يصح بإيجاب كبعتك وملكتك ذا بكذا وقبول كاشتريت وقبلت هذا بكذا,
الشروح عليها
[باب البيع] [مدخل] ... [باب البيع]
[باب البيع]
هو لغة: مقابلة شيء بشيء. وشرعا: مقابلة مال بمال على وجه مخصوص.
والأصل فيه قبل الإجماع آيات كقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} يصح بإيجاب كبعتك وملكتك ذا بكذا وقبول كاشتريت وقبلت هذا بكذا, [٢ سورة البقرة الآية: ٢٧٥] وأخبار كخبر: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: "أي الكسب أطيب؟ فقال: " عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور " [مسند أحمد رقم: ١٦٨١٤] أي لا غش فيه ولا خيانة.
يصح البيع بإيجاب من البائع ولو هزلا وهو ما دل على التمليك دلالة ظاهرة: كبعتك ذا بكذا أو هو لك بكذا وملكتك أو وهبتك ذا بكذا
وكذا جعلته لك بكذا إن نوى به البيع.
وقبول من المشتري ولو هزلا وهو ما دل على التملك كذلك: كاشتريت هذا بكذا وقبلت أو رضيت أو أخذت أو تملكت هذا بكذا.
وذلك لتتم الصيغة الدال على اشتراطها قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما البيع عن تراض" [ابن ماجه رقم: ٢١٨٥] .
والرضا خفي فاعتبر ما يدل عليه من اللفظ فلا ينعقد بالمعاطاة لكن اختير الانعقاد بكل ما يتعارف البيع بها فيه: كالخبز واللحم دون نحو الدواب والأراضي.
فعلى الأول: المقبوض بها كالمقبوض بالبيع الفاسد أي في أحكام الدنيا
أما في الآخرة فلا مطالبة بها.
ويجري خلافها في سائر العقود وصورتها: أن يتفقا على ثمن ومثمن وإن لم يوجد لفظ من واحد
ولو قال متوسط للبائع: بعت؟
(وقوله: لغة) الأظهر أنه تمييز للنسبة، أو ظرف مكان مجازا لها، فحقه التأخير عن الخبر.
والتاء - في لغة - عوض من الواو، لأنه من لغا يلغو - إذا تكلم - تطلق اسما على ألفاظ مخصوصة، ومصدرا على الاستعمال، كقولهم لغة تميم إهمال ما - ونحو ذلك.
(قوله: مقابلة شئ بشئ) أي على وجه المعاوضة، ليخرج نحو ابتداء السلام ورده، فلا تسمى مقابلة ابتداء السلام برده، ومقابلة عيادة مريض بعيادة مريض آخر بيعا في اللغة - كذا قال بعضهم - وقال بعضهم: الأولى إبقاء المعنى اللغوي على إطلاقه، وهو ظاهر كلام الشارح، ومنه بالمعنى اللغوي: قوله تعالى: * (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم) * - إلى أن قال سبحانه - * (فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم) * ، وقول بعضهم: ما بعتكم مهجتي إلا بوصلكم ولا أسلمها إلا يدا بيد فإن وفيتم بما قلتم وفيت أنا وإن غدرتم فإن الرهن تحت يدي فالمبيع: هو المهجة - وهو الروح - والثمن: هو الوصل:
(قوله: وشرعا) عطف على لغة، وهو مقابل لها.
(وقوله: مقابلة إلخ) أي عقد يتضمن مقابلة مال بمال، لأن البيع ليس هو المقابلة، وإنما هو العقد.
والأحسن في تعريفه - كما قال بعضهم - أن يقال: هو عقد معاوضة محضة يقتضي ملك عين أو منفعة على الدوام، لا على وجه القربة.
ووجه الأحسنية فيه: أنه سالم من التسمح - بحذف المضاف المذكور - وأنه يشمل بيع المنافع على التأبيد: كبيع حق البناء والخشب على جداره، وكبيع حق الممر للماء بأن لا يصل الماء إلى محله إلا بواسطة ملك غيره.
والتعريف الذي ذكره المؤلف لا يشمل ذلك إلا إن أريد بالمال فيه ما يشمل المنفعة.
وخرج بقوله في التعريف الذي ذكره مقابلة إلخ: الهبة التي بلا ثواب، فإنه لا مقابلة فيها، فلا تسمى بيعا.
وخرج أيضا: الإجارة والنكاح - لأنهما ليس فيها مقابلة مال بمال، لأن الإجارة فيها مقابلة منفعة بمال، والنكاح فيه مقابلة انتفاع.
