فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الروض المربعالبهوتي

(ويسن إعلان النكاح) لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أعلنوا النكاح» ،

١٬٩٦٤

وفي لفظ «أظهروا النكاح» رواه ابن ماجه.

حاشية الروض المربعابن قاسم، حاشية على الروض المربع

النكاح» وفي لفظ «أَظهروا النكاح» رواه ابن ماجه من حديث عائشة،

٥٬٩٩٢

وفي المسند: كان يكره نكاح السر. وجاء غير ذلك مما يدل على سنية إعلان النكاح، وتقدم.

الشرح الممتع على زاد المستقنعابن عثيمين

«ويسن إعلان النكاح» أي: إظهاره، مأخوذ من العلانية التي هي ضد السر، فيسن إعلانه؛ لقول النبي ﷺ :«أعلنوا النكاح» فأمر بإعلانه،

تعليق

ولما في ذلك من إظهار هذه الفضيلة وهي النكاح،

١٨٬٠٤٠

فإن النكاح من سنن المرسلين، كما قال النبي ﷺ عن نفسه إنه يتزوج النساء ،

١٨٬٠٤١

وأيضاً إعلانه فصل ما بين السفاح والنكاح؛ لأن السفاح، والعياذ بالله ـ وهو الزنا ـ إنما يفعله من يفعله سراً،

١٨٬٠٤٢

وأما النكاح فيسن إعلانه والجهر به. وقوله:«يسن» هذا هو المشهور من المذهب،

١٨٬٠٤٣

وقيل: إنه يجب إعلان النكاح؛ لأمر النبي ﷺ به،

وهنا ثلاثة أشياء:

إعلان، وإسرار، وتواصٍ بكتمانه،

١٨٬٠٤٤

أما الإعلان فهذا هو المشروع،

١٨٬٠٤٥

وأما الإسرار بدون تواصٍ بكتمانه، فهذا خلاف المشروع، وعلى قول من يرى أن الإعلان واجب يكون إسراره معصية، يأثم الإنسان عليها.

١٨٬٠٤٦

وأما التواصي بكتمانه بأن يقول الزوج، أو الزوجة، أو وليها: هذا سر بيننا، لا تخبروا أحداً، فهذا لا شك أنه إثم، بل إن بعض أهل العلم قال: إنه يبطل بذلك النكاح؛ لأنه خلاف النكاح الصحيح، وهذا مذهب مالك رحمه الله.

١٨٬٠٤٧

فإن قال قائل: إذا كان في إسراره

١٨٬٠٤٨

فائدة، ولم يتواصَ الناس بكتمانه ولكن أسروه، فهل هذا جائز؟

فالجواب: هذا ينبني على اختلاف القولين، إن قلنا: إن الإعلان واجب فإنه لا يجوز إسراره،

١٨٬٠٤٩

وإن قلنا: إنه ليس بواجب جاز إسراره إذا كان في ذلك مصلحة، مثل أن يخشى الإنسان إذا كان معه زوجة أخرى، إذا أعلنه أن تتفكك العائلة، فهذا لا بأس به على القول بأنه سنة.

ويعلن بوسائل الإعلان المعروفة، منها مثلاً الدف، ومنها ما كان يفعل في الزمن الأول لما لم تكن أنوار كهرباء، يمشي الزوج من بيته إلى بيت الزوجة ومعه أنوار مصابيح.

١٨٬٠٥٠

ومن الإعلان مزامير السيارات، ولكن فيه غلو؛ لأنه مزعج جداً،

١٨٬٠٥١

ومن الإعلان ـ أيضاً ـ الأنوار التي تكون على بيت الزوج والزوجة، وفيها غلو أيضاً؛ لأنهم يسرفون فيها،

١٨٬٠٥٢

ومن الإعلان أيضاً ما ذكره بقوله:

«والدف فيه للنساء» الدَّف بالفتح وبالضم، أي: يسن الضرب بالدف لكنه للنساء،

فهاهنا أمران:

أولاً: أن الذي يسن الدُّف، وهو غير الطبل والطار، فالدف يجعل الرق والجلد على وجه واحد منه،

١٨٬٠٥٣

وأما الطبل والطار فبعضهم قال: هي الكُوْبة التي ورد فيها النهي ، يكون فيه الرَّق من الوجهين جميعاً، وهذا موسيقاه أكثر من الموسيقى الذي فيه الجلد من وجه واحد، ولهذا اشترط الفقهاء في الدف أن لا يكون فيه حلق ولا صنوج، وأخرجوا من ذلك الطبول، فقالوا: لا تسن في النكاح.

ثانياً: أنه للنساء خاصة دون الرجال، والدليل على أن ذلك أن عائشة رضي الله عنها أخبرت الرسول ﷺ بأنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال:«ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو»،

١٨٬٠٥٤

وفي السنن:«هلاَّ بعثتم معها من يغني»، فهذا يدل على أنه يسن الدف وأن يصحبه غناء أيضاً، ولكنه الغناء النزيه الطيب المنبئ عن السرور والبهجة، مثل:«أتيناكم أتيناكم فحيَّانا وحيَّاكم»، وما أشبه ذلك من الكلمات الترحيبية الطيبة،

١٨٬٠٥٥

أما الأغاني الماجنة فلا يجوز.

وقوله:«للنساء» ظاهره أنه لا يسن للرجال، لكن

١٨٬٠٥٦

قال في الفروع: وظاهر الأخبار، ونص الإمام أحمد أنه لا فرق بين النساء والرجال،

١٨٬٠٥٧

وأن الدف فيه للرجال كما هو للنساء؛ لأن الحديث عام:«أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالغربال» أي الدف،

تعليق

ولما فيه من الإعلان، وإن كان الغالب أن الذي يفعل ذلك النساء، والذين قالوا بتخصيصه بالنساء وكرهوه للرجال، يقولون: لأن ضرب الرجال بالدف تشبه بالنساء؛ لأنه من خصائص النساء، وهذا يعني أن المسألة راجعة للعرف،

١٨٬٠٥٨

فإذا كان العرف أنه لا يضرب بالدف إلا النساء،

١٨٬٠٥٩

فحينئذٍ نقول: إما أن يكره، أو يحرم تشبه الرجال بهن،

١٨٬٠٦٠

وإذا جرت العادة بأنه يُضرب بالدف من قبل الرجال والنساء فلا كراهة؛ لأن المقصود الإعلان، وإعلان النكاح بدف الرجال أبلغ من إعلانه بدف النساء؛ لأن النساء إذا دففن فإنما يدففن في موضع مغلق، حتى لا تظهر أصواتهن، والرجال يدفون في موضع واضح بارز، فهو أبلغ في الإعلان، وهذا ظاهر نص الإمام أحمد رحمه الله وكلامِ الأصحاب حتى «المنتهى» الذي هو عمدة المتأخرين في مذهب الإمام أحمد، ظاهره العموم وأنه لا فرق بين الرجال والنساء في مسألة الدف.

ولكن لو ترتب على هذا مفسدة نمنعه، لا لأنه دف، وإنما نمنعه للمفسدة، وهكذا جميع المباحات إذا ترتب عليها مفسدة منعت، لا لذاتها ولكن لما يترتب عليها.

