فروضه ستة: غسل الوجه والفم والأنف منه
الشروح عليها
باب فروض الوضوء وصفته] الفرض لغة يقال لمعان أصلها الحز والقطع، وشرعا ما أثيب فاعله وعوقب تاركه. والوضوء استعمال ماء طهور في الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة، وكان فرضه مع فرض الصلاة كما رواه ابن ماجه ذكره في " المبدع ". (فروضه ستة) .
أحدها (غسل الوجه) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} (والفم والأنف منه) أي من الوجه لدخولهما في حده فلا تسقط المضمضة ولا الاستنشاق في وضوء ولا غسل لا عمدا ولا سهوا.
لا زيادة له على هذه المسألة.
الكلام على الوضوء . باب فروض الوضوء وصفته لما ذكر الماء الذي تحصل به الطهارة وآنيته وأردفه بالاستنجاء ثم بالسواك، أتبع ذلك بالكلام على مقاصد الطهارة، وبدأ بالوضوء لتكرره، ولأنه مطلوب مطلقا لكل صلاة، وهو من أعظم شروط الصلاة،
وفي الصحيحين لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ولمسلم: لا يقبل الله صلاة بغير طهور، وله أيضا: الطهور شطر الإيمان، والأصل في الوضوء الكتاب والسنة والإجماع، والوضوء بضم الواو فعل المتوضئ، وهو إمرار الماء على أعضائه من الوضاءة أي النضارة والحسن والنظافة، ووضوء الشيء يوضئ وضوءا ووضاءة صار نضرا حسنا نظيفا، لأنه ينضره ويحسنه وينظفه، وبفتحها الماء يتوضأ به، وحكي الضم والفتح فيهما، والأول هو المعروف في اللغة، وعبر بالفرض هنا،
وفي الصلاة بالركن، لأن الصلاة لما امتنع تفريق النية على أفعالها كانت حقيقة واحدة مركبة من أجزاء فناسب عد أجزائها أركانا،
بخلاف الوضوء، لما كان كل جزء منه مستقلا بلا تركيب عبر فيه بالفرض، وصفة الوضوء كيفية الكامل منه والمجزئ.
الوضوء وصفته الفرض يقال لمعان، منها الحز والقطع أي الفرض شيء لازم للعبد كلزوم الحز للشيء، والقطع كالتفريض، وهو التحريز ومصدر بمعنى المفروض ومنه (فمن فرض فيهن الحج) فكل واجب موقت فهو مفروض، وفرض الله الصلاة وغيرها أوجبها، وفرض يفرض فرضا وقت.
وفي القاموس: الفرض التوقيت، والحز في الشيء، كالتفريض،
وفي المصباح اشتقاق الفرائض من الفرض الذي هو التقدير، لأن الفرائض مقدرات والفرض ما أوجبه الله تعالى، سمي بذلك لأن له معالم وحدودا،
وقال تعالى (نصيبا مفروضا) أي محدودا وفي المطلع: ما كان فعله راجحا على تركه مع
والقطع . وشرعا: ما أثيب فاعله وعوقب تاركه قولهم: شرعا. إخراج للشيء عن المعنى اللغوي إلى الحقيقة الشرعية، وهي ماتلقي معناها عن الشارع،
وإن لم يتلق عن الشارع سمي اصطلاحا وعرفا.
تاركه والوضوء استعمال ماء طهور في الأعضاء الأربعة المعهود لأهل الشرع على سبيل الغسل والمسح، والأربعة هي الوجه واليدان والرأس والرجلان، قال الشيخ: ولم يرد الوضوء، بمعنى غسل اليد والفم إلا في لغة اليهود.
