وسباع البهائم والطير والحمار الأهلي والبغل منه نجسه.
الشروح عليها
(وسباع البهائم و) سباع (الطير) التي هي أكبر من الهر خلقة (والحمار الأهلي والبغل منه) أي من الحمار الأهلي لا الوحشي (نجسة) ،
وكذا جميع أجزائها وفضلاتها؛ لأنه - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لما سئل عن الماء وما ينوبه من السباع والدواب، فقال:«إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء» ، فمفهومه أنه ينجس إذا لم يبلغهما،
«وقال في الحمر يوم خيبر: " إنها رجس» متفق عليه، والرجس: النجس.
[
منه) أي من الحمار الأهلي لا الوحشي (نجسة)
وأما الحمار الوحشي والبغل منه فطاهر مأكول.
الأهلي لا الوحشي (نجسة) وكذا جميع أجزائها وفضلاتها كريقها وعرقها نجسة،
وكذا سؤرها، وعن أحمد طهارة الحمار الأهلي والبغل، اختاره الموفق والشيخ وجماعة، وهو مذهب مالك والشافعي،
قال في الإنصاف: وهو الأصح وأقوى دليلا، لأنه عليه الصلاة والسلام يركبها ويركبان في زمانه،
وفي عصر الصحابة، فلو كانا نجسين لبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وعليه فسؤرهما وفضلاتهما طاهرة، وتعليله عليه الصلاة والسلام طهارة سؤر الهرة وطهارة ريق الكلب على الصيد يقتضي أن الحاجة مقتضية للطهارة، وهذا من حجج من يقول بطهارة سؤر البغل والحمار،
فإن الحاجة داعية إلى ذلك، وحديث «لها ما حملت في بطونها، ولنا ما بقي شراب طهور» ، ولفظ الموطأ وغيره، ولنا ما بقي طهور وشراب، وحديث: «أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: نعم» وبما أفضلت السباع قواه البيهقي وله طرق.
«إنها رجس» ، متفق عليه . والرجس النجس بالفتح وبالكسر وبالتحريك ضد الطاهر، وتقدم وعند أهل اللغة: القذر، وما كان نجسا في الحياة فموته لا يزيده إلا خبثا.
متفق عليه . والرجس النجس . باب الحيض والاستحاضة والنفاس وما يتعلق بها من الأحكام، وعنون بالحيض لأصالته،
وقال أحمد: كنت في كتاب الحيض تسع سنين حتى فهمته،
ومن أسمائه الطمث، والطمس، والضحك، والإعصار، والإكبار، والنفاث، والدراس، والعراك، والفراك،
«وسباع البهائم»، يعني: نجسة.
وسباع البهائم: هي التي تأكل وتفترس كالذِّئبِ، والضَّبُعِ، والنَّمِر، والفَهْدِ، وابن آوى، وابن عُرس، وما أشبه ذلك مما هو أكبر من الهِرَّة. «والطير»، أي: وسباع الطَّير كالنسر، التي هي أكبر من الهرة. «والحمارُ الأهليُّ»، احترازاً من الحمار الوحشيِّ، لأن الوحشيَّ حلالُ الأكل فهو طاهر.
وأما الأهليُّ فهو محرَّمٌ نجِسٌ كما في حديث أنس رضي الله عنه أنَّ النبيَّ ﷺ أمر أبا طلحة رضي الله عنه أن يِناديَ يومَ خيبر:«إِنَّ الله وَرسولَه ينهيانكم عن لحوم الحُمُر الأهليَّة، فإِنها رجس أو نجس». «والبغل منه: نَجِسةٌ»، أي: من الحمار الأهليِّ، والبغل: دابَّة تتولَّد من الحمار إِذا نَزَا على الفرس.
وتعليل ذلك: تغليب جانب الحظر؛ لأن هذا البغل خُلِقَ من الفرس والحمار الأهليِّ، على وجه لا يتميَّز به أحدهما عن الآخر؛ فلا يمكن اجتناب الحرام إِلا باجتناب الحلال.
