إلا أن تنزل بالمسلمين نازلة "غير الطاعون" فيقنت الإمام في الفرائض.
الشروح عليها
(إلا أن ينزل بالمسلمين نازلة) من شدائد الدهر (غير الطاعون فيقنت الإمام) الأعظم استحبابا (في الفرائض) غير الجمعة، ويجهر به في الجهرية،
ومن ائتم بقانت في فجر تابع الإمام وأمن، ويقول بعد وتره: سبحان الملك القدوس ثلاثا، ويمد بها صوته في الثالثة.
فيقنت الإمام) الأعظم استحبابًا (في الفرائض) غير الجمعة لأنها عيد المؤمنين، والمطلوب للعيد الفرح والمسرة،
وإذا قنت بهم ذكرهم النازلة،
وفي المبدع: وظاهر كلامه مطلقا، فالمذهب الاستغناء عنه بالدعاء في الخطبة، واختار الموفق والشارح وغيرهما في الفجر، لفعل النبي صلى الله عليه وسلم قاله الشارح: لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه إلا في الوتر والفجر،
وعنه والمغرب، والمشهور في المذهب في الصلوات كلها، والإمام الأعظم هو الذي يقنت، فيتعدى الحكم إلى من يقوم مقامه، وعن أحمد: نائب الإمام يقوم مقامه، اختاره جماعة، لقيامه مقامه،
وعنه: ويقنت إمام جماعة، وعنه: كل مصل، اختاره الشيخ، قال: ولا يقنت في غير الوتر، إلا أن تنزل
الفرائض) غير الجمعة . ويجهر به في الجهرية إجماعًا، ويؤمن من خلفه، كما تقدم.
ومن ائتم بقانت في فجر تابع الإمام وأمن أي: تابع الإمام في دعائه: «لحديث إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، ونحوه وأمن المأموم على دعاء إمامه إن سمع القنوت، وإن لم يسمع دعا، قال الشيخ: وإذا فعل الإمام ما يسوغ فيه الاجتهاد، تبعه المأموم فيه، وإن كان هو لا يراه، مثل القنوت في الفجر، ووصل الوتر.
«إلا أن تنزل بالمسلمين نازلة
… » هذه الجملة استثناء من قوله: «ويُكره قُنُوتُهُ في غير الوِتْرِ». والنَّازلة: هي ما يحدث من شدائد الدَّهر. «غير الطَّاعون» الطَّاعون: وباءٌ معروف فَتَّاكٌّ مُعْدٍ، إذا نَزَلَ بأرضٍ فإنه لا يجوز الذَّهابُ إليها،
ولا يجوز الخُروجُ منها فِراراً منه؛ لأن النبيَّ ﷺ قال:«إذا سَمعتُم به في أرضٍ فلا تَقْدَمُوا عليها، وإنْ وَقَعَ وأنتم فيها فلا تخرجوا منها فِراراً منه» وهذا الطَّاعون ـ نسأل الله العافية ـ إذا نَزَلَ أهلك أُمماً كثيرة، كما في «طاعون عَموَاس» الذي وقع في الشَّام، في عهد عُمرَ بن الخطَّاب رضي الله عنه.
وهذا النَّوع من الوباء إذا نَزَلَ بالمسلمين فقد اختلف العُلماءُ رحمهم الله هل يُدعى بِرَفْعِهِ أم لا؟
فقال بعضُ العلماءِ: إنه يُدْعَى برَفْعِهِ؛ لأنَّه نازلةٌ مِن نوازل الدَّهر، وأيُّ شيءٍ أعظمُ مِن أنْ يُفني هذا الوباءُ أمَّةَ محمَّدٍ، ولا مَلجأ للنَّاس إلا إلى الله عز وجل، فيدعون الله ويسألونه رَفْعَهُ.
