فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الروض المربعالبهوتي

(وهو) أي التعزير (واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة كاستمتاع لا حد فيه) أي كمباشرة دون فرج. (و) كـ (سرقة لا قطع فيها) لكون المسروق دون نصاب أو غير محرز، (و) كـ (جناية لا قود فيها) كصفع ووكز، (و) كـ (إتيان المرأة المرأة، والقذف بغير الزنا) إن لم يكن المقذوف ولدا للقاذف،

٢٬٢٨٥

فإن كان فلا حد ولا تعزير، (ونحوه) أي نحو ما ذكر، كشتمه بغير الزنا، وقوله: الله أكبر عليك، أو خصمك، ولا يحتاج في إقامة التعزير إلى مطالبة.

حاشية الروض المربعابن قاسم، حاشية على الروض المربع

كاستمتاع لا حد فيه) أي: كمباشرة دون فرج ففيه التعزير بما يراه الأئمة، وولاة الأمور.

(سرقة لا قطع فيها) لكون المسروق دون نصاب فلم يجب فيه قطع، ففيه التعزير.

ولدا للقاذف، فإن كان، فلا حد ولا تعزير

٦٬٦٠٥

وكذا إن نزل فلا حد، ولا تعزير، لأبوين وإن علوا، ويعزر الولد لحق الوالد، كما يحد لقذفه، ويقاد به، لكن بمطالبة الولد.

(ونحوه) أي نحو ما ذكر كشتمه بغير الزنا فيجب التعزير، ومقتضى كلام الشيخ في موضع لا يلعن من لعنه اهـ، وعليه، فلا يدعو عليه، ولا يشتمه بمثله، بل يعزر،

٦٬٦٠٦

وقال في موضع: له أن يقول له مثل ذلك،

٦٬٦٠٧

وقال ابن القيم: وإن سبه أو سخر به أو هزأ به، أو بال عليه أو بصق عليه، فله أن يفعل به نظير ما فعل، وهذا أقرب إلى الكتاب والسنة، والميزان، وآثار الصحابة من التعزير المخالف للجناية، قال: ولا يكذب عليه، ولا يقذفه، ولا يسب والديه اتفاقا.

الشرح الممتع على زاد المستقنعابن عثيمين

بَابُ التَّعْزِيرِ وَهُوَ التَّأْدِيبُ، وَهُوَ وَاجِبٌ ................. «التعزير» لغة: المنع، ومنه قوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ﴾ ، أي: تمنعوه مما تمنعون منه أنفسكم، وأولادكم.

٢٢٬٢٤٤

أما في الاصطلاح فقال المؤلف:«وَهُوَ التَّأْدِيبُ» ووجه مناسبته للغة أن التأديب يمنع المؤدَّب من ارتكاب ما لا ينبغي.

والمؤلف رحمه الله لم يعين جنسه ولا نوعه، وعليه فيختلف باختلاف الناس، وباختلاف المعصية، وباختلاف الزمن، وباختلاف المكان،

٢٢٬٢٤٥

فمن الناس من نعزره بالتوبيخ أمام قومه، ويكون هذا أشد عليه من كل شيء، وقد يكون بعض الناس عكس ذلك، يهون عليه ما يتعلق ببدنه، ولكن ماله لا يريد أن يؤخذ منه شيء، وبعض الناس يكون تأديبه بفصله عن الوظيفة، أو بتوقيفه أو ما أشبه ذلك.

المهم أن المؤلف أفادنا بقوله:«وهو التأديب» أن التعزير كل ما يحصل به الأدب، والأدب هو تقويم الأخلاق، أو فعل ما يحصل به التقويم. «وَهُوَ وَاجِبٌ» هذا حكم التأديب، فهو واجب على من له حقُّ التأديب، فقد يكون على الإمام، أو نائبه، أو الحاكم، أو الأب، أو الأم، أو ما أشبه ذلك، فكل من له حق التأديب فالتعزير واجب عليه، والأدلة على وجوب التعزير عامة،

٢٢٬٢٤٦

وخاصة:

أما الأدلة العامة: فهي أن الشريعة جاءت مبنية على تحصيل المصالح، وتقليل المفاسد، وهذه القاعدة متفق عليها،

