وخارج من بقية البدن إن كان بولا أو غائطا أو كثيرا نجسا غيرهما
الشروح عليها
(و) الثاني (خارج من بقيه البدن) سوى السبيل (إن كان بولا أو غائطا) قليلا كان أو كثيرا (أو) كان أبيض (كثيرا نجسا غيرهما) أي غير البول والغائط كقيء ولو بحاله لما روى الترمذي:«أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قاء فتوضأ» ، والكثير ما فحش في نفس كل أحد بحسبه،
وإذا استد المخرج وانفتح غيره لم يثبت له أحكام المعتاد.
(و) الثاني (خارج من بقية البدن) سوى السبيل أي من غير الطريق المعتاد للبول والغائط.
أي غير البول والغائط . كقيء ولو بحاله وهو الخارج بعد وصوله إلى المعدة،
ولو كان ما تقيأه باقيا بحاله لم يتغير، كأن شرب نحو ماء وقذفه بصفته، لأن نجاسته بوصوله إلى الجوف، لا باستحالته، وكدم وقيح على المشهور من المذهب.
وقال الخطابي: هو قول أكثر الفقهاء.
الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ قال الترمذي: هو أصح شيء في هذا الباب، ورواه أحمد وأبو داود وغيرهم،
وقال ابن مندة: إسناده صحيح، واغفله البخاري ومسلم للاختلاف في إسناده،
وقال البيهقي وغيره: لا تقوم به حجة، فالله أعلم، وذهب مالك والشافعي وغيرهما إلى أن القيء والدم والقيح ونحوها لا ينقض الوضوء ولو كثر، قال البغوي: وهو قول أكثر الصحابة والتابعين اهـ، لكن يستحب الوضوء منه، واختاره الشيخ: وأنه لا يخرج من الصلاة لأجل اليسير الخارج من القيء والدم لما روي عن جابر في اللذين يحرسان في غزوة ذات الرقاع، فرمي أحدهما بسهم فنزعه ثم بآخر ثم بالثالث، وركع وسجد ودماؤه تجري، رواه أبو داود بسند حسن،
ولما روي عن الصحابة فابن عمر عصر بثرة فخرج دم فصلى ولم يتوضأ وابن أبي أوفي عصر دملا، وروي عن غيرهما نحو ذلك، قال الموفق والشارح وغيرهما: ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة فكان إجماعا، ولأن الأصل عدم النقض حتى يثبت بالشرع،
وقال النووي والشيخ وغيرهما، لم يثبت قط عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أوجب الوضوء من ذلك،
وقال مالك: هو الأمر عندنا.
المخرج وانفتح غيره لم يثبت له أحكام المعتاد أي بل أحكامه باقية له، فلا ينقض خروج ريح منه، ولا يمسه ولا بخروج يسير منه نجس، غير بول أو غائط، ولا يجزئ فيه استجمار، ولا غسل بإيلاج فيه بلا إنزال.
أحكام المعتاد (و) الثالث (زوال العقل) أي تغطيته صوابه: أو تغطيته كما عبروا به، وزواله هو ذهابه بجنون أو برسام، وتغطيته بإغماء أو سكر أو دواء أو نوم أو غيرها، لحديث صفوان ولكن من غائط وبول ونوم، رواه أحمد والشافعي والترمذي وصححه،
وقال النووي: بأسانيد صحيحة، وما ذكر أبلغ من النوم الذي هو مظنة لخروج شيء من الدبر والمظنة للحديث أقيمت مقامه، لأن ما أنيط بالمظنة لا فرق بين وجوده وعدمه فإذا وجدنا المظنة اعتبرناها قطعية كانت أو ظنية،
فإن الشارع قد أجرى الظن في ترتيب الأحكام مجرى القطع، فمتى ظن وجود سبب الحكم استحق السبب للاعتبار، والعقل غريزة كالنور يقذف في القلب فيستعد لإدراك الأشياء وتقدم والنوم فترة طبيعية تحدث للإنسان تمنع الحواس من العمل، قال النووي: وليس مزيلا للعقل اهـ أي بل هو ساتر، فيجاب أنه أراد بالزوال الغلبة على العقل، ولم يقل ارتفاعه ليعم ما ذكروا،
وإن كان فيه تجوز، وخرج بزوال العقل النعاس، وحديث النفس، وأوائل نشوة السكر، فلا نقض بها،
ومن علامات النعاس سماع كلام الحاضرين وإن لم يفهمه.
