فان لم يجد شاخصا فإلى خط.
الشروح عليها
(فإن لم يجد شاخصا فإلى خط) كالهلال.
قال في " الشرح ": وكيف ما خط أجزأه؛
لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فإن لم يكن معه عصا فليخط خطا» ، رواه أحمد، وأبو داود، قال البيهقي: لا بأس به في مثل هذا.
يكن معه عصافليخط خطًّا» رواه أحمد وأبو داود ورواه ابن حبان وغيره،
وفي آخره (ولا يضر ما مر أمامه) وتقدم.
قال البيهقي: لا بأس به في مثل هذا أي الحكم إن شاء الله تعالى، ومراده والله أعلم ما نقله من الاختلاف في إسناده في السنن الكبرى له، وذكر الطحاوي أن فيه رجلا مجهولا،
وقال الحافظ: لم يصب من زعم أنه مضطرب بل هو حسن، وتقدم تصحيحه،
وقال النووي: وإن لم يثبت ففيه تحصيل تحريم للمصلي، وقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال وهذا منها، وهو قول الجمهور اهـ ولأن المقصود جمع الخاطر بربط الخيال به، لئلا ينتشر، والبيهقي هو الإمام المحدث الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي نسبة إلى بيهق بلدة قرب نيسابور المتوفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة.
«فإن لم يجد شاخصاً» أي: شيئاً قائماً يكون له شخص. «فإلى خطٍّ» أي: فيُصلِّي إلى خطٍّ، والخطُّ له أثرٌ بالأرض، لأنَّ الأرض فيما سَبَقَ مفروشة بالرَّمْلِ أو بالحصباء،
وإذا خطَّ الإنسانُ صار له أثرٌ بيِّنٌ، لكن أرض المساجد الآن مفروشة بالقماش، فهل نقول: إن الخط الذي هو خطُّ التلوين يجزئ عن الخطِّ الذي له أثرٌ؟
قال بعض أهل العلم: يجزئ كلُّ ما اعتقده سُتْرة ،
وظاهره: حتى الخط الملوَّن، لكن في النفس مِن هذا شيء.
فالظاهر: أن هذه الخطوط الملونة لا تكفي، لكن لو فُرض أن فيه خيطاً بارزاً في طرف الحصير، أو في طرف الفراش لصحَّ أن يكون سُتْرة، لأنه بارز.
والدليل على ذلك أن النبيَّ ﷺ قال:« … فمَنْ لم يجدْ فَلْيَخطَّ خطًّا». وهذا الحديث قال عنه الحافظ ابن حجر في «بلوغ المرام»: «ولم يصب من زعم أنه مضطرب بل هو حسن» لأن ابن الصلاح رحمه الله قال: إنه مضطرب، والمضطربُ من أقسام الحديث الضعيف. والحسن حُجَّة؛ لأنه يوجب غلبةَ الظَّنِّ حسب التعريف المعروف، وهو: ما رواه عدل خفيف الضبط بسند متَّصلٍ، وسَلِمَ من الشذوذ والعِلَّة القادحة.
وعلى هذا؛ فيكون الحديث حُجَّة،
فإذا لم تجد شاخصاً فخُطَّ خطًّا. ولكن كيف أخطُّ؟ هل أخطُّ خطًّا مقوَّساً كالهلال أو ممتدًّا كالعصا ؟
الجواب: يكفي أيُّ خط، ولهذا قال المؤلِّفُ:«فإلى خطٍّ» ولم يقيِّد،
وكذلك في الحديث:«فليخطَّ خطًّا» وهذا الخطُّ يكون علامةً على المصلِّي ومفيداً له.
وَتَبْطُلُ بِمُرُورِ كَلْبٍ أَسْوَدَ بَهِيمٍ فَقَطْ .............. «وتبطل» الضَّمير يعود على الصَّلاة، وهو شاملٌ للفريضة والنافلة، والبطلان أحياناً يُطلق على ما لم ينعقد، وأحياناً يطلق على ما انعقدَ ثم فَسَدَ،
والثاني هو الأكثر، أي: أنَّ العلماء يطلقون البطلان على ما انعقدَ ثم فَسَدَ، وربَّما يطلقونه على ما لم ينعقد، كما لو قيل: لو تَرَكَ تكبيرةَ الإحرام بطلت صلاتُه، فهذا بطلان ما لم ينعقد، وكما لو قيل: يبطل البيع إذا كان الثمن مجهولاً، هذا بطلان ما لم ينعقد، وقول المؤلِّف هنا:«تبطل بمرور … » مِن بطلان ما انعقد.
