجُودِهَا وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إقْرَارًا لِوَارِثِهِ فَيَصِحَّ، وَيَثْبُتَ الدَّيْنَ فِي ذِمَّتِهِ،

  113. فَلَا يَسْقُطُ بِحُدُوثِ الزَّوْجِيَّةِ، وَعَلَى التَّقْرِيبِ الثَّانِي لَمْ يُوجَدْ سَبَبُ التُّهْمَةِ وَقْتَ الْإِقْرَارِ فَيَصِحَّ،

  114. وَلَوْ كَانَ ابْنُهُ مُسْلِمًا، لَكِنَّهُ مَمْلُوكٌ، فَأَوْصَى لَهُ،

  115. ثُمَّ أُعْتِقَ، فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ أَوَانَ اعْتِبَارِ الْوَصِيَّةِ أَوَانَ الْمَوْتِ، وَهُوَ وَارِثُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ.

  116. وَلَوْ أَقَرَّ لَهُ بِالدَّيْنِ وَهُوَ مَرِيضٌ، أَوْ وَهَبَ لَهُ هِبَةً، فَقَبَضَهَا،

  117. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؛ جَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ كَانَ الْإِقْرَارُ وَالْهِبَةُ لِمَوْلَاهُ وَإِنَّهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْمُوصِي، فَجَازَ،

  118. وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ وَالْهِبَةَ يَقَعَانِ لَهُ لَا لِمَوْلَاهُ؛ لِأَنَّهُ يَقْضِي مِنْهُ دُيُونَهُ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْإِقْرَارَ كَانَ لِوَارِثِهِ مِنْ طَرِيقِ الِاسْتِنَادِ،

  119. فَلَا يَصِحُّ، أَوْ لَا يَصِحُّ لِقِيَامِ سَبَبِ شُبْهَةِ التُّهْمَةِ وَقْتَ الْإِقْرَارِ، كَمَا قُلْنَا فِي الْإِقْرَارِ لِابْنِهِ النَّصْرَانِيِّ إذَا أَسْلَمَ.

  120. وَلَوْ أَوْصَى لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ، فَأَجَازَ الْبَاقُونَ؛ جَازَتْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ الْجَوَازِ كَانَ لَحَقِّهِمْ لِمَا يَلْحَقُهُمْ مِنْ الْأَذَى وَالْوَحْشَةِ بِإِيثَارِ الْبَعْضِ،

  121. وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِجَازَةِ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ إلَّا أَنْ يُجِيزَهَا الْوَرَثَةُ» ،

  122. وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ وَلِأَجْنَبِيٍّ،

  123. فَإِنْ أَجَازَ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ؛ جَازَتْ الْوَصِيَّةُ لَهُمَا جَمِيعًا.

  124. وَكَانَ الثُّلُثُ بَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ وَبَيْنَ الْوَارِثِ نِصْفَيْنِ،

  125. وَإِنْ رَدُّوا، جَازَتْ فِي حِصَّةِ الْأَجْنَبِيِّ، وَبَطَلَتْ فِي حِصَّةِ الْوَارِثِ.

  126. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: يُصْرَفُ الثُّلُثُ كُلُّهُ إلَى الْأَجْنَبِيِّ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْوَصِيَّةِ فَالْتَحَقَتْ الْإِضَافَةُ إلَيْهِ بِالْعَدَمِ، كَمَا لَوْ أَوْصَى لِحَيٍّ وَمَيِّتٍ إنَّ الْوَصِيَّةَ كُلَّهَا لِلْحَيِّ لِمَا قُلْنَا كَذَا هَذَا وَهَذَا غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ لَيْسَتْ وَصِيَّةٌ بَاطِلَةٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ اتَّصَلَتْ بِهَا الْإِجَازَةُ جَازَتْ، وَالْبَاطِلُ لَا يَحْتَمِلُ الْجَوَازَ بِالْإِجَازَةِ، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْوَارِثَ مَحَلٌّ لِلْوَصِيَّةِ؛

  127. لِأَنَّ التَّصَرُّفَ الْمُضَافَ إلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ يَكُونُ بَاطِلًا دَلَّ أَنَّهُ مَحَلٌّ،

  128. وَأَنَّ الْإِضَافَةَ إلَيْهِ وَقَعَتْ صَحِيحَةً إلَّا أَنَّهَا تَبْطُلُ فِي حِصَّتِهِ بِرَدِّ الْبَاقِينَ،

  129. وَإِذَا وَقَعَتْ صَحِيحَةً، فَقَدْ أَوْصَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنِصْفِ الثُّلُثِ،

  130. ثُمَّ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِي حَقِّ الْوَارِثِ بِالرَّدِّ، فَبَقِيَتْ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ عَلَى حَالِهَا، كَمَا لَوْ أَوْصَى لِأَجْنَبِيَّيْنِ؛ فَرَدَّ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ،

  131. بِخِلَافِ الْمَرِيضِ إذَا أَقَرَّ بِدَيْنٍ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ وَلِأَجْنَبِيٍّ، كَمَا إذْ أَقَرَّ لَهُمَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَالْوَارِثُ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ تَصَادَقَا إنَّهُ لَا يَصِحُّ لَهُمَا الْإِقْرَارُ أَصْلًا لَا لِلْوَارِثِ،

  132. وَلَا لِلْأَجْنَبِيِّ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ، فَبُطْلَانُهُ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا لَا يُوجِبُ الْبُطْلَانَ فِي حَقِّ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ الشَّرِكَةَ، وَالْإِقْرَارُ لَهُمَا بِالدَّيْنِ إخْبَارٌ عَنْ دَيْنٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا،

  133. فَلَوْ صَحَّ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ؛ لَكَانَ فِيهِ قِسْمَةُ الدَّيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَأَنَّهَا بَاطِلَةٌ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ إخْبَارًا عَنْ دَيْنٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا فَالْوَارِثُ يُشَارِكُ الْأَجْنَبِيَّ فِيمَا يَقْبِضُ،

  134. ثُمَّ تَبْطُلُ حِصَّتُهُ وَفِيهِ إقْرَارٌ لِلْوَارِثِ وَأَنَّهُ بَاطِلٌ،

  135. بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ، فَإِنَّ الْوَارِثَ لَا يُشَارِكُ الْأَجْنَبِيَّ.

  136. وَإِذَا بَطَلَ الْإِقْرَارُ أَصْلًا تُقَسَّمُ التَّرِكَةُ بَيْن وَرَثَةِ الْمُقِرِّ فَمَا أَصَابَ الْوَارِثَ الْمُقِرَّ لَهُ مِنْ ذَلِكَ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ إلَى تَمَامِ الْإِقْرَارِ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ يَكُونُ لِلْوَارِثِ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا تَصَادَقَا،

  137. فَمِنْ زَعَمِهِمَا أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ دَيْنٌ عَلَى الْمَيِّتِ، وَالدَّيْنُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمِيرَاثِ هَذَا إذَا تَصَادَقَا،

  138. فَإِنْ تَكَاذَبَا، أَوْ أَنْكَرَ الْأَجْنَبِيُّ شَرِكَةَ الْوَارِثِ، أَوْ رَدَّ الْوَرَثَةُ إقْرَارَهُ فَالْإِقْرَارُ بَاطِلٌ أَيْضًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - لِمَا ذَكَرْنَا،

  139. وَإِذَا بَطَلَ كَانَ الْمَالُ مِيرَاثًا بَيْنَ وَرَثَةِ الْمُقِرِّ، فَمَا أَصَابَ الْوَارِثَ، فَهُوَ لَهُ كُلُّهُ وَلَا شَرِكَةَ لِلْأَجْنَبِيِّ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُكَذِّبُهُ فِي ذَلِكَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَصِحُّ إقْرَارُهُ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ، وَيَكُونُ لَهُ خَمْسُمِائَةٍ وَإِنْ كَانَ الْأَجْنَبِيُّ يُكَذِّبُ الْوَارِثَ، وَالْوَارِث يُصَدِّقُهُ فِي ذَلِكَ فَالْخَمْسمِائَةِ مِمَّا أَصَابَهُ لِلْأَجْنَبِيِّ؛

  140. لِأَنَّهُ لَمَّا صَدَّقَهُ الْوَارِثُ فَقَدْ أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَى الْمَيِّتِ خَمْسُمِائَةٍ دِينٌ وَأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمِيرَاثِ إلَّا أَنَّهُ ادَّعَى الشَّرِكَةَ فِيهِ وَهُوَ يُكَذِّبُهُ فِي الشَّرِكَةِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْأَجْنَبِيِّ، وَيَأْخُذُ تِلْكَ الْخَمْسمِائَةِ كُلَّهَا،

  141. وَلَوْ أَوْصَى لِعَبْدٍ وَارِثُهُ لَا يَصِحُّ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ.

  142. (أَمَّا) إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَقَعُ لِمَوْلَاهُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَقَعُ لَهُ، فَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِوَارِثِهِ،

  143. وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ؛ فَالْوَصِيَّةُ تَقَعُ لِمَوْلَاهُ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَقَطَ عَنْهُ الدَّيْنُ يَصِيرُ الْمُوصَى بِهِ لِلْوَارِثِ وَقْتَ الْوَصِيَّةِ فَكَانَ وَصِيَّةً لِلْوَارِثِ مِنْ

  144. وَجْهٍ، فَلَا تَصِحُّ إلَّا إذَا عَتَقَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، فَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ إيجَابُ الْمِلْكِ عِنْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، وَهُوَ كَانَ حُرًّا عِنْدَ مَوْتِهِ.

  145. وَكَذَا إذَا أَوْصَى لِعَبْدِ نَفْسِهِ فَأَعْتَقَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ لَهُ،

  146. فَإِنْ مَاتَ وَهُوَ عَبْدٌ بَطَلَتْ؛ لِأَنَّ وَصِيَّتَهُ لِمَوْلَاهُ وَمَوْلَاهُ وَارِثُهُ،

  147. وَلَوْ أَوْصَى لِمُكَاتَبِ وَارِثِهِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْوَصِيَّةِ تَحْصُلُ لِوَارِثِهِ فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ، فِي الْحَالِ بِأَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ، وَفِي الْمَآلِ بِالْعَجْزِ،

  148. وَلَوْ أَوْصَى لَمُكَاتَبِ نَفْسِهِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ (إمَّا) أَنْ يُعْتَقَ بِأَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ، فَيَصِيرَ أَجْنَبِيًّا، فَتَجُوزَ لَهُ الْوَصِيَّةُ (وَإِمَّا) أَنْ يَعْجَزَ وَيُرَدَّ فِي الرِّقِّ، فَيَصِيرَ مِيرَاثًا لِجَمِيعِ وَرَثَتِهِ لَا لِبَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ،

  149. فَلَا يَكُونُ فِي هَذِهِ الْوَصِيَّةِ إيثَارُ بَعْضِ الْوَرَثَةِ عَلَى بَعْضٍ، فَتَجُوزُ، كَمَا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِوَرَثَتِهِ.