«وخارج من بقية البدن إن كان بولاً، أو غائطاً»، هذا هو النَّاقض الثَّاني من نواقض الوُضُوء.
وهو معطوف على «ما»، أي: وينقضُ خارجٌ من بقيَّة البَدن، إن كان بولاً، أو غائطاً، وهذا ممكن ولا سيَّما في العصور المتأخِّرة، كأن يُجرى للإِنسان عمليَّةٌ جراحيَّةٌ حتى يخرج الخارج من جهة أخرى.
فإِذا خرج بول، أو غائط من أيِّ مكان فهو ناقض، قلَّ أو كَثُرَ.
وقال بعض أهل العلم: إن كان المخرج من فوق المعدة فهو كالقيء،
وإن كان من تحتها فهو كالغائط، وهذا اختيار ابن عقيل رحمه الله. وهذا قولٌ جيد، بدليل: أنه إِذا تقيَّأ من المعدة، فإنه لا ينتقض وضوءُه على القول الرَّاجح، أو ينتقض إِن كان كثيراً على المشهور من المذهب.
ويُستثنى مما سبق مَنْ حَدَثُه دائمٌ، فإِنَّه لا ينتقضُ وضوءهُ بخروجه؛ كَمَنْ به سلسُ بول، أو ريح، أو غائط، وله حال خاصَّةٌ في التطهُّر تأتي إن شاء الله .....
وظاهر قوله:«إن كان بولاً، أو غائطاً»، أن الرِّيح لا تنقض إِذا خرجت من هذا المكان الذي فُتِحَ عوضاً عن المخرج،
ولو كانت ذات رائحة كريهة، وهذا ما مشى عليه المؤلِّف، وهو المذهب.
وقال بعضُ العلماء: إِنها تنقضُ الوُضُوء ، لأن المخرج إِذا انسدَّ وانفتح غيره كان له حكمُ الفَرج في الخارج، لا في المسِّ، لأنَّ مسَّه لا ينقض الوُضُوء كما سيأتي إن شاء الله .
أو كثيراً نَجساً غَيْرَهُما ............ «أو كثيراً نجساً غيرَهُما»، أي: أو كان كثيراً نجساً غير البول والغائط، فقيَّد المؤلِّفُ غير البول، والغائط بقيدين.
الأول: كونُه كثيراً.
الثاني: أن يكون نجساً.
ولم يقيِّد البولَ والغائط بالكثير النَّجس؛ لأن كليهما نجس، ولأنَّ قليلَهُما وكثيرَهُما ينقض الوُضُوء. وقوله:«أو كثيراً»، أطلق المؤلِّف الكثير، والقاعدة المعروفة: أنَّ ما أتى، ولم يُحدَّدْ بالشَّرع فمرجعُه إلى العُرف،
كما قيل:
وكلُّ ما أتى ولم يحدَّدِ بالشَّرع كالحِرْزِ فبالعُرف احدُدِ فالكثير: بحسب عُرف النَّاس،
فإن قالوا: هذا كثيرٌ، صار كثيراً،
وإن قالوا: هذا قليلٌ، صار قليلاً.
وقال بعض العلماء: إِن المعتبر عند كلِّ أحد بحسبه ، فكلُّ من رأى أنَّه كثيرٌ صار كثيراً، وكلُّ من رأى أنه قليلٌ صار قليلاً.