وهناك آلات عزف أخرى كالمزامير، والطنابير، والرباب، وما أشبهها، وهذه لا تجوز بأي حال من الأحوال لحديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:«ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف».

«الحِرَ» يعني الفرج، والمراد الزنا، والخمر كل ما أسكر، والحرير نوع معروف مما يلبس، لكنه لا يحرم على النساء لدعاء الحاجة إلى لبسه، والمعازف معروفة،

١٨٬٠٦١

واستحلالها نوعان: إما اعتقاد أنها حلال، كما يلبس ثوبه،

١٨٬٠٦٢

وإما فعلها فعل المستحل مع اعتقاد أنها حرام، وكلا الأمرين موجود الآن،

١٨٬٠٦٣

فمن الناس من يرى حل المعازف،

١٨٬٠٦٤

إما عن اجتهاد، أو تأويل،

١٨٬٠٦٥

وإما مجرد هوى، فيقول: الناس مختلفون في هذه المعازف، وأنا أرى أنها حلال، بدون أي اجتهاد، ومنهم من يفعلها فعل المستحل.

١٨٬٠٦٦

أما الأول: فوقع فيه علماء أجلاء، وضعفوا حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه بأن البخاري رحمه الله رواه معلقاً، والمعلق نوع من أنواع الضعيف، وقالوا: إن المعازف حلال، وممن قال بذلك ابن حزم الظاهري رحمه الله.

ولكن هذا القول ضعيف، وتعليل الحديث بالانقطاع ـ أيضاً ـ ضعيف؛ لأن البخاري رحمه الله رواه جازماً به، وما رواه البخاري معلقاً مجزوماً به فهو صحيح عنده،

تعليق

ثم إن الحديث قد روي موصولاً من طرق أخرى، وله شواهد كثيرة في الوعيد على من يستمعون إلى المعازف.

فالحديث لا شك في صحته، لكن ابن حزم رجل مجتهد، والمجتهد قد يخطئ وقد يصيب، وهناك أناس ليسوا أهل اجتهاد ولا أهل علم، ولكن يحكِّمون الهوى، يقولون: المسألة فيها خلاف، وما دامت المسألة خلافية فأمرها هين، فيعتقدون حله بناءً على الخلاف، وما ذاك إلا لهوى في أنفسهم،

وكما قال الأول :

وليس كل خلاف جاء معتبراً إلا خلاف له حظ من النظرِ وهذا لا حظ له من النظر،

١٨٬٠٦٧

ومن أراد استقصاء هذه المسألة بأدلتها فعليه مراجعة كتاب:(إغاثة اللهفان) لابن القيم رحمه الله فقد أجاد في ذلك وأفاد.

١٨٬٠٦٨

وإذا كانت المعازف حراماً فإنه لا يحل منها إلا ما خصه الدليل، وبالقيود التي جاءت به.

وهذه قاعدة مهمة إذا جاءنا نص عام، ثم ورد تخصيصه فإنه يتقيد ـ أي التخصيص ـ بالصورة التي ورد بها النص فقط، مثلاً: وردت إباحة الدف في موضعه، فهل يمكن أن يقول قائل: إذاً جميع آلات العزف تباح في مثل هذه المناسبات قياساً على الدف؟

الجواب: لا يصح؛ لأن التخصيص إذا ورد يجب أن يكون في الصورة المعينة التي ورد بها، ولا يمكن أن تقاس بقية المعازف على الدف؛ لأنها أشد تأثيراً من الدف؛ وذلك لأصواتها ورناتها، والنفوس تطرب بها أكثر مما تطرب بالدف.

تعليق

ثم إن بعضهم يختار أحسن النساء صوتاً ويجعلها تغني، ثم لا يجعلون بين النساء والرجال سوى جدار قصير يمنع الرؤية، ولكن لا يمنع الصوت، فيحصل بذلك فتنة، وأحياناً ـ والعياذ بالله ـ يجعلون مكبرات صوت على الأسواق، وهذا لا شك أنه فتنة،

١٨٬٠٦٩

فإذا وصل إلى هذا الحد فإنه يجب على ولاة الأمور منعه،

١٨٬٠٧٠

وأن ينبه الناس على أن هذا ليس هو الوارد.

١٨٬٠٧١

قال في الروض : «وكذا ختان، وقدوم غائب، وولادة، وإملاك».

١٨٬٠٧٢

أما الختان فهو قطع قلفة الذكر، فيسن فيه ـ على كلام صاحب الروض ـ الضرب بالدف.

١٨٬٠٧٣

وأما قدوم الغائب، فقد جاءت السنة بإباحته، فقد أتت امرأة إلى النبي ﷺ وقالت له: إني نذرت إن ردك الله سالماً أن أضرب بالدف بين يديك، فقال:«أوفِ بنذرك»،

١٨٬٠٧٤

ولو كان هذا معصية لمنعها من الوفاء بالنذر؛ لأنه لا وفاء لنذر في معصية الله. ولكن هل يشترط في الغائب أن يكون له جاه، وشرف، ومكانة، كأمير، ووزير، وما أشبه ذلك؟

الظاهر نعم بناء على القاعدة التي ذكرناها، وهي أن ما خرج عن العموم وجب أن يتقيد بما قيد به من حيث النوع، والوصف، والزمان، والمكان، وكل شيء؛ لأن الأصل العموم، فالظاهر أنه لا يجوز إلا لمن له شأن في البلد.

١٨٬٠٧٥

فإذا قال قائل: إذا كان الرجل ليس له شأن في البلد، لكن له شأن في قبيلته، مثل ما يكون في البادية مثلاً، فهل يضرب بالدف لقدومه؟

الجواب: نعم، يضرب بالدف لقدومه؛ لأنه فرح.

كذلك ـ أيضاً ـ في أيام العيد يجوز الدف للرجال والنساء على حد سواء؛ وذلك لأنه فرح عام، كلٌ يفرح به، وهو يوم سرور، والدف لا شك أنه يدخل السرور على الإنسان، ويفرح به ويسر.

وهل نطرد هذا في كل مناسبة فرح؟

الظاهر أننا لا نطرده إلا في فرح يكون عاماً، كالأعياد، وقدوم الغائب الذي له شأن في البلد، وما أشبه ذلك، وإلا فيقتصر على ما ورد.

١٨٬٠٧٦

وكذلك الولادة، إذا ولد للإنسان ولد أو بنت يضربون بالدف.

١٨٬٠٧٧

وكذلك الإملاك وهو عقد المِلكة، وقد يكون داخلاً في قول المؤلف «النكاح»؛ لأن النكاح كما يكون بالدخول يكون بالعقد. وكون صاحب الروض يرى هذا من باب الاستحباب فيه نظر، والصواب أنه لا يتجاوز الإباحة؛ لأن النكاح له شأن خاص، وقد أمر النبي ﷺ بإعلانه ،

١٨٬٠٧٨

وأما هذه الأمور فغاية ما هنالك أن نقول: للنفس أن تطرب بعض الطرب بهذه الأشياء.