الصلاة كما رواه ابن ماجه، ذكره في المبدع ولفظه أن جبريل علم النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء عند نزوله عليه بالوحي، وهو من طريق رشدين بن سعد، وأخرجه أحمد من طريق ابن لهيعة والطبراني من طريق الليث موصولا، والشارح نبه على ذلك، لأنه قد يفهم أن الصلاة إذ ذاك بلا وضوء إلى وقت نزول آية المائدة، مع أن الصلاة فرضت ليلة الإسراء، فعلى هذا تكون آية: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا} إلى آخرها مقررة للحكم الثابت، لا مؤسسة لأنها مدنية والوضوء فرض مع الصلاة بمكة وصلى بها صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين قبل الهجرة،
وكذلك أصحابه، قال ابن المنذر: معلوم عند جميع أهل السير أنه صلى الله عليه وسلم افترض عليه بمكة الصلاة والغسل من الجنابة، ومعلوم أن الغسل من الجنابة لم يفرض قبل فرض الوضوء، وأنه لم يصل قط بمكة صلاة إلا بوضوء اهـ
وأخرج الحاكم أن فاطمة دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي، فقال: إن هؤلاء الملأ من قريش قد تعاهدوا ليقتلوك، فقال ائتوني بوضوء فتوضأ، قال الحاكم: وهذا يصح ردا على من أنكر وجوده قبل الهجرة اهـ، وهو أيضا شرع لمن قبلنا، لما روى الإمام أحمد وغيره أنه قال عليه الصلاة والسلام هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي،
وفي البخاري فتوضأ وصلى، ومن قصة سارة مع الملك لما هم بالدنو منها قامت تتوضأ وتصلي. وجاء في قصة جريج الراهب أنه قام فتوضأ. قال النووي فهو حجة على أن الوضوء كان في غير هذه الأمة، وإنما اختصت بالغرة والتحجيل.
وقال الشيخ: الوضوء من خصائص هذه الأمة، كما جاءت الأحاديث الصحيحة أنهم يبعثون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء،
وأن الرسول صلى الله عليه وسلم يعرفهم بهذه السيماء، فدل على أنه لا يشاركهم فيها غيرهم.
وقال فيما رواه ابن ماجه: ضعيف عند أهل العلم بالحديث، لا يجوز الاحتجاج بمثله، وليس له عند أهل الكتاب خبر عن
في المبدع . (فروضه ستة) أحدها (غسل الوجه) إجماعا، والغسل في الأصل من: غسل الشيء، سال، بالفتح، وغسله يغسله غسلا طهره بالماء، وأزال الوسخ ونحوه عنه، بإجراء الماء عليه، فهو غاسل، والوجه في الأصل من المواجهة، وإضافة الغسل إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله، والفاعل محذوف أي غسل المتوضئ وجهه، ويرد عليه أن يكون صفة للفاعل وهو غير شرط، إذ لو أصابه الماء من غير فعل كفى.
ستة) أحدها (غسل الوجه) لقوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} أي إذا قمتم إلى الصلاة، وأنتم على غير طهر {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} بالماء فشرع غسله الذي نظافته ووضاءته عنوان على نظافة القلب، ويستب عند كل صلاة للآية، وللأمر به، وتجديده كل صلاة مستحب إجماعا، وتجوز الصلوات كلها بوضوء واحد.
سهوا . (و) الثاني (غسل اليدين) مع المرفقين إجماعا والمرفق موصل الذراع في العضد، جمعه مرافق،
وقال النووي وغيره: مجتمع العظمتين المتداخلين، وهما طرف عظم العضد، وطرف عظم الذراع، واليد أصلها يدي، وجمعها أيد ويدي، وجمع الأيدي أياد، جمع الجمع.
بابُ فُرُوضِ الوُضُوءِ وصِفَتِهِ الفُروض: جمع فرض، وجَمَعَهَا مع أن القاعدة عند النَّحْويين أنَّ المصدر لا يُجْمَعُ، ولا يُثَنَّى، ولكن جَمَعَهَا باعتبار تعدُّدها، أو على تقدير أن المصدر بمعنى اسم المفعول، أي: مفروضات الوُضُوء.
والفَرض في اللُّغة يدلُّ على معانٍ أصلها: الحَزُّ والقطع، فالحزُّ قطعٌ بدون إِبانة، والقطعُ حزٌّ مع إبانة.