٢٢٬٢٤٧

ومن المعلوم أن في التعزير تحصيلاً للمصالح، وتقليلاً للمفاسد،

٢٢٬٢٤٩

وأما الأدلة الخاصة فإنها أدلة متناثرة، كقول الرسول ﷺ :«مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر»، ومثل تحريق رَحْل الغالّ من الغنيمة ـ أي: الذي يكتم شيئاً مما غنم ـ فإن هذا تعزير، ومثل كاتم الضالة ـ أي: البعير إذا ضاعت وكتمها ـ فإنه يضمَّن قيمتها مرتين ، ومثل من عطس، ولم يحمد الله فإنه يُعَزَّر، فلا نقول له: يرحمك الله، فنحرمه من شيء يُحبُّه؛ ولهذا كان اليهود عند الرسول ﷺ يتعاطسون، ويحمدون الله؛

حتى يقول الرسول ﷺ : يرحمكم الله، لكن لا يقول ذلك، ويقول:«يهديكم الله».

وهكذا الكافر إذا عطس وحمد الله، لا تقل: يرحمك الله، بل قل له: يهديك الله،

٢٢٬٢٥٠

فإذا هداه الله رحمه.

وقوله:«وهو واجب» هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله،

٢٢٬٢٥١

وقال بعض أهل العلم: إنه ليس بواجب على الإطلاق، ولا يُتْرك على الإطلاق،

٢٢٬٢٥٢

وأن ذلك يرجع إلى اجتهاد الحاكم، بشرط أن يكون أميناً؛ وعلل ذلك بأمور كثيرة وقعت في عهد الرسول ﷺ وترك التأديب عليها، وبأن المقصود التأديب، وكثير من الناس إذا مننت عليه وأطلقته يكون هذا الإطلاق عنده أكبر من التأديب، ويرى لهذا الإطلاق محلاً، ويمتنع عن المعصية أشد مما لو تضربه، ولهذا سبق في الأسرى في الجهاد أنه يجوز للإمام أن يمن عليهم

٢٢٬٢٥٣

﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ حسبما تقتضيه المصلحة، فهذا الرجل إذا أتينا به وقلنا: يا أخي، هذا ما ينبغي من مثلك، وأنت ممن يشق علينا أن نؤدبه أمام الناس، ولكن نظراً لمقامك فإننا نريد أن ننصحك أن لا تعود لمثل هذا، فهذا قد يكون في نفسه أنفع مما لو ضربناه أسواطاً في السوق، وهذا هو الصحيح أنه ليس بواجب على الإطلاق،

٢٢٬٢٥٤

وأن للإمام أو لمن له التأديب أن يسقطه إذا رأى غيره أنفع منه وأحسن.

فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ. «في كل معصية» إن أراد بالمعصية ما يقابل الطاعة ففيه نظر؛ لأن الإنسان قد يعزر على ترك الطاعات،

٢٢٬٢٥٥

وإن أراد بالمعصية المخالفة مطلقاً، فيشمل فعل المعصية وترك الطاعة فهذا صحيح؛ لأنه ثبت التأديب على ترك الواجب؛ كما في قوله ﷺ :«مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر».

وقوله ﷺ :«لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس» إلى أن قال: «ثم أنطلق برجال معهم حِزَمٌ من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار».

فالصحيح أن التأديب ـ ولعله مراد المؤلف ـ واجب في كل معصية، سواء كانت تلك المعصية بترك الواجب أو بفعل المحرم.

لكن لاحظ أن التأديب على فعل المحرم لا يتكرر،

٢٢٬٢٥٦

وأما التأديب على ترك الواجب فيتكرر حتى يقوم بالواجب، فمثلاً إنسان قلنا له: صَلِّ قبل أن يخرج الوقت، فتهاون، فضربناه، ثم تهاون، فنضربه حتى يصلي،

٢٢٬٢٥٧

ولو تكرر؛ لأن المراد تقويمه، فلا نوقف ضربه حتى يتقوم،

٢٢٬٢٥٨

أما معصية فعلت وذهبت، فهذه يعاقب عليها مرة واحدة،

٢٢٬٢٥٩

فإن عاد عاقبناه بعقوبة جديدة لمعصية جديدة. «لا حد فيها ولا كفارة» فإن كان فيها حدٌّ فالحد كافٍ عن التعزير،

٢٢٬٢٦٠

وإن كان فيها كفارة فالكفارة كافية عن التعزير.

مثال الذي فيها الحد: لو أن رجلاً زنا بامرأة وهو غير محصن نجلده مائة جلدة، ولكن هل نعزره مع ذلك؟ لا، اكتفاء بالحد.

٢٢٬٢٦١

وكذلك المعصية التي فيها كفارة ليس فيها تعزير؛ لأن الكفارة نوع تعزير، فهي إلزام له،

٢٢٬٢٦٢

إما بعمل شاق، وإما بمال يفدي به نفسه.

