إلا ما نصححه مجهولا كالوصية "وعبد من عبيده مهرا ونحوه" .
الشروح عليها
(إلا) الدعوى (بما نصححه مجهولا، كالوصية) بشيء من ماله، (و) الدعوى بـ (عبد من عبيده) جعله (مهرا ونحوه) ، كعوض خلع، أو أقر به فيطالبه بما وجب له، ويعتبر أن يصرح بالدعوى، فلا يكفي: لي عنده كذا حتى يقول: وأنا مطالب به، ولا تسمع بمؤجل لإثباته غير تدبير واستيلاد وكتابة، ولا بد أن تنفك عما يكذبها، فلا تصح على إنسان أنه قتل أو سرق من عشرين سنة وسنة دونها، ولا يعتبر فيها ذكر سبب الاستحقاق.
لا زيادة له على هذه المسألة.
. أو أقر به فيطالبه بما وجب له أي أو أقر بمجهول، بأن ادعى أنه أقر له بمجمل، كمال فتصح،
وإذا ثبت طالبه مدع ببيان ما وجب له.
لي عنده كذا، حتى يقول: وأنا مطالبه به قاله غير واحد من الأصحاب، وقدمه في الفروع.
دونها . ولا يعتبر فيها ذكر سبب الاستحقاق لعين أو دين لكثرة سببه وقد يخفى على المدعي، ولا يعتبر أيضا في الشهادة بذلك، ذكر السبب، لأن ما صحت الدعوى به، صحت الشهادة به، وما لا فلا.
«إلا ما نصحِّحه مجهولاً كالوصية» فتصح الدعوى به، ويحكم القاضي بها، ثم يُعطى ما يترتب على ذلك، فالوصية بالمجهول تصح، مثل لو أوصى له من ماله بشيء، فشيء مجهول، فتصح.
لكن ماذا نعطيه من المال؟ قالوا: يعطيه الوارث ما شاء مما يطلق عليه أنه مال،
فلو أعطاه درهماً من مائة مليون درهم صح، لأنه يطلق عليه شيء،
ولو أعطاه ثوباً من ثيابه صح؛ لأنه يطلق عليه أنه شيء.
فلو قال: أنا أدعي على الورثة بأن مورثهم أوصى لي بشيء، فلا يقول القاضي: لا نسمع الدعوى، بل يقول: نسمعها،
وإذا أتيت بشهود حكمنا لك بأن لك وصية في ماله بشيء،
فلو أوصى له بسهم من ماله فإنه يصح لكن الفقهاء قالوا: إنه يعطى السدس بناءً على آثار وردت في ذلك. «وبعبدٍ من عبيده مهراً ونحوه» بأن تدعي المرأة بأن زوجها أمهرها عبداً من عبيده، فهذه الدعوى تصح؛ لأن المهر يصح بالمبهم، إذاً ما صح أن يكون عوضاً أو أن يكون مُستحقاً صحت الدعوى به؛ لأن الدعوى
فرع على صحة العقد.
وإذا خالعت على عبد من عبيدها، أو شاة من قطيعها، فادعى الزوج بأن الزوجة خالعته على ذلك، صحت دعواه، وتُلزم المرأة بإعطائه عبداً من عبيدها، وحينئذ يرجع في ذلك إلى ما ذكره أهل العلم.
الشرط الثاني: أن تكون الدعوى منفكة عما يكذبها، وهذا الشرط مجمع عليه،
فلو ادعى على شخص أنه سرق منذ عشرين سنة، وعُمْرُ هذا المدعى عليه سبع عشرة سنة فإن الدعوى لا تصح؛ لأننا لو سمعناها لكان معنى ذلك أننا حكمنا على هذا الإنسان بأنه سرق قبل أن يولد بثلاث سنين، وهذا شيء مستحيل!
فإن قرن بها ما يكذبها لم تسمع ولا تصح.
الشرط الثالث: أن تمكن المطالبة بالحق حالاً،
فلو ادعى عليه بمؤجل من أجل إثباته، قال: أنا أدعي عليه بمائة تحل بعد سنة،
فإن ذلك لا يصح؛ لأن المدعي لا يمكن أن يطالب بذلك، حتى لو ثبت له ما أمكنه المطالبة؛ لأنه مؤجل، فيقال له: اصبر حتى يحل، ثم بعد ذلك ادعِ عليه وطالب،
أما قبل أن يحل فإننا لا نسمع منك هذه الدعوى.
وهذا الشرط فيه خلاف، والصحيح أنه تجوز الدعوى بالمؤجل لإثباته؛ لأن هذا المدعي يقول للقاضي: أثبته لي، وأنا ما أطالبه الآن، ولكني أريد بالمطالبة إثباته؛ خوفاً من أن يموت الشهود، أو ينسوا، أو ما أشبه ذلك، وهذه لا شك أنها وجهة نظر صائبة،
فإن المدعي له وجهة نظر، وله حق في ذلك.