  150. (وَمِنْهَا) أَنْ لَا يَكُونَ قَاتَلَ الْمُوصِي قَتْلًا حَرَامًا عَلَى سَبِيلِ الْمُبَاشَرَةِ،

  151. فَإِنْ كَانَ؛ لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ لَهُ عِنْدَنَا وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله وَقَالَ مَالِكٌ رحمه الله هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِلْقَاتِلِ، وَاحْتَجَّ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلَائِلِ لِجَوَازِ الْوَصِيَّةِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْقَاتِلِ وَغَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ، وَتَمَلُّكٌ وَالْقَتْلُ لَا يُنَافِي أَهْلِيَّةَ التَّمْلِيكِ.

  152. (وَلَنَا) مَا رُوِيَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: «لَا وَصِيَّةَ لِقَاتِلٍ» وَهَذَا نَصٌّ وَيُرْوَى أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ لِقَاتِلٍ شَيْءٌ» ذَكَرَ الشَّيْءَ نَكِرَةً فِي مَحَلِّ النَّفْيِ فَتَعُمُّ الْمِيرَاثَ وَالْوَصِيَّةَ جَمِيعًا وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْقَاتِلَ مَخْصُوصٌ عَنْ عُمُومَاتِ الْوَصِيَّةِ؛ وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ أُخْتُ الْمِيرَاثِ وَلَا مِيرَاثَ لِلْقَاتِلِ لِمَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ وَسَيِّدِنَا عَلِيٍّ رضي الله عنهما أَنَّهُمَا لَمْ يَجْعَلَا لِلْقَاتِلِ مِيرَاثًا وَعَنْ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَرِثُ قَاتِلٌ بَعْدَ صَاحِبِ الْبَقَرَةِ وَيُرْوَى لَا يُوَرَّثُ قَاتِلٌ بَعْدَ صَاحِبِ الْبَقَرَةِ.

  153. وَهَذَا مِنْهُ بَيَانٌ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ زَمَنِ سَيِّدِنَا مُوسَى عليه الصلاة والسلام إلَى زَمَنِ التَّابِعِينَ رضي الله عنهم عَلَى أَنَّهُ لَا مِيرَاثَ لِلْقَاتِلِ، وَذَكَر مُحَمَّدٌ رحمه الله هَذِهِ الْآثَارَ فِي الْأَصْلِ.

  154. وَقَالَ: وَالْوَصِيَّةُ عِنْدَنَا بِمَنْزِلَةِ ذَلِكَ لَا وَصِيَّةَ لِلْقَاتِلِ؛ وَلِأَنَّ الْوَرَثَةَ تَتَأَذَّى بِوَضْعِ الْوَصِيَّةِ فِي الْقَاتِلِ، كَمَا يَتَأَذَّى الْبَعْضُ بِوَضْعِهَا فِي الْبَعْضِ فَيُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الرَّحِمِ، وَإِنَّهُ حَرَامٌ؛ وَلِأَنَّ الْمَجْرُوحَ إذَا صَارَ صَاحِبَ فِرَاشٍ، فَقَدْ تَعَلَّقَ حَقُّ الْوَرَثَةِ بِمَالِهِ نَظَرًا لَهُمْ لِئَلَّا يُزِيلَ الْمُوَرِّثُ مِلْكَهُ إلَى غَيْرِهِمْ لِعَدَاوَةٍ، أَوْ أَذًى لَحِقَهُ مِنْ جِهَتِهِمْ فَيَتَضَرَّرُونَ بِذَلِكَ لَكِنْ مَعَ بَقَاءِ مِلْكِ الْمُورَثِ نَظَرًا لَهُ لِحَاجَتِهِ إلَى دَفْعِ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ وَسَبَبُ ثُبُوتِ حَقِّهِمْ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ مَا هُوَ سَبَبُ ثُبُوتِ مِلْكِهِمْ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَهُوَ الْقَرَابَةُ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَمْلِكَ التَّبَرُّعَ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ إلَّا أَنَّهُ مَلَكَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْقَاتِلِ وَالْوَارِثِ.

  155. بِخِلَافِ الْقِيَاسِ، فَيَبْقَى الْأَمْرُ فِيهِمَا عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ؛ وَلِأَنَّ الْقَتْلَ بِغَيْرِ حَقٍّ جِنَايَةٌ عَظِيمَةٌ، فَتَسْتَدْعِي الزَّجْرَ بِأَبْلَغِ الْوُجُوهِ، وَحِرْمَانُ الْوَصِيَّةِ يَصْلُحُ زَاجِرًا لِحِرْمَانِ الْمِيرَاثِ فَيَثْبُتُ وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ الْخَطَأَ قَتْلٌ وَإِنَّهُ جَازَ الْمُؤَاخَذَةُ عَلَيْهِ عَقْلًا وَسَوَاءٌ أَوْصَى لَهُ بَعْدَ الْجِنَايَةِ أَوْ قَبْلَهَا؛

  156. لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ إنَّمَا تَقَعُ تَمْلِيكًا بَعْدَ الْمَوْتِ فَتَقَعُ وَصِيَّةً لِلْقَاتِلِ تَقَدَّمَتْ الْجِنَايَةُ، أَوْ تَأَخَّرَتْ وَلَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِعَبْدِ الْقَاتِلِ كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ وَلَا لَمُكَاتَبِهِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي عَبْدِ الْوَارِثِ وَمُكَاتَبِهِ وَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِابْنِ الْقَاتِلِ وَلِأَبَوَيْهِ وَلِجَمِيعِ قَرَابَتِهِ؛

  157. لِأَنَّ مِلْكَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَصِلٌ عَنْ مِلْكِ صَاحِبِهِ،

  158. فَلَا تَكُونُ الْوَصِيَّةُ لِأَحَدِهِمَا وَصِيَّةً لِصَاحِبِهِ.

  159. وَلَوْ اشْتَرَكَ عَشَرَةٌ فِي قَتْلِ رَجُلٍ، فَأَوْصَى لِبَعْضِهِمْ بَعْدَ الْجِنَايَةِ لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَاتِلٌ عَلَى الْكَمَالِ حِينَ وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَكَانَتْ وَصِيَّةً لِقَاتِلِهِ، فَلَمْ تَصِحَّ،

  160. وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمْ عَبْدَ الْمُوصِي فَأَوْصَى لِبَعْضِهِمْ بَعْدَ الْجِنَايَةِ، وَأَعْتَقَ عَبْدَهُ،

  161. ثُمَّ مَاتَ، فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ،

  162. وَلَا يَبْطُلُ الْعِتْقُ، وَلَكِنَّ الْعَبْدَ يَسْعَى فِي قِيمَتِهِ (وَأَمَّا) بُطْلَانُ الْوَصِيَّةِ فَلِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَاتِلٌ، فَكَانَ الْمُوصَى لَهُ قَاتِلًا، فَلَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ لَهُ (وَأَمَّا) صِحَّةُ الْإِعْتَاقِ وَنَفَّاذُهُ فَفِيهِ ضَرْبُ إشْكَالٍ وَهُوَ أَنَّ الْإِعْتَاقَ حَصَلَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، وَالْإِعْتَاقُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَصِيَّةٌ، وَالْوَصِيَّةُ لِلْقَاتِلِ لَا تَصِحُّ، وَالْعَبْدُ قَاتِلٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْفُذَ إعْتَاقُهُ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدَهُمَا أَنَّ الْإِعْتَاقَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ لَيْسَ بِوَصِيَّةٍ حَقِيقَةً؛

  163. لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ وَالْإِعْتَاقُ إسْقَاطُ الْمِلْكِ وَإِزَالَتُهُ لَا إلَى أَحَدِهِمَا مُتَغَايِرَانِ بَلْ مُتَنَافِيَانِ حَقِيقَةً،

  164. وَكَذَا الْإِعْتَاقُ يُنْجَرُ حُكْمُهُ لِلْحَالِ وَحُكْمُ الْوَصِيَّةِ يَتَأَخَّرُ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَمْ يَكُنْ الْإِعْتَاقُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَصِيَّةً حَقِيقَةً إلَّا أَنَّهُ يُشْبِهُ الْوَصِيَّةَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ لَا غَيْرُ وَالثَّانِي إنْ كَانَ فِي مَعْنَى الْوَصِيَّةِ فَالْوَصِيَّةُ بِالْإِعْتَاقِ مَرْدُودَةٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى.

  165. وَإِنْ كَانَتْ نَافِذَةً صُورَةً أَلَا

  166. تَرَى أَنَّ الْعَبْدَ يَسْعَى فِي قِيمَتِهِ وَالسِّعَايَةُ قِيمَةُ الرَّقَبَةِ، فَكَانَتْ السِّعَايَةُ رَدًّا لِلْوَصِيَّةِ مَعْنًى، وَالْعِتْقُ بَعْدَ وُقُوعِهِ،

  167. وَإِنْ كَانَ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ صُورَةً يَحْتَمِلُهُ مَعْنًى بِرَدِّ السِّعَايَةِ الَّتِي هِيَ قِيمَةُ الرَّقَبَةِ.

  168. وَلَوْ أَوْصَى لِعَبْدِهِ بِالثُّلُثِ،

  169. ثُمَّ قَتَلَهُ الْعَبْدُ لَمْ تَصِحَّ وَصِيَّتُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ يُعْتَقُ، وَيَسْعَى فِي جَمِيعِ قِيمَتِهِ أَمَّا بُطْلَانُ الْوَصِيَّةِ فَلِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ لِلْقَاتِلِ.

  170. وَأَمَّا نَفَاذُ الْعِتْقِ فَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْقَاتِلِ لَيْسَتْ بِبَاطِلَةٍ، بَلْ هِيَ صَحِيحَةٌ أَلَا تَرَى أَنَّهَا تَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ،

  171. فَإِذَا أَوْصَى لَهُ بِثُلُثِ مَالِهِ، فَقَدْ أَوْصَى لَهُ بِثُلُثِ رَقَبَتِهِ؛ لِأَنَّ رَقَبَتَهُ مِنْ مَالِهِ، فَدَخَلَتْ تَحْتَ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ، فَلَمَّا مَاتَ الْمُوصَى مَلَكَ ثُلُثَ رَقَبَتِهِ وَتَمْلِيكُ ثُلُثِ رَقَبَتِهِ مِنْهُ يَكُونُ إعْتَاقًا لِثُلُثِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَيُعْتَقُ ثُلُثُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ،

  172. ثُمَّ يُنْقَضُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِرَدِّ السِّعَايَةِ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ نَصًّا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، أَوْ أَضَافَ الْعِتْقَ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ بِالتَّدْبِيرِ غَيْرَ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه وَقَعَتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ بِثُلُثِ الرَّقَبَةِ.

