السادس: الغارم لإصلاح ذات البين ولو مع غنى أو لنفسه "مع الفقر" .
الشروح عليها
(السادس: الغارم) وهو نوعان، أحدهما: غارم (لإصلاح ذات البين) أي الوصل بأن يقع بين جماعة عظيمة كقبيلتين أو أهل قريتين تشاجرا في دماء وأموال ويحدث بسببها الشحناء والعداوة فيتوسط الرجل بالصلح بينهما، ويلتزم في ذمته مالا عوضا عما بينهم ليطفئ الثائرة، فهذا قد أتى معروفا عظيما فكان من المعروف حمله عنه من الصدقة لئلا يجحف ذلك بسادات القوم المصلحين أو يوهن عزائمهم، فجاء الشرع بإباحة المسألة فيها وجعل لهم نصيبا من الصدقة، (ولو مع غنى) إن لم يدفع من ماله.
النوع الثاني: ما أشير إليه بقوله: (أو) تدين (لنفسه) في شراء من كفار أو مباح أو محرم وتاب (مع الفقر) ويعطي وفاء دينه ولو لله،
ولا يجوز له صرفه في غيره ولو فقيرا وإن دفع إلى الغارم لفقره جاز أن يقضي منه دينه.
نوعان، أحدهما: غارم (لإصلاح ذات البين) أي الوصل فالغارم لإصلاح ذات البين، هو من غرم لإصلاح حال الوصل الفاسد، قال تعالى {فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} وقال {أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} وتقدم حديث قبيصة قال: تحملت حمالة، فقال له «أقم، حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها» .
بإباحة المسألة فيها، وجعل لهم نصيبًا من الصدقة لما في صحيح مسلم وغيره، عن قبيصة قال: تحملت حمالة، فقال «أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها» وحديث أبي سعيد «لا تحل لغني إلا لخمسة» وذكر منهم الغارم،
وكذا لو تحمل إتلافًا أو نهبًا عن غيره، أو ضمن عن غيره مالاً، وهما معسران.
(ولو مع غنى) إن لم يدفع من ماله أي فيأخذ من الزكاة،
ولو كان غنيًا، لأنه من المصالح العامة، فأشبه المؤلف والعامل، هذا إن لم يدفع من ماله،
فإن دفع فلا، لأنه قد سقط الغرم، فخرج عن كونه مدينًا بسبب الحمالة،
وكذا إن لم يكن حمل الدين، أو كان ما لزمه ضمانًا وأعسر، فلكل منهما الأخذ منها لوفاء دينه.
(مع الفقر) . ويعطى وفاءَ دينه ولو لله أي يعطى غارم وفاء دينه، بلا نزاع كمكاتب، لاندفاع حاجتهما، لقوله {وَالْغَارِمِينَ} ولو كان ما غرمه لله، فدين الله كدين الآدمي، وحكى ابن عبد البر وأبو عبيد الإجماع على أنه لا يقضى منها دين على ميت، غرم لمصلحة نفسه أو غيره.
وقال الشيخ: يجوز أن يوفى منها الدين على الميت، في أحد قولي العلماء، لأن الله قال {وَالْغَارِمِينَ} ولم يقل {وَالْغَارِمِينَ} ، الغارم لا يشرط تمليكه على هذا، وعلى هذا يجوز الوفاء عنه،
وأن يملك لوارثه ولغيره.
«السادس: الغارم لإصلاح ذات البين». الغارم هو من لحقه الغرم، وهو الضمان والإلزام بالمال، وما أشبه ذلك.
والغارم نوعان هما:
الأول: غارمٌ لإصلاح ذات البين.
والثاني: غارمٌ لنفسه.
فالأول يعطى من الزكاة بمقدار ما غرم،
ولو كان غنياً.
وأما الثاني فيوافى عند الدين إذا لم يقدر على وفائه.
وقوله:«لإصلاح ذات البين».