الشرط الرابع: ذكر سبب الاستحقاق، فلا تصح الدعوى بدون ذكر السبب، وهذا ـ أيضاً ـ محل وفاق،
فلو ادعى الإرث، وقال: أنا وارث هذا الرجل الميت، قلنا: ما علاقتك به؟ ما صلتك به؟
فإن لم يذكر السبب لم تصح الدعوى.
ولو قال قائل: اسمعوها واطلبوا السبب، لكان وجيهاً؛ لأننا نقول: صحيح أنه لا بد من ذكر السبب، ولا يستحق إلا بذكر السبب، لكن جَعْلُنا ذلك شرطاً في سماع الدعوى فيه نظر،
وإن كان بعض الفقهاء قالوا: هذا لا نزاع فيه، لكن ينبغي أن يكون فيه نزاع؛ لأننا نقول: نسمع الدعوى ثم نطالبه بالسبب.
الشرط الخامس: ذكر الشروط، فلو ادعى عقد بيع، أو إجارة، أو نكاح، أو وقف، أو غير ذلك، فلا بد من ذكر الشروط،
وأشار إليه المؤلف بقوله:
وَإِنِ ادَّعَى عَقْدَ نِكَاحٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِمَا فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ شُرُوطِهِ،
وَإِن ادَّعَتِ امْرأَةٌ نِكَاحَ رَجُلٍ لِطَلَبِ نَفَقَةٍ، أَوْ مَهْرٍ، أَوْ نَحْوِهِمَا سُمِعَتْ دَعْوَاهَا،
وَإِنْ لَمْ تَدَّعِ سِوَى النِّكَاحِ لَمْ تُقْبَلْ، ......
«وإن ادعى عقد نكاح، أو بيع، أو غيرهما، فلا بد من ذكر شروطه» فلا يكفي أن يقول: أدعي أن هذا الرجل باع عليَّ ملكه، حتى يبين شروط صحة البيع، فيقول: باعه علي وهو مالك له، بثمن معلوم، ويذكر بقية الشروط؛ لأن الحكم بالشيء
فرع عن تصوره، وإذا لم نتصور هذا الشيء كيف وقع فإننا لا نحكم به، وكيف نحكم بالبيع بدون أن تذكر شروطه؟! وهذا هو المذهب.
والصحيح أنه ليس بشرط، وأنها تصح الدعوى بالعقد بدون ذكر الشروط، فيقول: أنا أدعي عليه أنه باع عليَّ، ثم يأتي بالشهود ويحكم له بالبيع، ولا حاجة أن يذكر الشروط.
ولو ادعى المدعى عليه اختلال شرط من الشروط، أو وجود شيء من الموانع، فحينئذ تكون دعوى جديدة، والأصل الصحة،
وأن هذا العقد جارٍ على مقتضى الشرع، وأنه لا مانع، فنطالب المدعي ـ بعد أن نحكم بصحة البيع ـ بما يدعيه من انتفاء شرط، أو وجود مانع.
مثال ذلك: ادعى شخص على آخر بأنه باع عليه الأرض الفلانية، وأتى بالشهود، وحكم القاضي بصحة البيع، فعلى المذهب الحكم غير صحيح، فلا بد أن يعرف أن هذا البيع وقع من أهله بشروطه،
والصحيح أنه يصح، لكن للمحكوم عليه ـ صاحب الأرض ـ أن يدعي انتفاء شرط من الشروط، أو وجود مانع، فله ـ مثلاً ـ أن يقول: نعم، أنا بعت هذه الأرض، لكن لم يكن قد رآها،
ومن شروط صحة البيع في الأرض ونحوها رؤية المبيع، فهنا نقول: هذه دعوى جديدة، والأصل الصحة حتى يقوم دليل الفساد، فنقول: البيع تم، والأصل فيه الصحة، ولا يمكن أن ينقض.
كذلك لو ادعى وجود مانع، بأن قال: نعم، أنا بعت عليه، لكن بعد أذان الجمعة الثاني، والبيع بعد أذان الجمعة الثاني ممن تلزمه الجمعة لا يصح.
نقول: هذه دعوى جديدة، والأصل الصحة وعدم وجود المانع.
المهم أن هذا الشرط الخامس في الدعوى مختلف فيه فالمذهب أنه لا بد من ذكر الشروط،
والصحيح أنه ليس بشرط، وهذا اختيار صاحب أصل هذا الكتاب ـ أي: المقنع ـ وهو الموفق أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة رحمه الله من أئمة المذهب،
وكذلك شارح المقنع.
وفصل بعض العلماء فقال: يشترط في النكاح ذكر الشروط،
وفي غيره كالبيع، والإجارة، والرهن، وغيرها لا يشترط،
والصحيح أنه لا فرق، وأن من ادعى عقداً فأقام بينة حكم له بمقتضى هذه البينة، والأصل الصحة والسلامة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.