  173. لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ مُتَجَزِّئٌ عِنْدَهُ فَيُعْتَقُ ثُلُثُ رَقَبَتِهِ وَيَسْعَى فِي ثُلُثَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَقُ الْبَعْضِ وَيَسْعَى فِي ذَلِكَ الثُّلُثِ الَّذِي عَتَقَ رَدًّا لِلْوَصِيَّةِ مَعْنًى بِالسِّعَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا وَصِيَّةَ لِلْقَاتِلِ فَيُرَدُّ بِرَدِّ السِّعَايَةِ، وَعِنْدَهُمَا وَقَعَتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ بِكُلِّ الرَّقَبَةِ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ لَا يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُمَا،

  174. وَمَتَى عَتَقَ كُلُّهُ يَسْعَى فِي كُلِّ قِيمَتِهِ رَدًّا لِلْوَصِيَّةِ مَعْنًى فَاتَّفَقَ الْجَوَابُ، وَهُوَ السِّعَايَةُ فِي جَمِيعِ قِيمَتِهِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الطَّرِيقُ،

  175. وَلَوْ أَوْصَى لِلْقَاتِلِ، ثُمَّ أَجَازَتْ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّةَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصَى ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا، وَذَكَرَ فِي الزِّيَادَاتِ أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ، وَسَكَتَ عَنْ قَوْلِهِمَا، فَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ -، لِأَبِي يُوسُفَ مَا رَوَيْنَا عَنْهُ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: «لَا وَصِيَّةَ لِقَاتِلٍ» وَقَالَ عليه الصلاة والسلام «لَيْسَ لَقَاتِلٍ شَيْءٌ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ حَالِ الْإِجَازَةِ وَعَدَمِهَا.

  176. وَلِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الْجَوَازِ هُوَ الْقَتْلُ، وَالْإِجَازَةُ لَا تَمْنَعُ الْقَتْلَ، وَلَهُمَا أَنَّ امْتِنَاعَ الْجَوَازِ كَانَ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَأَذَّوْنَ بِوَضْعِ الْوَصِيَّةِ فِي الْقَاتِلِ أَكْثَرُ مِمَّا يَتَأَذَّى الْبَعْضُ بِإِيثَارِ الْبَعْضِ بِالْوَصِيَّةِ،

  177. ثُمَّ جَازَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْبَعْضِ بِإِجَازَةِ الْبَاقِينَ، فَهَهُنَا أَوْلَى، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمَانِعَ هُوَ حَقُّ الْوَرَثَةِ أَنَّ الْوَرَثَةَ يَنْتَفِعُونَ بِبُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ لِلْقَاتِلِ، وَحَقُّ الْإِنْسَانِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ،

  178. فَإِذَا جَازُوا، فَقَدْ زَالَ الْمَانِعُ، فَجَازَتْ؛ وَلِهَذَا جَازَتْ الْوَصِيَّةُ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ بِإِجَازَةِ الْبَاقِينَ كَذَا هَذَا،

  179. وَلَوْ كَانَ الْقَتْلُ قِصَاصًا لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلٍ حَرَامٍ.

  180. وَكَذَا لَوْ كَانَ الْقَاتِلُ صَبِيًّا؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ لَا يُوصَفُ بِالْحُرْمَةِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حِرْمَانُ الْمِيرَاثِ، فَكَذَا حِرْمَانُ الْوَصِيَّةِ.

  181. وَكَذَا الْقَتْلُ تَسْبِيبًا لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الْوَصِيَّةِ، كَمَا لَا يَمْنَعُ حِرْمَانَ الْمِيرَاثِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ.

  182. وَأَمَّا الْإِقْرَارُ لِلْقَاتِلِ بِالدَّيْنِ،

  183. فَإِنْ صَارَ صَاحِبَ فِرَاشٍ لَمْ يَجُزْ،

  184. وَإِنْ كَانَ يَذْهَبُ، وَيَجِيءُ؛ جَازَ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ فِي مَعْنَى الْوَصِيَّةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِوَارِثِهِ، كَمَا لَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ لَهُ،

  185. وَإِذَا كَانَ يَذْهَبُ، وَيَجِيءُ كَانَ فِي حُكْمِ الصَّحِيحِ فَيَجُوزُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لِوَارِثِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.

  186. وَكَذَا الْهِبَةُ فِي الْمَرَضِ فِي مَعْنَى الْوَصِيَّةِ،

  187. فَلَا تَصِحُّ لِلْقَاتِلِ، وَعَفْوُ الْمَرِيضِ عَنْ الْقَاتِلِ فِي دَمِ الْعَمْدِ جَائِزٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ حَالِ الْمَرَضِ وَالصِّحَّةِ؛ وَلِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ نَفَاذِ تَصَرُّفِ الْمَرِيضِ هُوَ تَعَلُّقُ حَقِّ الْوَرَثَةِ، أَوْ الْغُرَمَاءِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ حَقُّهُمْ بِالْمَالِ، وَالْقِصَاصُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَبِهَذَا عَلَّلَ فِي الْأَصْلِ،

  188. وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً؛ يَجُوزُ الْعَفْوُ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ الْخَطَأَ يُوجِبُ الْمَالَ، فَكَانَ عَفْوُهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ وَإِنَّهَا جَائِزَةٌ مِنْ الثُّلُثِ وَدَلَّتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ كُلَّهَا تَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ،

  189. وَلَا يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَمْ يَصِحَّ عَفْوُهُ مِنْ الثُّلُثِ فِي حِصَّةِ الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ وَصِيَّةً لِلْقَاتِلِ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ،

  190. وَلَا وَصِيَّةَ لِلْقَاتِلِ، وَلَمَّا جَازَ الْعَفْوُ هَهُنَا مِنْ الثُّلُثِ عُلِمَ أَنَّ الدِّيَةَ لَا تَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ حَتَّى تَكُونَ وَصِيَّةً لِعَاقِلَةِ الْقَاتِلِ،

  191. ثُمَّ الْوَصِيَّةُ لِلْقَاتِلِ إنَّمَا لَا تَجُوزُ إذَا لَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ،

  192. فَإِنْ أَجَازُوا؛ جَازَتْ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْأَصْلِ اخْتِلَافًا وَذَكَرَ فِي الزِّيَادَاتِ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ إنَّهَا لَا تَجُوزُ،

  193. وَإِنْ أَجَازَتْ الْوَرَثَةُ، وَسَكَتَ عَنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رحمهم الله تَعَالَى وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الْجَوَازِ هُوَ الْقَتْلُ، وَإِنَّهُ لَا يَنْعَدِمُ بِالْإِجَازَةِ؛ وَلِهَذَا حَرَّمَ الْمِيرَاثَ أَجَازَتْهُ الْوَرَثَةُ أَوْ لَا؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا قَتَلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ صَارَ كَالْحَرْبِيِّ وَالْوَصِيَّةُ لِلْحَرْبِيِّ لَا تَجُوزُ، أَجَازَتْ الْوَرَثَةُ أَمْ لَمْ تُجِزْ كَذَا الْقَاتِلُ وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ لِمَكَانِ حَقِّ الْوَرَثَةِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْوَصِيَّةِ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ، فَيَجُوزُ عِنْدَ إجَازَتِهِمْ، كَمَا جَازَتْ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ عِنْدَ إجَازَةِ الْبَاقِينَ

  194. بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ بِجَوَازِ الْوَصِيَّةِ لِلْقَاتِلِ وَهُوَ مَالِكٌ،

  195. وَلَا أَحَدٌ يَقُولُ بِجَوَازِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ، فَلَمَّا لَحِقَتْهَا الْإِجَازَةُ هُنَاكَ فَلَأَنْ تَلْحَقَهَا هَهُنَا أَوْلَى.

  196. وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ حَرْبِيًّا عِنْدَ مُسْتَأْمَنٍ،

  197. فَإِنْ كَانَ لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ؛ لِأَنَّ التَّبَرُّعَ بِتَمْلِيكِ الْمَالِ إيَّاهُ يَكُونُ إعَانَةً لَهُ عَلَى الْخَرَابِ، وَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ.

  198. وَأَمَّا كَوْنُهُ مُسْلِمًا، فَلَيْسَ بِشَرْطٍ حَتَّى لَوْ كَانَ ذِمِّيًّا، فَأَوْصَى لَهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ؛ جَازَ.

  199. وَكَذَا لَوْ أَوْصَى ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «فَإِذَا قَبِلُوا عَقْدَ الذِّمَّةِ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلِلْمُسْلِمِ» أَنْ يُوصِيَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا كَذَا لَهُمْ، وَسَوَاءٌ أَوْصَى لِأَهْلِ مِلَّتِهِ أَوْ لِغَيْرِ أَهْلِ مِلَّتِهِ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ؛ وَلِأَنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِ أَهْلِ مِلَّتِهِ لَا يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ الِاخْتِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَذَا لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الْوَصِيَّةِ، فَهَذَا أَوْلَى.

  200. وَإِنْ كَانَ مُسْتَأْمَنًا، فَأَوْصَى لَهُ مُسْلِمٌ، أَوْ ذِمِّيٌّ.

  201. ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ فِي عَهْدِنَا، فَأَشْبَهَ الذِّمِّيَّ الَّذِي هُوَ فِي عَهْدِنَا، وَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِلذِّمِّيِّ.

  202. وَكَذَا الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ بِقَوْلِ أَصْحَابِنَا رحمهم الله : أَشْبَهُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إنَّهُ لَا يَجُوزُ صَرْفُ الْكَفَّارَةِ وَالنَّذْرِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالْأُضْحِيَّةِ إلَى الْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَى الْحِرَابِ،

  203. وَيَجُوزُ صَرْفُهَا إلَى الذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّا مَا نُهِينَا عَنْ بِرِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ لِقَوْلِهِ سبحانه وتعالى ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ وَقِيلَ إنَّ فِي التَّبَرُّعِ عَلَيْهِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ بِالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ رِوَايَتَيْنِ عَنْ أَصْحَابِنَا، فَالْوَصِيَّةُ لَهُ عَلَى تِلْكَ الرِّوَايَتَيْنِ أَيْضًا

  204. وَكَذَا كَوْنُهُ مِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ لَيْسَ بِشَرْطٍ حَتَّى لَوْ أَوْصَى مُسْلِمٌ بِثُلُثِ مَالِهِ لِلْمَسْجِدِ أَنْ يُنْفَقَ عَلَيْهِ فِي إصْلَاحِهِ وَعِمَارَتِهِ وَتَجْصِيصِهِ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ قَصْدَ الْمُسْلِمِ مِنْ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ سبحانه وتعالى بِإِخْرَاجِ مَالِهِ إلَى اللَّهِ سبحانه وتعالى لَا التَّمْلِيكَ إلَى أَحَدٍ وَلَوْ أَوْصَى الْمُسْلِمُ لِبَيْعَةٍ أَوْ كَنِيسَةٍ بِوَصِيَّةٍ، فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ.

