وأن يكون على بر كالمساجد والقناطر والمسكين والأقارب من مسلم وذمي غير حربي
الشروح عليها
(و) الشرط الثاني ـ (أن يكون على بر) إذا كان على جهة عامة، لأن المقصود منه التقرب إلى الله تعالى،
وإذا لم يكن على بر لم يحصل المقصود (كالمساجد والقناطر والمساكين) والسقايات وكتب العلم، (والأقارب من مسلم وذمي) ، لأن القريب الذمي موضع القرابة بدليل جواز الصدقة عليه، ووقفت صفية - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - على أخ لها يهودي، فيصح الوقف على كافر معين (غير حربي) ومرتد لانتفاء الدوام لأنهما مقتولان عن قرب،
. (و) الشرط الثاني: (أن يكون على بر) أو معروف، سواء كان الواقف مسلما أو ذميًا.
يكون على بر) إذا كان على جهة عامة كما مثل به الماتن والشارح، وغيرهما.
صفية رضي الله عنها على أخ لها يهودي رواه البيهقي وغيره.
أخ لها يهودي فيصح الوقف على كافر معين ولو كان الذمي الموقوف عليه أجنبيًا من الواقف، ويستمر له إن أسلم. أو شيء منها، لكونها منسوخة مبدلة، فلا يصح الوقف عليها،
ولا يصح على مباح، كتعليم شعر مباح، ولا على مكروه أو محرم، كتعليم منطق، لانتفاء القربة.
«وأن يكون على بِرٍّ»، هذا هو الشرط الثاني أن يكون على بِرٍّ، قال الإمام أحمد: لا أعرف الوقف إلا ما أريد به وجه الله، ولأن عمر رضي الله عنه أراد بوقفه التقرب إلى الله .
وهذا الشرط فيه تفصيل، فإن كان على جهة عامة فإنه يشترط أن يكون على بر،
وإن كان على معين فإنه لا يشترط أن يكون على بِرٍّ، لكن يشترط ألا يكون على إثم، والفرق بين هذا وهذا يظهر بالمثال، فمثال الجهة العامة: «كالمساجد»،
فلو عَمَرَ الإنسان مسجداً وأوقفه، فهذا على بِرٍّ، إلا إذا عمر مسجداً على قبر فهنا يحرم ولا يصح؛ لأن هذا ليس ببر، بل هو إثم.
أو بنى مسجداً من أجل أن تقام فيه البدع، فهذا ـ أيضاً ـ لا يصح؛ لأنه ليس على بر، فمراده بالمساجد، أي: التي على بر وتقوى.
فإن كان الوقف على مسجد معيَّن تعين فيه،
ولا يجوز صرفه إلى غيره،
وإن كان على المساجد عموماً وجب على الناظر أن يبدأ بالأحق فالأحق، سواء كانت هذه الأحقية عائدة إلى ذات المسجد أو إلى المصلين فيه. «والقناطر» جمع قنطرة وهي الجسر على الماء للعبور عليها،
فلو بنى قنطرة على نهر فهنا يصح أن يوقفها؛ لأنها على بر،
ويصح أن يؤجرها لأنها ملكه.
فإذا قال قائل: القناطر يمشي عليها المسلم والكافر، فما الجواب؟
نقول: العبرة بالقصد، وهذا قصد البر، والكافر الذي يعبر عليها،
إما أن يكون ممن تحل له الصدقة،
وإما أن يكون ممن لا تحل له الصدقة، لكن يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً. «والمساكين»، المساكين جهة بر؛ لأنهم في حاجة،
فإذا وقف هذا البيت على المساكين، فهذه جهة بر، ويقدم الأحوج فالأحوج؛ لأن الحكم إذا علق بوصف ازداد قوة بحسب قوة الوصف فيه. «والأقارب» أيضاً الأقارب نفعهم بر؛ لأنه من الصلة،
فإذا قال: هذا وقف على أقاربي ـ ولو كانوا غير مسلمين ـ صح الوقف؛ لأن صلة القرابة من البر، والأقارب من الجد الرابع فنازل، فالإخوان والأعمام وأعمام الأب وأعمام الجد وأعمام جد أبيك فهؤلاء أقارب،
ومن فوق الجد الرابع فليسوا بأقارب،
وإن كان فيهم قرابة لكن لا يُعَدُّون من الأقارب الأدْنَيْن، ولهذا لما أنزل الله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ *﴾ [الشعراء]، لم يدع النبي ﷺ كل قريب، بل دعى من شاركوه في الأب الرابع فما دون .