وقوله:«بمرور كلب»: أي: عبور الكلب من يمين المصلِّي إلى يساره، أو من يساره إلى يمينه،
وأما صعود الكلب بين يدي المصلِّي فلا يبطلها،
ولو فرضنا أنَّ كلباً أمامَك فإن صلاتك لا تبطل.
وقوله:«بمرور كلب» الكلب: حيوان معروف. «أسود» أي: دون الأحمر، والأبيض، والأزرق. أو أيّ لون غير الأسود. «بهيم» أي: خالص لا يخالط سواده لون آخر، ومنه ما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها :«تحشرون يوم القيامة حُفاةً عُراةً غرلاً» وزاد في حديث عبد الله بن أُنيس: «بُهماً» يعني: ليس معكم شيء، فبَهيم يعني: لم يخالط سواده لون آخر؛ إلا أن بعض أهل العلم قال: إذا كان فوق عينيه نقطتان بيضاوان لم يخرج عن كونه بهيماً .
«فقط»: أي: لا غير، وهذه الكلمة ـ أعني «فقط» ـ قال النحويون في إعرابها: «الفاء» زائدة لتحسين اللفظ، و «قط» اسم بمعنى حسب، وهي مبنية على السكون، وبُنيت لأنها أشبهت الحرف بالوضع، لأنها على حرفين.
قال ابن مالك في أسباب بناء الاسم:
كالشبه الوضعي في اسمي جئتنا.
ولماذا فقَّط المسألة؟
فقَّطَها لأمرين:
أولاً: ليخرج الكلب الأحمر والأبيض وما أشبه ذلك، وقد سُئل النبيُّ ﷺ كما في حديث أبي ذر ـ: ما بالُ الكلبِ الأسود، من الكلبِ الأحمر، من الكلبِ الأصفر؟ قال:«الكلبُ الأسودُ شيطان».
والصحيح: أنه شيطان كلاب، لا شيطان جِنٍّ،
والشيطان ليس خاصًّا بالجن قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ فالشيطان كما يكون في الجِنِّ يكون في الإِنس، ويكون في الحيوان، فمعنى شيطان في الحديث، أي: شيطان الكلاب، لأنه أخبثها ولذلك يُقتل على كُلِّ حال، ولا يحلُّ صيده
بخلاف غيره.
ثانياً: ليخرج المرأة والحمار.
وهذا هو المشهور من المذهب؛ أن الصَّلاة لا تبطل إلا بمرور الكلب الأسود البهيم فقط، فلا تبطل بمرور غيره .
والخلاصة: أن بطلان الصَّلاةِ بذلك له أربع شروط:
١ ـ المرور.
٢ ـ أن يكون المارُّ كلباً.
٣ ـ أن يكون أسود.
٤ ـ أن يكون بهيماً.
فإن اختلَّ شرطٌ واحدٌ فلا بُطلان.
وأما المرأة والحمار؛ فلا تبطل الصَّلاةُ بمرورهما على ما أفاده كلام المؤلِّف، وهو المذهب .
والدَّليل على أنَّ الكلب الأسود يُبطل الصَّلاةَ، حديث أبي ذرٍّ، أن النبيَّ ﷺ قال: «إذا قامَ أحدُكم يُصلِّي، فإنه يَسْتُرُهُ إذا كان بين يديه مثلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فإذا لم يكن بين يديه مثلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فإنه يقطعُ صلاتَهُ: الحمارُ والمرأةُ والكلبُ الأسودُ» وفي بعض هذه الأحاديث الإطلاق كحديث عبد الله بن مُغَفَّل ، وحديث أبي هريرة .
وقوله:«يقطع» أي: يبطل؛ لأن قَطْعَ الشيء فَصْلُ بعضِه عن بعض، تقول: قطعتُ السلك، أي: فصلت بعضَه عن بعض،
فإذا مرَّ مَن يقطع الصَّلاة لم يمكن أن يبني آخرها على أوَّلها، فهذا هو الدليل. وهذا الدليل يقتضي أن الذي يقطعُ الصَّلاة ثلاثة، وليس الكلب الأسود البهيم فقط. لكنهم قالوا: إن هذا مخصَّصٌ بأدلة تخرجُ الحِمَار، وتخرجُ المرأةَ.