والفرض في الشرع عند أكثر العلماء مرادفٌ للواجب، أي بمعناه، وهو ما أُمِرَ به على سبيل الإِلزام. يعني: أَمَرَ اللَّهُ به ملزماً إِيَّانا بفعله.
وحكمه: أن فاعله امتثالاً مُثابٌ، وتاركَهُ مستحِقٌّ للعقاب.
وعند أبي حنيفة رحمه الله : الفرض ما كان ثابتاً بدليل قطعيِّ الثُّبوت والدَّلالة.
والواجبُ: ما ثبت بدليل ظَنِّيِّ الثُّبوت أو الدِّلالة .
ومثَّلوا لذلك: بقراءة شيء من القُرآن؛ فإِنه فُرضَ في الصَّلاة، لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ .
وقراءة الفاتحة واجبٌ ولا يُسمَّى فرضاً؛ لأن قراءتها من أخبار الآحاد، وعند كثير من الأصوليين وغيرهم، أن أخبار الآحاد لا تفيد إلا الظَّنَّ. والمراد بفروض الوُضُوء هنا أركانُ الوُضُوء.
وبهذا نعرف أن العُلماء رحمهم الله قد ينوِّعون العبارات، ويجعلون الفروضَ أركاناً، والأركان فروضاً.
والدَّليل على أن الفروض هنا الأركان: أن هذه الفروض هي التي تتكوَّن منها ماهيَّة الوُضُوء، وكلُّ أقوال أو أفعال تتكوَّن منها ماهيَّةُ العبادة فإِنَّها أركانٌ.
والوُضُوء في اللُّغة: مشتَقٌ من الوَضَاءةِ، وهي النَّظَافَةُ والحُسْنُ.
وشرعاً: التعبُّدُ لله عز وجل بغسل الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة.
فإن قيل: هذا حدٌّ غيرُ صحيح، لقولك: بغسل الأعضاء، والرَّأس لا يُغسل؟
فالجواب: أنَّ هذا من باب التغليب.
وقوله:«وصفَتِهِ» معطوفةٌ على فُروض، وليست معطوفةً على وُضُوء، يعني: وباب صفة الوُضوء.
والصِّفة: هي الكيفيَّة التي يكونُ عليها.
وللوُضُوء صفتان: صفةٌ واجبةٌ، وصفةٌ مستحبَّةٌ.
فروضُهُ سِتَّةٌ: غَسْلُ الوجْهِ، .......... «فُروضُهُ سِتَّةٌ»، دليلُ انحصارها في ذلك هو التَّتبُّع. «غسل الوجه»، هذا هو الفرض الأول، وخرج به المسحُ، فلا بُدَّ من الغسل،
فلو بلَّلت يدك بالماء ثم مسحت بها وجهك لم يكن ذلك غسلاً. والغَسلُ: أن يجري الماء على العضو.
وقوله:«الوجه» هو ما تحصُل به المواجهةُ، وحَدُّه طولاً: من منحنى الجبهة إِلى أسفل اللحية، وعرضاً من الأُذن إلى الأذن.
وقولنا: من منحنى الجبهة؛ وهو بمعنى قول بعضهم: من منابت شعر الرَّأس المعتاد ؛ لأنه يصِل إِلى حَدِّ الجبهة وهو المنحنى، وهذا هو الذي تحصُل به المواجهة؛ لأن المنحنى قد انحنى فلا تحصُل به المواجهة والدَّليل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ . وقد سبق حكم مسترسل اللِّحية .
والفَمُ والأَنْفُ منه، وغَسْلُ اليَدَيْن، ......... «والفمُ والأنفُ منه»، أي: من الوجه؛ لوجودهما فيه فيدخلان في حَدِّه، وعلى هذا فالمضمضة والاستنشاق من فروض الوُضُوء؛ لكنهما غير مستقلَّين؛ فهما يشبهان قوله ﷺ :«أُمِرتُ أن أسْجُدَ على سبعة أَعظُم، على الجبهة، وأشار بيده على أنفه»،
وإن كانت المشابهة ليست من كُلِّ وجه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.