وخرج بالمعاوضة في التعريف الثاني نحو الهبة.
وبالمحضة: نحو النكاح.
وبقوله على الدوام: الإجارة - فإنها وإن كان فيها مقابلة منفعة بمال، ليست على الدوام.
وبلا على وجه القربة: القرض، فإنه - وإن كان فيه معاوضة مال بمال - فهو على وجه القربة.
(قوله: على وجه مخصوص) أي وهو شروطه الآتية.
(قوله: والأصل فيه) أي في حكمه.
(قوله: وأحل الله البيع) أي المعهود عندهم، وهو مقابلة مال بمال على وجه مخصوص - فالآية متضحة الدلالة - لا مجملة.
(قوله: وأخبار) معطوف على آيات، أي والأصل فيه أخبار.
(قوله: كخبر إلخ) أي وكخبر: إنما البيع عن تراض.
(قوله: أي الكسب أطيب؟) أي أي أنواع الكسب أفضل وأحسن؟
(قوله: فقال) أي النبي.
(وقوله: عمل الرجل بيده) أي وهو الصناعة -
وقيل يشمل الزراعة - وكونه باليد جري على الغالب.
(قوله: وكل بيع مبرور) هو التجارة.
(وقوله: أي لا غش فيه ولا خيانة) هذا مدرج من كلام الراوي.
والفرق بين الغش والخيانة: أن الأول تدليس يرجع إلى ذات المبيع، كأن يجعد شعر الجارية، ويحمر وجهها،
والثاني أعم، لأنه تدليس في ذاته أو صفته أو أمر خارج، كأن يصفه بصفات كاذبة، وكأن يذكر له ثمنا كاذبا.
(قوله: يصح البيع إلخ) .
(اعلم) أن أركان البيع ثلاثة: عاقد، ومعقود عليه، وصيغة.
وفي الحقيقة: ستة، لأن كل واحد من الأركان الثلاثة: تحته قسمان - فالأول: تحته البائع والمشتري.
والثاني: تحته الثمن والمثمن.
والثالث: تحته الإيجاب والقبول - ولم يصرح المؤلف بالركنين الأولين، وإنما أشار إليهما بقوله وشرط في عاقد، وقوله وفي معقوده.
وصرح بالصيغة بقوله بإيجاب وقبول، وبدأ بها لقوة الخلاف فيها - وإن تقدما عليها طبعا - ثم هي على قسمين: صريح، وكناية، والأول: مما دل على التمليك - أو التملك - دلالة ظاهرة مما اشتهر وكرر على ألسنة حملة الشرع: كبعتك، وملكتك، أو وهبتك ذا بكذا.
والثاني: ما احتمل البيع وغيره، كجعلته لك، وخذه، وتسلمه، وبارك الله لك فيه.
ويشترط في صحة الصيغة: أن يذكر المبتدئ - بائعا أو مشتريا - كلا من الثمن والمثمن.
وأما المجيب فلا يشترط أن يذكرهما - ولا أحدهما -
فلو قال البائع: بعتك كذا بكذا، فقال قبلت، أو قال المشتري: اشتريت منك كذا بكذا، فقال البائع بعتك، كفى منهما.
فإن لم يذكر المبتدي منهما العوضين معا: لم يصح العقد.
أفاده البجيرمي.
(قوله: ولو هزلا) غاية في صحة البيع بالإيجاب.
أي يصح به ولو صدر منه على سبيل الهزل - أي المزح - وهو أن لا يقصد باللفظ حقيقة الايقاع.
وفي سم: هل الاستهزاء كالهزل؟ فيه نظر، ويتجه الفرق - لأن في الهزل قصد اللفظ لمعناه، غير أنه ليس راضيا به.
وليس في الإستهزاء قصد اللفظ لمعناه.
ويؤيده أن الاستهزاء يمنع الاعتداد بالإقرار.
اه
(قوله: وهو) أي الإيجاب.
(وقوله: ما دل على التمليك دلالة ظاهرة) هذا التعريف شامل للإيجاب الصريح والكناية، لأن كليهما يدل دلالة ظاهرة.
غاية الأمر أن دلالة الصريح أقوى،
بخلاف الكناية فإن دلالتها بواسطة ذكر العوض على اشتراطه فيها، أو نيته على عدم الإشتراط.
وخرج بذلك: ما لا يدل دلالة ظاهرة - كملكتكه، وجعلته لك - من غير ذكر عوض أو نيته.
