يسن لمن ترك خيرا وهو المال الكثير أن يوصي بالخمس
الشروح عليها
كتاب الوصايا] جمع وصية، مأخوذة من وصيت الشيء: إذا وصلته، فالموصي وصل ما كان له في حياته بما بعد موته. واصطلاحا: الأمر بالتصرف بعد الموت أو التبرع بالمال بعده. وتصح الوصية من البالغ الرشيد ومن الصبي العاقل والسفيه بالمال،
ومن الأخرس بإشارة مفهومة، وإن وجدت وصية إنسان بخطه الثابت ببينة أو إقرار ورثة صحت،
ويستحب أن يكتب وصيته ويشهد عليها.
و (يسن لمن ترك خيرا وهو المال الكثير) عرفا (أن يوصي بالخمس) ، روي عن أبي بكر وعلي، وهو ظاهر قول السلف، قال أبو بكر: رضيت بما رضي الله به لنفسه، يعني في قَوْله تَعَالَى:{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} .
بالمال بعده . وتصح الوصية من البالغ الرشيد سواء كان عدلا أو فاسقا، رجلا أو امرأة، مسلما أو كافرا، ما لم يغرغر، وصوب في الفروع: ما دام عقله ثابتا،
ومتى بلغت الروح الحلقوم لم تصح وصيته، ولا غيرها من تصرفاته، باتفاق الفقهاء.
وتصح الوصية من البالغ الرشيد ومن الصبي العاقل أي للوصية، لأنها تصرف تمحض نفعا له، فصح كالصلاة، ولا تصح ممن له دون سبع، ومجنون، ومبرسم، ونحوهم، عند جماهير العلماء، وأجازها عمر لشخص له عشر سنين، ولم ينكر.
(يسن لمن ترك خيرًا، وهو المال الكثير) عرفا فلا يتقدر بشيء، لأنه لا نص في تقديره، ورجح الموفق: أنه متى كان المتروك لا يفضل عن غنى الورثة لم تستحب الوصية، لقوله «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» .
وقال الشعبي: ما من مال أعظم أجرًا من مال يتركه الرجل لولده، يغنيهم به عن الناس. وليست الوصية واجبة عند جمهور العلماء، لأن أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوص.
وقال على لرجل: إنما تركت شيئًا يسيرًا، فدعه لورثتك. وإنما تجب على من عليه دين، أو عنده وديعة، أو عليه واجب، يوصي بالخروج منه، ومحله إذا كان عاجزًا عن تنجيزه، ولم يعلم بذلك غيره، ممن يثبت الحق بشهادته. ولا يندب أن يكتب الأشياء المحقرة، ولا ما جرت العادة بالخروج منه، والوفاء به عن قرب.
يوصي بالخمس) . روي عن أَبي بكر وعلي فعن علي: لأن أوصي بالخمس، أحب إلى من أن أوصي بالربع.
وقال الموفق: هو الأفضل للغنى.
عن أَبي بكر وعلي وهو ظاهر قول السلف وعلماء البصرة قاله الموفق. نص عليه، وهو مذهب جمهور العلماء، سواء وجدت في صحة الموصي أو مرضه. وتحرم المضارة في الوصية، لقوله {غَيْرَ مُضَارٍّ} وفي الحديث «إن الرجل ليعمل بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضره الموت، فيضار في الوصية، فتجب له النار» وقال ابن عباس: الإضرار في الوصية من الكبائر.
كِتابُ الوَصَايَا يُسَنُّ لِمَنْ تَرَكَ خَيْراً وَهُوَ المَالُ الكَثِيرُ أن يُوصِيَ بِالخُمُسِ، .........
الوصية: هي التبرع بالمال بعد الموت، أو الأمر بالتصرف بعده.
فالتبرع بالمال بعد الموت بأن يقول: إذا مت فأعطوا فلاناً ألف ريال.
وأما الأمر بالتصرف بعده، مثل أن يقول: إذا مت فالوصي على أولادي الصغار فلان، فالأول بالمال والثاني بالحقوق.
ومن الوصية بالتصرف ما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين جعل أمر الخلافة شورى بين الستة من أصحاب رسول الله ﷺ.
والوصية تجري فيها الأحكام الخمسة كما سيتبيَّن إن شاء الله تعالى. «يسن لمن ترك خيراً»، وإنما قال المؤلف:«لمن ترك خيراً» لمطابقة الآية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ .
وتكون الوصية للأقارب غير الوارثين، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾، والآية عامة في الوارث وغير الوارث؛ لأنه قال: ﴿لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾، لكن نقول: هذه الآية مُخَصَّصة بآيات المواريث، لقول النبي ﷺ :«إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث»، فيكون العموم في قوله تعالى: ﴿لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ مخصوصاً بآيات المواريث.
فإن قال قائل: هل يمكن أن يكون الوالدان غيرَ وارثين؟
فالجواب: يمكن أن يكونا غير وارثين، كما لو كانا كافرين والولد مسلم، فإنه يوصي لهما؛ لقول الله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ .
وقوله:«يسن» صريح في أن الوصية للأقارب غير الوارثين ليست واجبة، وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء، وقالوا: إن آيات المواريث نسخت قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ *﴾.
فأكثر العلماء على أن آيات المواريث ناسخة لهذه الآية، وأنه لا يُعمَل بأي حرف منها؛ لأنها منسوخة، والنسخ رفع الحكم.
ولكن أبى ذلك عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فقال: إن الآية محكمة،
وأن الوصية واجبة للأقارب غير الوارثين، وما ذهب إليه أقرب إلى الصواب.
فإن قال قائل: إن الله يقول: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ ، ويقول: ﴿وَلأَِبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ ، والسدس إذا أُخِذَت منه الوصية التي هي الخمس يكون سدساً إلا خمساً؟
فيقال: إن الله ـ تعالى ـ بَيَّن فقال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾،
وقال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ ، فالآيات صريحة أن هذه القسمة بعد الوصية، وحينئذٍ إذا عدنا إلى الآية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ فقوله: ﴿كُتِبَ﴾ أي: فرض، وإسقاط هذا الفرض يحتاج إلى دليل بَيِّن.
وأيضاً قوله: ﴿حَقًّا﴾، أي: أُحِقُّ هذا حقاً وأثبته إثباتاً.
وأيضاً قوله: ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، أي: على ذوي التقوى، وهذا يدل على أن الوصية من التقوى، ومخالفة التقوى حرام.
ولهذا كان القول الراجح في هذه المسألة أن الوصية للأقارب غير الوارثين واجبة؛ لأن الآية صريحة، والنسخ ليس بالأمر الهيِّن أن يُدَّعى مع هذه الصراحة، ومع إمكان الجمع بين هذه الآية وآية المواريث، والجمع أن آيات المواريث صريحة في أنها من بعد وصية، وكيف نلغي هذه الأوصاف العظيمة: ﴿كُتِبَ﴾، ﴿حَقًّا﴾، ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ مع إمكان العمل بآيات المواريث وهذه الآية؟! ولأنه لا دليل على النسخ.
فإذا قال قائل: لو كان الوجوب باقياً لتوافرت النقول عن الصحابة رضي الله عنهم بالوصية، مع أن الوصية بين الصحابة قليلة، فالجواب: لا شك أن هذا الاحتمال يضعف القول بالوجوب، لكن ما دام أمامنا شيء صريح من كتاب الله عز وجل فإن عدم العمل به يدل على أن من الصحابة أو أكثر الصحابة يقولون بأن الوجوب منسوخ، ونحن إنما نكلف بما يدل عليه كلام الله عز وجل.
فالصحيح أن آية الوصية محكمة، وأنه يجب العمل بها، لكن نسخ منها من كان وارثاً من هؤلاء المذكورين، فإنه لا يوصى له، وبقي من ليس بوارث. «وهو المال الكثير» المال الكثير يُرجَع فيه إلى العرف وإلى أحوال الناس،
فإذا كانت الدراهم كثيرة فالمال الكثير كثير،
وإذا كان الناس عندهم قلة في المال فالقليل يكون كثيراً، حتى إن بعض الفقهاء يقول: من ملك خمسين درهماً فهو غني لا تحل له الزكاة،
وفي وقتنا الحاضر الخمسون درهماً لا توجب أن يكون الإنسان غنياً؛ لأنها يمكن أن تنفد في عشرة أيام، وليس في سنة كاملة.
فالحاصل أن المال الكثير يرجع فيه إلى العرف، فقد يكون القليل كثيراً في وقت، وقد يكون الكثير قليلاً في وقت آخر.
وقوله:«وهو المال الكثير» مفهومه أنه لو ترك مالاً قليلاً لا تسن له الوصية، ودليل هذا قول النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه : «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة» ، وصاحب المال القليل إذا أوصى فإنه ربما يجعل ورثته عالة على الناس. «أن يوصي بالخُمس»، الدليل على تعيُّن الخُمس هو ما ورد عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال:«أوصي بما رضيه الله لنفسه» وهو الخمس، ولكن ليس بلازم، إنما اختاره أبو بكر رضي الله عنه وهو داخل في قول الرسول ﷺ :«الثلث والثلث كثير».
والمؤلف لم يبيِّن لمن تُصرف الوصية، والجواب: أنها تصرف في أعمال الخير، وأولاها القرابة الذين لا يرثون؛ لأن الله فرض الوصية لهم،
فإذا قلنا: إن الآية لم تنسخ صارت الوصية للقرابة الذين لا يرثون واجبة،
وإذا قلنا: إنها منسوخة صارت مستحبة، فتصرف إلى الأقارب غير الورثة سواء كانوا أغنياء أو فقراء،
وإذا أوصى إلى جهة عامة صار أكثر أجراً وأعم نفعاً.
وَلَا تَجُوزُ بِأَكْثَرَ مِن الثُّلُثِ لأَِجْنَبِيٍّ وَلَا لِوَارِثٍ بِشَيْءٍ إِلاَّ بِإِجَازَةِ الوَرَثَةِ لَهَا بَعْدَ المَوْتِ، فَتَصِحُّ تَنْفِيذاً، ..........
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.