١٨٬٠٧٩

وقال بعض أهل العلم: كذلك في كل سرور حادث، وعليه نقول: إذا حصل لواحد نجاح في الدراسة، يجمع إخوانه ويضربون بالدف، وكل هذه الأشياء من التوسع، ولكن أن يصل إلى درجة الغلو كما يفعله بعض الناس، فهذا لا يجوز، ونحن الآن ابتلينا بآلات اللهو والأغاني، وهي بلوى عظيمة في الحقيقة أفسدت كثيراً من شؤون الناس وأمورهم، حتى أصبحت عند بعض الناس من الفنون التي يدعى لها، وتعطى الشهادات عليها، ويحمد عليها، وهذا لا شك أنه يوجب قسوة القلب، وغفلته عن الله عز وجل وعما خلق له، بل عن مصالح الدين والدنيا، ويصير الإنسان ما همه إلا الطرب، ولذا ينبغي أن يبصر المسلمون بأن هذا لا يجوز، وأقبح من هذا أن يتخذ مثل هذا ديناً، مثل ـ والعياذ بالله ـ من يُلحِّن بعض الآيات القرآنية، ويلحنها تلحيناً كأغنية ماجنة خبيثة، وربما يجعل لها ضرباً خاصاً بالموسيقى، فهذا ـ والعياذ بالله ـ من أكبر ما يكون من امتهان كلام الله عز وجل، وصاحبه على خطر عظيم.

ويوجد بعض الناس كذلك يتخذه ديناً، يذكرون بعض القصائد

١٨٬٠٨٠

إما محزنة، وإما مسلية، وإما مشجعة ـ كما يزعمون ـ على الدين، ويجعلونها مصحوبة بموسيقى معينة، ولهم إيقاعات خاصة تسمى بالتغبير، يأتون بقوس معين يسمونه قوس التغبير، ثم يجلسون يذكرون الله ـ تعالى ـ بنغمات معينة، وعندهم عود يضربون به، وكل من كان ضربته أشد وأقوى فهو دليل على أن قلبه أشد تعلقاً بالله، وهذه من طرق الصوفية، ولا شك أنها بدعة محرمة، وهذه لا توجب إخبات الإنسان لله تعالى، وإنما توجب اهتزاز الإنسان لهذه الانفعالات القلبية، ولكنها انفعالات طائشة في الواقع، فالرسول ﷺ أخشع الناس ولم يسمع لهذا، ولا خلفاؤه الراشدون، ولا الصحابة رضي الله عنهم.

١٨٬٠٨١

ومن هذا النوع ما يسمى بأناشيد دينية، فهذه كذلك ينهى عنها، وهي مما يصد عن الاتعاظ بالقرآن،

١٨٬٠٨٢

فإن استمع إليها الإنسان أحياناً إذا شعر بكسل وخمول ليتنشط بها، فهذا لا بأس به،

١٨٬٠٨٣

أما أن يجعلها ديدنه، فهذا لا يجوز، وبعضهم يقول: إننا نستمعها حتى لا نستمع إلى أغانٍ أخرى محرمة.

فنقول لهم: هل الإنسان مجبر أن يسمع

١٨٬٠٨٤

إما إلى هذا، أو إلى هذا؟ ليس مجبراً، ومثل هذا من يلعب الورق،

١٨٬٠٨٥

فإذا قلت له: هذه لا يجوز اللعب بها، فهي تلهي عن الصلاة وتوجب العداوة والبغضاء، قال لك: أيهم أحسن هذه أو الغيبة؟!

والجواب: نعم هي أهون، وليست أحسن من الغيبة، ولكن لست مجبراً أن تبقى مغتاباً أو لاعباً.

١٨٬٠٨٦

[((تتمة)) في آداب الأكل والشرب من الروض المربع] يجب علينا أن نعلم نعمة الله عز وجل علينا بالأكل والشرب في تيسيره وتسهيله، حتى وصل إلينا، وقد أشار الله ـ تعالى ـ إلى هذه النعم في سورة الواقعة، فقال عز وجل بعد أن ذكر المادة التي خُلِق منها الإنسان، وذكر المواد التي يقوم بها الإنسان: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ *أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ *﴾ [الواقعة] الجواب: بل أنت يا ربنا، ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ *﴾ [الواقعة] أي لو نشاء لنبت الزرع ونما واستتم، ثم جعله الله حطاماً، بما يُرسَل عليه من العواصف، أو القواصف، وهذا أشد في الحسرة، من كونه لا ينبت، يعني أن الله لم يقل: لو نشاء لم ينبت، بل قال: ﴿لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ وهذا أشد؛

لأن تعلق النفس به بعد أن نما واستتم أشد من تعلقها به وهو بذر ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ *بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ *أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ *﴾ والطعام لا يكون إلا بماء ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ *﴾ الجواب: بل أنت يا ربنا ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ ولم يقل: لو نشاء لم ننزله من المزن؛ لأن كون الماء بين يديك، ولكن لا تستطيع أن تشربه لكونه أجاجاً أشد حسرة ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ *﴾ ويصلح بها الطعام ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُونَ *﴾ [الواقعة] الجواب: بل أنت يا ربنا.

اذكر هذه النعم، قبل أن تذكر نعمة الله عليك بالأكل والشرب، ثم اذكر نعمة الله عليك بأنك تسيغ الأكل، ويسهل عليك، وتتلذذ به مذاقاً، وتتلذذ به مقراً في المعدة، وتتلذذ به إخراجاً، نعمٌ عظيمة، ألم يكن في الناس من لا يستطيع أن يسيغ اللقمة أو التمرة؟ بلى، فاحمد الله. كذلك ـ أيضاً ـ من الناس من لا يتنعم بقرار الطعام في المعدة،

١٨٬٠٨٧

ومن الناس من لا يتنعم بإخراج هذا الأكل بعد أن تفرقت الفائدة في الجسد، إذاً اذكر هذا.

إننا في الحقيقة ـ ونسأل الله أن يغفر لنا ويعفو عنا ـ نأكل كما تأكل الأنعام، أكثر ما نأكل تشهياً فقط، دون أن نذكر هذه النعم التي بأيدينا، وليست من صنعنا، اللهم ذكِّرنا ما نسينا، وعلمنا ما جهلنا.

هذا الأكل الذي تدعو إليه الطبيعة، جعل الله سبحانه وتعالى للموفقين فيه عبادات عند البدء به، وعند الانتهاء منه،

١٨٬٠٨٨

وفي أثنائه، فأولاً: اذكر أنك تأكل امتثالاً لأمر الله؛ لأن الله أمرك فقال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ ، ثانياً: تأكل لتحفظ صحتك وعافيتك، حتى في العبادة إذا كنت مريضاً وخفت من الماء، فإنك تتيمم حفاظاً على الصحة، ووقاية للبدن من المرض، ثالثاً: تأكل لتقوى على طاعة الله، ولا سيما في السحور حيث قال النبي ﷺ :«تسحروا فإن في السحور بركة»، فيكون أكلك الذي تدعو إليه النفس والفطرة عبادة من أجلِّ العبادات.