(قوله: كبعتك) يشير إلى شرطين في الصيغة، وهما: الخطاب، ووقوعه على جملة المخاطب.
(وقوله: ذا بكذا) يشير إلى شرط ثالث، وهو أنه لا بد من ذكر الثمن والمثمن - كما مر عن البجيرمي -.
(قوله: وهو لك بكذا) اختلف فيه: هل هو صريح أو كناية؟
والمعتمد الثاني.
وعلى الأول: يفرق بينه وبين جعلته لك الآتي: بأن الجعل ثم محتمل، وهنا لا احتمال.
اه. حجر.
وكتب سم ما نصه: قوله وهنا لا احتمال: إن أراد أن عدم الاحتمال بسبب قوله بكذا، فليكن جعلته لك بكذا كذلك،
وإن أراد أنه بدونه.
أبطله قولهم في الوصية أنه لو اقتصر على هو له، فإقرار، إلا أن يقول من مالي، فيكون وصية.
اه.
(قوله: وملكتك، أو وهبتك ذا بكذا) هذا من الصريح، ولا ينافي ذلك كونهما صريحين في الهبة، لأن محله عند عدم ذكر الثمن.
(قوله: وكذا جعلته لك) أي ومثل المذكورات في صحة الإيجاب به: جعلته لك، وهو من الكناية، فلذلك قيده بقوله إن نوى به البيع.
(وقوله: بكذا) هو كناية عن العوض،
ولا يشترط ذكره، بل تكفي نيته عند حجر، وعند م ر يشترط ذكره، ولا تكفي نيته.
والخلف بينهما في الكناية فقط،
أما في الصريح: فيشترط ذكره عندهما.
قال في التحفة: وليس منها - أي الكناية - أبحتكه،
ولو مع ذكر الثمن - كما اقتضاه إطلاقهم - لأنه صريح في الإباحة مجانا لا غير، فذكر الثمن مناقض له.
وبه يفرق بينه وبين صراحة: وهبتك هنا، لأن الهبة قد تكون بثواب، وقد تكون مجانا، فلم ينافها ذكر الثمن -
بخلاف الإباحة - ثم قال: وإنما انعقد بها - أي الكناية - مع النية في الأصح مع احتمالها - أي لغير البيع - قياسا على نحو الإجارة والخلع، وذكر الثمن أو نيته بتقدير الإطلاع عليها منه يغلب على الظن إرادة البيع، فلا يكون المتأخر من العاقدين قابلا ما لا يدريه.
اه.
ومما يقوم مقام الإيجاب: اشتر مني هذا بكذا، وهو يسمى استقبالا: أي طلب القبول، لأن معناه: اقبل مني كذا بكذا.
(قوله: وقبول) بالجر، عطف على إيجاب.
أي ويصح بإيجاب مع قبول.
(قوله: من المشتري) متعلق بمحذوف صفة لقبول.
أي قبول كائن من المشتري، ويقوم مقام القبول منه، قوله للبائع: يعني ذا بكذا، ويسمى هذا: استيجابا، أي طلب الجواب.
(قوله: ولو هزلا) أي ولو صدر منه القبول على سبيل الهزل، فإنه يصح، ويلزم به البيع.
قال سم:
قال في الأنوار: ولو اختلفا في القبول فقال أوجبت ولم تقبل،
وقال المشتري قبلت، صدق بيمينه.
اه.
(قوله: وهو) أي القبول.
(قوله: ما دل على التملك كذلك) أي دلالة ظاهرة،
بخلاف غير الظاهر، كأن قال تملكت فقط، فإنه لا يكفي، لأنه يحتمل الشراء والهبة وغيرهما.
(قوله: كاشتريت) أي وما اشتق منه - كأنا مشتر -
(وقوله: هذا بكذا) الأول كناية عن المبيع،
والثاني كناية عن الثمن.
(قوله: وقبلت إلخ) أي واتبعت واخترت.
(قوله: هذا بكذا) راجع لقبلت وما بعده.
(قوله: وذلك لتتم الصيغة) أي اشتراط الإتيان بالإيجاب والقبول معا لأجل أن تتم الصيغة، التي هي عبارة عن مجموعهما، فاسم الإشارة يعود على معلوم من المقام
(قوله: الدال) بالرفع، نعت سببي للصيغة.
(وقوله: على اشتراطها) أي الصيغة.
(قوله: إنما البيع عن تراض) أي صادر عن تراض.
