كل شراب أسكر كثيره فقليله حرام
الشروح عليها
باب حد المسكر] . أي الذي ينشأ عنه السكر، وهو اختلاط العقل، (كل شراب أسكر كثيره فقليله حرام، وهو خمر من أي شيء كان) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام» رواه أحمد وأبو داود.
لا زيادة له على هذه المسألة.
أي الذي ينشأ عنه السكر، وهو اختلاط العقل أي والسكر: هو اختلاط العقل،
وقال الشافعي وأحمد: هو أن يخلط في كلامه خلاف عادته،
وقال مالك: إذا استوى عنده الحسن والقبيح فهو سكران.
وكل خمر حرام» . رواه أحمد وأبو داود وهو في الصحيحين من غير وجه، بهذا اللفظ، وبلفظ «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، وكل شراب أسكر فهو حرام» ، فكل مسكر يقال له خمر، ويحكم بتحريمه، قال أحمد: في تحريم المسكر عشرون وجها، عن النبي صلى الله عليه وسلم. لقوله صلى الله عليه وسلم «إنه ليس بدواء، ولكنه داء» رواه مسلم،
وقال ابن مسعود، إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم.
بَابُ حَدِّ المُسْكِرِ «حد المسكر» أي: عقوبة المسكر، وعلم من ذلك أن عقوبة السكران حدٌّ، لا يُتَجَاوز ولا يُنقص؛ لأن جميع الحدود التي رتبها الشارع على الجرائم لا تزاد ولا تنقص، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، بل المشهور من المذاهب الأربعة.
ودليل ذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قدرها بثمانين،
وأن أبا بكر ضرب في عهده أربعين ، وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما لهما سُنَّة متبعةٌ، لقول النبي ﷺ :«عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»، وهما في قمة الخلفاء الراشدين المهديين من بعد الرسول ﷺ، وعلى هذا فيكون لهما سنة واجبة الاتباع بنص الحديث عن الرسول ﷺ، ولكن هل هي أربعون، أو ثمانون، أو أربعون وجوباً، وما بين الأربعين إلى الثمانين راجع إلى نظر الإمام،
فإن أكْثَرَ الناسُ منها بلغ الثمانين،
وإن أقلوا لم يتجاوز الأربعين؟ في هذا ـ أيضاً ـ خلاف. والقول الثاني: أن عقوبة شارب المسكر من باب التعزير، الذي لا يُنْقص عن أربعين جلدة؛ لأن هذا أقل ما روي فيه، ولكن للحاكم أن يزيد عليه إذا رأى المصلحة في ذلك،
واستدلوا بالتالي:
أولاً: أن الله سبحانه وتعالى لم يذكر حده في القرآن.
ثانياً: أن النبي ﷺ لم يذكر حدَّه في السنة، بل قال ﷺ :«إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه» ولم يحدَّه.
ثالثاً: أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا إذا أُتِي بالشارب قاموا إليه يضربونه بالجريد، والنعال، وطرف الرداء، والأيدي ، وما أشبه ذلك،
ولو كان هذا حدّاً لا يُتجاوز لوجب ضبطه، وألا يكون كل من جاء ضَرَبَ.
رابعاً: أن الصحابة رضي الله عنهم لما تشاوروا في عهد عمر رضي الله عنه حين أكثر الناس من شربه، قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه : أخف الحدود ثمانون، فوافق على ذلك الصحابة ؛ وجه الدلالة من هذا الحديث أنه قال:«أخف الحدود ثمانون»، ونحن نعلم أن الرسول ﷺ : ضُرِبَ الشارب في عهده نحو أربعين ،
وفي عهد أبي بكر رضي الله عنه أربعين ،
ولو كان حدّاً لكان أخف الحدود أربعين، ثم لو كان حدّاً ما استطاع عمر ولا غيره أن يتجاوزه، فالحد لا يمكن أن يزيده أحد، كما لا تزاد صلاة الظهر عن أربع، وصلاة المغرب عن ثلاث، وصلاة الفجر على اثنتين، أيضاً الحدود التي قدرها الله أو رسوله ﷺ.