ثم هناك عبادات مشروعة منها: التسمية عند الأكل، والتسمية عند الشرب، يقول صاحب الروض:«تسن التسمية»، وهذا قول كثير من العلماء إن لم يكن أكثرهم، والصواب أن التسمية واجبة عند الأكل والشرب،

١٨٬٠٨٩

وأن الإنسان يأثم بتركها لأمر النبي ﷺ بذلك، حيث قال لعمر بن أبي سلمة رضي الله عنه :«يا غلام سمِّ الله» مع أنه صغير، ولأن النبي ﷺ أخبر أن الإنسان إذا لم يسمِّ فإن الشيطان يشاركه في طعامه وشرابه ، وأتت جارية تُدفَع دفعاً، والنبي ﷺ جالس، حتى قعدت ومدت يدها لتأكل، ولكنها لم تسم، فأمسك النبي ﷺ بيدها وأمرها أن تسمي، وأخبر أن يد الشيطان ويد الجارية في يده ﷺ، وهذا يدل على أن الشيطان يتحين الفرص أن يحضر مع من لم يحضر أول الأكل، فيأكل بلا تسمية، فالصواب أن التسمية واجبة.

«جهراً» وهذا من أجل التعليم إذا كان معه أحد،

١٨٬٠٩٠

ومن أجل إعلان هذا الذكر الذي يطرد به الشيطان إذا لم يكن معه أحد، فيقول: بسم الله.

وهل يزيد على ذلك بأن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم؟

الجواب: إن اقتصر على قول بسم الله فحسن،

١٨٬٠٩١

وإن زاد: الرحمن الرحيم فحسن أيضاً، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : إذا زاد الرحمن الرحيم فهذا حسن؛ لأن هذا تكملة البسملة، ففي القرآن الكريم: بسم الله الرحمن الرحيم،

١٨٬٠٩٢

لكنه قال رحمه الله : وأما زيادتها عند الذبح أي: الرحمن الرحيم ـ فقد ذكر بعض أهل العلم أنها غير مناسبة؛ لأنك ستفعل ما لولا أن الله أحله لك ما كان لك أن تفعله، وهو ذبح الحيوان، فلا يناسب ذكر هذين الاسمين عند الذبح.

١٨٬٠٩٣

وأما ما قاله بعض الإخوان: إنه يكره أن تقول: الرحمن الرحيم، فعجبٌ من هذا، كيف يتجرأ فيحكم بما ليس له به علم؟!

والذي يقول: الرحمن الرحيم، ما زاد إلا خيراً؛ لأن من رحمة الله أن الله يسر لك هذا الأكل، فهي لا تنافي الحال، ولا تنافي الشرع، فلم يرد النهي، ولا يحل لإنسان أن يقول عن شيء: إنه يكره إلا بدليل؛ لأن الكراهة حكم شرعي تحتاج إلى دليل، أو إلى تعليل صحيح يشهد له النص.

١٨٬٠٩٤

وإذا كان الإنسان لا يحسن البسملة باللغة العربية، ويحسنها بلسانه فإنه يسمي بلسانه،

١٨٬٠٩٥

وإذا كان أخرسَ لا ينطق أبداً فبالإشارة،

١٨٬٠٩٦

وإذا كان معه أناس وبدؤوا بالأكل جميعاً، فهل تكفي تسمية الواحد، أو لا بد أن يسمي كل إنسان بنفسه؟

الجواب: إن جاؤوا مرتبين، بحيث يأتي الإنسان ولم يسمع تسمية الأول، فلا بد أن يسمي، كما جاء في الحديث في قصة الجارية،

١٨٬٠٩٧

وأما إذا كانوا بدؤوا جميعاً فالظاهر أن التسمية تكفي من واحد، لا سيما إذا نوى أنه سمى عن نفسه وعمن معه، ومع ذلك فالذي أختار أن يسمي كل إنسان بنفسه،

١٨٬٠٩٨

وإن بدؤوا جميعاً. «والحمد إذا فرغ» أي: يسن الحمد إذا فرغ، فيقول: الحمد لله؛ لأن النبي ﷺ قال:«إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها»، ولا شك أن هذا من باب الشكر لله عز وجل على نعمه، أن يسر لك هذا الطعام، فاحمد الله على ذلك.

ولكن هل نقول: إذا فرغ من جميع الأكل، أو من كل أكلة،

١٨٬٠٩٩

ومن كل شربة؟

الظاهر: الأول؛ لأن الأكلات،

١٨٬١٠٠

وإن تتابعت فهي أكلة واحدة،

١٨٬١٠١

فإذا فرغ من أكله فليحمد الله.

مثال ذلك: رجل أمامه رز يأكله، فهل نقول: كلما أكلت لقمة قل: الحمد الله، أو السنة أن تحمد الله إذا فرغت نهائياً؟

الجواب: الثاني.

كذلك ـ أيضاً ـ رجل يأكل تمراً، فلا تقول له: احمد الله كلما أكلت تمرة، فما دامت أكلة واحدة، سم عند أولها، واحمد عند آخرها. «وأكله مما يليه»، هذا إذا كان معه أحد،

١٨٬١٠٢

فإن من الأدب أن يأكل مما يليه، لقول النبي ﷺ لعمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما وهو ربيبه:«وكل مما يليك»، ولأن هذا من المروءة والأدب، لكن إذا كان وحده فله أن يأكل من أي جانب، ولكن لا يأكل من أعلى الصحفة؛ لأن البركة تنزل في أعلاها، فيأكل من الجوانب، ولا حرج.

واستثنى العلماء رحمهم الله إذا كان الأكل أنواعاً فلا بأس أن يأخذ مما لا يليه، وقد جاءت بذلك السنة، كما لو كان على الطعام لحم، فاللحم في الوسط، فله أن يتناول منه،

١٨٬١٠٣

وكذلك لو فرض أن المائدة فيها أنواع من الإدام، ويوجد نوع يلي صاحبه، ونوع لا يليه، فله أن يتناول منه، لكن هنا يحسن أن يستأذن؛ لأنه من كمال الأدب. «بيمينه» يعني يسن أكله بيمينه لقول النبي ﷺ لعمر ابن أبي سلمة رضي الله عنها: «كل بيمينك»، وهذا الذي ذكره رحمه الله هو المشهور من المذهب أن الأكل باليمين أفضل من الأكل باليسار.

والقول الراجح في هذه المسألة: أن الأكل باليمين واجب، ودليل هذا أن النبي ﷺ نهى عن الأكل بالشمال، وقال:«لا يأكل أحد بشماله، ولا يشرب بشماله، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله»، وقد نهينا عن اتباع خطوات الشيطان.

والعجب أن بعض السفهاء منا ـ معشر المسلمين ـ يرون أن الأكل بالشمال تقدم، فلا أدري كيف يرونه كذلك وهم إنما يقلدون الكفار بهذا الفعل الرديء ولا يستفيدون من سَبْقهم في الصناعات المفيدة، ولكن هذا من إملاء الشيطان ولا شك، فما دام الشيطان يأكل بشماله، فإنه يحب من بني آدم أن يتابعوه على هذا.

