ويباح استعماله بعد الدبغ في يابس من حيوان طاهر في الحياة
الشروح عليها
(ويباح استعماله) أي استعمال الجلد (بعد الدبغ) بطاهر منشف للخبث.
قال في " الرعاية " ولا بد فيه من زوال الرائحة الخبيثة وجعل المصران والكرش وترا دباغ. ولا يحصل بتشميس ولا تتريب ولا يفتقر إلى فعل آدمي،
فلو وقع في مدبغة فاندبغ جاز استعماله (في يابس) لا مائع،
ولو وسع قلتين من الماء (إذا كان) الجلد (من حيوان طاهر في الحياة) مأكولا كان كالشاة أو لا كالهر.
أما جلود السباع كالذئب ونحوه مما خلقته أكبر من الهر ولا يؤكل فلا يباح دبغه ولا استعماله قبل الدبغ ولا بعده ولا يصح بيعه.
ويباح استعمال منخل من شعر نجس في يابس
كلحمه (ويباح استعماله) أَي استعمال الجلد (بعد الدبغ) لا غير إذ لانزاع في نجاسة إهاب الميتة قبل دبغه،
وقال الشارح: لا يجوز بيعه قبل الدبغ لا نعلم فيه خلافًا،
وقيل يجوز بيعه مع نجاسته كثوب نجس وزبل، وأجاز شيخ الإسلام الانتفاع به قبل الدبغ فيما لم ينجسه،
وكذا يجوز الانتفاع به في اليابس وأن المراد من الآية تحريم الأكل، لأنه المقصود منها عرفًا،
ولا يجوز أكله لأنه جزء من الميتة، قال الشارح: في قول عامة أهل العلم،
ولا يلزم من الطهارة إباحة الأكل،
وفي الصحيحين «إنما حرم من الميتة أكلها» .
الرعاية: ولا بد فيه من زوال الرائحة الخبيثة فضابطه أن يطيب به ريح الجلد، بحيث لو وقع في الماء بعده لم يعد إليه الفساد، كالشب والشت والقرظ وقشور الرمان والعفص، وغير ذلك مما يحصل به مقصود الدباغ، والرعاية المراد بها الرعاية الكبرى لأحمد بن حمدان بن شبيب ابن حمدان النميري الحراني الفقيه الحنبلي، وله الرعاية الصغرى وغيرها، توفي سنة ستمائة وخمس وتسعين.
من زوال الرائحة الخبيثة وجعلُ المصران والكرش وترادباغ أي يكون ذلك دباغًا له، لأنه المعتاد فيه، والمصران بالضم واحدها مصير بالفتح الأمعاء، والكرش بالفتح والكسر لكل مجتر، بمنزلة المعدة للإنسان والأمعاء والوتر بالتحريك أحد أوتار القوس،
وإذا دبغ الجلد بنجس أو دهن بدهن متنجس طهر بالغسل، لأن الذي يبقي عرض.
. لا مائع، ولو وسع قلتين من الماء سواء كان المائع من ماء أو غيره، لأنه يفضي إلى تعدي النجاسة، وهذا على القول بعدم طهارته بالدبغ.
(من حيان طاهر في الحياة) مأكولاً كان كالشاة والظباء والبقر، والإبل.
في يابس . وَ (لبنها) أَي لبن الميتة نجس وفاقًا لمالك والشافعي: لأنه لاقى وعاء نجسًا، فتنجس به،
وعنه طاهر وفاقا لأبي حنيفة وغيره، واختاره الشيخ، لأن الصحابة أكلوا الجبن لما دخلوا المدائن وهو يعمل بالإنفحة ومجرد ملاقاة النجاسة لا يوجب تنجيسه إلا بالتغير بها.
«ويُباحُ استعمالُه بعد الدَّبغ في يَابِسٍ»، يعني: يباح استعمال جلد الميتة بعد الدَّبغ في يابس.
فأفادنا المؤلِّفُ أن استعماله قبل الدَّبغ لا يجوز في يابس، ولا غيره؛ لأنه نجس.
وظاهر كلامه أن الاستعمال لا يجوز ولو بعد أن نَشفَ الجلد وصار يابساً، وهذا فيه نظر؛ لأنَّنا نقول: إِذا كان يابساً، واستُعمل في يابس فإن النَّجاسة هنا لا تتعدَّى كما لو قدَّدناه، وجعلناه حبالاً لا يباشر بها الأشياء الرَّطبة،
فإن هذا لا مانع منه. «في يَابِس»، خرج به الرَّطب فلا يجوز استعماله فيه، مثل أن نجعل فيه ماءً أو لبناً، ولا أيَّ شيء رطب،
ولو بعد الدَّبغ؛ لأنَّه إِذا كان نجساً، ولاقاه شيء رطب تنجَّس به،
أما إذا كان في يابس، والجلد يابس فإِنه لا يتنجَّس به؛ لأن النَّجاسة لا يتعدَّى حكمها إِلا إِذا تعدَّى أثرها،
فإِن لم يتعدَّ أثرها فإِن حكمها لا يتعدَّى،
وإذا قلنا بالقول الرَّاجح: وهو طهارته بالدِّباغ فإنه يُباح استعماله في الرَّطب واليابس. ويدلُّ لذلك أنَّ الرَّسول ﷺ توضَّأ وأصحابه من مزادة امرأة مشركة ، وذبائح المشركين نجسة، وهذا يدلُّ على إِباحة استعماله في الرَّطب، وأنه يكون طاهراً.