  205. وَلَوْ أَوْصَى الذِّمِّيُّ بِثُلُثِ مَالِهِ لِلْبَيْعَةِ، أَوْ لِكَنِيسَةٍ أَنْ يُنْفَقَ عَلَيْهَا فِي إصْلَاحِهَا.

  206. أَوْ أَوْصَى لِبَيْتِ النَّارِ أَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُذْبَحَ لِعِيدِهِمْ، أَوْ لِلْبَيْعَةِ أَوْ لِبَيْتِ النَّارِ ذَبِيحَةً جَازَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ، وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِي وَصَايَا أَهْلِ الذِّمَّةِ أَنَّهَا لَا تَخْلُو إمَّا إنْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ أَمْرًا، هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ، أَوْ كَانَ أَمْرًا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَنَا لَا عِنْدَهُمْ وَأَمَّا إنْ كَانَ أَمْرًا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَهُمْ لَا عِنْدَنَا.

  207. فَإِنْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ شَيْئًا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ بِإِنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ عَلَى فُقَرَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، أَوْ بِعِتْقِ الرِّقَابِ، أَوْ بِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَنَحْوِ ذَلِكَ جَازَ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ.

  208. وَإِنْ كَانَ شَيْئًا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَنَا وَلَيْسَ بِقُرْبَةٍ عِنْدَهُمْ بِأَنْ أَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ، أَوْ أَوْصَى أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَا يَجُوزُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَتَقَرَّبُونَ بِهِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَكَانَ مُسْتَهْزِئًا فِي وَصِيَّتِهِ، وَالْوَصِيَّةُ يُبْطِلُهَا الْهَزْلُ وَالْهَزْلُ،

  209. وَإِنْ كَانَ شَيْئًا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَهُمْ لَا عِنْدَنَا بِأَنْ أَوْصَى بِأَرْضٍ لَهُ تُبْنَى بَيْعَةً أَوْ كَنِيسَةً، أَوْ بَيْتَ نَارٍ أَوْ بِعِمَارَةِ الْبِيعَةِ، أَوْ الْكَنِيسَةِ، أَوْ بَيْتِ النَّارِ، أَوْ بِالذَّبْحِ لِعِيدِهِمْ، أَوْ لِلْبَيْعَةِ أَوْ لِبَيْتِ النَّارِ ذَبِيحَةً، فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَا إنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله يَجُوزُ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَصِيَّةٌ بِمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ، وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَعَاصِي لَا تَصِحُّ وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله إنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي وَصِيَّتِهِمْ مَا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَهُمْ لَا مَا هُوَ قُرْبَةٌ حَقِيقَةً؛

  210. لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ الْحَقِيقَةِ؛ وَلِهَذَا لَوْ أَوْصَى بِمَا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَنَا، وَلَيْسَ بِقُرْبَةٍ عِنْدَهُمْ لَمْ تَجُزْ وَصِيَّتُهُ كَالْحَجِّ وَبِنَاءِ الْمَسْجِدِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَدَلَّ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَا هُوَ قُرْبَةٌ عِنْدَهُمْ، وَقَدْ وُجِدَ وَلَكِنَّا أُمِرْنَا أَنْ لَا نَتَعَرَّضَ لَهُمْ فِيمَا يَدِينُونَ، كَمَا لَا نَتَعَرَّضُ لَهُمْ فِي عِبَادَةِ الصَّلِيبِ وَبَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فِيمَا بَيْنَهُمْ.

  211. وَلَوْ بَنَى الذِّمِّيُّ فِي حَيَّاتِهِ بَيْعَةً أَوْ كَنِيسَةً أَوْ بَيْتَ نَارٍ كَانَ مِيرَاثًا بَيْنَ وَرَثَتِهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا عَلَى اخْتِلَافِ الْمَذْهَبَيْنِ أَمَّا عَلَى أَصْلِهِمَا، فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ.

  212. وَأَمَّا عِنْدَهُ فَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَقْفِ وَالْمُسْلِمُ لَوْ جَعَلَ دَارًا وَقْفًا إنْ مَاتَ؛ صَارَتْ مِيرَاثًا كَذَا هَذَا،

  213. فَإِنْ قِيلَ لِمَ لَا يُجْعَلُ حُكْمُ الْبَيْعَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ كَحُكْمِ الْمَسْجِدِ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَالْجَوَابُ أَنَّ حَالَ الْمَسْجِدِ يُخَالِفُ حَالَ الْبَيْعَةِ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ صَارَ خَالِصًا لِلَّهِ تبارك وتعالى ، وَانْقَطَعَتْ عَنْهُ مَنَافِعُ الْمُسْلِمِينَ.

  214. وَأَمَّا الْبَيْعَةُ، فَإِنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى مَنَافِعِهِمْ، فَإِنَّهُ يَسْكُنُ فِيهَا أَسَاقِفَتُهُمْ وَيُدْفَنُ فِيهَا مَوْتَاهُمْ، فَكَانَتْ بَاقِيَةً عَلَى مَنَافِعِهِمْ، فَأَشْبَهَ الْوَقْفَ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْوَقْفُ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لَا يُزِيلُ مِلْكَ الرَّقَبَةِ عِنْدَهُ، فَكَذَا هَذَا.

  215. وَلَوْ أَوْصَى مُسْلِمٌ بِغَلَّةِ جَارِيَتِهِ أَنْ تَكُونَ فِي نَفَقَةِ الْمَسْجِدِ وَمُؤْنَتِهِ

  216. فَانْهَدَمَ الْمَسْجِدُ، وَقَدْ اجْتَمَعَ مِنْ غَلَّتِهَا شَيْءٌ أُنْفِقَ ذَلِكَ فِي بِنَائِهِ؛ لِأَنَّهُ بِالِانْهِدَامِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَسْجِدًا، وَقَدْ أَوْصَى لَهُ بِغَلَّتِهَا، فَتُنْفَقُ فِي بِنَائِهِ وَعِمَارَتِهِ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.

  217. وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ مَمْلُوكًا لِلْمُوصِي إذَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِدَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ مُسَمَّاةٍ، أَوْ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْ مَالِهِ سِوَى رَقَبَةِ الْعَبْدِ حَتَّى لَوْ أَوْصَى لِعَبْدِهِ بِدَرَاهِمَ، أَوْ دَنَانِيرَ مُسَمَّاةٍ، أَوْ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْ مَالِهِ سِوَى رَقَبَةِ الْعَبْدِ لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ؛

  218. لِأَنَّهُ إذْ ذَاكَ يَكُونُ مُوصِيًا لِنَفْسِهِ،

  219. وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ رَقَبَتِهِ بِأَنْ أَوْصَى لَهُ بِثُلُثِ رَقَبَتِهِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَهُ بِثُلُثِ رَقَبَتِهِ تَمْلِيكُ ثُلُثِ رَقَبَتِهِ مِنْهُ، وَتَمْلِيكُ نَفْسِ الْعَبْدِ مِنْهُ يَكُونُ إعْتَاقًا، فَيَصِيرُ ثُلُثُهُ مُدَبَّرَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَهُمَا يَصِيرُ كُلُّهُ مُدَبَّرًا؛

  220. لِأَنَّ التَّدْبِيرَ يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُ كَالْإِعْتَاقِ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَتَجَزَّأُ.

  221. وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِثُلُثِ مَالِهِ؛ جَازَتْ وَصِيَّتُهُ، وَعَتَقَ ثُلُثُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّ رَقَبَتَهُ دَخَلَتْ فِي الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا مَالُهُ، فَوَقَعَتْ الْوَصِيَّةُ عَلَيْهَا وَعَلَى سَائِرِ أَمْلَاكِهِ،

  222. ثُمَّ يُنْظَرُ إنْ كَانَ مَالُهُ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ يُنْظَرُ إلَى ثُلُثِي الْعَبْدِ،

  223. فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ ثُلُثِي الْعَبْدِ مِثْلَ مَا وَجَبَ لَهُ فِي سَائِرِ أَمْوَالِهِ صَارَ قِصَاصًا،

  224. وَإِنْ كَانَ فِي الْمَالِ زِيَادَةٌ تُدْفَعُ إلَيْهِ الزِّيَادَةُ،

  225. وَإِنْ كَانَ فِي ثُلُثِي قِيمَةِ الْعَبْدِ زِيَادَةٌ تُدْفَعُ الزِّيَادَةُ إلَى الْوَرَثَةِ،

  226. وَإِنْ كَانَتْ التَّرِكَةُ عُرُوضًا لَا تَصِيرُ قِصَاصًا إلَّا بِالتَّرَاضِي لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْعَى فِي ثُلُثِي قِيمَتِهِ، وَلَهُ الثُّلُثُ مِنْ سَائِرِ أَمْوَالِهِ، وَلِلْوَرَثَةِ أَنْ يَبِيعُوا الثُّلُثَ مِنْ سَائِرِ أَمْوَالِهِ حَتَّى تَصِلَ إلَيْهِمْ السِّعَايَةُ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه وَأَمَّا عِنْدَهُمَا صَارَ كُلُّهُ مُدَبَّرًا،

  227. فَإِذَا مَاتَ عَتَقَ كُلُّهُ وَيَكُونُ الْعِتْقُ مُقَدَّمًا عَلَى سَائِرِ الْوَصَايَا.

  228. فَإِنْ زَادَ الثُّلُثُ عَلَى مِقْدَارِ قِيمَتِهِ، فَعَلَى الْوَرَثَةِ أَنْ يَدْفَعُوا إلَيْهِ،

  229. فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْعَى فِي الْفَضْلِ وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.

  230. وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ مَجْهُولًا جَهَالَةً لَا يُمْكِنُ إزَالَتُهَا،

  231. فَإِنْ كَانَ لَمْ تَجُزْ الْوَصِيَّةُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ الَّتِي لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهَا تَمْنَعُ مِنْ تَسْلِيمِ الْمُوصَى بِهِ إلَى الْمُوصَى لَهُ،

  232. فَلَا تُفِيدُ الْوَصِيَّةُ وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ مِنْ النَّاسِ إنَّهُ لَا يَصِحُّ بِلَا خِلَافٍ،

  233. وَلَوْ أَوْصَى لِأَحَدِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ لَا يَصِحُّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه .

  234. وَعِنْدَهُمَا يَصِحُّ غَيْرَ أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله الْوَصِيَّةُ تَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رحمه الله الْخِيَارُ إلَى الْوَارِثِ يُعْطَى أَيُّهُمَا شَاءَ.

