ولا على قاتل نفسه
الشروح عليها
(ولا على قاتل نفسه) عمدا لما روى جابر بن سمرة: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جاءه برجل قد قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه» رواه مسلم وغيره.
والمشاقص جمع مشقص كمنبر: نصل عريض أو نصل طويل أو سهم فيه ذلك يرمى به الوحش،
لا زيادة له على هذه المسألة.
طويل، أو سهم فيه ذلك، يرمى به الوحش كما في القاموس،
وفي النهاية: نصل السهم إذا كان طويلاً غير عريض،
فإذا كان عريضًا فهو المعبلة.
«ولا على قاتل نفسه»، أي: لا يصلي الإمام على قاتل نفسه نكالاً لمن بقي بعده؛ لأن قاتل نفسه ـ والعياذ بالله ـ أتى كبيرة من كبائر الذنوب، وسوف يعذب في جهنم بما قتل به نفسه.
فإن قتلها بخنجر ففي يده خنجر في نار جهنم يطعن به نفسه.
وإن قتلها بسُم ففي فمه سم يتحسَّاه في النار،
وإن قتلها بالتردي من أعلى جبل، أو جدار، أو ما أشبه ذلك فكذلك يعذب به في نار جهنم، كما جاء ذلك عن رسول الله ﷺ.
وكثير من الناس غير المسلمين إذا ضاقت به الدنيا قتل نفسه والعياذ بالله ـ فيكون كالمستجير من الرمضاء بالنار؛ عجل العقوبة لنفسه ـ والعياذ بالله ـ؛ لأنه يعذب من حين أن يموت.
ودليل ذلك:«أن النبي ﷺ أتي برجل قد قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه».
ولكن هل يصلي عليه بقية الناس؟
الجواب: نعم، يصلي عليه بقية الناس؛ لأنه مسلم لا يكفر،
وإن كان يخلد في النار إلى أن يشاء الله.
ولو قال قائل: أفلا ينبغي أن يعدى هذا الحكم إلى أمير كل قرية أو قاضيها أو مفتيها، أي من يحصل بامتناعه النكال، هل يتعدى الحكم إليهم؟
فالجواب: نعم يتعدى الحكم إليهم، فكل من في امتناعه عن الصلاة نكال فإنه يسن له أن لا يصلي على الغال، ولا على قاتل نفسه.
مسألة: هل يلحق بالغال، وقاتل النفس من هو مثلهم، أو أشد منهم أذية للمسلمين، كقطاع الطرق مثلاً؟ الجواب: المشهور من المذهب: لا يلحق.
والقول الثاني: أن من كان مثلهم، أو أشد منهم، فإنه لا يصلي الإمام عليه؛ لأن الشرع إذا جاء في العقوبة على جرم من المعاصي، فإنه يلحق به ما يماثله، أو ما هو أشد منه.
فإذا كان الذي غلَّ هذا الشيء اليسير لم يصل عليه النبي ﷺ فما بالك بمن يقف للمسلمين في الطرق، ويقتلهم ويأخذ أموالهم، ويروعهم، أليس هذا من باب أولى أن ينكل به؟
الجواب: بلى، ولهذا فالصحيح: أن ما ساوى هاتين المعصيتين، ورأى الإمام المصلحة في عدم الصلاة عليه، فإنه لا يصلي عليه.
مسألة: ما الجواب عن قوله ﷺ فيمن قتل نفسه: «خالداً مخلداً فيها أبداً».
الجواب: هذا الحديث نظير الآية من بعض الوجوه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا *﴾ [النساء]،
وقد أجاب العلماء عن هذا بأجوبة كثيرة منها:
أن هذا فيمن كان مستحلاً للقتل، وعرض هذا الجواب على الإمام أحمد فضحك وقال: سبحان الله، إذا استحل القتل فهو كافر سواء قتل أو لم يقتل.
ومنهم من قال: إنه على شرط، أي هذا جزاؤه إن جازاه الله. ومنهم من قال: إن هذا سبب، والسبب قد وجد فيه مانع وهو الإيمان.
ومنهم من قال: إن هذا على ظاهره أن من فعل هذا فإنه يختم له بسوء الخاتمة فإن تاب تاب الله عليه، ويؤيده قوله ﷺ :«لا يزال الرجل في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً»، وهذا والذي قبله أحسن الأجوبة.
مسألة: إذا وجد بعض ميت فهل يغسل ويكفن ويصلى عليه؟
الجواب: إن كان الموجود جملة الميت؛ بأن وجدنا رجُلاً بلا أعضاء فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه،
وإن كان الموجود عضواً من الأعضاء؛
فإن كان قد صلي على جملة الميت فلا يصلى عليه،
وإن كان لم يُصلَّ عليه فإنه يصلى على هذا الجزء الموجود.
وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.