وقال بعضُ العلماءِ: لا يُدعَى برَفْعِهِ. وعلَّل ذلك: بأنه شهادة،
فإن الرَّسول ﷺ أخبر:«بأنَّ المَطْعُونَ شَهيدٌ» قالوا: ولا ينبغي أنْ نَقْنُتَ مِن أجْلِ رَفْعِ شيءٍ يكون سبباً لنا في الشَّهادة، بل نُسَلِّمُ الأمرَ إلى الله،
وإذا شاء اللهُ واقتضت حكمتُه أنْ يرفعَه رَفَعَهُ، وإلا أبقاه،
ومَن فنيَ بهذا المرض فإنَّه يموت على الشَّهادة التي أخبر عنها النبيُّ ﷺ. «فيقنُتُ الإمامُ في الفرائض». «فيقنتُ» برفع الفعل استئنافاً، أي: إلا أنْ تَنْزِلَ فحينئذٍ يقنتُ الإمامُ في الفرائض، ولم يبيّن المؤلِّفُ حُكْمَ هذا القُنُوتِ، لكنه استثناه مِن الكراهة،
وإذا استُثْنِيَ مِن الكراهة، وثبت فعلُه في الصَّلاة فإنه يكون مستحبًّا، لأنه إذا ثبت فعلُه في الصَّلاة لَزِمَ أنْ يكون مِن أذكار الصَّلاة وحينئذٍ يكون مستحبًّا.
وعلى هذا؛ فقول المؤلِّفِ:«فيقنتُ الإمامُ» أي: استحباباً، وقد أجمعَ العلماءُ على أنَّ هذا القُنُوت ليس بواجب، لكن الأفضل أنْ يقنتَ الإمامُ.
وقوله:«الإمام» مَنْ يعني بالإمام؟
إذا أطلقَ الفقهاءُ «الإمامَ» فالمرادُ به: القائدُ الأعلى في الدَّولة، فيكون القانتَ الإمامُ وحدَه،
أما بقيَّة النَّاس فلا يقنتون، قالوا: لأنَّ الرَّسول ﷺ قَنَتَ عند النَّوازل ولم يأمر أحداً بالقنوت، ولم يقنتْ أحدٌ من المساجد في عهده ﷺ؛ ولأن هذا القنوت لأمر نزل بالمسلمين عامَّة، والذي له الولاية العامَّة على المسلمين هو الإمام فيختصُّ الحكم به، ولا يُشرع لغيره. وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد.
القول الثاني في المسألة: أنه يقنت كلُّ إمام.
القول الثالث: أنه يقنت كلُّ مصلٍّ، الإمام والمأموم والمنفرد.
والأخير اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، واستدلَّ بعموم قوله ﷺ :«صَلُّوا كما رأيتُمُوني أُصَلِّي» وهذا العمومُ يشمَلُ ما كان النبيُّ ﷺ يفعلُه في صلاتِهِ على سبيل الاستمرار، وما يفعلُه في صلاتِهِ على سبيل الحوادث النَّازلةِ، فيكون القنوتُ عند النَّوازِلِ مشروعاً لكلِّ أحد.
ولكن الذي أرى في هذه المسألة: أنْ يُقتصرَ على أَمْرِ وليِّ الأمْرِ،
فإن أَمَرَ بالقُنُوتِ قنتنا، وإن سكتَ سكتنا، ولنا ـ ولله الحمد ـ مكانٌ آخر في الصَّلاة ندعو فيه؛ وهو السُّجودُ والتَّشَهُّدُ، وهذا فيه خيرٌ وبَرَكَةٌ، فأقرب ما يكون العبدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجد، لكن؛ لو قَنَتَ المنفردُ لذلك بنفسه لم نُنْكر عليه؛ لأنه لم يخالف الجماعة.
وقوله:«يقنتُ الإمامُ في الفرائض» ليس المراد أنْ يدعو بدعاء القُنُوتِ الذي عَلَّمه الرَّسولُ ﷺ الحَسَن ، بل يقنتُ بدُعاءٍ مناسبٍ للنَّازلة التي نزلت، ولهذا كان الرَّسول ﷺ يدعو في هذا القُنُوتِ بما يناسب النَّازلة، ولا يدعو فيقول:«اللَّهُمَّ اهْدِني فيمن هَديت» كما يفعله بعضُ العامَّة، ولم يَرِدْ عن الرَّسول ﷺ أبداً لا في حديث صحيح ولا ضعيف أنه كان يقول:«اللهم اهْدِني فِيمَنْ هَدَيت» في الفرائض، إنما يدعو بالدُّعاء المناسب لتلك النَّازلة، فمرَّةً دعا ﷺ لقوم مِن المستضعفين أنْ ينجِّيهم اللهُ عز وجل حتى قدموا .
ورُويَ أنه قَنَتَ مِن النصف مِن رمضان؛ حتى صَبيحة يوم العيد، حيث قدموا في صَبيحة يوم العيد، فيكون مدَّةُ قنوتِه لهم خمسةَ عَشَرَ يوماً.