  235. (وَجْهُ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْإِيجَابَ وَقَعَ صَحِيحًا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا، وَلَكِنَّ هَذِهِ جَهَالَةٌ تُمْكِنُ إزَالَتُهَا أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُوصِي لَوْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا حَالَ حَيَّاتِهِ لَتَعَيَّنَ،

  236. ثُمَّ إنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ: لَمَّا مَاتَ عَجَزَ عَنْ التَّعْيِينِ بِنَفْسِهِ، فَيَقُومُ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي التَّعْيِينِ وَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: لَمَّا مَاتَ قَبْلَ التَّعْيِينِ شَاعَتْ الْوَصِيَّةُ لَهُمَا، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ كَمَنْ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ،

  237. ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ إنَّ الْعِتْقَ يَشِيعُ فِيهِمَا جَمِيعًا فَيَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ كَذَا هَهُنَا يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الْوَصِيَّةِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَتَسْتَدْعِي كَوْنَ الْمُوصَى لَهُ مَعْلُومًا عِنْدَ الْمَوْتِ وَالْمُوصَى لَهُ عِنْدُ الْمَوْتِ مَجْهُولٌ، فَلَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ مِنْ الْأَصْلِ، كَمَا لَوْ أَوْصَى لِوَاحِدٍ مِنْ النَّاسِ فَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِالشُّيُوعِ وَلَا يُقَامُ الْوَارِثُ مَقَامَ الْمُوصِي فِي الْبَيَانِ؛

  238. لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ الْإِيجَابِ الصَّحِيحِ.

  239. وَلَمْ يَصِحَّ إلَّا أَنَّ الْمُوصِي لَوْ بَيَّنَ الْوَصِيَّةَ فِي أَحَدِهِمَا حَالَ حَيَاتِهِ صَحَّتْ؛ لِأَنَّ الْبَيَانَ إنْشَاءُ الْوَصِيَّةِ لِأَحَدِهِمَا فَكَانَ وَصِيَّةً مُسْتَأْنَفَةً لِأَحَدِهِمَا عَيْنًا، وَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ.

  240. وَلَوْ كَانَ عَبْدَانِ فَأَوْصَى بِأَرْفَعِهِمَا لِرَجُلٍ وَبِأَخَسِّهِمَا لِآخَرَ،

  241. ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ،

  242. وَلَا يُدْرَى أَيُّهُمَا هُوَ فَالْوَصِيَّةُ بَطَلَتْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - اجْتَمَعَا عَلَى أَخْذِ الْبَاقِي أَوْ لَمْ يَجْتَمِعَا.

  243. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رحمه الله : إنْ اجْتَمَعَا عَلَى أَخْذِ الْبَاقِي، فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ،

  244. وَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعَا عَلَى أَخْذِهِ، فَلَا شَيْءَ لَهُمَا.

  245. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ اجْتَمَعَا، أَوْ لَمْ يَجْتَمِعَا، وَعَلَى هَذَا يُخْرِجُ الْوَصِيَّةَ لِقَوْمٍ لَا يُحْصَوْنَ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي اللَّفْظِ مَا يُنْبِئُ عَنْ الْحَاجَةِ،

  246. وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا يُنْبِئُ عَنْ الْحَاجَةِ، فَالْوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا كَانُوا لَا يُحْصَوْنَ.

  247. وَلَمْ يَذْكُرْ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْحَاجَةِ، وَقَعَتْ الْوَصِيَّةُ تَمْلِيكًا مِنْهُمْ، وَهُمْ مَجْهُولُونَ، وَالتَّمْلِيكُ مِنْ الْمَجْهُولِ جَهَالَةٌ لَا يُمْكِنُ إزَالَتُهَا لَا يَصِحُّ،

  248. ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الْإِحْصَاءِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ إنْ كَانُوا لَا يُحْصَوْنَ إلَّا بِكِتَابٍ أَوْ حِسَابٍ فَهُمْ لَا يُحْصَوْنَ.

  249. وَقَالَ مُحَمَّدٌ إنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ فَهُمْ لَا يُحْصَوْنَ،

  250. وَقِيلَ إنْ كَانُوا بِحَيْثُ لَا يَحْصِيهِمْ مُحْصٍ حَتَّى يُولَدَ مِنْهُمْ مَوْلُودٌ، وَيَمُوتَ مِنْهُمْ مَيِّتٌ، فَهُمْ لَا يُحْصَوْنَ،

  251. وَقِيلَ يُفَوَّضُ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي،

  252. وَإِنْ كَانَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْحَاجَةِ كَانَ وَصِيَّتُهُ بِالصَّدَقَةِ، وَهِيَ إخْرَاجُ الْمَالِ إلَى اللَّهِ سبحانه وتعالى ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى ، وَاحِدٌ مَعْلُومٌ فَصَحَّتْ

  253. الْوَصِيَّةُ، ثُمَّ إذَا صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ فَالْأَفْضَلُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُعْطِيَ الثُّلُثَ لِمَنْ يَقْرُبُ إلَيْهِمْ مِنْهُمْ،

  254. فَإِنْ جَعَلَهُ فِي، وَاحِدٍ فَمَا زَادَ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُعْطِيَ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ فَصَاعِدًا،

  255. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ وَاحِدًا إلَّا نِصْفَ الْوَصِيَّةِ، وَبَيَانُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي مَسَائِلَ إذَا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِلْمُسْلِمِينَ لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يُحْصَوْنَ، وَلَيْسَ فِي لَفْظِ الْمُسْلِمِينَ مَا يُنْبِئُ عَنْ الْحَاجَةِ فَوَقَعَتْ الْوَصِيَّةُ تَمْلِيكًا مِنْ مَجْهُولٍ، فَلَمْ تَصِحَّ.

  256. وَلَوْ أَوْصَى لِفُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ لِمَسَاكِينِهِمْ صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُمْ،

  257. وَإِنْ كَانُوا لَا يُحْصَوْنَ لَكِنْ عِنْدَهُمْ اسْمُ الْفَقِيرِ.

  258. وَالْمِسْكِينِ يُنْبِئُ عَنْ الْحَاجَةِ، فَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ لَهُمْ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَبَارَكَ، وَتَعَالَى طَلَبًا لِمَرْضَاتِهِ لَا لِمَرْضَاةِ الْفَقِيرِ، فَيَقَعُ الْمَالُ لِلَّهِ تَعَالَى عز وجل ،

  259. ثُمَّ الْفُقَرَاءُ يَتَمَلَّكُونَ بِتَمْلِيكِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْهُمْ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى عَزَّ شَأْنُهُ وَاحِدٌ مَعْلُومٌ؛ وَلِذَا كَانَ إيجَابُ الصَّدَقَةِ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى مِنْ الْأَغْنِيَاءِ عَلَى الْفُقَرَاءِ صَحِيحًا،

  260. وَإِنْ كَانُوا لَا يُحْصَوْنَ،

  261. وَإِذَا صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ، فَلَوْ صَرَفَ الْوَصِيُّ جَمِيعَ الثُّلُثِ إلَى فَقِيرٍ وَاحِدٍ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.

  262. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُعْطِيَ مِنْهُمْ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا،

  263. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ وَاحِدًا مِنْهُمْ إلَّا نِصْفُ الثُّلُثِ وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ إنَّ الْفُقَرَاءَ اسْمُ جَمْعٍ، وَأَقَلُّ الْجَمْعِ الصَّحِيحِ ثَلَاثَةٌ إلَّا أَنَّهُ أَقَامَ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ الِاثْنَيْنِ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ يَقُومَانِ مَقَامَ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ أُخْتُ الْمِيرَاثِ.

  264. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَقَامَ الثِّنْتَيْنِ مِنْ الْبَنَاتِ مَقَامَ الثَّلَاثِ مِنْهُنَّ فِي اسْتِحْقَاقِ الثُّلُثَيْنِ.

  265. وَكَذَا الِاثْنَانِ مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ يَقُومَانِ مَقَامَ الثَّلَاثِ فِي نَقْصِ حَقِّ الْأُمِّ مِنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ،

  266. وَلَا دَلِيلَ عَلَى قِيَامِ الْوَاحِدِ مَقَامَ الْجَمَاعَةِ مَعَ مَا أَنَّ الْجَمْعَ مَأْخُوذٌ مِنْ الِاجْتِمَاعِ، وَأَقَلُّ مَا يَحْصُلُ بِهِ الِاجْتِمَاعُ اثْنَانِ، وَمُرَاعَاةُ مَعْنَى الِاسْمِ، وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ، وَلَهُمَا أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الْوَصِيَّةِ، وَصِيَّةٌ بِالصَّدَقَةِ، وَهِيَ إلْزَامُ الْمَالِ حَقًّا لِلَّهِ تبارك وتعالى ، وَجِنْسُ الْفُقَرَاءِ مَصْرِفٌ مَا يَجِبُ لِلَّهِ عز وجل مِنْ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ، فَكَانَ ذِكْرُ الْفُقَرَاءِ لِبَيَانِ الْمَصْرِفِ لَا لِإِيجَابِ الْحَقِّ لَهُمْ، فَيَجِبُ الْحَقُّ لِلَّهِ تبارك وتعالى ،

  267. ثُمَّ يُصْرَفُ إلَى مَنْ ظَهَرَ رِضَا اللَّهِ سبحانه وتعالى بِصَرْفِ حَقِّهِ الْمَآلُ إلَيْهِ، وَقَدْ حَصَلَ بِصَرْفِهِ إلَى، فَقِيرٍ وَاحِدٍ؛ وَلِهَذَا جَازَ صَرْفُ مَا وَجَبَ مِنْ الصَّدَقَاتِ الْوَاجِبَةِ بِإِيجَابِ اللَّهِ عز وجل إلَى فَقِيرٍ وَاحِدٍ،

  268. وَإِنْ كَانَ الْمَذْكُورُ بِلَفْظِ الْجَمَاعَةِ بِقَوْلِهِ تبارك وتعالى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ .

  269. وَقَدْ خَرَجَ الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ رحمه الله عَلَى أَنَّ مُرَاعَاةَ مَعْنَى الْجَمْعِ إنَّمَا تَجِبُ عِنْدَ الْإِمْكَانِ،

  270. فَأَمَّا عِنْدَ التَّعَذُّرِ، فَلَا بَلْ يُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلَى مُطْلَقِ الْجِنْسِ كَمَا فِي قَوْلِهِ، وَاَللَّهِ لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَوْلِهِ إنْ كَلَّمْتُ بَنِي آدَمَ، أَوْ إنْ اشْتَرَيْتُ الْعَبِيدَ إنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْجِنْسِ،

  271. وَلَا يُرَاعَى فِيهِ مَعْنَى الْجَمْعِ حَتَّى يَحْنَثَ بِوُجُودِ الْفِعْلِ مِنْهُ فِي وَاحِدٍ مِنْ الْجِنْسِ، وَهَهُنَا لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ مَعْنَى الْجَمْعِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا غَايَةَ لَهُ،

  272. وَلَا نِهَايَةَ، فَيُحْمَلُ عَلَى الْجِنْسِ،

  273. بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى لِمَوَالِيهِ، وَلَهُ مَوْلًى وَاحِدٌ أَنَّهُ لَا يُصْرَفُ كُلُّ الثُّلُثِ إلَيْهِ بَلْ نِصْفُهُ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ مَا الْتَزَمَ الْمَالَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى عز وجل بَلْ مَلَّكَهُ لِلْمَوَالِي، وَهُوَ اسْمُ جَمْعٍ،

  274. فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهِ.

  275. وَكَذَا ذَلِكَ الْجَمْعُ لَهُ غَايَةٌ وَنِهَايَةٌ، فَكَانَ اعْتِبَارُ مَعْنَى الْجَمْعِ مُمْكِنًا،

  276. فَلَا ضَرُورَةَ إلَى الْحَمْلِ عَلَى الْجِنْسِ، بِخِلَافِ جَمْعِ الْفُقَرَاءِ.

  277. وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى لِفُقَرَاءِ بَنِي فُلَانٍ دُونَ أَغْنِيَائِهِمْ، وَبَنُو فُلَانٍ قَبِيلَةٌ لَا تُحْصَى،

  278. وَلَا يُحْصَى فُقَرَاؤُهُمْ، فَالْوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ لِمَا قُلْنَا بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَمَّا صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ لِفُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ كَثْرَتِهِمْ، فَلَأَنْ تَصِحَّ لِفُقَرَاءِ الْقَبِيلَةِ أَوْلَى.

  279. فَإِنْ لَمْ يَقُلْ لِفُقَرَائِهِمْ، وَلَكِنَّهُ أَوْصَى لِبَنِي فُلَانٍ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ، فَهَذَا لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ، وَجْهَيْنِ: (إمَّا) إنْ كَانَ فُلَانٌ أَبَا قَبِيلَةٍ.

  280. (وَإِمَّا) إنْ لَمْ يَكُنْ أَبَا قَبِيلَةٍ بَلْ هُوَ رَجُلٌ مِنْ النَّاسِ يُعْرَفُ بِأَبِي فُلَانٍ فَإِنْ كَانَ أَبَا قَبِيلَةٍ مِثْلَ تَمِيمٍ، وَأَسَدٍ، وَوَائِلٍ،

  281. فَإِنْ كَانَ بَنُوهُ يُحْصَوْنَ؛ جَازَتْ الْوَصِيَّةُ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا كَانُوا يُحْصَوْنَ، فَقَدْ قَصَدَ الْمُوصِي تَمْلِيكَ الْمَالِ مِنْهُمْ لَا الْإِخْرَاجَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَكَانَ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ مَعْلُومًا، فَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ، كَمَا لَوْ أَوْصَى لِأَغْنِيَاءِ بَنِي فُلَانٍ، وَهُمْ يُحْصَوْنَ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ؛

  282. لِأَنَّ الْإِضَافَةَ إلَى أَبُ الْقَبِيلَةِ إضَافَةُ النِّسْبَةِ كَالْإِضَافَةِ إلَى الْقَبِيلَةِ أَلَا يُرَى أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ هَذِهِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، كَمَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ هَذَا الرَّجُلُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مِنْ يُنْتَسَبُ إلَى فُلَانٍ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا؛

  283. لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يُنْبِئُ عَنْ الْحَاجَةِ، وَصَارَ، كَمَا لَوْ أَوْصَى لِقَبِيلَةِ فُلَانٍ،

  284. وَلَوْ كَانَ لِبَنِي فُلَانٍ مَوَالِي عَتَاقَةٌ يَدْخُلُونَ فِي الْوَصِيَّةِ،

  285. وَكَذَا مَوَالِي مَوَالِيهِمْ وَحُلَفَائِهِمْ وَعَبِيدِهِمْ.

  286. وَكَذَا لَوْ كَانَ لَهُمْ مَوَالِي الْمُوَالَاةِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ بَنِي فُلَانٍ إذَا كَانَ فُلَانٌ أَبَا قَبِيلَةٍ هُوَ الْقَبِيلَةُ لَا أَبْنَاؤُهُ حَقِيقَةً، فَكَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى هَذِهِ الْقَبِيلَةِ، وَالْمُنْتَمُونَ إلَيْهِمْ، وَالْحُلَفَاءُ، وَالْمَوَالِي

  287. يَنْتَسِبُونَ إلَى الْقَبِيلَةِ، وَيَنْتَمُونَ إلَيْهِمْ فِي الْعُرْفِ، وَالشَّرْعِ قَالَ: عليه الصلاة والسلام «مَوَالِي الْقَوْمِ مِنْهُمْ» .

  288. وَفِي رِوَايَةٍ «مَوَالِي الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَحَلِيفُهُمْ مِنْهُمْ» .

  289. وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ فِي جُمْلَةِ ذَلِكَ: وَعَبِيدُهُمْ مِنْهُمْ؛ وَلِأَنَّ بَنِي فُلَانٍ إذَا كَانُوا لَا يُحْصَوْنَ سَقَطَ اعْتِبَارُ حَقِيقَةِ الْبُنُوَّةِ، فَصَارَ عِبَارَةً عَمَّنْ يَقَعُ بِهِمْ لَهُمْ التَّنَاصُرُ، وَالْمَوَالِي يَقَعُ بِهِمْ لَهُمْ التَّنَاصُرُ.

  290. وَكَذَا الْحَلِيفُ، وَالْعَدِيدُ إذْ الْحَلِيفُ هُوَ الَّذِي حَلَفَ لِلْقَبِيلَةِ أَنَّهُ يَنْصُرُهُمْ، وَيَذُبُّ عَنْهُمْ كَمَا يَذُبُّ عَنْ نَفْسِهِ، وَهُمْ حَلَفُوا لَهُ كَذَلِكَ، وَالْعَدِيدُ هُوَ الَّذِي يَلْحَقُ بِهِمْ مِنْ غَيْرِ حَلِفٍ.

  291. وَلَوْ أَوْصَى لِقَبِيلَةِ فُلَانٍ دَخَلَ فِيهِ الْمَوَالِي؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْقَبِيلَةِ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ إلَيْهِ وَالْمَوَالِي يُنْسَبُونَ إلَيْهِ هَذَا إذَا كَانُوا يُحْصَوْنَ،

  292. فَإِنْ كَانُوا لَا يُحْصَوْنَ لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِمَا قُلْنَا فِي الْوَصِيَّةِ لِبَنِي فُلَانٍ،

  293. بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى لِبَنِي فُلَانٍ، وَهُمْ يُحْصَوْنَ، وَفُلَانٌ أَبٌ خَاصٌّ لَهُمْ، وَلَيْسَ بِأَبِي قَبِيلَةٍ حَيْثُ كَانَ الثُّلُثُ لِبَنِي صُلْبِهِ،

  294. وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ مَوَالِيهِ؛ لِأَنَّهُ مَا جَرَى الْعُرْفُ هُنَاكَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ الْمُنْتَسِبَ إلَيْهِمْ، فَبَقِيَتْ اللَّفْظَةُ مَحْمُولَةً عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ وَلِهَذَا لَا يَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ بَنُو بَنِيهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ أَنَّ زَيْدًا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَا يَقُولُ الْمُعْتَقُ أَنَا مِنْ بَنِي زَيْدٍ إذَا كَانَ زَيْدٌ أَبًا خَاصًّا،

اعرض ١٬٣٢١ مسألة أخرى
المالكية
كتاب آخر
تحفة الحكامابن عاصم، ٢٥ مسألة
  1. فصل في الوصية وما يَجْري مجراها

  2. في ثُلُثِ المالِ فأَدْنَى في الْمَرَضْأَوْ صِحَّةٍ وصيَّةٌ لا تُعْتَرَضْ

  3. حتى من السَّفيهِ والصَّغيرِإنْ عَقَلَ القُرْبَةَ في الأُمورٍ

  4. العَبْدُ لا تَصِحُّ مِنْهُ مُطْلَقَاوَهْيَ مِنَ الكُفَّارِ لَيْسَتْ تُتَّقَى

  5. وَهْيَ لِمَنْ تَمَلُّكٌ مِنْهُ يَصِحْحتى لِحَمْلٍ واضِحٍ أوْ لَمْ يَضِحْ

  6. لكِنَّهَا تَبْطُلُ إنْ لم يَسْتَهلْوَللعبيدِ دونَ إِذْنٍ تَسْتَقِلْ

  7. وَلَيْسَ مِنْ شَيْءٍ لِمَنْ يوصَى لَهُإلاَّ إذا المُوصِي يَموتُ قَبْلَهُ

  8. وَهْيَ بمَا يُمْلَكُ حتى الثَّمَروالدَّيْنِ والْحَمْلِ وَإنْ لَم يَظْهَر

  9. وامْتَنَعَتْ لِوارِثٍ إلاّ مَتَىإنْقاذُ باقي الْوارِثين ثَبَتا

  10. وَللَّذِي أَوْصَى ارْتجَاعُ مَا يَرَىمِنْ غَيْرِ ما بَتَّلَ أَوْ مَا دَبَّرَا

