فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الروض المربعالبهوتي

(ومن حرم حلالا سوى زوجته) ؛ لأن تحريمها ظهار كما تقدم، سواء كان الذي حرمه (من أمة، أو طعام، أو لباس، أو غيره) كقوله ما أحل الله علي حرام ولا زوجة له، أو قال: طعامي علي كالميتة (لم يحرم) عليه، لأن الله سماه يمينا بقوله:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} إلى قوله: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} ، واليمين على الشيء لا تحرمه،

لا زيادة له على هذه المسألة.

حاشية الروض المربعابن قاسم، حاشية على الروض المربع

تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} . واليمين على الشيء لا تحرمه ولأنه لو كان محرما، لتقدمت الكفارة عليه، كالظهار.

لا زيادة له على هذه المسألة.

الشرح الممتع على زاد المستقنعابن عثيمين

«ومن حرم حلالاً سوى زوجته، من أمة، أو طعام، أو لباس، أو غيره، لم يحرم، وتلزمه كفارة يمين إن فعله»«من» اسم شرط جازم، وفعل الشرط فيها «حرَّم»،

وجوابه «لم يحرم» فالمحرِّم لما أحل الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

الأول: أن يكون منشئاً.

الثاني: أن يكون مخبراً. الثالث: أن يكون ممتنعاً.

الأول: إذا كان منشئاً فهذا قد يَكْفُر،

٢٣٬٤١٦

فإذا قال: إن هذا الشيء الذي حرمه الله تعالى، أنا أقول: إنه حلال، ولا أوافق على أنه حرام! فهذا قد يكفر، وذلك إذا استباح ما حرم في الدين بالضرورة، مثل لو استباح الخمر، أو الزنا، أو السرقة، أو ما أشبه ذلك،

وكما يُذكر عن المعري في الخمر يقول:

لئن حُرِّمت يوماً عَلَى دينِ أحمدِ فخذها على دينِ المسيح ابن مريمِ وإن حرم ما لم يُجمع على تحريمه، فهذا إن كان باجتهاد فله حكم المجتهدين،

٢٣٬٤١٧

وإن كان بعِنادٍ فهو على خطر.

الثاني: المخبر بالتحريم، فهذا إما صادق،

٢٣٬٤١٨

وإما كاذب، مثل لو قال: إن الله ـ تعالى ـ حرم هذا، لا يقول: أنا أحرمه، وأنشئ تحريمه، وإنما يخبر بأن الله ـ تعالى ـ حرمه، فهذا

٢٣٬٤١٩

إما أن نقول: إنه صادق أو كاذب، وننظر إن كان الله قد حرمه، فنقول له: صدقت،

٢٣٬٤٢٠

وإن كان الله لم يحرمه نقول له: كذبت، ولهذا يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن من قال لزوجته: أنت عليَّ حرام، أنه يقال له: كذبت، وهذا محمول على أنه مخبِر، فنقول: هذا ليس بصحيح، وليست حراماً، بل الله قد أحلها لك.

الثالث: الممتنع، بأن يحرم الشيء مانعاً نفسه منه، أو ممتنعاً منه، واللفظان بمعنى واحد؛ أي: يقصد الامتناع فقط، وهذا الأخير هو الذي يريده المؤلف رحمه الله في هذا الكلام.

٢٣٬٤٢١

فإذا حرم الإنسان شيئاً حلالاً بقصد الامتناع فلا يحرم، مثل لو قال: حرام عليَّ أن آكل طعامك، فنقول: الطعام حلال لك، لم يحرم، وعليه كفارة يمين، إن فعله لأن قصده هنا أن يمتنع من أكله.

والدليل قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *﴾ ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ وهذه الآية نزلت لما حرم النبي ﷺ على نفسه العسل في قصة مشهورة ، تنظر في تفسير ابن كثير وغيره.