وقَنَتَ على قوم دعا عليهم، على رِعْل وذَكْوان وعُصَيَّة شهراً كاملاً فقيل: إنهم قدموا مسلمين تائبين فأمسك .
ودعا على قوم معيَّنين باللعن فقال: اللهم الْعَنْ فلاناً وفلاناً حتى نَزَلَ قولُه تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ فأمسك فصار دعاء النَّبيِّ ﷺ بالقُنُوتِ دُعاءً مناسباً، وعلى قَدْرِ الحاجة، ولم يستمرَّ.
وقوله:«في الفرائض»«أل» دخلت على جَمْعٍ فتفيد العمومَ، أي: في الفجر والظُّهر والعَصر والمَغرب والعِشاء، وليس خاصًّا بصلاة الفجر، بل في كُلِّ الصَّلوت، هكذا صَحَّ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قَنَتَ في جميع الصَّلوات .
واستثنى بعضُ العلماءِ الجُمعةَ وقال: إنَّه لا يقنتُ فيها؛ لأن الأحاديثَ الواردةَ عن رسولِ الله ﷺ أنَّه قَنَتَ في الصَّلوات الخمسِ الفجرِ والظُّهرِ والعصرِ والمغربِ والعشاءِ. ولم تذكر الجُمُعَةَ. والجُمُعَةُ صلاةٌ مستقلَّة لا تدخل في مُسَمَّى الظُّهر عند الإطلاق، ولهذا لا تُجمع العصرُ إليها فيما لو كان الإنسان مسافراً وصَلَّى الجُمُعَة، وهو يريد أن يمشي وأراد أنْ يجمعَ العصرَ إلى الجُمُعَةِ فلا يجوز، لأنها صلاةٌ من جنس آخر مستقلَّة.
وعلَّلَ بعضُهم أيضاً ذلك: بأن الإمام يدعو في خُطبة الجُمُعَةِ دُعاءً عامًّا يؤمِّنُ النَّاسُ عليه، فيدعو لرفع النَّازلة في خُطبة الجُمُعة، ويُكتفى بهذا الدُّعاء عن القنوت في صلاة الجُمُعة.
ويرى بعضُ أهلِ العِلم: أنَّه لا وجه للاستثناء، وإنَّما لم ينصَّ عليها في الأحاديث الواردة عن رسولِ الله ﷺ؛ لأنها يومٌ واحد في الأسبوع فلهذا تُركت، ويدلُّ لهذا: أنَّ الرَّسول ﷺ إذا ذكر الصَّلاة المفروضة لا يذكر إلا الصَّلوات الخمس؛ لأنها هي الرَّاتبة التي تَرِدُ على الإنسان في كُلِّ يوم،
بخلاف الجُمُعة.
فالظَّاهر: أنه يَقْنُتُ حتى في صلاة الجُمُعة.
وإذا قلنا بالقُنُوت في الصَّلوات الخمس،
فإنْ كان في الجهرية فَمِنَ المعلوم أنَّه يجهرُ به،
وإنْ كان في السِّريَّة فإنه يجهر به أيضاً؛ كما ثبتت به السُّنَّةُ: أنه كان يقنتُ ويؤمِّنُ النَّاسُ وراءَه . ولا يمكن أن يؤمِّنُوا إلا إذا كان يجهرُ.
وعلى هذا؛ فيُسَنُّ أنْ يجهرَ ولو في الصَّلاة السِّريَّة.
مسألة: القُنُوت هل يكون قبل الرُّكوع، أو بعد الرُّكوع؟
أكثرُ الأحاديث؛ والذي عليه أكثرُ أهل العِلم: أنَّ القُنُوتَ بعدَ الرُّكوع،
وإن قَنَتَ قبل الرُّكوع فلا حَرَج، فهو مُخَيَّرٌ بين أنْ يركعَ إذا أكملَ القِراءة،
فإذا رَفَعَ وقال:«ربَّنا ولك الحمدُ» قَنَتَ، كما هو أكثر الرِّوايات عن النَّبيِّ ﷺ وعليه أكثرُ أهل العِلم، وبين أنْ يقنتَ إذا أتمَّ القِراءة ثم يكبِّرُ ويركع، كلُّ هذا جاءت به السُّنَّةُ .
(تنبيه) قول المؤلِّف رحمه الله: «إلا أن تنزل ما بالمسلمين نازلة» عُلم منه أنه إن نزلت بغير المسلمين نازلة لم يُقنت لها.
وَالتَّرَاوِيْحُ عِشْرُونَ رَكْعَةً ............
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.