ويحرم وطؤها في الحيض والدبر
الشروح عليها
(ويحرم وطؤها في الحيض) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} . . . الآية،
وكذا بعده قبل الغسل (و) في (الدبر) لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أعجازهن» رواه ابن ماجه.
ويحرم عزل بلا إذن حرة أو سيد أمة.
ابن ماجه . ويحرم عزل بلا إذن حرة قال الوزير وغيره: أجمعوا على أنه ليس له العزل عن الحرة إلا بإذنها، ولأحمد: نهى أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها. وثبت عن ابن عباس نحوه، ولمسلم عن عائشة قال «ذلك الوأد الخفي» ولأن لها في الولد حقا، وعليها في العزل ضرر، فلم يجز إلا بإذنها، والجماع من حقها، ولها المطالبة به، وليس الجماع المعروف إلا ما لا يلحقه عزل، ومعناه أن ينزع إذا قرب الإنزال، فينزل خارجا عن الفرج.
ويحرم عزل بلا إذن حرة أو سيد أمة أي
ويحرم عزل عن أمة، إلا بإذن سيدها عند الجمهور، لأن الحق في الولد له، وله أن يعزل عن سريته بلا إذنها، ويعزل وجوبا عن الكل بدار حرب بلا إذن.
«ويحرم وطؤها في الحيض» أي: يحرم وطء الزوجة في الحيض؛ لقول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي: يطهرن من الحيض ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: اغتسلن ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ والآية نص صريح، وفيها ذِكْر التعليل قبل الحكم؛ من أجل إيقاظ الذهن للعلة؛ حتى يكون الإنسان كارهاً للفعل قبل أن يعرف حكمه، وهذا أسلوب من أساليب البلاغة، وإلا فالغالب أنه يُذكَر الحكم ثم تذكر العلة، لكن هنا ذكرت العلة من أجل أن يرد الحكم على نفس كارهة للمخالفة؛
لأن أي إنسان يعرف أنه أذى سوف يتجنبه.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ أَذىً﴾ أي: على الزوجين جميعاً، فالزوج يتضرر، والزوجة تتضرر أيضاً، ثم هو دم نجس وليس طاهراً؛ لأن النبي ﷺ أمر الحائض إذا أصاب دمها ثوبها أن تغسله ثم تصلي فيه .
وإذا حرم الوطء في الحيض فيجوز ما سواه، من المباشرة والجماع دون الفرج، وما أشبه ذلك؛ لأنه إذا كان الأصل الحل فإنه لا يخرج عن الأصل إلا ما قُيِّد بالوصف فقط، وهو الجماع.
فإذا قال قائل: كيف تقول: إنه الجماع، وقد قال الله عز وجل : ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾، وهذا يقتضي أن الزوج يعتزلها حتى يكون فراشه غير فراشها،
وأن لا يقربها أيضاً؟
فالجواب: أن هذا من باب التوكيد؛ لأن السنة بينت ذلك، فقد قال النبي ﷺ :«اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، وأخبرت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان يأمرها، فتتزر، فيباشرها وهي حائض ، فالتعبير بالعبارتين: ﴿فَاعْتَزِلُوا﴾، ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ من باب التوكيد والتنفير، وذلك واضح؛ لأن النفس تدعو إلى جماع الزوجة، لا سيما إذا كان شاباً وهي شابة، فيحتاج الحكم بالتحريم إلى عباراتٍ جزلة، توجب النفور من هذا العمل،
ومن رحمة الله عز وجل أنه لا يمنع شيئاً إلا أحل ما يقوم مقامه،
ولو من بعض الوجوه، وهو المباشرة دون الفرج.
لكن ينبغي لمن أراد ذلك أن يأمر زوجته فتتزر،
وأن لا يبقى محل المباشرة مكشوفاً؛ لأنه ربما يرى منها ما يكره من الدم ونحوه، فتتقزز نفسه منها، ويؤثر ذلك على نفسيته، حتى في المستقبل، ولهذا كان من حكمة النبي ﷺ أنه يأمر المرأة أن تتزر.