وسمي تحلة؛ لأن الإنسان تحلل منه حين كفَّر، فأنا مثلاً قبل أن أُكفِّر لا يحل لي أن أفعله، إلا إذا أديت الكفارة بعد أن أحنث،

٢٣٬٤٢٢

فإذا أديت الكفارة انحلت اليمين، ولم يعد هناك يمين إطلاقاً، ولهذا نقول: أداء الكفارة قبل الحنث تحلة، وبعد الحنث كفارة.

وقوله:«سوى زوجته»: «سوى» أداة استثناء، يعني من حرم حلالاً سوى الزوجة، فالزوجة حلال للإنسان لقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ أي: نساؤهم.

يقول المؤلف: إن حكم الزوجة ليس كحكم غيرها، فتحريم الزوجة يكون ظهاراً على المشهور من المذهب، والظهار أغلظ من غيره؛ وذلك لأن الظهار وصفه الله ـ تعالى ـ بأنه منكر من القول وزور فهو منكر لأنه حرام، وزور لأنه كذب.

وكيفية الظهار أن يقول الرجل لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي، وكانوا في الجاهلية يجعلونه طلاقاً بائناً كالطلاق الثلاث، فبيَّن الله سبحانه وتعالى أن هذا الحكم حكمٌ باطل، وجعل على المُظاهر الكفارة المغلظة، وهي عتق رقبة،

٢٣٬٤٢٣

فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين،

٢٣٬٤٢٤

فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكنياً، ومع ذلك لا يحل له أن يمس زوجته ـ أي: يجامعها ـ حتى يكفِّر؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾ ، وقد صرح الله ـ تعالى ـ بهذا الشرط في العتق والصيام، وسكت عنه في الإطعام، فاختلف العلماء في الإطعام هل يجوز أن يمس الزوجة المظاهر منها قبل الإطعام، أو لا يجوز حتى يطعم؟

اختلفوا في ذلك على قولين، وسبق لنا أن المشهور من مذهب الحنابلة، وهو قول أكثر أهل العلم، أنه لا يمسها حتى يطعم.

٢٣٬٤٢٥

فإذا قال الزوج لزوجته: أنتِ عليَّ حرامٌ صار مظاهراً، فالزوجة لا تحرُم، ولكن لا يجامعها حتى يكفِّر.

٢٣٬٤٢٦

وإذا قال: إن فعلتُ كذا فزوجتي عليَّ حرام، فَفَعَلَه صار ظهاراً، فلا فرق ـ على المذهب ـ بين أن يجعله صيغة قسم، أو أن يبت التحريم، فكلاهما حكمه حكم الظهار، أي: سواء علق تحريمها على شرط، أو لم يعلق تحريمها على شرط.

والتعليق على الشرط تارة يجري مجرى اليمين، وتارة يكون شرطاً محضاً. فالشرط المحض هو الشرط الذي لا قصد للإنسان فيه، مثل أن يقول: إذا طلعت الشمس فزوجتي عليَّ حرام.

والجاري مجرى اليمين أن يقصد بذلك توكيد المنع، مثل أن يقول: إن كلمتُ فلاناً فزوجتي عليَّ حرام، فهذا ليس كقوله: إن طلعت الشمس فزوجتي عليَّ حرام؛ لأن قصده هنا ألاَّ يكلم هذا الرجل، فهذا التعليق جارٍ مجرى اليمين.

٢٣٬٤٢٧

أما التحريم بلا شرط فأن يقول: أنت عليَّ حرام، والأقسام الثلاثة كلها على المذهب حكمها حكم الظهار.

٢٣٬٤٢٨

والصحيح أن تحريم الزوجة كغيرها، وحكمه كحكم اليمين؛ لعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾.

٢٣٬٤٢٩

فإذا قال قائل: النبي ﷺ إنما حرم العسل؟ فالجواب: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالله عز وجل لم يقل للنبي:«يا أيها النبي لِم تحرم العسل؟»، وإنما قال: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ و (ما) من صيغ العموم فتشمل حتى الزوجة.

