ولا يجوز لشاهد الفرع أن يشهد إلا أن يسترعيه شاهد الأصل فيقول: اشهد على شهادتي بكذا أو يسمعه يقر بها أو يعزوها إلى سبب من قرض أو بيع أو نحوه.
الشروح عليها
(ولا يجوز لشاهد الفرع أن يشهد إلا أن يسترعيه شاهد الأصل، فيقول) شاهد الأصل دللفرع: (أشهد على شهادتي بكذا، أو) أشهد أني أشهد أن فلانا أقر عندي بكذا، أو نحوه،
وإن لم يسترعه لم يشهد، لأن الشهادة على الشهادة فيها معنى النيابة، ولا ينوب عنه إلا بإذنه إلا أن (يسمعه يقر بها) ، أي يسمع الفرع الأصل يشهد عند الحاكم، (أو) سمعه (يعزوها) أي يعزو شهادته (إلى سبب من قرض، أو بيع، أو نحوه) ، فيجوز للفرع أن يشهد، لأن هذا كالاسترعاء، ويؤديها الفرع بصفة تحمله، وتثبت شهادة شاهدي الأصل بفرعين،
ولو على كل أصل فرع، ويثبت الحق بفرع مع أصل آخر، ويقبل تعديل
فرع لأصله، وبموته ونحوه لا تعديل شاهد لرفيقه.
لأن هذا كالاسترعاء . ويؤديها الفرع بصفة تحمله وإلا لم يحكم بها، فلا يكفي قوله: سمعت فلانا يقول: أقرض فلانا أو لفلان على فلان كذا، بل يقول: أشهد أن فلان بن فلان، وقد عرفته بعينه، واسمه وعدالته،
وإن لم يعرف عدالته لم يذكرها، أشهدني أنه يشهد أن فلان بن فلان، على فلان كذا
وكذا، أو أشهدني أنه يشهد أن فلانا أقر عندي بكذا،
وإن سمعه يشهد غيره، قال: أشهد أن فلان بن فلان، أشهدني على شهادته، أن لفلان بن فلان على فلان كذا.
وإن سمعه يشهد عند الحاكم، قال: أشهد أن فلان بن فلان، شهد على فلان عند الحاكم بكذا،
وإن كان نسب الحق إلى سببه، قال: أشهد أن فلان بن فلان، قال: أشهد أن لفلان بن فلان كذا، من جهة كذا،
قال في الإقناع: وما عدا هذا المواضع، لا يجوز أن يشهد فيها على الشهادة،
وإن أراد الحاكم أن يكتب كتب على ما مر.
لأصله وبموته ونحوه . لا تعديل شاهد لرفقيه بعد شهادته، أصلا كان أو فرعا، لإفضائه إلى انحصار الشهادة في أحدهما.
«ولا يجوز لشاهد الفرع أن يشهد إلا أن يسترعيه شاهدُ الأصل» هذا الشرط الثالث أن يسترعيه شاهد الأصل، والاسترعاء مأخوذ من الرعاية، ومعناه أن يطلب منه أن يشهد على شهادته، وهو مأخوذ من قولهم: أرعني سمعك، فلا بد أن يسترعي شاهدُ الأصل شاهدَ الفرع؛ بأن يقول: اشهد على شهادتي على فلان بكذا،
فإن سمعه يتحدث بالشهادة دون أن يقول: اشهد على شهادتي فإنها لا تقبل،
ولا يجوز لشاهد الفرع أن يشهد على شاهد الأصل؛ لأنه من الجائز أن يكون قد تحدث عن شهادته، ولكنه يتحدث عن أمر مضى وانقضى، وصاحب الحق استوفى حقه وما أشبه ذلك، وما دام هذا الاحتمال موجوداً فإنه يمنع القطع بالشهادة، فلا يجوز أن يشهد على شهادته.
وقال بعض أهل العلم: لا يشترط أن يسترعيه، وأنه إذا سمع شخصاً يقول: أشهد أن فلاناً له عند فلان كذا
وكذا، ثم مات هذا القائل وقد سمعه بعض الناس، فللسامع أن يشهد مع أنه لم يسترعِه، وردوا التعليل الأول بأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، وما دام سمع هذا الرجلُ فلاناً يشهد بحقٍّ على فلان فله أن يشهد عليه، فيقول: أشهد أن فلاناً يشهد بأن على فلان كذا
وكذا، ولا يقول: أَشْهَدَني؛ لأنه لم يشهده،
فإن استرعاه غير الأصل، بأن قال صاحب الحق لشخص: اسمع شهادة فلان بحقي على فلان، ثم جاء وشهد الشاهد بحق فلان على فلان، وتوفي أو غاب، فعلى المذهب ليس له أن يشهد؛ لأن شاهد الأصل لم يسترعه، وعلى القول الثاني له أن يشهد، بل القول هنا أقوى من القول بما إذا لم يسترعِه أحد،
فصارت الصور ثلاثاً:
الأولى: أن يسترعيه شاهد الأصل،
وفي هذه الصورة له أن يشهد قولاً واحداً. الثانية: أن يسترعيه صاحب الحق ليس الشاهد، وهذه على المذهب لا تجوز، وعلى ما اختار صاحب المغني، والشرح تجوز، يعني الموفق وابن أخيه عبد الرحمن أبي عمر تجوز.