أما الحِمار فخصَّصوه، بحديث ابن عباس حين جاء والنبيُّ ﷺ يصلِّي بالناس بمِنى، فمرَّ بين يدي بعض الصَّفِّ وهو راكبٌ على حِمار أتان، وأرسل الحِمارَ ترتع، ولم يُنكر عليه أحدٌ . قالوا: فهذا ناسخ لحديث عبد الله بن مغفَّل وأبي هريرة، لأنه في آخر حياة النبيِّ ﷺ،
وفي هذا نَظَرٌ من وجهين:
أولاً: أن النسخ هنا غير تامِّ الشُّروط؛ لأنه لم يكن هذا الفِعل في آخر لحظة مِن حياته ﷺ، إذ مِن الجائز أن يكون حديث أبي هريرة، وعبد الله بن مغفَّل، وأبي ذرٍّ بعد حجَّة الوداع،
ومِن شروط النسخ أن نعلم تأخُّر الناسخ. ثانياً: أن ابن عباس رضي الله عنهما لم يقل: إنه مَرَّ بين يدي الرسول ﷺ، بل بين يدي بعض الصَّفِّ، ونحن نقول بموجب ذلك، أي: أن المأموم لا يقطع صلاتَه شيء؛ لا الكلب ولا غيره؛ لأن سُترة الإِمام سُترة له.
وأما المرأة؛ فقالوا: عندنا دليلان على أن المرأة لا تقطع الصَّلاةَ.
الدليل الأول: حديث عائشة رضي الله عنها لما قيل لها: إن المرأة تقطعُ الصَّلاةَ ـ فغضبت وقالت: «قد شَبَّهْتُمُونا بالحمير والكلاب! لقد كنت أنام بين يدي النبيِّ ﷺ معترضة وهو يُصلِّي بالليل».
فلو كانت تقطع صلاته ما استمرَّ في صلاته.
والجواب: أنَّ هذا الحديث ليس فيه دليل؛ لأن هذا ليس بمرور، والنبيُّ عليه الصلاة والسلام يقول:«فلا يدع أحداً يمر»، وفَرْقٌ بين المرور والاضطجاع، ونحن نوافقكم على أن المرأة لو اضطجعت بين يدي المصلِّي لم تقطع صلاته.
الدليل الثاني: أن النبيَّ ﷺ كان يُصلِّي في بيت أُمِّ سَلَمة، فجاء عبدُ الله بن أبي سلمة أو عُمرُ بن أبي سلمة؛ يريد أن يتجاوز بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام فَمَنَعَهُ، فجاءت زينبُ بنت أبي سَلَمة وهي طفلة صغيرة، فَمَنَعَها فلم تمتنع وعَبَرَت، فلما سَلَّمَ النبيُّ ﷺ قال:«هُنَّ أغلب» ولم يستأنف الصلاة.
ويُجاب عن هذا بجوابين:
أحدهما: أن هذا الحديث ضعيف، والضعيف لا تقوم به حُجَّة.
والثاني: أن البنت صغيرة، والرسول ﷺ قال:«المرأة». والمرأة هي الكبيرة البالغة، ونحن نوافقكم على أن الصغيرة لا تقطع الصَّلاةَ.
وعلى هذا فيكون القول الرَّاجحُ في هذه المسألة: أن الصَّلاة تبطل بمرور المرأة والحِمار والكلب الأسود، لثبوت ذلك عن النبيِّ ﷺ ولا مقاوم لهذا الحديث يعارضه حتى نقول: إنه منسوخٌ أو مخصَّصٌ، بل تبطل الصَّلاة،
ويجب أن يستأنفها، ولا يجوز أن يستمرَّ؛ حتى لو كانت الصلاة نَفْلاً؛ لأنه لو استمرَّ لاستمرَّ في عبادة فاسدة، والاستمرار في العبادات الفاسدة محرَّم، ونوع مِن الاستهزاء بالله عز وجل. إذ كيف يتقرَّب إلى الله بما لا يرضاه.
ومِن قواعد أهل العلم:«كلُّ عقد فاسد، وكلُّ شرط فاسد، وكلُّ عبادة فاسدة، فإنه يحرم المضيُّ فيها». ولهذا لما شَرَطَ أهلُ بريرة الولاء لهم قام النبيُّ ﷺ فخطب الناس وقال منكراً عليهم: «ما بالُ أقوامٍ يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله».
وَلَهُ التَّعَوُّذُ عِنْدَ آيَةِ وَعِيدٍ، وَالسُّؤَالُ عِنْدَ آيَةِ رَحْمَةٍ، وَلَوْ فِي فَرْضٍ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.