فالصواب أن الأكل بالشمال حرام إلا لعذر، وأكل رجل بشماله عند النبي ﷺ فنهاه وقال:«كل بيمينك»، قال: لا أستطيع، يعني لا يستطيع نفسياً؛ لأنه ما منعه إلا الكِبْر ـ والعياذ بالله ـ فقال النبي ﷺ :«لا استطعت» فما رفع الرجل يمينه إلى فمه أبداً ؛ لأن الله ـ تعالى ـ أجاب دعاء النبي ﷺ؛ لأنه بحق، وهذا نوع من التعزير غريب، أن يعزر الإنسان بأن يدعى عليه بما يشبه معصيته؛

لأن التعزير والتأديب بأي نوع كان.

١٨٬١٠٤

فإن قال قائل: إذا كان الإنسان يأكل طعاماً، وأراد أن يشرب،

١٨٬١٠٥

فإن أخذ باليمين تأثر الإناء بالطعام، وهذا ربما يكرِّه غيره أن يشرب به، فهل هذا يبيح للإنسان أن يشرب بالشمال؟

الجواب: لا؛ لأن المحرم لا يباح إلا للضرورة، وهذا ليس بضرورة، ويستطيع الإنسان أن يمسك هذا الإناء من أسفله،

١٨٬١٠٦

فإن كان كبيراً يضعه على الراحة ويشرب،

١٨٬١٠٧

وإن كان كأساً فهو سهل؛ لأن الكأس يمكن للسبابة والإبهام الإحاطة به، فيمسكه من الأسفل ويشرب.

على أننا في الوقت الحاضر يسر الله الأمر، وزالت هذه العلة نهائياً بكؤوس البلاستيك، فهذا الكأس لا يشرب به غيرك؛ لأنه سيرمى، لكن هذا كله من وحي الشيطان يتحجج به بعض الناس. «بثلاث أصابع» أي: ينبغي أن يأكل الطعام بثلاث أصابع: الإبهام، والوسطى، والسبابة، هذا إذا أمكن، لكن إذا كان لا يمكن الأكل بثلاث أصابع، كالرز ـ مثلاً ـ فإنه يأكل بما يمكن، وجاءت السنة بذلك؛ لأن الأكل بالأصابع كلها يدل على الشره والجشع، لا سيما إذا كان معه أحد.

والعجب أن بعض الناس استنبط من هذا النص أنه ينبغي أن يأكل اللحم بالشوكة، وغير اللحم بالملعقة، قال: لأنه يمسك الشوكة بثلاث أصابع، والملعقة بثلاث أصابع، سبحان الله! نحن لا يضرنا في الوقت الحاضر إلا الأفهام الخاطئة! فهذا لا يقال: أكل بالأصابع، وإنما بالشوكة وبالملعقة، والعلماء رحمهم الله مع قولهم إنه يأكل بثلاث أصابع قالوا: لا بأس بالأكل بالملعقة، قال شارح الإقناع:(وقد يؤخذ من قول الإمام أحمد رحمه الله «أكره كل مُحدَث» أنه يُكره الأكل بالملعقة)؛

لأنها محدثة، ونحن لا نرى كراهة الأكل بالملعقة، لكن لا نرى أن الأكل بها يعني الأكل بثلاث أصابع.

فالصواب: أن الأكل بالملعقة لا بأس به، لا سيما مع دعاء الحاجة، وقد حدثني بعض الناس عن شخص له وزنه أنه كان مع جماعة كانوا يأكلون بالملعقة وهو يأكل بيده، فقالوا له: يا فلان لماذا لا تأكل بالملعقة؟ قال: أنا آكل بملعقة لا يأكل بها إلا أنا، وأنتم تأكلون بملعقة كل الناس يأكلون بها، أنا آكل بملعقة باشرتُ تنظيفها، وأنتم تأكلون بملاعق ما باشرتم تنظيفها، فربما يكون من نظفها نظفها جيداً، وربما لم ينظفها، وهذا جواب جيد، لكن لكل امرئ من دهره ما تعودا، فنحن لا نستطيع أن ننكر الأكل بالملعقة، لكننا لا نقول: إنه هو السنة؛

لأنه أكل بثلاث أصابع. «وتخليل ما علق بأسنانه»، لأن بقاء هذا بين الأسنان يضر بها، وباللثة، وربما يحدث به رائحة كريهة، ودفع المؤذي من الأمور المسنونة. «ومسح الصحفة»، وهذا ـ أيضاً ـ مما جاءت به السنة، يعني أن تمسحها من بقية الطعام، وتلعق أصابعك أيضاً، قال النبي ﷺ :«فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة». «وأكل ما تناثر» وهذا سنة أيضاً، ولكن بعد إزالة ما فيه من أذى، مثل لو سقطت تمرة، أو قطعة من الطعام، فخذها وامسح ما بها من أذى ثم كُلْها، قال النبي ﷺ :«ولا تدعها للشيطان»، وهذا يدل على أن الشيطان يأكل ما تناثر إذا لم يؤكل،

١٨٬١٠٨

وأما إذا لم يمكن أكل ما تناثر فإنه يترك. «وغض طرفه عن جليسه» وهذا ـ أيضاً ـ من الآداب، أن يغض طرفه عن جليسه الذي يأكل معه، فلا تجلس تنظر ما أكل هذا، وما أخذ هذا، وتجلس تراقبه من حين يأخذ الشيء حتى يضعه في فمه، فهذا ليس من الأدب، والناس كلهم ينتقدون هذا. «وشربه ثلاثاً مصًّا» أي: سن أن يشرب بثلاثة أنفاس ، لأن النبي ﷺ إذا شرب شرب مصًّا، وقال:«إنه أهنأ وأبرأ»، ففيه ثلاث فوائد، وينبغي أن يكون ذلك مصًّا لا جرعاً؛

وذلك لأن الماء لا يشرب إلا عند الحاجة إليه، إذا عطش الإنسان، والعطش التهاب المعدة وحرارتها،

١٨٬١٠٩

فإذا جاءها الماء جرعاً فإنه يؤثر عليها؛ لأنه يصطدم البارد بالحار،

١٨٬١١٠

فإذا صار مصاً صار الذي ينزل خفيفاً يسيراً، ويكتسب حرارة من الفم إلى المعدة، فيرد على المعدة وهو ساخن مناسب لها.

ويكون ثلاثاً لقول النبي ﷺ :«فإنه أهنأ وأبرأ وأمرأ»، ولذلك يقول العارفون: إنك إذا وجدت شخصاً عطشان جداً لا تعطيه الماء دفعة واحدة؛ لأنك إن فعلت فإنه يهلك، لكن أعطه شربة وجرعة واحدة، ثم تمهل قليلاً، ثم أعطه الثانية، وهكذا؛ لئلا يهلك.

وقوله:«مصًّا»، هذا بالنسبة للماء، وأما اللبن والمرق وما أشبههما فإنه يُعب عباً، والفرق بينهما ظاهر؛ لأن الماء جاف، وليس فيه دهونة، ولا شيء مناسب للمعدة، فكان الأولى أن يأتيها شيئاً فشيئاً،

١٨٬١١١

بخلاف اللبن وشبهه فتعبه عبًّا، ولكن بثلاثة أنفاس. «ويتنفس خارج الإناء» فيكره أن يتنفس في الإناء، يعني لو فرض أن رجلاً نفسه قليل، ولا يصبر عن النفس، وأراد أن يتنفس، فليَبِنْ الإناءَ عن فمه ثم يتنفس. «وكره شربه من فم سقاء» لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك ، ولأنه قد يكون في السقاء أشياء مؤذية لا يدري عنها،

١٨٬١١٢

فإذا صب الماء في الإناء فإنه ينظر إلى الماء، هل فيه أشياء مؤذية أو لا؟ ومما يؤذي «العلقة»، وهي دودة حمراء تتغذى من الماء،

١٨٬١١٣

فإذا شرب الإنسان من ماء فيه علقة، ودخلت إلى جوفه، فأحياناً تلصق على جدار المريء، أو ما قبله، وأحياناً تنزل إلى المعدة، فتلتصق به وتعضه وتتغذى منه، ثم تكبر وتتضخم حتى تسد النَّفَس تماماً، ولهذا أحياناً قد يهلكون بها.