البين: هو الوصل،
وقيل: القطيعة، فيكون من باب الأضداد، واللغة العربية غنية أحياناً، وفقيرة أحياناً.
تكون غنية في الأسماء المترادفة بحيث يكون للمعنى عدة ألفاظ.
وتكون فقيرة في الألفاظ المشتركة إذا كان اللفظ واحداً وله عدة معان، وهذا يعني فقرها حيث تواردت المعاني المتعددة على لفظ واحد.
فالبين: يجوز أن يكون من البينونة، وهي الانفصال، فيكون المعنى إصلاح القطع.
ويجوز أن يكون من الوصل يعني إصلاح ذات الوصل، أي: ما يحتاج إلى وصل.
وعلى كل حال «إصلاح ذات البين» أن يكون بين جماعة وأخرى عداوة وفتنة فيأتي آخر ويصلح بينهم، لكن قد لا يتمكن من الإصلاح إلا ببذل المال، فيقول: أنا ألتزم لكل واحدة منكم بعشرة آلاف ريال بشرط الصلح، ويوافقون على ذلك، فيعطى هذا الرجل من الزكاة ما يدفعه في هذا الإصلاح، فيعطى عشرين ألفاً.
وإذا وفى من ماله فإنه لا يعطى؛ لأنه إذا وفى من ماله لا يكون غارماً، فليس عليه دين الآن.
ولكن ينبغي التفصيل فيقال: يُعْطَى من الزكاة في حالين:
١ ـ إذا لم يوف من ماله؛ فهنا ذمته مشغولة، فلا بد أن نفكه.
٢ ـ إذا وفى من ماله بنية الرجوع على أهل الزكاة؛ لأجل ألا نسدَّ باب الإصلاح، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ ؛ ولأن الحال قد تقتضي الدفع فوراً.
وفي حالين لا يعطى فيهما من الزكاة:
١ ـ إذا دفع من ماله بنية التقرب لله؛ لأنه أخرجه لله فلا يجوز الرجوع فيه.
٢ ـ إذا دفع من ماله ولم يكن بباله الرجوع على أهل الزكاة.
ولو مع غنى أو لنفسه مع الفقر. «ولو مع غنى». أي: أن الغارم للإصلاح يعطى من الزكاة،
ولو كان غنياً؛ لأننا نعطيه هنا للحاجة إليه؛
ومن أعطي للحاجة إليه فإنه لا يشترط أن يكون فقيراً. «أو لنفسه مع الفقر». النوع الثاني من أنواع الغارم، الغارم لنفسه؛ أي: لشيء يخصه، فهذا نعطيه مع الفقر، والفقر هنا ليس كالفقر في الصنف الأول، فالفقر هنا العجز عن الوفاء،
وإن كان عنده ما يكفيه ويكفي عياله لمدة سنة أو أكثر.
فإذا قدرنا أن شخصاً عليه عشرة آلاف ريال، وراتبه ألفا ريال في الشهر، ومؤنته كل شهر ألفا ريال، فهل ندفع عنه عشرة آلاف ريال؟
الجواب: نعم؛ لأنه الآن فقير بالنسبة للدين فلا نعطيه من الزكاة لفقره؛ لأن راتبه يكفيه وإنما نعطيه من أجل الدين فهو فقير وعاجز عن الوفاء.
وهل يجوز أن نذهب إلى الدائن، ونعطيه ماله دون علم المدين؟
الجواب: نعم يجوز؛
لأن هذا داخل في قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ فهو مجرور بـ «في» و «الغارمين» عطفاً على الرقاب، والمعطوف على ما جر بحرف يقدر له ذلك الحرف فالتقدير وفي الغارمين، و «في» لا تدل على التمليك، فيجوز أن ندفعها لمن يطلبه.
