ويقسم لحائض ونفساء ومريضة ومعيبة "ومجنونة مأمونة" وغيرها.
الشروح عليها
(ويقسم) وجوبا (لحائض ونفساء ومريضة ومعيبة) بنحو جذام (ومجنونة مأمونة وغيرها) كمن آلى وظاهر منها، ورتقاء ومحرمة ومميزة؛ لأن القصد السكن والأنس، وهو حاصل بالمبيت عندها، وليس له بداءة في قسم ولا سفر بإحداهن بلا قرعة إلا برضاهن.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(لحائض ونفساء (٥) . ومريضة ومعيبة) بنحو جذام كبرص،
ويجب الوطء إذا لم يجز الفسخ،
وكذلك يجب عليها تمكين الأبرص والأجذم، وإلا فلا نفقة لها،
وإذا لم يستمتع بها فلها الفسخ، ويكون المثبت للفسخ هنا عدم الوطء، فهذا يقوده إلى وجوبه.
. ومريضة ومعيبة) بنحو جذام (ومجنونة مأْمونة وغيرها) كزمنه،
وأما المجنونة غير المأمونة، فلا قسم لها. سقط حقها، من قسم ونفقة.
«ويقسم لحائض» أي: إذا كان له زوجتان فحاضت إحداهما، يقول المؤلف: إنه يجب أن يقسم لها.
فإن قال: الحائض لا أستمتع بها بكل ما أريد؟
نقول: لكن الإيناس، والاجتماع، وأن لا تَرَى الزوجة الأخرى متفوقة عليها، هذا واجب.
فإن اتفقت الزوجتان على أنه لا يقسم للحائض، فهل هذا جائز أو غير جائز؟
وإذا جاز، فهل لهما الرجوع أو ليس لهما الرجوع؟
لننظر: هل هذا معلوم أو مجهول؟ هذا غير معلوم، قد تحيض هذه خمسة أيام، وهذه تحيض عشرة أيام، وقد تختلف العادة، فهو مجهول،
وإذا كان مجهولاً فلا بد أن يؤثر على قلوب الزوجات؛ لأنه إذا صارت هذه حيضها خمسة أيام، والثانية حيضها، أحياناً خمسة أيام، وأحياناً عشرة أيام، وأحياناً ثمانية أيام، وأحياناً ثلاثة عشر يوماً، فيكون هناك شيء في النفوس، حتى وإن رضين في أول الأمر، لكن سوف لا يرضين في النهاية.
فإذا قال: اتفق معكما على أن لا أقسم للحائض ما لم يتجاوز حيضها ثمانية أيام فإنه يجوز؛ لأنه جعل له حداً أعلى، وربما يكون في هذا راحة للجميع. «ونفساء» أي: يجب أن يقسم لها؛ لأنه إذا وجب للحائض وجب للنفساء ولا فرق، لكن النفساء يجب أن يُرجَع في هذا إلى العرف، والعرف عندنا أن النفساء لا تبقى في بيت زوجها، بل تكون عند أهلها حتى تطهر، وأيضاً العرف عندنا أنه لا قسم لها، أي: أن الزوج لا يذهب لها ليلة وللأخرى ليلة، ولا يقضي إذا طهرت من النفاس، وعلى هذا فنقول: مقتضى قول الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أن لا قسم للنفساء،
أما الحائض فعندنا جرت العادة أنه يقسم لها،
وأن الزوج لا يفرِّق، يذهب إلى كل واحدة في ليلتها، سواء كانت طاهراً أم حائضاً. «ومريضة» أي: يجب أن يقسم للمريضة، وهذا القول وجيه، بل ربما لو نقول: إنه أوجب من القسم للصحيحة لكان له وجه؛ لأنه لو هجر المريضة فإنه يؤثر فيها، ويزيدها مرضاً.