وهذا القول فيه نظر؛ لأنَّ من النَّاس من عنده وسواس، فالنُّقطَةُ الواحدة عنده كثيرة، ومنهم من عنده تهاون فإِذا خرج منه دم كثير قال: هذا قليل.
والصَّحيح الأول: أن المعتبر ما اعتبره أوساط النَّاس، فما اعتبروه كثيراً فهو كثير، وما اعتبروه قليلاً فهو قليل.
وقوله:«نجساً غيرَهُما»، نجساً: احترازاً من الطَّاهر،
فإِذا خرج من بقية البدن شيء طاهر،
ولو كَثُرَ فإِنه غيرُ ناقض كالعَرَق، واللُّعاب ودمع العين .....
وقوله:«غيرَهُما» أي: غير البول والغائط، فدخل في هذا الدَّمُ، والقيءُ، ودَمُ الجروح، وماءُ الجروحِ وكلُّ ما يمكن أن يخرج مما ليس بطاهر. فالمشهور من المذهب أنَّه إذا كان كثيراً
إِما عُرفاً، أو كل إِنسان بحسب نفسه ـ على حسب الخلاف السابق ـ أنَّه ينقض الوُضُوء،
وإن كان قليلاً لم ينقض.
واستدلُّوا على ذلك بما يلي:
١ - أن النبيَّ ﷺ قَاءَ، فأفطرَ، فتوضَّأ . وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ، فلما توضَّأ بعد أن قاء فالأُسوة الحسنة أن نفعل كفعله.
٢ - أنها فضلات خرجت من البدن فأشبهت البول والغائط، لكن لم تأخذْ حكمهما من كلِّ وجهٍ؛ لاختلاف المخرج، فتُعطى حكمهما من وجه دون وجه، فالبول والغائطُ ينقض قليلهُ وكثيرُه؛ لخروجه من المخرج، وغيرهما لا ينقض إلا الكثير.
وذهب الشافعيُّ، والفقهاءُ السَّبعةُ وهم المجموعون في قول بعضهم:
إِذا قيل مَنْ في العلم سبعة أبْحُرٍ روايتهم ليست عن العلم خَارِجَه فقل: هم عُبَيدُ الله، عروة، قاسمٌ سعيدٌ، أبو بكرٍ، سليمانُ، خارجه إلى أنَّ الخارج من غير السَّبيلين لا ينقض الوُضُوء قلَّ أو كثُر إلا البول والغائط، وهذا هو القول الثاني في المذهب ، وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية ، واستدلُّوا بما يلي:
١ ـ أن الأصل عدم النَّقض،
فمن ادَّعى خلاف الأصل فعليه الدَّليل.
٢ ـ أن طهارته ثبتت بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعي، فإنه لا يمكن رفعه إِلا بدليل شرعي.
ونحن لا نخرجُ عمّا دلَّ عليه كتاب الله، وسُنَّة رسوله ﷺ، لأننا متعبَّدون بشرع الله، فلا يسوغ لنا أن نلزم عباد الله بطهارةٍ لم تجبْ، ولا أن نرفَعَ عنهم طهارةً واجبة .....
وأما الحديث الذي استدلُّوا به على نقض الوُضُوء فقد ضعَّفه كثيرٌ من أهل العلم. وأيضاً: هو مجرد فعل، ومجرد الفعل لا يدلُّ على الوجوب؛ لأنه خالٍ من الأمر. وأيضاً: هو مقابل بحديث ـ وإِن كان ضعيفاً ـ أنَّ النبيَّ ﷺ احتجم، وصلَّى، ولم يتوضَّأ . وهذا يدلُّ على أن الوُضُوء ليس على سبيل الوجوب، وهذا هوالقول الرَّاجح. وَزَوَالُ العَقْلِ إِلاَّ يَسِيرَ نَوْمٍ مِنْ قَاعِدٍ أوْ قَائِمٍ ............
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.