فإن قال قائل: هل الأولى أن نسلمها للغارم، ونعطيه إياها ليدفعها إلى الغريم، أو ندفعها للغريم؟
فالجواب في هذا تفصيل:
إذا كان الغارم ثقة حريصاً على وفاء دينه، فالأفضل بلا شك إعطاؤه إياها ليتولى الدفع عن نفسه؛ حتى لا يخجل، ولا يذم أمام الناس.
وإذا كان يخشى أن يفسد هذه الدراهم فإننا لا نعطيه، بل نذهب إلى الغريم الذي يطلبه ونسدد دينه.
مسألة: من غرم في محرم هل نعطيه من الزكاة؟
الجواب: إن تاب أعطيناه، وإلا لم نعطه؛ لأن هذا إعانة على المحرم، ولذلك لو أعطيناه لاستدان مرة أخرى.
مسألة: هل يقضى دين الميت من الزكاة؟
الجواب: إذا كان له تركة فهو غني بتركته، ويدفع منها.
والصحيح أنه لا يقضى دين الميت منها، وقد حكاه أبو عبيد في الأموال وابن عبد البر إجماعاً، لكن المسألة ليست إجماعاً ففيها خلاف، إلا أنه في نظرنا خلاف ضعيف، والعجيب أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله جوّز أن تقضى ديون الأموات من الزكاة وحكاه وجهاً في مذهب الإمام أحمد، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ فلم يعتبر التمليك، وإنما اعتبر إبراء الذمة، فالميت أولى بإبراء الذمة من الحي، لكن القول الأول أرجح،
فلا يقضى دين الميت من الزكاة للأمور التالية:
أولاً: أن الظاهر من إعطاء الغارم أن يزال عنه ذل الدين؛ لأن الدين ذل كما يقال:«الدين هم في الليل وذل في النهار».
ثانياً: أن النبي ﷺ كان لا يقضي ديون الأموات من الزكاة، فكان يؤتى بالميت، وعليه دين فيسأل ﷺ هل ترك وفاء؟
فإن لم يترك لم يصل عليه وإن قالوا: له وفاء، صلى عليه .
فلما فتح الله عليه وكثر عنده المال صار يقضي الدين بما فتح الله عليه عن الأموات،
ولو كان قضاء الدين عن الميت من الزكاة جائزاً لفعله ﷺ.
ثالثاً: أنه لو فتح هذا الباب لعطل قضاء ديون كثير من الأحياء؛ لأن العادة أن الناس يعطفون على الميت أكثر مما يعطفون على الحي، والأحياء أحق بالوفاء من الأموات.
رابعاً: أن الميت إذا كان قد أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه،
وإن أراد إتلافها فالله قد أتلفه ولم ييسر له تسديد الدين.
خامساً: أن ذمة الميت قد خربت بموته فلا يسمى غارماً.
سادساً: أن فتح هذا الباب يفتح باب الطمع والجشع من الورثة، فيمكن أن يجحدوا مال الميت ويقولوا: هذا مدين.
مسألة: إبراء الغريم الفقير بنية الزكاة.
صورتها: رجل له مدين فقير يطلبه ألف ريال، وكان على هذا الطالب ألف ريال زكاة، فهل يجوز أن يسقط الدائن عن المدين الألف ريال الذي عليه بنية الزكاة؟ الجواب: أنه لا يجزئ قال شيخ الإسلام: بلا نزاع،
وذلك لوجوه هي:
الأول: أن الزكاة أخذ وإعطاء قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ وهذا ليس فيه أخذ.
الثاني: أن هذا بمنزلة إخراج الخبيث من الطيب قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ ووجه ذلك أنه سيخرج هذا الدين عن زكاة عين، فعندي مثلاً أربعون ألفاً، وزكاتها ألف ريال،
وفي ذمة فقير لي ألف ريال، والذي في حوزتي هو أربعون ألف ريال، وهي في يدي وتحت تصرفي، والدين الذي في ذمة المعسر ليس في يدي.
ومعلوم نقص الدين عن العين في النفوس، فكأني أخرج رديئاً عن جيد وطيب فلا يجزئ.