  11. وفي الذي عَلِمَ موصٍ تُجْعَلُوَدَيْنٍ مَنْ عَنِ اليَمينِ يَنْكُلُ

  12. وَصُحِّحَتْ لِوَلَدِ الأَوْلادِوالأَبُ للميراثِ بالْمِرْصادِ

  13. وَإنْ أبٌ مِنْ مالِهِ قَدْ أَنْفَقَاعَلَى ابْنِهِ في حَجْرِهِ تَرَفَّقَا

  14. فجائِزٌ رُجوعُهُ في الحالعَلَيْهِ مِنْ حينِ اكْتِسابِ الْمَال

  15. وَإِنْ يَمُتْ والمالُ عَيْنٌ باقيوَطالَبَ الوارِثُ بالإنفاقِ

  16. فمَا لهم إليه مِنْ سبيلِوَهْوَ للابْنِ دونَ ما تَعْليلِ

  17. إلاَّ إذا أوْصَى عَلَى الحِسابِوَقَيَّدَ الإنفاقَ بالْكتابِ

  18. وَإنْ يَكُنْ عَرْضًا وكانَ عِنْدَهُفلَهُمُ الرّجوعُ فيهِ بعده

  19. إلاّ إذا ما قال لا تُحاسَبواوتَرَكَ الكَتْبَ فَلَنْ يُطالِبوا

  20. وكالْعُروضِ الْحيوانُ مُطْلَقَافيه الرُّجوعُ بالذي قدْ أَنْفَقَا

  21. وإنْ يَكُنْ عَيْنًا وَرَسْمًا أَصْدَرَابِأَنَّهُ ذمَّتَهُ قدْ عَمَّرَا

  22. فمَا تَحاسُبٌ لِمُسْتَحِقِّوَهُو كالحاضِرِ دون فَرْقِ

  23. وإنْ يَكُنْ في مالِهِ قَدْ أدْخَلَهْمِنْ غَيْرِ إشْهادٍ بِذاكَ أَعْمَلَهْ

  24. مَعْ عِلْمِ أصْله فههُنا يَجِبْرجوعُ وارثٍ بإنفاق طلِب

  25. وغيرُ مَقْبوضٍ عَلَى الإطلاقِكالعَرْضِ في الرُّجوعِ باتِّفاقِ

  26. ومَوْتُ الإبْنِ حُكْمُهُ كَمَوْتِ الأَبْوقيلَ في يُسْرِ أَبٍ حَلْفٌ وَجَبْ

الشافعية
كتاب آخر
منهاج الطالبينالنووي، ١٩٣ مسألة
كتاب الوصايا١٩٣ مسألة
  1. تصح وصية كل مكلف حر وإن كان كافرا

  2. وكذا محجور عليه بسفه على المذهب

  3. لا مجنون

  4. ولا مغمى عليه وصبي

  5. وفي قول تصح من صبي مميز

  6. ولا رقيق

  7. وقيل: إن عتق ثم مات صحت

  8. وإذا وصى لجهة عامة فالشرط أن لا تكون معصية كعمارة كنيسة

  9. أو لشخص فالشرط أن يتصور له الملك

  10. فتصح لحمل

  11. وتنفذ إن انفصل حيا وعلم وجوده عندها بأن انفصل لدون ستة أشهر

  12. فإن انفصل لستة أشهر فأكثر والمرأة فراش زوج أو سيد لم يستحق

  13. فإن لم تكن فراشا وانفصل لأكثر من أربع سنين فكذلك

  14. أو لدونه استحق في الأظهر

  15. وإن أوصى لعبد فاستمر رقه فالوصية لسيده

  16. فغن عتق قبل موت الموصي فله

  17. وإن عتق بعد موته ثم قبل بنى على أن الوصية بم تملك

  18. وإن وصى لدابة وقصد تمليكها أو أطلق فباطلة

  19. وإن قال ليصرف في علفها فالمنقول صحتها

  20. وتصح لعمارة مسجد

  21. وكذا إن أطلق في الأصح

  22. وتحمل على عمارته ومصالحه

  23. ولذمي

  24. وكذا حربي ومرتد في الأصح

  25. وقاتل في الأظهر

  26. ولوارث في الأظهر إن أجاز باقي الورثة

  27. ولا عبرة بردهم وإجازتهم في حياة الموصي

  28. والعبرة في كونه وارثا بيوم الموت

  29. والوصية لكل وارث بقدر حصته لغو

  30. وبعين هي قدر حصته صحيحة

  31. وتفتقر إلى الإجازة في الأصح

  32. وتصح بالحمل

  33. ويشترط انفصاله حيا لوقت يعلم وجوده عندها

  34. وبالمنافع

  35. وكذا بثمرة أو حمل سيحدثان في الأصح

  36. وبأحد عبديه

  37. وبنجاسة يحل الانتفاع بها ككلب معلم وزبل وخمر محترمة

  38. ولو أوصى بكلب من كلابه أعطى أحدها

  39. فإن لم يكن له كلب لغت

  40. ولو كان له مال وكلاب ووصى بها أو ببعضها فالأصح نفوذها وإن كثرت وقل المال

  41. ولو أوصى بطبل وله طبل لهو وطبل يحل الانتفاع به كطبل حرب وحجيج حملت على الثاني

  42. ولو أوصى بطبل اللهو لغت

  43. إلا إن صلح لحرب أو حجيج.

  44. فصل

  45. ينبغي أن لا يوصي بأكثر من ثلث ماله

  46. فإن زاد ورد الوارث بطلت في الزائدة

  47. وإن أجاز فإجازته تنفيذ

  48. وفي قول عطية مبتدأة والوصية بالزيادة لغو

  49. ويعتبر المال يوم الموت

  50. وقيل: يوم الوصية

  51. ويعتبر من الثلث أيضا عتق علق بالموت وتبرع نجز في مرضه كوقف وهبة وعتق وإبراء

  52. وإذا اجتمع تبرعات متعلقة بالموت وعجز الثلث فإن تمحض العتق أقرع

  53. أو غيره قسط الثلث

  54. أو هو وغيره قسط بالقيمة

  55. وفي قول يقدم العتق

  56. أو منجزة قدم الأول فالأول حتى يتم الثلث

  57. فإن وجدت دفعة واتحد الجنس كعتق عبيد أو إبراء جمع أقرع في العتق وقسط في غيره

  58. وإن اختلف وتصرف وكلاء فإن لم يكن فيها عتق قسط

  59. وإن كان قسط

  60. وفي قول يقدم

  61. ولو كان له عبدان فقط سالم وغانم فقال إن أعتقت غانما فسالم حر ثم أعتق غانما في مرض موته عتق وإلا أقرع

  62. ولو أوصى بعين حاضرة هي ثلث ماله وباقيه غائب لم تدفع كلها إليه في الحال

  63. والأصح أنه لا يتسلط على التصرف في الثلث أيضا.

  64. فصل

  65. إذا ظننا المرض مخوفا لم ينفذ تبرع زاد على الثلث

  66. فإن برأ نفذ

  67. وإن ظنناه غير مخوف لمات فإن حمل على الفجأة نفذ وإلا فمخوف

  68. ولو شككنا في كونه مخوفا لم يثبت إلا بطبيبين حرين عدلين

  69. ومن المخوف قولنج وذات جنب ورعاف جائم وإسهال متواتر ودق وابتداء فالج وخروج طعام غير مستحيل أو كان يخرج بشدة ووجع أو ومعه دم وحمى مطبقة أو غيرها إلا الربع

  70. والمذهب أنه يلحق بالمخوف أسر كفار اعتادوا قتل الأسرى والتحام قتال بين متكافئين وتقديم لقصاص أو رجم واضطراب ريح وهيجان موج في راكب سفينة وطلق حامل وبعد الوضع ما لم تنفصل المشيمة.

  71. وصيغتها أو صيت له بكذا أو ادفعوا إليه أو أعطوه بعد موتي أو جعلته أو هوله بعد موتي

  72. فلو اقتصر على هوله فإقرار

  73. إلا أن يقول هوله من مالي فيكون وصية

  74. وتنعقد بكناية

  75. والكتابة كناية

  76. وإن وصى لغير معين كالفقراء لزمت بالموت بلا قبول

  77. أو لمعين اشترط القبول

  78. ولا يصح قبول ولا رد في حياة الموصي

  79. ولا يشترط بعد موته لفور

  80. فإن مات الموصي له قبله بطلت

  81. أو بعده فيقبل وارثه

  82. وهل يملك الموصى له بموت الموصي أم بقبوله أم موقوف فإن قبل بان أنه ملك بالموت وإلا بان للوارث أقوال أظهرها الثالث:

  83. وعليها تبنى الثمرة وكسب عبد حصلا بين الموت والقبول ونفقته وفطرته

  84. ويطالب الموصى له بالنفقة إن توقف في قبوله ورده.

  85. فصل

  86. أوصى بشاة تناول صغيرة الجثة وكبيرتها سليمة ومعيبة ضأنا ومعزا

  87. وكذا ذكر في الأصح

  88. لا سخلة وعناق في الأصح

  89. ولو قال أعطوه شاة من غنمي ولا غنم له لغت

  90. وإن قال من مالي اشتريت له

  91. والجمل والناقة يتناولان البخاتي والعراب

  92. لا أحدهما لآخر

  93. والأصح تناول بعير ناقة

  94. لا بقرة ثورا

  95. والثور للذكر

  96. والمذهب حمل الدابة على فرس وبغل وحمار

  97. ويتناول الرقيق صغيرا وأنثى ومعيبا كافرا وعكوسها

  98. وقيل: إن أوصى باعتاق عبد وجب المجزىء كفارة

  99. ولو وصى بأحد رقيقيه فماتوا أو قتلوا قبل موته بطلت

  100. وإن بقي واحد تعين

  101. أو بإعتاق رقاب فثلاث

  102. فإن عجز ثلثه عنهن فالمذهب أنه لا يشتري شقص بل نفيستان به

  103. فإن فضل عن أنفس رقبتين شيء فللورثة

  104. ولو قال ثلثي للعتق اشترى شقص

  105. ولو وصى لحملها فأتت بولدين فلهما

  106. أو بحي وميت فكله للحي في الأصح

  107. ولو قال إن كان حملك ذكرا أو قال أنثى فله كذا فولدتهما لغت

  108. ولو قال إن كان ببطنها ذكر فولدتهما استحق الذكر

  109. أو ولدت ذكرين فالأصح صحتها ويعطيه الوارث من شاء منهما

  110. ولو وصى لجيرانه فلا ربعين دارا من كل جانب

  111. والعلماء أصحاب علوم الشرع من تفسير وحديث وفقه

  112. لا مقرى وأديب ومعبر وطبيب

  113. وكذا متكلم عند الأكثرين

  114. ويدخل في وصية الفقراء المساكين

  115. وعكسه

  116. ولو جمعهما شكر نصفين

  117. وأقل كل صنف ثلاث

  118. وله التفضيل

  119. أو لزيد والفقراء فالمذهب أنه كأحدهم في جواز إعطائه أقل متمول لكن لا يحرم

  120. أو لجمع معين غير منحصر كالعلوية صحت في الأظهر

  121. وله الاقتصار على ثلاثة

  122. أولا قارب زيد دخل كل قرابة وإن بعد

  123. إلا أصلا وفرعا في الأصح

  124. ولا تدخل قرابة أم في وصية العرب في الأصح

  125. والعبرة بأقرب جد ينسب إليه زيد

  126. وتعد أولاده قبيلة

  127. ويدخل في أقرب أقاربه الأصل والفرع

  128. والأصح تقديم ابن على أب

  129. وأخ على جد

  130. ولا يرجح بذكورة ووراثة بل يستوي الأب والأم والابن والبنت

  131. ويقدم ابن البنت على ابن ابن الابن

  132. ولو أوصى لأقارب نفسه لم تدخل ورثته في الأصح.