١٨٬١١٤

«وفي أثناء طعام بلا عادة» أي: يكره الشرب في أثناء الطعام بلا عادة،

١٨٬١١٥

فإن كان الإنسان اعتاد هذا فلا بأس،

١٨٬١١٦

قال بعضهم: ويكره ـ أيضاً ـ بعد الطعام مباشرة بلا عادة.

وقوله:«بلا عادة» يفهم منه أن المسألة ترجع إلى ناحية طبية، قالوا: لأن الشرب أثناء الطعام يفسده، وتزول به منفعته،

١٨٬١١٧

وكذلك إذا شرب مباشرة، فإذا كان قد اعتاد هذا فإنه لا يضره.

١٨٬١١٨

وقال بعضهم أيضاً: إنه إذا شرب أثناء الطعام فإنه يشعر أن معدته كالسقاء ترجرج،

١٨٬١١٩

أما إذا كان هناك عادة، فالعادات لها طبائع ثابتة، فكثير من الناس لا يهمه أن يشرب أثناء الطعام، أو بعده مباشرة فلا يضره؛ لأنه معتاد.

تعليق

ثم إن الطعام إذا كان حاراً والماء بارداً، صار هناك مضرة من جهة أخرى، وهي ورود البارد على الحار، ومعلوم أن الحار يوجب تمدد العروق والجلد،

١٨٬١٢٠

فإذا جاء البارد تقلص بسرعة فيكون في ذلك خطر.

١٨٬١٢١

«وإذا شرب ناوله الأيمن» اقتداء بالنبي ﷺ، وهذا إذا كان الإناء واحداً،

١٨٬١٢٢

أما إن كان لكل واحد إناء، فالأمر واضح.

ولكن إذا دخل الساقي بمن يبدأ؟ هل يبدأ بمن هو عن يمينه أول ما يدخل، أو بالذي أمامه؟

نقول: يبدأ بالأكبر كما جاءت به السنة، ولا يبدأ بمن هو عن يمينه من عند الباب، وبه نعرف أن ما يفعله بعض الناس إذا دخل صافح كل من في المجلس من أول واحد عن اليمين إلى آخر واحد عن اليسار، أن هذا ليس من السنة، لا من جهة المرور بالناس ومصافحتهم، ولا من جهة أنه يبدأ من جهة اليمين الذي عند الباب، وهو أصغر القوم.

١٨٬١٢٣

أما الأول فمن المعروف أن النبي ﷺ كان إذا دخل جلس حيث ينتهي به المجلس ، ولا يمر على الناس يسلم عليهم.

١٨٬١٢٤

وأما الثاني فلأن النبي ﷺ كان معه مسواك يتسوك به، فأراد أن يناوله الأصغر، فقيل له: كبِّر، فأعطاه الأكبر ، وعلى هذا فإذا كان الإنسان مقبلاً على الناس يبدأ بالأكبر،

١٨٬١٢٥

أما إذا كان بيده إناء وأراد أن يناوله فيبدأ باليمين،

١٨٬١٢٦

فإذا كان عن يمينه واحد، وعن يساره واحد فيعطي الأيمن.

١٨٬١٢٧

«ويسن غسل يديه قبل طعام» أي: يسن أن يغسل يديه قبل الطعام، وهذه المسألة مختلف فيها، هل من السنة أن يغسل يديه قبل الطعام مطلقاً، أو إذا كان هناك حاجة؟

الظاهر التفصيل، فإذا كان هناك حاجة فاغسل يديك،

١٨٬١٢٨

ومن الحاجة أن تكون قد لمست شيئاً تتلوث به يدك، أو كثر سلام الناس عليك، فأحسست برائحة كريهة، فهنا الأفضل أن تغسل يديك، وإلا فلا حاجة. «متقدماً به ربُّه» يعني أن الذي يتقدم في غسل يديه هو رب البيت. «وبعده متأخراً به ربُّه» أي: أنه في آخر الطعام يكون رب البيت آخر الناس غسلاً ليديه. وهذه راجعة للعرف والمروءة،

١٨٬١٢٩

وفي وقتنا، فالغالب أن رب البيت لا يشارك الناس. «وكره رد شيء من فمه إلى الإناء»، لأن هذا خلاف المروءة،

١٨٬١٣٠

ويُكرِّه الطعام للناس، والإنسان ينبغي له أن يتعامل معاملة طيبة مع الناس، ويتأدب بالأدب الرفيع.

١٨٬١٣١

أما إذا كانت ثمرة أو لقمة فهي أشد وأشد،

١٨٬١٣٢

ومن ذلك أيضاً أن يأخذ قطعة اللحم يريد أكلها، فيجدها قاسية فيردها في الإناء، فهذا مكروه وخلاف المروءة. «وأكله حاراً» أي: يكره أكل الحار الشديد، والذي تتألم منه المعدة، والطعام يمر على ثلاثة أشياء: اليد، والفم، والمعدة، فاليد تحس بالحر أكثر؛ لأنها لم تتعود على الحار، فأحياناً يكون الطعام حاراً في اليد، ويدخله الإنسان في فمه فما يتأثر، وبعض الناس إذا كان الطعام حاراً في الفم وتأثر به، أنزله بسرعة إلى المعدة، وهذا غلط؛

لأن هذا يوجب أن تنصهر المعدة ويحدث فيها قرحة، ولهذا أرى أن صاحب البيت إذا رأى أن الطعام حار، فإنه يصبرحتى يبرد، ثم يقدمه للضيوف؛ لئلا يضرهم وهم لا يشعرون. «أو من وسط الصحفة»، كذلك يكره أن يأكل من وسط الصحفة؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك، وقال:«إن البركة تنزل في أعلاها». «أو أعلاها» الغالب أن الأعلى هو الأوسط،

١٨٬١٣٣

وإذا كانت سواء، كما في صحون الرز فلا يأكل من الوسط. «وفعله ما يستقذره من غيره» هذه مهمة جداً، والمعنى أنك لو فعل غيرك هذا لرأيته قذراً، فلا تفعل مثله، وهذا مأخوذ من قول الرسول ﷺ :«لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»،

١٨٬١٣٤

ومن قوله ﷺ :«من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه». «ومدح طعامه وتقويمه» أي: أن هذا مكروه؛ لأنه يمنُّ به على الضيف. «وعيب الطعام» أي أنه مكروه، وكان النبي ﷺ لا يعيب الطعام، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه

١٨٬١٣٥

أما أن تعيبه وتقول: طعامك مالح! وشايك مر! وتمرك حشف! فهذا مكروه،

١٨٬١٣٦

أما إن أراد أن يعيبه عند أهله حتى لا يعودوا لمثل ذلك، فهذا جائز، بل هو من التعليم، وهنا لم يعب الطعام، ولكن عاب صنعة أهله. «وقِران في تمر» أي: يكره أن يأكل تمرتين جميعاً. «مطلقاً» أي سواء كان معه مشارك أم لا، وبعض العلماء يقول: إن لم يكن معه مشارك فهو حر، يقرن بين اثنتين أو ثلاث،

١٨٬١٣٧

أما إن كان معه أحد فيكره ذلك؛ لأنه سيأكل أكثر من صاحبه، فيكون في ذلك ظلم.