٢٣٬٤٣٠

فإذا قال لزوجته: أنت علي حرام فهو يمين، إذا جامعها وجب عليه كفارة يمين فقط، وله أن يفعل الكفارة قبل وتكون تحلة، أو بعدُ وتكون كفارة.

٢٣٬٤٣١

فإن قال: أنا أردت بقولي: إنها علي حرام، الطلاقَ، قلنا: إذا أردت الطلاق،

٢٣٬٤٣٢

فإن هذا اللفظ قابل لهذه النية؛ لأن المطلقة حرام على زوجها، حتى وإن كانت رجعية فليست كالزوجات،

٢٣٬٤٣٣

فإذا أردت بهذا اللفظ ـ الصالحِ للفراقِ ـ طلاقاً صار طلاقاً؛ لقول النبي ﷺ :«إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى».

٢٣٬٤٣٤

وإذا قال: أردتُ به الظهار، أي: أردت به «أنت علي حرام كحرمة أمي» قلنا: هو ظهار؛ لأن اللفظ مطلق والنية قيدته، وقد قال النبي ﷺ :«إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى».

٢٣٬٤٣٥

فإذا قال: أنا قلت: أنت علي حرام، ولم أنوِ الطلاق، ولا الظهار، ولا اليمين، فيُجعل يميناً؛ لأن هذا مقتضى اللفظ المطلق.

٢٣٬٤٣٦

فإذا أطلق كان يميناً.

فصار الذي يقول لزوجته أنت علي حرام له أربع حالات:

الأولى: أن ينوي الظهار.

الثانية: أن ينوي الطلاق.

الثالثة: أن ينوي اليمين.

الرابعة: أن لا ينوي شيئاً.

٢٣٬٤٣٧

فإذا نوى الظهار فظهار، أو الطلاق فطلاق، أو اليمين فيمين، والعمدة عندنا قول النبي ﷺ :«إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى».

٢٣٬٤٣٨

فإذا لم ينوِ شيئاً صار يميناً، والدليل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ .

٢٣٬٤٣٩

فإذا قال قائل: هل تجرون هذه الأحكام في لفظ الظهار، فتقولون: إذا قال الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي، فإنه يقع ما نواه من طلاق، وظهار، ويمين،

٢٣٬٤٤٠

فإن لم ينوِ شيئاً فظهار؟

الجواب: لا؛ لأن اللفظ هنا صريح في الظهار،

٢٣٬٤٤١

ولو جعلناه طلاقاً لكنَّا وافقنا حكم الجاهلية، وهذا لا يجوز؛ لأنه تغيير للحكم الشرعي، فنقول: إذا

٢٣٬٤٤٢

قلت: أنت عليَّ كظهر أمي، فهو ظهار بكل حال.

٢٣٬٤٤٣

فإن قلت: وإذا أجراه مجرى اليمين، بأن قال: إن فعلتُ كذا فزوجتي علي كظهر أمي؟

الجواب: هذا حكمه حكم اليمين ما لم ينوِ الظهار؛ لأنه ظاهر فيه أن المقصود الامتناع.

وبهذا نعرف أن القول الراجح في مسألة التحريم أنه لا فرق بين الزوجة وغيرها.

تعليق

ولو قال رجل لأمته التي يتسرَّاها: أنت عليَّ حرام، فهذه يمين وليست ظهاراً، حتى على المذهب لقول المؤلف:«ومن حرَّم حلالاً سوى زوجته من أمة» أو إطعام أو لباس فلا تكون الأمة كالزوجة بل يكون تحريم الأمة يميناً.