فإن عافت نفسه هذه المريضة،
وقال: أنا لا أطيق، قلنا: إذاً استسمح منها، وطَيِّبْ قلبها؛ لأنه أحياناً يكون المرض لا يطيقه الإنسان وأحياناً يطيقه، فنقول: إذا كانت مريضة مرضاً لا تطيقه أو تخشى من العدوى، فحينئذٍ استأذن منها. «ومعيبة» المراد معيبة حدث بها العيب، فإنه يقسم لها،
وكذلك إذا كانت معيبة من قبل؛ لأنه هو الذي فرط بعدم اشتراط أن لا يقسم، والعيب قد يكون طارئاً وقد يكون سابقاً. «ومجنونة مأمونة وغيرها» أي
ويجب ـ أيضاً ـ أن يقسم للمجنونة المأمونة وغير المأمونة،
أما إذا كانت مأمونة فالأمر واضح ليس فيه إشكال، لكن إذا كانت غير مأمونة فلا يأمن أنه إذا نام ذهبت إلى المطبخ، وأخذت السكين وذبحته، وهذا وارد، فقول المؤلف رحمه الله :«وغيرها» هذا إشارة إلى أن المسألة فيها خلاف، والصواب أن يقسم للمجنونة بشرط أن تكون مأمونة،
فإن لم تكن مأمونة فلا يقسم لها.
لكن هل يرضى الإنسان أن تكون زوجته مجنونة غير مأمونة؟
نقول: أما ابتداءً فلا أظن أحداً يُقدِم على امرأة مجنونة غير مأمونة، لكن قد يحدث هذا الجنون لمدة معينة، فهنا نقول: يقسم لها، وربما إذا قسم لها، وهدأها، وصار يتكلم معها، ربما تستجيب ويزول ما بها من الجنون، كما هو واقع أحياناً.
وقوله:«وغيرها» يعني غيرهن، مثل مَنْ آلى منها، أو ظاهر منها، أو وجد بها مانع، مثل أن تكون صائمة فإنه يقسم لها، يعني حتى من لا يتمتع بها بالوطء، فيجب أن يقسم لها، إلا ما جرى به العرف، أو ما سمحت به،
فلو فرض أنه قال لها مثلاً: أنتِ مريضة ويشق علي أن أقسم لك، فهل تسمحين؟
فإذا سمحت فلا حرج؛ لأن الحق لها،
ولو كانت امرأة كبيرة في السن،
وقال لها: أنا ما أقدر أن أقسم لك، فهل تحبين أن تبقي عندي،
وفي عصمتي، وبدون قسم، وإلا فأنا أطلقك؟ فاختارت أن تبقى عنده، فهذا جائز.
فلو قال قائل: إنما اختارت هذا على سبيل الإكراه خوفاً من الطلاق، قلنا: نعم الحق لها، لكن هنا يجوز؛ لأن الإكراه في مسألة الفراق لحقه، فيقول: إذا كانت تريد أن تبقى عند أولادها وفي بيتها فذاك،
وإن لم تحب فأنا لا أريد أن يتعلق بذمتي شيء، فأطلقها وأستريح.
ثم ذكر المؤلف مسقطات القسم والنفقة فقال:
«وإن سافرت بلا إذنه، أو بإذنه في حاجتها، أو أبت السفر معه، أو المبيت عنده في فراشه، فلا قسم لها ولا نفقة»،
هذه عدة مسائل:
وَإِنْ سَافَرَتْ بِلَا إِذْنِهِ، أَوْ بِإِذْنِهِ فِي حَاجَتِهَا، أَوْ أَبَتْ السَّفَرَ مَعَهُ، أَوْ المَبِيتَ عِنْدَهُ فِي فِرَاشِهِ، فَلَا قَسْمَ لَهَا، وَلَا نَفَقَةَ، .........
الأولى: قوله: «إن سافرت بلا إذنه» إن سافرت بلا إذنه فليس لها قسم، وليس لها نفقة؛ لأنها عاصية وناشز، وفوتت عليه الاستمتاع،
وإذا كان النبي ﷺ يقول:«لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه»، فكيف بمن تسافر؟!