فإِن كان من حمار وحشيٍّ، كما لو نزا حمارٌ وحشيٌّ على فرس،
فإِن هذا البغل طاهرٌ، لأن الوحشيَّ طاهرٌ، والفرسَ طاهرٌ، وما يتولَّدُ من الطاهر فهو طاهر.
وإذا كانت هذه الأشياء نجسة،
فإن آسارَها ـ أي بقية طعامها وشرابها ـ نجسة.
فلو أن حماراً أهليًّا شرب من إِناء، وبقي بعد شربه شيء من الماء، فإِنه نجس على كلام المؤلِّف.
وذهب كثيرٌ من أهل العلم إِلى أن آسار هذه البهائم طاهرةٌ إِذا كانت كثيرةَ الطَّواف علينا . وعلَّلوا: بأن هذا يشقُّ التَّحرُّز منه غالباً،
فإِنَّ النَّاس في البادية تكون أوانيهم ظاهرةً مكشوفةً، فتأتي هذه السِّباعُ فتردُ عليها، وتشرب.
فلو ألزمنا النَّاس بوجوب إراقة الماء، ووجوب غسل الإِناء بعدها لكان في ذلك مشقَّة.
والأحاديثُ في ذلك فيها شيء من التَّعارض. فبعضها يدلُّ على النَّجاسة، وبعضها يدلُّ على الطَّهارة ....
فممَّا وَرَدَ يدلُّ على الطَّهارة، حديث القُلَّتين الذي رواه ابن عمر رضي الله عنهما أن النبيَّ ﷺ سُئِلَ عن الماء، وما ينوبُه من السِّباع؟ فقال:«إِذا بلغ الماء قُلَّتين لم يحمل الخَبَث»، ولم يقل بأن هذه طاهرة، بل جعل الحكم منوطاً بالماء، وأنه إِذا بلغ قُلَّتين لم يحمل الخبث، فدلَّ ذلك على أن ورود هذه السِّباع على الماء يجعله خبيثاً لولا أن الماء بلغ قلتين.
وفيه أحاديث أخرى، وإن كان فيها ضعف، لكن لها عِدَّة طرق تدلُّ على أن آسار البهائم طاهرة، حيث سُئِلَ النبيُّ ﷺ عن ذلك فقال:«لها ما حملت في بطونها، ولنا ما غَبَرَ طَهور»، وهذا يدلُّ على الطهارة.
ويمكن الجمع بين الحديثين، فيُقالُ: إِن كان الماء كثيراً لا يتغيَّر بالشُّرب فلا بأس به، ويكون طَهوراً.
وإِن كان يسيراً، وتغيَّر بسبب شربها منه؛ فإِنه نجس.
وقال ابن قدامة رحمه الله : إِنَّ الحمار والبغل طاهران ؛ لأنَّ الأمة تركبهما، ولا يخلو ركوبهما من عَرَقٍ،
ومن مطر ينزل، وقد تكون الثياب رطبة، أو البدن رطباً، ولم يأمر النبيُّ ﷺ أمَّته بالتحرُّز من ذلك. وهذا هو الصَّحيح.
وعلى هذا فسؤرهما، وعرقهما، وريقهما، وما يخرج من أنفهما طاهر، وهذا يؤيِّد ما سبق أنْ ذكرناه في حديث أبي قتادة في الهِرَّة ،
فإِن الحمار بلا شكٍّ من الطَّوافين علينا، ولا سيَّما أهل الحُمُر الذين اعتادوا ركوبها، فالتحرُّز منها شاقٌّ جدًّا.
فإِن قيل: الكلاب أيضاً لمن له اقتناؤها كصاحب الزَّرع، والماشية والصَّيد، يكثر تطوافها عليهم؟
فالجواب: أنَّ الكلاب فيها نصٌّ أخرجها وهو قوله ﷺ: «إِذا ولغ الكلب … »، الحديث .
وهذا يدلُّ على نجاسة سؤر الكلب، حتى وإِن كان من الطَّوَّافين .....
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.