١٨٬١٣٨

وأما كراهته إذا كان وحده فلأنه يدل على الشره، وأيضاً ربما غص بذلك فيتضرر.

وقوله:«تمر» احترازاً مما دون التمر، كالعنب والفستق، فإنه يجوز القران فيه، إلا إذا كان معه أحد يضيق عليه، فلا يفعل.

١٨٬١٣٩

«وأن يفجأ قوماً عند وضع طعامهم تعمداً»، وهذا ما يسمى بالطفيلي،

١٨٬١٤٠

فإذا ظن أنهم قدموا الطعام فاجأهم حتى لا يستطيعوا أن يقولوا له شيئاً.

فمثل هذا يكره؛ لأنه أولاً: دناءة، وثانياً: إن فيه إحراجاً لأهل البيت.

١٨٬١٤١

أما إذا كان عن غير عمد، كإنسان أراد أن يزور صاحبه، فدخل ووجدهم على الطعام فهذا لا بأس به. «وأكله كثيراً بحيث يؤذيه» أي: أن ذلك يكره، وعلامة الأذى أن يضيق النفَس، ويتعب عند القيام، والاضطجاع، وما أشبه ذلك. واختار شيخ الإسلام رحمه الله أن هذا حرام، وهو الصواب، فلا يجوز للإنسان أن يأكل أكلاً يؤذيه. «أو قليلاً بحيث يضره» الأكل القليل ينظر، إذا كان البدن يتغذى به فهذا خير؛ لقول النبي ﷺ :«بحسب ابن آدم لُقيمات يُقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه».

فكونك تأكل قليلاً، ثم تعود إلى الأكل قريباً أحسن من كونك تأكل كثيراً ثم تتأخر إلى العودة إلى الأكل، ولهذا نسمع عن بعض الأمم أنهم يأكلون قليلاً، ثم يرجعون إلى الأكل عن قرب، فتجدهم يأكلون في اليوم والليلة خمس مرات، ويقولون: هذا أصح للبدن، وما هذا ببعيد؛ لأن الحديث السابق يدل عليه؛ لأنه إذا صار الطعام قليلاً كان هضمه من المعدة بيسر وسهولة، ولا يشق عليها،

١٨٬١٤٢

وإذا هضمته وطلبت طعاماً فكل، فلن يضرك، ولكن أكثر الناس لا يقدر على هذا،

١٨٬١٤٣

فإذا جلس على الطعام لا بد أن يملأ البطن، وهذا أحياناً لا بأس به، أي: أن تملأ بطنك بالطعام حتى لا تجد مكاناً للطعام، كما جاء ذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه فقد كان فقيراً، وكان يصحب النبي ﷺ على شبع بطنه،

١٨٬١٤٤

وفي يوم من الأيام خرج الناس من المسجد، فجعل إذا لقي أحداً يسأله: ما الذي بعد آية كذا؟ وهو يريد بذلك: أن يدعى من أحدهم، ولكن لم يدعه أحد إلى بيته، حتى خرج رسول الله ﷺ قال: فلما رآني تبسم؛ لأنه عرف أن به جوعاً، قال: فذهبت معه، فجيء إليه بقدح من لبن، فقال لي:«ادع أهل الصفة» يريد أن يسقيهم من اللبن، فقال أبو هريرة في نفسه: إذا دعوت أهل الصفة فماذا يبقى لي؟!

ولكن لا بد لي من امتثال أمر الرسول ﷺ، فذهب ودعاهم، وكانوا أحياناً يبلغون ثمانين رجلاً، فجاءوا وشربوا كلهم من هذا الإناء، وبقي فيه شيء، وكان أبو هريرة رضي الله عنه هو ساقيهم، فقال له النبي ﷺ :«اشرب أبا هر»، فشرب، ثم قال له:«اشرب»، فشرب، حتى ما وجد مكاناً للبن في بطنه، فقال: والله يا رسول الله لا أجد له مساغاً، فأخذ العلماء من هذا أنه يجوز للإنسان أن يملأ بطنه من الطعام، لكن أحياناً.

وانظر إلى البركة فهذا الإناء كفى أهل الصفة، وأبا هريرة، وبقيت فيه بقية، وكان يقول: إن الناس يقولون لي: أبا هريرة،

١٨٬١٤٥

وإن النبي ﷺ سمَّاني أبا هر ، والأحسن أبو هر؛ لأنه مكبر، ولأنها تسمية النبي ﷺ له، ولهذا كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه أحسن الألقاب عنده أبو تراب، لأنه كان نائماً يوماً في المسجد، وقد علق التراب بجسمه، فجعل النبي ﷺ يمسح عنه التراب، ويقول له:«قم أبا تراب».

١٨٬١٤٦

وقال صاحب الحاشية : «وليس من السنة ترك أكل الطيبات» وهذا صحيح، بل من السنة أكل الطيبات، فقد جيء إلى النبي ﷺ بتمر طيب، فسأل عن مصدره، فقالوا: كنا نأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة ، ولم ينكر عليهم أكل الطيب، ولكن أنكر عليهم الربا، وأقرهم على أنهم يختارون له الطيب.

١٨٬١٤٧

وقال أصحاب الكهف: ﴿﴾ ، فالتورع عن أكل الطيبات خلاف سنة الأولين والآخرين، لكن إن لزم من أكل الطيبات الخروج إلى حد الإسراف، فحينئذٍ يمنع، لا لأنه أكل من الطيبات، ولكن لأجل السرف.

١٨٬١٤٨

«ومن السرف أن يأكل كل ما اشتهى» سبحان الله! هذا ليس من السرف، بل هو من التنعم بنعم الله عز وجل، نعم لو اختار أشياء غالية لا تليق بمثله فهذا صحيح، فكلام المؤلف فيه نظر.

١٨٬١٤٩

«ومن أذهب طيباته في حياته الدنيا، واستمتع بها، نقصت درجاته في الآخرة للأخبار»، لا شك إذا تلهى بطيبات الدنيا عن أعمال الآخرة، فلا شك أن ذلك ضرر عظيم. «وكره نفض يده في القصعة» لأنه يقذرها على الناس، حتى لو قال: أنا أنفضها في جهتي؛ لأن الطعام كالرز ينتشر في القصعة.

١٨٬١٥٠

«وأن يقدم إليها رأسه عند وضع اللقمة في فمه»، هذا أيضاً مكروه؛ لأنه دناءة.