مثاله: رجل جامع امرأته في نهار رمضان مع وجوب الصوم عليه، فهل عليه كفارة؟

الجواب: نعم؛ عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين،

٢٢٬٢٦٣

فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، هذا نوع تعزير؛ لأن عتق الرقبة معناه أنه سيبذل شيئاً كثيراً من ماله،

٢٢٬٢٦٤

وكذلك صيام شهرين متتابعين عمل شاق، وإطعام ستين مسكيناً كذلك؛ لأنه إذا لم يجد عتق رقبة، ولم يستطع الصيام فسيطعم ستين مسكيناً، فيكتفى بالكفارة عن التعزير.

تعليق

ولو قال المؤلف: ولا قصاص، أو: ولا قود، لكان أجود؛ لأن المعصية التي فيها قود يكتفى بالقود عن التعزير،

٢٢٬٢٦٥

فلو أن رجلاً قتل رجلاً، أو قطع طرفه على وجه يثبت به القصاص فإنه يقتص منه، ويكتفى؛ لأن الله ـ تعالى ـ لم يذكر شيئاً سوى المقاصة.

٢٢٬٢٦٦

وكذلك نقول: ولا دية، ونكتفي بالدية عن التعزير،

٢٢٬٢٦٧

فلو جنى جناية ليس فيها كفارة، ولا قصاص، ولا حد، لكن فيها دية، فهل نقول: ديتها كفارتها، أو لا؟

الجواب: ظاهر كلام المؤلف: لا؛ لأن الدية حق للآدمي، والتعزير حق لله، بدليل أن الذي يجني على شخص جناية ليس فيها قصاص قد فعل أمرين: الأول: اعتدى على حق الله؛ لأن الله حرم علينا أن نعتدي على من له حرمة، الثاني: حق الآدمي.

٢٢٬٢٦٨

وإذا كان كذلك فنقول: حق الآدمي له، وحق الله لله، ولهذا أوجب الله في قتل الخطأ كفارة ودية، الكفارة لله والدية للآدمي، وهذا محل نظر، فقد يقال: إننا نؤدبه مراعاة للحق العام، حتى لا تنتشر الفوضى، ولا يقتل الناس بعضهم بعضاً، وقد يقال: إننا نكتفي بالدية عن التأديب؛ لأنها نوع من التعزير.

والرسول ﷺ ما قال: كل معصية لا حد فيها ولا كفارة فأدبوا فيها، لكن نرى قضايا متعددة فيها التعزير، ويمكن أن نأخذ من هذه الأفراد هذه القاعدة التي ذكرها المؤلف بقوله:«وهو واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة».

ولكن ما ورد به النص من التعزير لا يكون للإمام الخيار فيه، كالخمر، وكتم الضالة، وتحريق رحل الغال، ولا يقال: راجع لاجتهاد الإمام، بل لا بد أن ينفذ.

كَاسْتِمْتَاعٍ لَا حَدَّ فِيهِ، وَسَرِقَةٍ لَا قَطْعَ فِيهَا، وَجِنَايَةٍ لَا قَوَدَ فِيهَا، وَإِتْيَانِ المَرْأَةِ المَرْأَةَ، وَالْقَذْفِ بِغَيْرِ الزِّنَا وَنَحْوِهِ، وَلَا يُزَادُ فِي التَّعْزِيرِ عَلَى عَشْرِ جَلَدَاتٍ، ..... «كاسْتِمَتاعٍ لَا حَدَّ فِيهِ» أي: كاستمتاع محرم لا حدّ فيه، مثل أن يقبل الإنسان امرأة أجنبية، أو يضمها، أو يمسها بشهوة، أو ما أشبه ذلك، فهذا استمتاع محرم ولا حدَّ فيه، فالواجب فيه التعزير. «وَسَرِقَةٍ لَا قَطْعَ فِيهَا» بأن يكون اختل فيها شرط من شروط وجوب القطع الآتية إن شاء الله، مثل أن يسرق درهماً، فهذه سرقة لا قطع فيها فيعزر، أو أن يسرق من غير حرز، يجد ـ مثلاً ـ دراهم على عتبة فيسرقها، فهذا ـ أيضاً ـ ليس فيه قطع، ولكن فيه تعزير.

فالضابط للسرقة التي لا قطع فيها: هي التي لم يتم فيها شروط القطع، وسيأتي بيانها إن شاء الله. «وجناية لا قود فيها»

أفادنا المؤلف بهذا فائدتين:

الأولى: أن الجناية التي فيها قَوَد ليس فيها تعزير؛ استغناءً بالقود.

