ولا يطهر جلد ميتة بدباغ
الشروح عليها
(ولا يطهر جلد ميتة بدباغ) ، روي عن عمر وابنه وعائشة وعمران بن حصين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
وكذا لا يطهر جلد غير مأكول بذكاة كلحمه.
وكذا لا يطهر جلد غير مأْكول بذكاة كلحمه غير المأكول كالكلب والفهد والأسد، لأنه ليس محلاًّ للذكاة، فهو ميتة، وهذا مذهب الشافعي،
وأما الذكاة في المأكول فسبب لبقاء طهارته كلحمه.
«ولا يَطْهر جلدُ ميتة بدِبَاغ»، الدَّبغ: تنظيف الأذى والقَذَر الذي كان في الجلد بواسطة مواد تُضاف إلى الماء.
فإِذا دُبِغَ جلدُ الميتة فإِنَّ المؤلِّف يقول: إِنه لا يطهرُ بالدِّباغ.
فإن قيل: هل ينجُس جلد الميتة؟
فالجواب: إن كانت الميتة طاهرة فإِن جلدها طاهر،
وإِن كانت نجسةً فجلدها نجس.
ومن أمثلة الميتة الطَّاهرة: السَّمك لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ .
قال ابن عباس رضي الله عنهما :«صيده ما أُخِذَ حيًّا، وطعامه ما أُخِذَ ميتاً».
فجلدها طاهر.
أما ما ينجُس بالموت فإِن جلده ينجُس بالموت لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ أي نَجِسٌ، فهو داخل في عموم الميتة.
فإن قيل: إن الميتة حرام،
ولا يلزم من التَّحريم النَّجاسة؟
فالجواب: أنَّ القاعدة صحيحة، ولهذا فالسُّمُ حرام، وليس بنجس، والخمر حرام وليس بنجس على القول الرَّاجح، ولكن الله لما قال: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ﴾ ، علَّل ذلك بقوله:«رِجْسٌ» والرِّجس النَّجس، وهذا واضح في أن الميتة نجسة.
فإِذاً الميتة نجسة؛ وجلدها نجس؛ ولكن إِذا دبغناه هل يطهُر؟.
اختلَفَ في ذلك أهلُ العلم ، فالمذهب أنه لا يطهُر، قالوا: لأن الميتة نجسة العين، ونجس العين لا يمكن أن يطهُر، فروثة الحمار لو غُسِلت بمياه البحار ما طَهُرت،
بخلاف النَّجاسة الحُكمية، كنجاسة طرأت على ثوب ثم غسلناه، فإنه يطهُر.
وهذا القياس مع أنَّه واضح جداً إِلا أنه في مقابلة النصِّ، وهو حديث ميمونة رضي الله عنها أنَّ النبيَّ ﷺ :«مَرَّ بشاةٍ يجرُّونها، فقال: هلاَّ أخذتم إِهابها؟ قالوا: إنها ميتة، قال: يُطهِّرها الماءُ والقَرَظُ» ، وهذا صريح في أنَّه يَطْهُر بالدَّبغ. ولكن قالوا: هذا الحديث منسوخ بما يُروى عن عبد الله بن عُكَيْم قال: «إن النبيَّ ﷺ كتب إِلينا لا تنتفعوا من الميتة، بإِهابٍ ولا عَصَب».
زاد أحمد وأبو داود:«قبل وفاته بشهر».
والجواب على ذلك:
أولاً: أنَّ الحديث ضعيف، فلا يقابل ما في «صحيح مسلم». ثانياً: أنَّه ليس بناسخ؛ لأننا لا ندري هل قضيَّة الشَّاة في حديث ميمونة قبل أن يموتَ بشهر، أو قبل أن يموت بأيَّام؟
ومن شرط القول بالنسخ العلم بالتَّاريخ.
ثالثاً: أنَّه لو ثبت أنه متأخِّر، فإِنه لا يُعارض حديث ميمونة؛ لأن قوله:«لا تنتفعوا من الميتة بإِهاب ولا عصب» يُحمَلُ على الإِهاب قبل الدَّبغ، وحينئذٍ يُجمع بينه وبين حديث ميمونة.
فإن قال قائل: كيف تقولون لو دُبِغَ اللحمُ ما طَهُرَ؛
ولو دُبِغَ الجلدُ طَهُرَ؟ وكلها أجزاء ميتة، ونحن نعرف أن الشريعة الحكيمة لا يمكن أن تفرِّق بين متماثلين؟
أجيب من وجهين:
الأول: أنَّه متى ثبت الفرق في الكتاب والسُّنَّة بين شيئين متشابهين، فاعلم أن هناك فرقاً في المعنى، ولكنَّك لم تتوصَّل إِليه؛ لأن إحاطتك بحكمة الله غير ممكنة، فموقفك حينئذ التَّسليم.
الثاني: أن يُقالَ: إِنه يمكن التَّفريق بين اللحم والجلد،
فإِن حلول الحياة فيما كان داخل الجلد أشدُّ من حلولها في الجلد نفسه، لأن الجلد فيه نوع من الصلابة
بخلاف اللحوم، والشُّحوم، والأمعاء، وما كان داخله فإِنه ليس مثله، فلا يكون فيه من الخَبَثِ ـ الذي من أجله صارت الميتة حراماً ونجسة ـ مثل ما في اللحم ونحوه.
ولهذا نقول: إنه يُعطَى حكماً بين حكمين:
الحكم الأول: أَنَّ ما كان داخل الجلد لا يَطْهُر بالدِّباغ. الحكم الثاني: أن ما كان خارج الجلد من الوبر والشَّعر فإِنه طاهر، والجلد بينهما، ولهذا أُعطي حكماً بينهما.
وبهذا نعرفُ سُمُوَّ الشريعة، وأنها لا يمكن أن تُفرِّق بين متماثلين، ولا أن تَجمَع بين مختلفين،
وأن طهارة الجلد بعد الدَّبغ من الحكمة العظيمة، ونجاسته بالموت من الحكمة العظيمة؛ لأنه ليس كالشَّعر والوبر والرِّيش، وليس كالشحم واللحم والأمعاء.
ويُبَاحُ استعمالُه بَعْدَ الدَّبْغِ في يَابِسٍ ..............
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.