الثالث: أنه في الغالب لا يقع إلا إذا كان الشخص قد أيس من الوفاء، فيكون بذلك إحياء وإثراء لماله الذي بيده؛ لأنه الآن سيسلم من تأدية ألف ريال.
مسألة: هل يجوز أن أبرئه من زكاة ما عنده؟
أي: لو كان لي عند رجل أربعون ألف ريال فعلي أن أخرج زكاتها ألف ريال ـ وهذا على القول المرجوح بأن الدين على المعسر فيه زكاة
والصحيح خلاف ذلك ـ ولو كان هذا الرجل معسراً، فهل يجوز لي أن أسقط زكاة الألف التي علي من الدين، فيكون الدين الذي عليه مقداره تسعة وثلاثون ألف ريال؟ الجواب: المذهب أنه لا يجوز .
وقال شيخ الإسلام: يجوز؛ لأن الزكاة الآن من جنس المال، والمال الآن دين والزكاة دين أيضاً وهي التي أبرأته منها، فالإنسان الآن لم يتيمم الخبيث لينفق، بل زكاه من جنس ماله المزكى وهو الدين، وهذا الصحيح.
أما على القول الراجح وهو أن الزكاة لا تجب في الدين على المعسر فلا ترد هذه الصورة، اللهم إلا إذا وجد هذا الفقير ما يوفي به دينه آخِرَ السنة.
مثلاً: على الفقير أربعون ألفاً، ولم يجد إلا تسعة وثلاثين ألفاً فكان معسراً في هذه الألف، فهذا ربما نقول: يجوز إسقاط الزكاة عن الدين،
وفي النفس من هذا شيء؛ لأننا نقول: أتاه الآن تسعة وثلاثون ألفاً نقداً، فليخرج الزكاة من هذا المال الذي أتاه.
فإن قيل هذه المسألة الأخيرة ليس فيها أخذ وإعطاء فكيف أخرجتموها؟
فالجواب: هم رأوا ذلك من جنس المال الذي عليه، فصحيح أنه ليس فيها أخذ وإعطاء ولكن فيها مواساة، صورتها: إذا كان مديناً بأربعين ألفاً فإذا قلنا: بوجوب الزكاة في الدين،
ولو على المعسر فالمسألة واضحة؛ لأن هذا الدائن يجب عليه ألف ريال، كل سنة لهذا الدين فصار يبرئ هذا المدين، فأبرأه أول سنة ألف ريال بنية الزكاة عما في ذمته،
وفي السنة الثانية يجب عليه ألف ريال إلا خمسة وعشرين ريالاً؛ لأنه لم يبق في ذمته إلا تسعة وثلاثون ألفاً، وهكذا كلما دارت السنوات نقص ما عليه من الزكاة.
وإذا قلنا: بعدم وجوب الزكاة في الدين على المعسر، فلا زكاة أصلاً إلا إذا أيسر في آخر الحول.
وقلنا: إن الدائن إذا قبض الدين من المدين المعسر يزكيه سنة فهنا إذا أيسر في الدين الذي عليه إلا ألف ريال، والدين أربعون ألفاً،
وقال الدائن: أريد أن أسقط الألف التي عليك وعجزت عنها بنية الزكاة عن الدين الذي عليك، قلنا: يمكن أن نقول بالجواز، ولكن في النفس منه شيء؛ لأن الدائن الآن استلم الدين عيناً تسعة وثلاثين ألفاً منها، والألف الباقي في ذمة المدين لا تجب فيه الزكاة؛ لأنه معسر.
والصحيح في زكاة المدين على المعسر أنه لا زكاة في الدين على المعسر إلا إذا قبضه فإنه يزكيه سنة واحدة فقط.
السَّابِعُ: فِي سَبِيلِ اللهِ، وَهُمُ الغُزَاةُ المُتَطَوِّعَةُ الَّذِينَ لَا دِيوَانَ لَهُمْ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.