١٨٬١٥١

«وأن يغمس اللقمة الدسمة في الخل» الخل عبارة عن ماء يوضع فيه زبيب أو تمر ليحليه،

١٨٬١٥٢

فإذا وضع فيه اللقمة الدسمة تلطخ بالدسم، فأفسده على الناس. «أو الخل في الدسم فقد يكرهه غيره» وهذا كذلك؛ إلا إذا كان الخل في إناء خاص به، والدسم كذلك إذا كان في إناء خاص به،

١٨٬١٥٣

فإذا غمس فيه الخبز وفيه دسم فإنه لا يكره؛ لأنه لن يفسده على أحد،

١٨٬١٥٤

ومثله الشاي لو غمست فيه الخبز المدهون فيظهر أثر الدهن فيه، فلا بأس؛ لأن كل واحد يشرب في إناء خاص.

١٨٬١٥٥

فإذا قال قائل: المؤلف رحمه الله جزم بالكراهة في هذه الأمور، فهل في كل واحد منها سنة مخصوصة؟

فالجواب: لا نعلم، ولكن هنا شيء عام يدل على كراهة هذه الأشياء، وهو قول النبي ﷺ :«إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى، إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت»، وقوله ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» ، وكل ما يخالف المروءة، فهو مخالف للحياء. «وينبغي أن يحول وجهه عند السعال والعطاس عن الطعام» السعال، أي: الكحة، فينبغي أن يبعد وجهه عن الطعام لئلا يخرج شيء من الريق، ويقع في الطعام وهذا حق، والعطاس من باب أولى.

ولكن قوله:«أن يحول وجهه» أي يصرفه عند العطاس هذا غلط؛ لأنهم يقولون: إن هذا خطر عظيم على الأعصاب؛ لأنه كما هو معلوم العطاس يهز البدن كله،

١٨٬١٥٦

فلو التفت أثناء العطاس ربما اختلفت أعصاب الرقبة، ولهذا كره الأطباء أن ينحرف الإنسان عند العطاس، ولكن يفعل كما قال المؤلف:«يبعد عنه، أو يجعل على فيه شيئاً» وهذا من الآداب أن يغطي الإنسان وجهه عند العطاس، فيضع غترته أو ما أشبه ذلك على وجهه إذا أمكن. «لئلا يخرج منه ما يقع في الطعام» وهذا سبق.

١٨٬١٥٧

«ويكره أن يغمس بقية اللقمة التي أكل منها في المرقة» كإنسان أكل قطعة من خبز، ثم غمسها في المرق، فيكره، إلا إذا كان لا يأكل معه أحد فلا حرج.

١٨٬١٥٨

«ويستحب للآكل أن يجلس على رجله اليسرى وينصب اليمنى، أو يتربع» فيجلس على اليسرى وينصب اليمنى بساقها وفخذها؛ لئلا يتوطن كثيراً فيأكل كثيراً، أو يتربع، ولكن ابن القيم رحمه الله ذكر في «زاد المعاد» أن التربع مكروه، وأنه داخل في قول النبي ﷺ :«لا آكل متكئاً»، وعلل ذلك بأن المتربع مستوطن أكثر، فربما يأكل كثيراً.

والجواب: عن هذا أن يقال: الحديث لا يدل على هذا، فالتربع ليس اتكاء، ومسألة أنه إذا تربع أكثرَ من الطعام هذه ترجع إلى الإنسان، ربما حتى لو جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى ربما يكثر من الطعام، فالظاهر أن التربع لا يكره. «وينبغي لمن أكل مع جماعة أن لا يرفع يده قبلهم حتى يكتفوا» خصوصاً إذا كان كبير القوم، أو صاحب البيت، فلا تقم قبلهم؛ لأنك إذا قمت قبلهم ربما يقومون حياء، وهم لم يشبعوا، فكن آخر شخص.

وكان الناس فيما سبق يبالغون في هذا غاية المبالغة، حتى إذا قام صبي من خمسين رجلاً على المائدة قاموا جميعاً، ولكن أخيراً صار لا يقوم الإنسان إلا إذا شبع، ويعبرون عن هذه العادة بقولهم: سعودية؛ لأن أول من سنها ـ كما قيل ـ الملك عبد العزيز رحمه الله، واقترح علينا بعض الناس في مجلس في الرياض أن تكون سعودية في المبتدى والمنتهى، فالناس إذا حضروا على المائدة لا يبدأون حتى يتكاملوا ويحضروا جميعاً، فيتأخرون كثيراً، فلماذا لا نقول: سعودية في الأول،

١٨٬١٥٩

فمن جلس أكل؟ وهذا الاقتراح أعجبني في الواقع،

١٨٬١٦٠

ولا يعد خلافاً للمروءة كما قال الشاعر :

وإن مُدت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم إذ أجشع الناس أعجل لأنه إذا صارت عادة لم تكن جشعاً.

١٨٬١٦١

«وأن يخرج مع ضيفه إلى باب الدار» أي: يستحب ذلك، وهذا ـ أيضاً ـ حسب العادة،

١٨٬١٦٢

فإذا كان الضيف ممن يرى أنه أهل لأن يصحب إلى الباب فليكن، وإلا فلا حاجة. «ويحسن أن يأخذ بركابه» هذا إذا جاء على بعير، فيأخذ بركابه حتى يسهل الركوب،

١٨٬١٦٣

وفي الوقت الحاضر يفتح له باب السيارة.

«وينبغي للضيف ـ بل لكل أحد ـ أن يتواضع في مجلسه» وضد التواضع شيئان:

الأول: الكبر، وهذا حرام، بل من كبائر الذنوب، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ .

الثاني: أن لا يكون متكبراً ولا متواضعاً، بل طبيعياً، وهذه حال جائزة، لكن الأفضل أن يكون متواضعاً.

وهل من التواضع أن يقدم اللحم لجليسه كما يفعل بعض الناس؟

هذه ـ أيضاً ـ ترجع إلى العادات،

١٨٬١٦٤

فإذا جرت العادة بأن هذا من باب التواضع والإكرام فافعل، وإلا فلا تفعل،

١٨٬١٦٥

وكذلك لو قال لك جليسك: كف عن هذا، فلا تحرجه، ودعه يأخذ كما يريد.

١٨٬١٦٦

«وإن عيَّن له صاحب البيت مكاناً لم يتعده».

هذا من الأدب، فإذا قال له صاحب البيت: تفضل اجلس هنا، فلا يقول: لا،

١٨٬١٦٧

وإذا كان رجلاً شريفاً، وذا مكانة، وأجلسه في مكان لا يليق به فله أن يرفضه؛ لأنه ما أكرمه، فلا كرامة له،

١٨٬١٦٨

وإذا قال للداخل: اجلس هنا ـ أي: في صدر المجلس ـ ولكن أحب هذا الداخل أن يجلس في مكان آخر يكون قريباً من جميع الحضور، فهل يعصي صاحب البيت، ونقول: لا بأس؟ أو نقول: أنت داخل بإذن من صاحب البيت، فليس لك أن تجلس في مكان غير الذي عينه لك؟

الجواب: الثاني، ولكن إذا رأى من المصلحة أن يجلس وسط الناس دون المقدم فليستأذن.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.