فإذا جامع في الحيض ترتب عليه: الإثم، والمعصية، والعقوبة.
وهل تجب عليه كفارة أم لا؟
هذا ينبني على صحة الحديث الوارد في هذا، والعلماء مختلفون فيه،
فمن صح عنده الحديث أوجب الأخذ به، والكفارة دينار، أو نصفه،
إما على التخيير، أو باعتبار حال الحيض، بمعنى أنه يفرق بين الوطء في آخر الحيض وخفته، وتوقان النفس إلى الجماع، فيكون نصف دينار، وبين أن يكون الحيض في أوله وفوره، فيكون ديناراً.
والتخيير فيه إشكال، وهو أنه جرت العادة في الكفارات أنه لا يمكن أن تكون كفارة واجبة من جنس واحد، كاملة أو ناقصة؛ لأن التخيير إنما يكون بين شيئين مختلفين، كالإطعام، والكسوة، وتحرير الرقبة، في كفارة اليمين،
وأما بين شيئين هما من جنس واحد ـ إلا أن هذا كثير وهذا قليل ـ فهذا لم يرد.
ولكن الجواب عن هذا أن نقول: إن الله سبحانه وتعالى له أن يحكم بما شاء،
فإذا خير العبد بين دينار أو نصفه، فهذا من الرحمة،
فمن ابتغى الفضل تصدق بدينار،
ومن ابتغى الواجب تصدق بنصف دينار. والمرأة إن وافقت زوجها على الوطء حال الحيض اختياراً فهي مثله،
وإن أكرهها فلا شيء عليها، لا إثم ولا كفارة.
«والدبر» أي: ويحرم وطؤها ـ أيضاً ـ في الدبر، بمعنى أن يولج الذكر في الدبر لقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ، والدبر ليس محلاً للحرث، ولأحاديث متعددة وردت في التحذير منه، ومجموعها يقضي أن تصل إلى درجة الحسن العالي، ومنها أن النبي ﷺ قال:«إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أعجازهن».
ثم إن القياس الصحيح يقتضي هذا، فالغائط أخس من الدم بلا شك،
فإذا كان الله ـ تعالى ـ حرم وطء الحائض للأذى من الدم،
فإن وطء الدبر أشد وأقبح؛ لأن هذا يشبه اللواط، وهو جماع الذكر والعياذ بالله، ولهذا أسماه بعض العلماء باللوطية الصغرى، فلا شك في تحريم وطء المرأة في دبرها.
أما أن يستمتع بها فيما بين الأليتين فلا بأس.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ومن عُرف بالوطء في الدبر وجب أن يفرق بينه وبين زوجته، أي: أن يفسخ النكاح؛ لأن الإصرار على هذه المعصية التي هي من كبائر الذنوب لا يمكن إقراره أبداً.
وأما قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ *إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ *﴾ [المؤمنون] فبعض الناس يقول: هذه الآية عامة، فإننا نقول: إذا عممت الاستمتاع بالنسبة للأزواج، فعمم الاستمتاع بالنسبة لما ملكت اليمين، وقل: يجوز للرجل أن يجامع بعيره؛ لأنها مما ملكت يمينه!! فالمطلق يحمل على المعروف المعهود، فيكون قوله: ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ أي: فيما أبيح لهم من الاستمتاع بهن لا مطلقاً، كما أنك لا تقول بالتعميم في قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ مع أن الآية واحدة.
فالوطء في الدبر محرم، ومن سوَّلت له نفسه ففعل فلا كفارة عليه، لكنه آثم.
فإن قال قائل: ألست تقول: إنه يقاس على الوطء في الحيض؟
فالجواب: بلى، لكن لا يلزم من التساوي في الحكم التساوي في الكفارة، فالكفارة حكم جديد مستقل، ولا يمكن أن نقيس، ولهذا نص أصحاب أصول الفقه أنه لا قياس في الكفارات.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.