الثالثة: ألا يسترعيه أحد لكنه يسمع أن فلاناً يشهد، فهذه الحال فيها خلاف، لكن الخلاف فيها أضعف من الخلاف في المسألة الثانية، والذي يظهر في المسألة الأخيرة أنه يجوز أن يشهد، لكن لا يقل: أَشْهَدَني فلان، وإنما يقول: أشهد على شهادة فلان بكذا
وكذا؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، وهذا لم يشهد بباطل، وأحياناً ربما لا نجد ما يثبت الحق إلا هذه الشهادة.
فَيَقُولُ: اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي بِكَذَا، أَوْ يَسْمَعُهُ يُقِرُّ بِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ، أَوْ يَعْزُوهَا إلَى سَبَبٍ، مِنْ قَرْضٍ، أَوْ بَيْعٍ، أَوْ نَحْوِهِ،
وَإِذَا رَجَعَ شُهُودُ الْمَالِ بَعْدَ الْحُكْمِ لَمْ يُنْقَضْ، وَيَلْزَمُهُمُ الْضَّمَانُ دُوْنَ منْ زَكَّاهُمْ،
وَإِنْ حَكَمَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، ثُمَّ رَجَعَ الشَّاهِدُ غَرِمَ الْمَالَ كُلَّهُ. «فيقول: اشهد على شهادتي بكذا» أي: أن شاهد الأصل يقول: اشهد على شهادتي، أو يقول: اشهد أني أشهد على أن لفلان على فلان كذا، أو ما أشبه ذلك من العبارات، المهم أن يأتي بلفظ يدل على أن شاهد الأصل حمَّل شاهد الفرع الشهادة، وهل يشترط أن يكون الفرع رجلين فأكثر على أصل واحد، أو يكفي على كل أصل
فرع؟
نقول: يكفي على كل أصل
فرع، فزيد وعمرو أصلان، يشهد على زيدٍ بكرٌ، وعلى عمرٍو خالدٌ فيجوز،
ويجوز أن يكون لكل أصل فرعان من باب أولى،
ويجوز أن يشهد الفرعان على كل أصل، بمعنى أن حجَّاجاً وياسراً يشهدان على عبد الرحمن ويشهدان على خليل، هاتان صورتان، وهل يجوز أن يشهد على الأصلين
فرع واحد؟ الجواب: لا، فلا يكتفى بشهادة واحدة متحملة عن أصلين، مثل أن يشهد حجاج على عبد الرحمن وخليل، فهنا ما نحكم بالشهادة؛ لأنه واحد،
وقيل: يجوز، لأن شهادة الفرع خبر وليست أصلاً، فحجاج ـ مثلاً ـ يقول: أخبرني عبد الرحمن وأخبرني خليل؛ بأنهما يشهدان على فلان بكذا، قالوا: فيحكم بها، لكن في النفس من هذا شيء.
فتكون الصور أربعاً: الأولى: فرعان على أصلين، على كل أصل
فرع، الثانية: فرعان على أصلين على كل واحد منهما،
الثالثة: فرع على أصلين فيها خلاف،
والمذهب لا يجوز وهو أقرب، الرابعة: فرعان على كل أصل فيجوز من باب أولى. «أو يسمعه يقر بها عند الحاكم» يعني ينوب عن الاسترعاء إذا سمع الفرعُ شاهدَ الأصل يشهد بها عند القاضي، فيشهد وإن لم يسترعه، وهذا ممكن، كأن يدعي زيد على عمرو دعوى، فيطلب القاضي من زيد بينة فأتى بشاهد عند القاضي، وشهد بأن لزيد على عمرو كذا
وكذا، وهناك رجل حاضر، ولم يحكم القاضي، وتفرق الخصمان، ومات الشاهد أو تغيب، فهل لمن سمعه يشهد بها عند القاضي أن يشهد؟ يقول المؤلف: نعم، إذا سمعه يقر بها عند الحاكم فليشهد؛ لأن احتمال أن يكون المشهود عليه قد برئ بعيد؛ لأنهما وصلا إلى القاضي. «أو يعزوها إلى سبب» يعني يسمع شاهدُ الفرع شاهدَ الأصل يشهد بأن لفلان على فلان مائة ريال، ثمن ناقة، إذن الأصل شهد وعزا شهادته إلى سبب وهو أنه ثمن شراء الناقة، إذن يجوز أن يشهد؛
لأنه لما عزاها إلى سبب ثبتت بهذا السبب، والأصل بقاء السبب وعدم زواله، فصار هذا الشرط لا بد فيه من أحد أمور ثلاثة: الاسترعاء، أو السماع عند القاضي، أو أن يعزوها إلى سبب. «من قرض» بأن يسمع شاهدُ الفرع شاهدَ الأصل يقول: أشهد أن لفلان على فلان ألف درهم قرضاً ثم مات الشاهد، فهل لمن سمعه أن يشهد بشهادته؟ الجواب: نعم؛ لأنه عزاها إلى سبب، قال: قرضاً. «أو بيع» كما إذا قال: أشهد أن لفلان على فلان ألف درهم ثمن بعير، فيجوز؛
لأنه عزاها إلى سبب. «أو نحوه» كما إذا قال: أشهد أن لفلان على فلان ألف درهم أجرة بيت فيجوز.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.