والوصف هنا القرابة، فيقدم الأقرب، إلا إذا علمنا أن مراد الواقف دفع الحاجة دون الصلة، فيقدم الأحوج ولو بَعُد. «من مسلم وذمي»، يعني سواء كان القريب مسلماً أو كان ذمياً، أو معاهداً؛ لأن المعاهد والمُسْتأمِن والذمي كلهم معصومون، والصدقة عليهم جائزة، ولأن وصف القرابة ينطبق عليهم جميعاً وإن كانوا مخالفين في الدين،
فإذا قال: هذا وقف على فلان، وهو ذمي، فلا بأس ولو كان كافراً؛ لأن الله يقول: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ . وقوله:«من مسلم وذمي»، كأن المؤلف أسقط المعاهد والمستأمن؛ لأن العهد لا يدوم،
وكذلك الأمان لا يدوم، بخلاف عقد الذمة فالأصل فيه الدوام.
غَيْرَ حَرْبِيٍّ وَكَنِيسَةٍ وَنَسْخِ التَّوْرَاةِ والإِنْجِيلِ وَكُتُبِ زَنْدَقَةٍ ........ «غير حربي»، الاستثناء هنا منقطع؛ لأن الحربي ليس من الذمي في شيء، فالحربي هو الكافر الذي ليس بيننا وبينه ذمة ولا عهد ولا أمان، يعني لا يصح الوقف على حربي، ولا على مرتد؛ لأن هؤلاء ليس لهم حرمة، ولا يُرَادون للبقاء،
فإذا كان من شرط الوقف أن يكون الموقوف ذا بقاء، فالموقوف عليه من باب أولى، فهؤلاء ـ أي: الحربي والمرتد ـ الواجب قتلهم، إلا أن يسلموا،
فإذا قال: هذا وقف على أخي، وأخوه حربي، فالوقف غير صحيح.
وإذا قال: هذا وقف على أخي، وأخوه لا يصلي فإنه لا يصح الوقف؛ لأنه إذا كان على معين فيشترط ألا يكون فيه إثم. «وكنيسة» وهي متعبَّد النصارى، يعني بمنزلة المساجد للمسلمين، والبيعة لليهود، والصومعة للرهبان،
فإذا وقف على الكنيسة فإن الوقف لا يصح، فَدُورُ الكُفْرِ لا يصح الوقف عليها لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ .
وظاهر كلام المؤلف سواء كان المُوقِف مسلماً أو نصرانياً؛ لأنه إن كان مسلماً فالأمر ظاهر،
وإن كان نصرانياً، فالحكم بصحة الوقف إعانة لهم على الإثم، ولا يحل،
فإذا وقف النصراني على الكنيسة أبطلنا الوقف؛ لأن هذه جهة، والجهة لا بد أن تكون على بر.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا كان الذي أوقف على الكنيسة نصرانياً فإن الوقف يصح؛ لأنهم يدينون لله تعالى ـ وإن كان دينهم باطلاً ـ ببناء الكنائس والإنفاق عليها، ونحن نقرهم على دينهم، والمال ليس مالنا حتى نقول: لا يمكن أن يصرف مال المسلم في معابد الشرك، فالمال ماله هو، وهذا ليس ببعيد إذا لم يتحاكموا إلينا،
فإن تحاكموا إلينا وجب الحكم بينهم بما أنزل الله.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.