وأيضاً قوله: أخف الحدود ثمانون، يدل على أنه يجوز أن نتجاوز ما كان الشارب يُجْلَد إيَّاه في عهد النبي ﷺ،
ولو كان حدّاً ما جازت مجاوزته، ولا استشار عمر الصحابة رضي الله عنهم في الزيادة، مع أنه كان رضي الله عنه معروفاً بالوقوف عند حدود الله سبحانه وتعالى.
خامساً: ما صح الحديث به عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: «إذا شرب فاجلدوه»، وذكر ذلك ثلاثاً، ثم قال:«فإن شرب الرابعة فاقتلوه»، وهذا دليل على أنه عقوبة تتدرج حتى تصل إلى القتل،
ولو كان حدّاً محدوداً لكان الحد فيه لا يتغير.
وهذا هو الراجح عندي، وهو ظاهر كلام ابن القيم في إعلام الموقعين، وهو أنه تعزير لكن لا ينقص عن أقل تقدير وردت به السنة،
وأما الزيادة فلا حرج في الزيادة إذا رأى الحاكم المصلحة في ذلك. وقوله:«المسكر» اسم فاعل من أسكر، أي: غطى العقل على سبيل اللذة والطرب، وتغطية العقل لها وجوه متعددة،
فإذا كان على وجه اللذة والطرب، والنشوة، والارتقاء، والتعالي، فذلك هو السَّكَرُ، فالمسكر هو الذي إذا تناوله الإنسان غطى عقله على سبيل اللذة والطرب، وهو حرام.
كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ. وَهُوَ خَمْرٌ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ، وَلَا يُبَاحُ شُرْبُهُ لِلَذَّةٍ وَلَا لِتَدَاوٍ وَلَا عَطَشٍ وَلَا غَيْرِهِ، إِلاَّ لِدَفْعِ لُقْمَةٍ غَصَّ بِهَا وَلَمْ يَحْضُرْهُ غَيْرُهُ، ...... «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» هذه قاعدة مأخوذة من الحديث، قال ﷺ :«ما أسكر كثيره فقليله حرام»، وقال:«ما أسكر منه الفَرَقُ فملء الكفِّ منه حرام»، والفَرَق يسع ستة عشر رطلاً.
فقوله:«كل شراب أسكر» هذا مبتدأ، خبره: الجملة المقرونة بالفاء «فقليله حرام»، وقرن الخبر بالفاء؛ لأن المبتدأ يشبه الشرط في العموم؛ ووجه العموم الذي فيه «كل شراب».
وقوله:«كل شراب» هذا على سبيل الأغلبية، أن يكون الخمر مشروباً، وإلا فقد يكون مأكولاً، فيعجن، ويؤكل، وقد يكون معجوناً من جهة أخرى بحيث يبل به العجين، ويؤكل ـ أي: يُعْجَن العجين بماء خمر ـ فيأكله الإنسان لقيمات، فيحصل السكر، ولهذا الأحسن أن نقول:«كل ما أسكر كثيرُهُ» كما جاء في الحديث، سواء كان شراباً، أو معجوناً، أو مطحوناً، فكل ما أسكر فإنه حرام.
وإذا أسكر كثيره فظاهر أنه حرام؛
وأما القليل فحرام بدليل الحديث؛ ولأنه ذريعة إلى شُرب الكثير المسكر، فلهذا منع الشرع منه.
ويجب أن نعرف الفرق بين أن نقول:«ما أسكر كثيره فقليله حرام»، وبين أن نقول:«ما كان مسكراً وخلط بغيره فهو حرام»، لأن ما أسكر كثيره بمعنى هذا الشراب بعينه، إن أكثرت منه سكرت،
وإن أقللت لم تسكر، فيكون القليل حراماً؛ لأنه ذريعة.
وأما خلط الخمر بغيره على وجه لا يظهر فيه أثره،
فإن هذا لا يؤثر، فهو كما لو وقعت نجاسة بماء فلم تغيره.
ففي هذه الحال لا يكون الماء نجساً؛
فإذا عَجَن عجيناً بخمر فإنه يكون حراماً، وهذا بشرط أن يسكر، ومعلوم أنك إذا عجنت العجين بخمر فإنه سوف يؤثر عليه بلا شك،
أما إذا لم يؤثر، أي: يكون خلطاً قليلاً يتضاءل ويذهب أثره فلا عبرة به.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.