فإذا قال قائل: قوله: «لا قسم لها» هذا تحصيل حاصل؛ لأنها إذا كانت مسافرة فكيف يقسم؟ نقول: أي: لا يلزمه القضاء إذا رجعت.
الثانية: قوله: «أو بإذنه في حاجتها» إذا سافرت بإذنه
فإما أن يكون في حاجته،
وإما أن يكون في حاجتها،
فإن كان في حاجته فلها النفقة ولها القسم، مثلاً له أم في المستشفى في بلد آخر، وسافرت بإذنه، فالحاجة له هو، ففي هذه الحال نقول: لها النفقة؛ لأن ذلك لحاجته، وجزاها الله خيراً أن ذهبت.
وأما إذا سافرت بإذنه لحاجتها، قالت له مثلاً: إني أريد أن أزور أقاربي أو ما أشبه ذلك، فأذن لها، يقول المؤلف: ليس لها قسم، وليس لها نفقة،
أما كونها ليس لها قسم فلا شك في ذلك؛ لأنها اختارت ذلك بسفرها،
وأما أنه لا نفقة لها؛ لأن النفقة في مقابلة الاستمتاع، وهذا فيه نظر؛ لأن المرأة لم تمنع زوجها من نفسها إلا بعد أن أذن،
فإذا أذن والحق له فإن حقها لا يسقط، فلها أن تطالبه بالنفقة، ولكن لا يجب عليه من النفقة إلا مقدار نفقة الحضر؛ لأنها إذا سافرت تحتاج إلى أجرة للذهاب وأجرة للإياب، وربما تكون البلد الثانية المؤنة فيها أشد، والسعر فيها أغلى، فلا يلزمه إلا مقدار نفقة الإقامة، إلا إذا أذن بذلك ورضي،
وقال: أنا آذن لك، والنفقة عليَّ، فهنا لا إشكال في إنها تجب عليه.
الثالثة: قوله: «أو أبت السفر معه»: قال مثلاً: سنذهب إلى مكة لأداء العمرة فأبت، أو سنذهب إلى الرياض لمتابعة معاملة ـ مثلاً ـ فأبت، أو نذهب لزيارة صديق أو قريب فأبت، فليس لها قسم ولا نفقة، إلا إن كانت قد اشترطت عند العقد ألا يسافر بها،
فإن لها النفقة، ولها أن تطالبه بالقسم أيضاً، ويحتمل ـ أيضاً ـ ألا تطالبه بالقسم؛ لأن من ضرورة سفره ألا يقسم لها، وهي إذا طالبته بالقسم،
فإن ذلك ضرر على الزوجات الأخرى.
الرابعة: قوله: «أو المبيت عنده في فراشه»: أي: إذا دعاها إلى فراشه وأبت، فإنها تسقط نفقتها، ويسقط حقها من القسم؛ لأنها منعت زوجها من حقٍ يلزمها، فسقط حقها وهي آثمة، وقد قال النبي ﷺ :«إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء لعنتها الملائكة حتى تصبح»،
وفي هذه الحال له أن يعاملها معاملة أخرى أشد من هذا، وهي أن يعظها، ويهجرها، ويضربها لقوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ .
إذاً المرأة إذا منعت حق الزوج سقطت نفقتها،
فإذا منع نفقتها، فهل يسقط حقه؟ نعم ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ،
فإذا كان الزوج يمنع زوجته من النفقة فلها أن تمنع نفسها منه، ولها أن تأخذ من ماله بدون علمه،
وإذا كان يسيء معاملتها فلها أن تسيء معاملته لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ .
وَمَنْ وَهَبَتْ قَسْمَهَا لِضَرَّتِهَا بِإِذْنِهِ أَوْ لَهُ فَجَعَلَهُ لأُخْرَى جَازَ،
فَإِنْ رَجَعَتْ قَسَمَ لَهَا مُسْتَقْبَلاً، ..........
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.