(قوله: والرضا إلخ) بيان لوجه دلالة الحديث على اشتراط الصيغة.
وحاصله أن في الحديث حصر صحة البيع في الرضا وهو خفي، إذ هو معنى قائم بالقلب، فلا إطلاع لنا عليه، فاشترط لفظ يدل عليه، وهو الصيغة.
(قوله: فاعتبر ما يدل عليه) أي الرضا من اللفظ، وذلك لأن دلالة اللفظ على ما في النفس أقوى من دلالة القرائن، فلا يقال إن القرائن تدل على الرضا.
ومثل اللفظ ما يقوم مقامه، كإشارة الأخرس المفهمة.
(قوله: فلا ينعقد الخ) تفريع على اشتراط الصيغة.
(قوله: لكن اختير الانعقاد إلخ) استدراك من عدم انعقاده بالمعاطاة الموهم أن ذلك مطلقا وبالإتفاق: أي لكن اختار بعضهم - وهو النووي - انعقاد البيع بالمعاطاة في كل شئ يعد العرف المعاطاة فيه بيعا.
وعبارة التحفة: واختار المصنف - كجمع - انعقاده بها في كل ما يعده الناس بها بيعا، وآخرون في محقر كرغيف.
والاستجرار من بياع: باطل اتفاقا، أي إلا إن قدر الثمن في كل مرة، على أن الغزالي، سامح فيه، بناء على جواز المعاطاة.
اه.
(قوله: فعلى الأول) أي عدم الانعقاد.
(وقوله المقبوض بها) أي بالمعطاة.
(وقوله: كالمقبوض بالبيع الفاسد) أي فيجب على كل أن يرد ما أخذه على الآخر إن بقي، أو بدله إن تلف.
قال سم: فهو إذا كان باقيا على ملك صاحبه،
فإن كان زكويا فعليه زكاته، لكن لا يلزم إخراجها، إلا إن عاد إليه، أو تيسر أخذه.
وإن كان تالفا فبدله دين لصاحبه على الآخر، فحكمه كسائر الديون في الزكاة.
اه.
(قوله: أي في أحكام الدنيا) أي أن المقبوض بها كالمقبوض بالبيع الفاسد بالنسبة للأحكام الدنيوية.
(وقوله: أما الآخرة فلا مطالبة بها) أي إذا لم يرد كل ما أخذه فلا يعاقب عليها في الآخرة - أي لطيب النفس بها، واختلاف العلماء فيها - لكن هذا من حيث المال،
وأما من حيث تعاطي العقد الفاسد، فيعاقب عليه، إذا لم يوجد مكفر.
(قوله: ويجري خلافها) أي المعاطاة.
(وقوله: في سائر العقود) أي المالية، كالرهن، والشركة، والإجارة.
(قوله: وصورتها) أي المعاطاة.
(قوله: أن يتفقا) أي البائع والمشتري.
أي من قبل صدور المعاطاة منهما، ثم يعطي كل صاحبه ممن غير إيجاب وقبول.
(قوله: وإن لم يوجد لفظ من واحد) غاية في الاتفاق.
أي سواء حصل مع اتفاقهما لفظ من أحدهما أم لا.
ولو قال: وإن وجد لفظ من أحدهما، لكان أولى، إذ لا يغيا إلا بالبعيد.
والمراد باللفظ: الإيجاب، أو القبول.
(والحاصل) المعاطاة: هي أن يتفق البائع والمشتري على الثمن والمثمن، ثم يدفع البائع المثمن للمشتري، وهو يدفع الثمن له، سواء كان مع سكوتهما، أو مع وجود لفظ إيجاب أو قبول من أحدهما، أو مع وجود لفظ منهما لكن لا من الألفاظ المتقدمة - كما في ع ش - وعبارته: ولا تتقيد المعاطاة بالسكوت، بل كما تشمله تشمل غيره من الألفاظ غير المذكورة في كلامهم، للصريح والكناية.
اه.
وفي فتح الجواد: ويظهر أن ما ثمنه قطعي الإستقرار - كالرغيف بدرهم بمحل لا يختلف أهله في ذلك - لا يحتاج لاتفاق فيه، بل يكفي الأخذ والإعطاء مع سكوتهما.
اه.
(قوله: ولو قال متوسط) هو الدلال أو المصلح.
قال في النهاية: وظاهر أنه لا يشترط فيه أهلية البيع، لأن العقد لا يتعلق به.
اه.
(قوله: بعت) هو بتاء المخاطب
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.