الثانية: أن الجناية التي فيها دية فيها تعزير؛ لأنه قال:«لا قود فيها»، وهو أحد القولين، والقول الثاني: أنه لا تعزير فيها اكتفاءً بالدية.

٢٢٬٢٦٩

فإذا كانت الجناية ليس فيها قود، ولا دية، ولا كفارة، كما لو جرحه جرحاً ليس فيه قود وبرئ ولم يؤثر فيه شيئاً، فقد سبق لنا أن هذا فيه الحكومة، وأنها إذا لم تنقصه فليس فيها شيء.

كرجل جرح إنساناً في جبهته جرحاً لم يصل إلى العظم، وبرئ الجرح وتلاءم، ولم يؤثر شيئاً، فهل عليه شيء؟ ليس فيه قود، وليس فيه دية، ولا حكومة؛ لأنه لم يؤثر شيئاً، ولكن هذا فيه تعزير؛ لأنه ليس فيه قود، ولا دية.

والجناية على المال، هل فيها تعزير، أو يكتفى بالضمان؟ قد نقول: إن الجناية على المال فيها حقان: حق عام، وحق خاص، فالحق الخاص فيه الضمان، والحق العام، وهو منع الفوضى والفساد والشر بين الناس يجب فيه التعزير،

٢٢٬٢٧٠

فإذا وصل الأمر إلى القاضي، ورأى أن يعزر هذا الشخص بالضمان للمجني عليه وبالتعزير في الحق العام، فهذا لا بأس به.

والجناية على العِرض كالسب والشتم وما أشبه ذلك فيها الحد، وفيها التعزير، فالذي فيه الحد هو القذف، وما لا يوجب الحد من القذف والسب ففيه التعزير. «وإِتْيَانِ الْمَرْأَةِ المَرْأَةَ» أي: السِّحاق، فالمرأة تحتك بالمرأة الأخرى وتنزل، وربما تستعمل شيئاً كالآلة، وتستمتع بالمرأة الأخرى، فهذا لا يوجب الحد؛ لأنه ليس زنا، ولكنه يوجب التعزير لكلتا المرأتين. «والقَذْفِ بِغَيْرِ الزِّنَا» أي: السب والشتم بغير الزنا، مثل: يا حمار، يا كلب، يا بخيل، يا سيء الخلق، وما أشبه ذلك، فهذا فيه التعزير، وليس فيه الحد.

٢٢٬٢٧١

فإن أسقط المجني عليه حقه سقط، ولكن إذا وصل إلى الإمام أو القاضي فإنه يبقى عندنا الحق العام؛ لأن كوننا نجعل الناس في فوضى، كُلُّ من شاء سب، وشتم، وقذف، ونتركهم!! فهذا لا يليق. «وَنَحْوِهِ، وَلَا يُزَادُ فِي التَّعْزِيرِ عَلَى عَشْرِ جَلَدَاتٍ» الذي يتولى التعزير الحاكم، أو نائبه، أو الذي له ولاية التأديب مطلقاً، وهذا أعم، فالأب يعزِّر ابنه، والمعلم يعزر تلاميذه، والأمير يعزر رعيته، فكل مسؤول عن أحد في تأديبه فله حق التأديب.

وقوله:«ولا يزاد في التعزير على عشر جلدات» بسوط لا جديد، ولا خَلق، ولا مدٍّ؛ ولا تجريد، ولا برفع المعزر يده بحيث يتبين الإبط؛ لأنه سيرِدُ السوط على المضروب وروداً قوياً، وليس المقصود تعذيبه، إنما المقصود تأديبه.

٢٢٬٢٧٢

فلو وجدنا رجلاً عند امرأة بات عندها ليلة كاملة، يستمتع بها جميع الاستمتاعات، إلا أنه لم يصل إلى حد الزنا، فيجلد عشر جلدات ولا نزيد!! والحقيقة أن قولهم: لا يزاد على عشر جلدات لا بد أن يكون له مستند، وإلاّ لكان معارضاً لقولهم فيما سبق:«وهو التأديب وهو واجب»؛ لأن عشر جلدات في مثل هذا المنكر العظيم الذي لم يصل إلى الحد لا يحصل به تأديب، لكن مستندهم أنه ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال:«لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله».

