وإن صد عن عرفة تحلل بعمرة
الشروح عليها
(وإن صد عن عرفة) دون البيت تحلل بعمرة) ولاشيء عليه، لأن قلب الحج عمرة جائزة بلا حصر فمعه أولى،
وإن حصر عن طواف الإفاضة فقط لم يتحلل حتى يطوف،
وإن أحصر عن واجب لم يتحلل وعليه دم.
(وإن صد عن عرفة) دون البيت (تحلل بعمرة) مجانًا، لتمكنه من وصوله إلى البيت، فيفسخ نية الحج، ويجعله عمرة،
وإن كان قد طاف للقدوم وسعى، ثم حصر أو مرض، أو فاته الحج، تحلل بطواف وسعي آخرين لأن الأولين لم يقصدهما للعمرة، وليس عليه أن يجدد إحرامًا.
وإن أحصر عن واجب، لم يتحلل، وعليه دم لأنه متمكن منه بالطواف والحلق كرمي، فلم يجز له التحلل، والتحلل مباح لحاجته في الدفع إلى قتال أو بذل مال،
فإن كان البذل يسيرا فقياس المذهب وجوبه، ومع كفر العدو يستحب قتاله إن قوي المسلمون عليه. بقي على إحرامه، حتى يبرأ لأن المرض لا يمنع الإتمام،
وفي شرح الإقناع، ومثله حائض تعذر مقامها، أو رجعت ولم تطف، لجهلها بوجوب طواف الزيارة، أو لعجزها عنه، أو لذهاب الرفقة،
وقال أبو حنيفة: المحصر بالمرض كمن أحصر بالعدو سواء، وهو رواية عن أحمد، اختاره الشيخ،
وقال: يجوز له التحلل، قال الزركشي، ولعلها أظهر،
لظاهر قوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} ،
ولما روى الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل» قال سمعته يقول ذلك فسألت ابن عباس وأبا هريرة عما قال فصدقاه، رواه الخمسة وحسنه الترمذي، ولفظ الإحصار إنما هو للمرض، يقال: أحصره المرض إحصارًا فهو محصور قال الأزهري: هو كلام العرب.
«وإن صد عن عرفة تحلل بعمرة»، الكلام في الأول فيمن صد عن البيت؛ لأن من صد عن البيت لا يمكن أن يتحلل بعمرة؛ لأن العمرة لا بد لها من طواف، ولكن من صد عن عرفة فقط بأن يكون في عرفة عدو يمنع الناس من الوصول إليها، فهنا يقول:«تحلل بعمرة» فيتحلل بعمرة، ولا شيء عليه إن كان قبل فوات وقت الوقوف،
وإن كان بعده فإنه يقضي؛ لأنه فاته الحج، والأول الذي أحصر عن عرفة، ثم لما رأى أنه لا يمكن أن يقف جعل إحرامه عمرة فلا شيء عليه.
وعللوا ذلك بأنه يجوز لمن أحرم بالحج أن يجعله عمرة ولو بلا حصر ما لم يقف بعرفة، أو يسق الهدي كما مر بنا في التمتع، هكذا قالوا رحمهم الله : بأنه إذا صد عن عرفة تحلل بعمرة قبل فوات الوقوف،
فإن لم يتحلل إلا بعده صار كمن فاته الوقوف يتحلل بعمرة ويقضي من العام القادم.
وَإِنْ حَصَرَهُ مَرَضٌ أَوْ ذَهَابُ نَفَقَةٍ، بَقيَ مُحْرِماً إِنْ لَمْ يَكُن اشْتَرَطَ.
«وإن حصره مرض أو ذهاب نفقة، بقي محرماً إن لم يكن اشترط»، أي: إن حصره مرض بأن أحرم وهو صحيح يستطيع أن يكمل النسك، فمرض ولم يستطع إكمال النسك، نقول: تبقى محرماً إلى أن تبرأ من المرض ثم تكمل، لكن إن فاتك الوقوف فتحلل بعمرة،
وكذلك إذا حصره ذهاب نفقة.
مثاله: رجل سرقت نفقته، ولم يتمكن من إتمام النسك فإنه يبقى على إحرامه حتى يجد نفقة، ويتمم النسك إذا كان يمكن إتمامه،
وإن كان حجاً وفاته الوقوف فقد فاته الحج.
وكذلك لو ضل الطريق، أي ضاع فلم يهتد إلى عرفة، فإنه يكون كما قال المؤلف:«فإذا فاته الوقوف فاته الحج»، وتحلل بعمرة،
فإن كان قد اشترط تحلل ولا شيء عليه.
والصحيح في هذه المسألة أنه إذا حصر بغير عدو فكما لو حصر بعدو؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أي عن إتمامهما، ولم يقيد الله تعالى الحصر بعدو.
وأما قوله تعالى: ﴿نُسُكٍ فَإِذَا﴾ ، فهذا ذكر حكم بعض أفراد العام، وهذا لا يقتضي التخصيص، وهذه القاعدة مرت بنا أنه إذا ذكر حكم عام، ثم عطف عليه حكم يختص ببعض أفراده، فإنه لا يقتضي التخصيص، ألم تروا إلى قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ هل هذا الحكم يشمل كل المطلقات أو بعضاً منهن؟
الجواب: يشمل الرجعية مع أن المطلقة طلاقاً رجعياً أو غير رجعي تتربص ثلاثة قروء، وهذه القاعدة تنتقض على المذهب أيضاً بمثال آخر، وهو قول جابر رضي الله عنه :«قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة».
فالحديث أوله عام في كل ما لم يقسم، فكل مشترك لم يقسم ففيه الشفعة،
فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق هذا حكم لا يتعلق بكل شيء، وإنما يتعلق بالعقار، والفقهاء رحمهم الله خصوا الشفعة بالعقار ولم ينظروا إلى عموم أول الحديث، وهذا ينتقض عليهم في مسألة المطلقات.
وكذا في الحصر خصوه بالعدو؛
قالوا: فهذا إشارة إلى أن الحصر في قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ يراد به حصر العدو.
ولكن الصحيح أنه يشمل الحصر عن إتمام النسك بعدو أو بغير عدو.
مسألة: إذا حُصِرَ عن واجب، وليس عن ركن كأن يمنع من الوقوف في مزدلفة فلا يتحلل؛ لأنه يمكن جبره بالدم، فلا حاجة إلى التحلل، فنقول تبقى على إحرامك، وتجبر الواجب بدم.
وقوله:«بقي محرماً إن لم يكن اشترط»،
فإن اشترط فإنه يحل بدون شيء.
مسألة: حكم قضاء المحصر: الصحيح أن القضاء ليس بواجب إن كان الحج أو العمرة تطوعاً،
وأن عمرة القضاء ليس معناها العمرة المقضية، وإنما معنى القضاء المقاضاة، وهي المصالحة التي حصلت بين النبي ﷺ وبين قريش ، والنبي ﷺ لم يلزم الناس بالقضاء، لأن الله لم يفرض الحج والعمرة في العمر إلا مرة،
فلو أوجبنا عليه القضاء لأوجبنا العمرة أو الحج مرتين أو ثلاثاً أو أكثر.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.