  133. فصل

  134. تصح بمنافع عبد ودار وغلة حانوت

  135. ويملك الموصى له منفعة العبد وأكسابه المعتادة

  136. وكذا مهرها في الأصح

  137. لا ولدها في الأصح بل هو كالأم منفعته له ورقبته للوارث

  138. وله إعتاقه

  139. وعليه نفقته إن أوصى بمنفعة مدة

  140. وكذا أبدا في الأصح

  141. وبيعه إن لم يؤبد كالمستأجر

  142. وإن أبد فالأصح أنه يصح بيعه للموصى له دون غيره

  143. وأنه تعتبر قيمة العبد كلها من الثلث إن أوصى بمنفعته أبدا

  144. وإن أوصى بها مدة قوم بمنفعته ثم مساو بها تلك المدة ويحسب الناقص من الثلث

  145. وتصح بحج تطوع في الأظهر

  146. ويحج من بلده أو الميقات كما قيد

  147. وإن أطلق فمن الميقات في الأصح

  148. وحجة الإسلام من رأس المال

  149. فإن أوصى بها من رأس المال أو الثلث عمل به

  150. وإن أطلق الوصية بها فمن رأس المال

  151. وقيل: من الثلث

  152. ويحج من الميقات

  153. وللأجنبي أن يحج عن الميت بغير إذنه في الأصح

  154. ويؤدي الوارث عنه الواجب المال في كفارة مرتبة

  155. ويطعم ويكسو في المخيرة

  156. والأصح أنه يعتق أيضا

  157. وأن له الأداء من ماله إذا لم تكن تركة

  158. وأنه يقع عنه ولو تبرع أجنبي بطعام أو كسوة

  159. لا إعتاق في الأصح

  160. وتنفع الميت صدقة ودعاء من وارث وأجنبي.

  161. فصل

  162. له الرجوع عن الوصية وعن بعضها بقوله نقضت الوصية أو أبطلتها أو رجعت فيها أو فسختها أو هذا لوارثي

  163. وببيع وإعتاق وإصداق

  164. وكذا هبة أو رهن مع قبض

  165. وكذا دونه في الأصح

  166. وبوصية بهذه التصرفات

  167. وكذا توكيل في بيعه وعرضه عليه في الأصح

  168. وخلط حنطة معينة رجوع

  169. ولو وصى بصاع من صبرة فخلطها بأجود منها فرجوع

  170. أو بمثلها فلا

  171. وكذا باردأ في الأصح

  172. وطحن حنطة وصى بها وبذرها وعجن دقيق وغزل قطن ونسج غزل وقطع ثوب قميصا وبناء وغراس في عرصة الرجوع.

  173. فصل

  174. يسن الإيصاء بقضاء الدين وتنفيذ الوصايا والنظر في أمر الأطفال

  175. وشرط الوصي تكليف وحرية وعدالة وهداية إلى التصرف في الموصى به وإسلام

  176. لكن الأصح جواز وصية ذمي إلى ذمي

  177. ولا يضر العمي في الأصح

  178. ولا تشترط الذكورة

  179. وأم الأطفال أول من غيرها

  180. وينعزل الوصي بالفسق

  181. وكذا القاضي في الأصح

  182. لا الإمام الأعظم

  183. ويصح الإيصاء في فضاء الديون وتنفذ الوصية من كل حر مكلف

  184. ويشترط في أمر الأطفال مع هذا ان يكون له ولاية عليهم

  185. وليس لوصي إيصاء

  186. فإن أذن له فيه جاز في الأظهر

  187. ولو قال أوصيت إليك إلى بلوغ ابني أو قدوم زيد فإذا بلغ أو قدم فهو الوصي جاز

  188. ولا يجوز نصب وصي والجدحي يصفة الولاية

  189. ولا الإيصاء بتزويج طفل وبنت.

  190. ولفظه أوصيت إليك أو فوضت ونحوهما

  191. ويجوز فيه التوقيت والتعليق

  192. ويشترط بيان ما يوصى فيه

  193. فإن اقتصر على أوصيت إليك لغا

  194. والقبول

  195. ولا يصح في حياته في الأصح

  196. ولو وصى اثنين لم ينفرد أحدهما إلا أن صرح به

  197. وللموصى والوصي العزل متى شاء

  198. وإذا بلغ الطفل ونازعه في الإنفاق عليه صدق الوصي

  199. أو في دفع إليه بعد البلوغ صدق الولد.

الحنابلة
كتاب آخر
زاد المستقنعالحجاوي، ٦٢ مسألة
  1. يسن لمن ترك خيرا وهو المال الكثير أن يوصي بالخمس

  2. ولا تجوز بأكثر من الثلث لأجنبي

  3. ولا لوارث بشيء

  4. إلا بإجازة الورثة لهما بعد الموت

  5. فتصح تنفيذا.

  6. وتكره وصية فقير وارثه "محتاج"

  7. وتجوز بالكل لمن لا وارث له

  8. وان لم يف الثلث بالوصايا فالنقص بالقسط.

  9. وإن أوصى لوارث فصار عند الموت غير وارث صحت

  10. والعكس بالعكس

  11. ويعتبر القبول الموصى له بعد الموت "وإن طال"

  12. لا قبله

  13. ويثبت الملك به عقب الموت

  14. ومن قبلها ثم ردها لم يصح الرد.

  15. ويجوز الرجوع في الوصية

  16. وإن قال: إن قدم زيد فله ما وصيت به لعمرو فقدم في حياته فله

  17. وبعدها لعمرو.

  18. ويخرج الواجب كله من دين وحج وغيره من كل ماله بعد موته وإن لم يوص به

  19. وإن قال: أدوا الواجب من ثلثي بدئ به,

  20. وإن بقي منه شيء أخذه صاحب التبرع

  21. وإلا سقط.

  1. تصح لمن يصح تملكه

  2. ولعبده بمشاع كثلثه

  3. ويعتق منه بقدره

  4. ويأخذ الفاضل

  5. وبمائة أو معين لا يصح له

  6. وتصح بحمل

  7. ولحمل تحقق وجوده قبلها.

  8. وإذا أوصى "من لا حج عليه" أن يحج عنه بألف صرف من ثلثه مؤنة حجة بعد أخرى حتى ينفذ.

  9. ولا تصح لملك وبهيمة وميت

  10. فإن وصى لحي وميت يعلم موته فالكل للحي

  11. وإن جهل فالنصف

  12. وإن وصى بماله لابنه وأجنبي فردا وصيته فله التسع.

  1. تصح بما يعجز عن تسليمه كآبق وطير في هواء

  2. وبالمعدوم كما يحمل حيوانه وشجرته أبدا أو مدة معينة

  3. فإن لم يحصل منه شيء بطلت الوصية.

  4. وتصح بكلب "صيد ونحوه"

  5. وبزيت متنجس

  6. وله ثلثهما ولو كثر المال "إن لم تجز الورثة" .

  7. وتصح بمجهول كعبد وشاة

  8. ويعطى ما يقع عليه الاسم العرفي.

  9. وإذا وصى بثلثه فاستحدث مالا ولو دية دخل في الوصية.

  10. ومن أوصى له بمعين فتلف بطلت

  11. وإن تلف المال كله غيره فهو للموصى له "إن خرج من ثلث المال الحاصل للورثة" .

  1. إذا أوصى بمثل نصيب وارث معين فله مثل نصيبه مضمونا إلى المسألة

  2. فإذا أوصى بمثل نصيب ابنه وله ابنان فله الثلث

  3. وإن كانوا ثلاثة فله الربع

  4. وإن كان معهم بنت فله التسعان.

  5. وإن أوصى له بمثل نصيب أحد ورثته ولم يبين كان له مثل ما لأقلهم نصيبا

  6. "فمع ابن وبنت ربع ومع زوجة وابن تسع"

  7. وبسهم من ماله فله سدس

  8. وبشيء أو جزء أو حظ أعطاه الوارث ما شاء.

  1. تصح وصية المسلم إلى كل مكلف عدل رشيد ولو عبدا

  2. "ويقبل بإذن سيده"

  3. وإذا أوصى إلى زيد وبعده إلى عمرو ولم يعزل زيدا اشتركا

  4. ولا ينفرد أحدهما بتصرف لم يجعله له.

  5. ولا تصح وصية إلا في تصرف معلوم يملكه الموصي كقضاء دينه وتفرقة ثلثه والنظر لصغاره

  6. "ولا تصح بما لا يملكه الموصي كوصية المرأة بالنظر في حق أولادها الأصاغر ونحو ذلك" .

  7. ومن وصي في شيء لم يصر وصيا في غيره.

  8. "وإن ظهر على الميت دين يستغرق بعد تفرقة الوصي لم يضمن" وإن

  9. قال: ضع ثلثي حيث شئت لم يحل له ولا لولده.

  10. "ومن مات بمكان لا حاكم به ولا وصي حاز بعض من حضره من المسلمين تركته وعمل الأصلح حينئذ فيها من بيع وغيره" ٢.

في كتب الخلاف

الإجماعابن المنذركتاب الفرائض١٦ مسألة
التجريدالقدوريمسألة ٩٥٩، مسألة ٩٦٠، مسألة ٩٦١٣١ مسألة
المبسوطالسرخسيبَابُ قِسْمَةِ الْوَصِيِّ عَلَى أَهْلِ الْوَصِيَّةِ وَالْوَرَثَةِ، كِتَابُ الْوَصَايَا، بَابُ الْوَصِيَّةِ فِي الْحَجِّ٣٬٥٦٢ مسألة
بداية المجتهدابن رشدكِتَابُ الْوَصَايَا [الْقِسْمُ الْأَوَّلُ الْقَوْلُ فِي أَرْكَانِ الوصايا]، الْقَوْلُ فِي الْأَرْكَانِ وَالْأَرْكَانُ أَرْبَعَةٌ: الْمُوصِي، وَالْمُوصَى لَهُ، وَالْمُوصَى بِهِ، وَالْوَصِيَّةُ.، الْقَوْلُ فِي الْمُوصَى بِهِ٦٢ مسألة
المغنيابن قدامة، على «مختصر الخرقي»كتاب الوصايا١٬٦٢٣ سطرًا
المجموع شرح المهذبالنووي، على «المهذب»لا كلام له في هذا الباب
الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر، على «المقنع»كِتَابُ الْوَصَايَا، فَصْلٌ، فصل١٬٢٣٥ سطرًا
الفقه على المذاهب الأربعةعبد الرحمن الجزيريتعريفها ودليليها، أركان الوصية وشروطها، مبحث حكم الوصية٣٨٢ مسألة
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميأسامة القحطاني وآخرونالباب الثاني: مسائل الإجماع في أبواب الوصايا، الباب الثاني: مسائل الإجماع في أبواب الوصايا، الفصل الأول: مسائل الإجماع في باب حكم الوصية١٬٠٥٤ مسألة
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)بإشراف علوي السقاف٢٥ - الوصية، * حكمة مشروعية الوصية:، * حكم الوصية:٥٩ مسألة

عرضٌ لما في كتب المذاهب، وليس فتوى.في الخريطة: الوصايا