قالوا: والحد هنا بمعنى العقوبة؛ لأن الحديث في سياق العقوبات، لأنه قال:«لا يجلد»،

٢٢٬٢٧٣

وإذا كان في سياق العقوبات وجب أن نحمل الحد على العقوبة، أي: لا يعاقَب أحدٌ جلداً فوق عشرِ جلدات إلا في حد، والحد أدناه ثمانون، وهو حد القذف، وعلى هذا فلا يجوز أن نزيد على عشر جلدات.

٢٢٬٢٧٤

وقال بعض أهل العلم: بل يجوز الزيادة على عشر جلدات، وعشرين، وثلاثين، وأربعين، ومائة، ومائتين، وألف، وألفين، بقدر ما يحصل به التأديب؛ لأن المقصود تقويم الاعوجاج، والتأديب، وإزالة الشر والفساد، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ونحن رأينا رسول الله ﷺ عزر بما هو أعظم من عشر جلدات،

٢٢٬٢٧٥

وإذا كان كذلك فإنه يجب أن يحمل قول الرسول ﷺ :«إلا في حد من حدود الله» أي: في محرم من محارمه؛ لأن حدود الله تطلق على الواجبات، وعلى المحرمات، وعلى العقوبات، فقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ هذه الواجبات، وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ هذه المحرمات، وتطلق أيضاً على العقوبات المقدرة شرعاً وهو واضح.

٢٢٬٢٧٦

وإذا كان التعزير والتأديب، وكان لا يتأدب هذا الفاعل للمعصية إلا بأكثر من عشر جلدات، فحينئذٍ

٢٢٬٢٧٧

إما أن نقول: لا نزيد، وتكون هذه الجلدات عبثاً؛ لأنها جلدات لا تفيد، والشرع لا يأمر بالعبث، بل لا يأمر إلا بما فيه المصلحة والحكمة،

٢٢٬٢٧٨

وإذا كان هكذا فإنه يجب أن يحمل كلام الرسول ﷺ على ما فيه المصلحة، وعلى ما له معنى مستقيم، ويحمل الحد في الحديث على الحدود الحُكْمية، التي هي

٢٢٬٢٧٩

إما ترك واجب، وإما فعل محرم، فيصير المعنى أننا لا نؤدب أحداً على ترك مروءة مثلاً فوق عشرة أسواط.

٢٢٬٢٨٠

فلو وجدنا رجلاً يأكل في مَجْمع مثل مجمعنا هذا، مجمع علم واحترام، فهذا خلاف المروءة، فنجلده، ولكن لا نزيد على عشر جلدات، أو رجل قال لابنه: اجلس صب القهوة للزوار، فذهب الابن ليلعب وترك الضيوف، فلوالده تأديبه، ولا يزيد عن عشر جلدات.

أو رجل كان يأمر ابنه الصغير بالصلاة، وله إحدى عشرة سنة، ولكن الابن يتمرد، فيجلده عشرة أسواط،

٢٢٬٢٨١

فإن لم تنفع يزد، وإن لم تنفع يزد؛ لأن هذا ترك واجب، وهو حد من حدود الله، وهذا القول هو الراجح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وجماعة من أهل العلم المحققين، وهو الذي يتعين العمل به.

وسيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ بيان أن التعزير ـ أيضاً ـ لا يقتصر على هذا النوع من التعزيرات، بمعنى أنه لا يقتصر على الجلد، فقد يكون بأنواع متعددة حتى على المذهب، مثل التوبيخ، والهجر، وأخذ المال، وإتلاف المال، والسجن وغير ذلك؛ لأن المقصود بالتعزير التقويم والتأديب، وهو مما يدل على أنه يجوز الزيادة على عشر جلدات.

مسألة: هل حلق اللحية يوجب التعزير؟

الجواب: يجب فيه التعزير؛ لأنه ترك واجب، قد قال الرسول ﷺ :«وفروا اللحى»، وهذا التعزير يكرر، فكلما حلق كررناه،

٢٢٬٢٨٢

وأما حلق الشارب فالصحيح أنه لا يعزر فاعله،

٢٢٬٢٨٣

وقال بعض العلماء: يؤدب فاعله؛ لأن حلق الشارب مُثْلَة، وهو صحيح، لكن في النفس من هذا شيء.

وينبغي لطلبة العلم أن يوجهوا الناس دائماً في كل مناسبة إلى أن التعزيرات، والتأديبات، والحدود التي أمر الشرع بها، أنها رحمة بالخلق، وقد ورد في الحديث ـ وإن كان ضعيفاً ـ:«حد يعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً»، وهذا لا شك أنه صحيح.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.