من حيوانٍ طاهرٍ في الحياة. «من حيوانٍ طاهرٍ في الحياة»، أفادنا المؤلِّفُ، أن الجلد الذي يُباحُ استعماله بعد الدَّبغ في اليابس هو ما كان من حيوان طاهر في الحياة.
والطاهر في الحياة ما يلي:
أولاً: كُلُّ مأكول كالإبل، والبقر، والغنم، والضَّبُعِ، ونحو ذلك.
ثانياً: كلُّ حيوان من الهِرِّ فأقلُّ خِلْقة ـ وهذا على المذهب ـ كالهِرَّة لقوله ﷺ: «إنها ليست بنَجَسٍ، إِنَّها من الطوَّافين عليكم».
ثالثاً: كُلُّ شيء ليس له نَفْسٌ سائلة، يعني إِذا ذُبِحَ، أو قُتل، ليس له دم يسيل. رابعاً: الآدمي، ولكنه هنا غير وارد؛ لأن استعمال جلده محرَّم، لا لنجاسته، ولكن لحرمته.
فلو دَبغ إِنسان جلد فأرة، أو هِرَّة فإِنه لا يَطْهُرُ على المذهب، لكن يُباح استعماله في يابس.
وقيل: يَطْهُرُ، ويُباح استعمالُه في اليابسات والمائعات ، وعلى هذا يصحُّ أن نجعلَ جلدَ الهِرَّة سِقاء صغيراً، إِذا دبغناه لأنه طَهُرَ.
وقيل: إن جلد الميتة لا يطهر بالدِّباغ؛ إِلا أن تكون الميتةُ مما تُحِلُّه الذَّكاة ، كالإبل والبقر والغنم ونحوها،
وأما ما لا تحلُّه الذَّكاة فإنه لا يطهر، وهذا القول هو الرَّاجح؛ وهو اختيار شيخنا عبد الرحمن السَّعدي رحمه الله، وعلى هذا فجلد الهِرَّة وما دونها في الخلقة لا يطهر بالدَّبغ.
فمناط الحُكم على المذهب هو طهارة الحيوان في حال الحياة، فما كان طاهراً فإنه يُباحُ استعمالُ جلد ميتته بعد الدَّبغ في يابس، ولا يطْهُر.
وعلى القول الثاني:
يطْهُر مطلقاً، وعلى القول الثالث: يطْهُر إذا كانت الميتة مما تُحِلُّه الذَّكاة.
والرَّاجح: القول الثالث بدليل أنه جاء في بعض ألفاظ الحديث: «دباغُها ذكاتها». فعبَّر بالذكاة، ومعلوم أن الذَّكاة لا تُطَهِّر إِلا ما يُباح أكله،
فلو أنك ذبحت حماراً، وذكرت اسم الله عليه، وأنهر الدَّم، فإِنه لا يُسمَّى ذكاة، وعلى هذا نقول: جلد ما يحرم أكله،
ولو كان طاهراً في الحياة، لا يطهر بالدِّباغ، ووجهه: أنَّ الحيوان الطَّاهر في الحياة إِنما جُعِلَ طاهراً لمشقَّة التحرز منه لقوله ﷺ: «إنها من الطَّوافين عليكم»، وهذه العِلَّة تنتفي بالموت، وعلى هذا يعود إلى أصله وهو النَّجاسة، فلا يَطْهُر بالدِّباغ.
فيكون القول الرَّاجح: أن كلَّ حيوان مات وهو مما يُؤكل؛
فإن جلده يَطْهُر بالدِّباغ، وهذا أحد قولي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وله قول آخر يوافق قول من قال:
إن ما كان طاهراً في الحياة فإِنّ جلده يطهر بالدَّبغ .
ولبنُهَا ............... «ولبنُها»، لبن الميتة نجس،
وإن لم يتغيَّر بها؛ لأنه مائع لاقى نجساً فتنجَّس به، كما لو سقطت فيه نجاسة ـ وإلا فهو في الحقيقة منفصل عن الميتة قبل أن تموت ـ لكنهم قالوا: إنها لمَّا ماتت صارت نجسةً، فيكون قد لاقى نجاسةً فتنجَّس بذلك.
واختار شيخ الإِسلام أنَّه طاهر بناءً على ما اختاره من أن الشيء لا ينجس إلا بالتغيُّر ، فقال: إِن لم يكن متغيِّراً بدم الميتة، وما أشبه ذلك فهو طاهر.
والذي يظهر لي رجحانه في هذه المسألة هو المذهب؛ لأنَّه وإن انفصل واجتمع في الضَّرع قبل أن تموت فإنه يسير بالنسبة إلى ما لاقاه من النَّجاسة، لأنها محيطة به من كل جانب، وهو يسير،
ثم إن الذي يظهر سريان عُفونة الموت إلى هذا اللَّبن؛ لأنه ليس كالماء في قُوَّة دفع النَّجاسة عنه.
والمذهب، وإن كان فيه نَظَر من حيث قاعدة: أن ما لا يتغيَّر بالنَّجاسة فليس بنجس، وهذه قاعدة عظيمة محكمة، لكن الأخذ به هنا من باب الاحتياط، وأيضاً بعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ، واللَّبن في الضَّرع قد يكون داخلاً في هذا العموم.
وكُلُّ أجزائِها نجسَةٌ غَيْرُ شَعْرٍ، وَنَحْوِه، .................
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.