مسألة: لو قالت الزوجة لزوجها: أنت علي حرام؟ فعلى المذهب عليها كفارة يمين،

٢٣٬٤٤٤

وإذا قالت لزوجها: أنت علي كظهر ابني أو أبي؟ فعلى الراجح عليها كفارة يمين، ولا يكون ظهاراً؛ لأن الظهار بيد الرجل،

٢٣٬٤٤٥

والمذهب يقولون: عليها كفارة ظهار، وليس بظهار، فلزوجها أن يجامعها، ولكن الصحيح أن عليها كفارة يمين.

وقوله:«وتلزمه كفارة يمين إن فعله» فإن لم يفعل فلا شيء عليه.

٢٣٬٤٤٦

وإذا قال الرجل: هو يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، أو بريء من الإسلام، أو شيوعي إن فعل كذا

٢٣٬٤٤٧

وكذا، فهل هذا حكمه حكم اليمين، أو هو تَقوُّلٌ فقط؟

بعض العلماء يقول: حكمه حكم اليمين؛ لأن هذه الأمور مكروهة عنده، ولهذا جعل فعل هذا الشيء وكراهته له ككراهته أن يكون يهودياً، أو نصرانياً، أو شيوعياً، أو ما أشبه ذلك، وعلى هذا فيكون حكمه حكم التحريم، أي: تحريم المباح، فيلزمه كفارة يمين، وهذا هو المشهور من المذهب، وهو مروي عن ابن عمر رضي الله عنهما وغيره من السلف.

٢٣٬٤٤٨

وقال بعض العلماء: إنه لا كفارة عليه؛ لأن هذا ليس يميناً، وليس في معنى ما ورد من اليمين، ولكن الصحيح أن حكمه حكم اليمين.

* * * فَصْلٌ يُخَيَّرُ مَنْ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ بَيْنَ إِطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينِ، أَوْ كِسْوَتِهِمْ، أَوْ عَتْقِ رَقَبَةٍ. «يخير» أي: يفعل ما يشاء، أو خير الأمرين، وهل هو تخيير إرادة وتشهٍّ، أو هو تخيير مصلحة؟ فيه تفصيل: إذا كان المقصود به التيسير على المكلف فهو تخيير إرادة وتشهٍّ،

٢٣٬٤٤٩

وإذا كان المقصود به مراعاة المصلحة فهو تخيير مصلحة.

خيَّر الله عز وجل الحانث في يمينه بين أمور، فهل هو للمصلحة أو للتيسير والتسهيل؟

الجواب: للتيسير والتسهيل؛

٢٣٬٤٥٠

بدليل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ﴾ الآية،

٢٣٬٤٥١

فإذا كان للتيسير والتسهيل فأنا أفعل ما هو أسهل وأيسر لي.

٢٣٬٤٥٢

وقال ـ تعالى ـ في فدية الأذى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ ، فهذا تخيير تشهٍّ وإرادة، حتى لو كانت المصلحة في ذبح الشاة فلا يلزمه ذلك، والأمر موكول إليه.

وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ ، فهذا التخيير تخيير مصلحة على القول بأن الآية للتخيير، وبعض العلماء يقول: الآية للتنويع، لكن على القول بأنها للتخيير، فهو تخيير مصلحة، يعني يتبع في ذلك ما هو أصلح وأردع.

٢٣٬٤٥٣

وإذا قيل لولي اليتيم: أنت بالخيار بين أن تقرض ماله، أو تدفعه مضاربة، أو تحفظه عندك، فالتخيير هنا مصلحة، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أْحْسَنُ﴾ . فالقاعدة أنَّه إذا خير الإنسان بين شيئين، أو أشياء،

٢٣٬٤٥٤

فإن كان المقصود بالتخيير التيسير فالتخيير تشهٍّ وإرادة،

٢٣٬٤٥٥

وإذا كان المقصود المصلحة فهو تخيير مصلحة، بناءً على قاعدة أن كل من خُيِّر بين شيئين وهو متصرف لغيره، فتخييره مصلحة، وليس تخيير تشهٍّ.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.