هو بيع موصوف في الذمة
الشروح عليها
كِتَابُ السَّلَمِ وَيُقَالُ لَهُ السَّلَفُ، سُمِّيَ سَلَمًا لِتَسْلِيمِ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْمَجْلِسِ وَسَلَفًا لِتَقْدِيمِهِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ إلَّا مَا شَذَّ بِهِ ابْنُ الْمُسَيِّبِ آيَةُ الدَّيْنِ فَسَّرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ بِالسَّلَمِ وَخَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» كَالشَّفَقِ أَوْ الْفَجْرِ أَوْ وَسَطِ السَّنَةِ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الثَّمَنِ، فَكَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا فَكَذَلِكَ الْمُثَمَّنُ، وَلِأَنَّ فِيهِ رِفْقًا فَإِنَّ أَرْبَابَ الضِّيَاعِ قَدْ يَحْتَاجُونَ لِمَا يُنْفِقُونَهُ عَلَى مَصَالِحِهَا فَيَسْتَسْلِفُونَ عَلَى الْغَلَّةِ، وَأَرْبَابَ النُّقُودِ يَنْتَفِعُونَ بِالرُّخْصِ فَجُوِّزَ لِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ غَرَرٌ كَالْإِجَارَةِ عَلَى الْمَنَافِعِ الْمَعْدُومَةِ.
وَمَعْنَى الْخَبَرِ: مَنْ أَسْلَمَ فِي مَكِيلٍ فَلْيَكُنْ مَعْلُومًا، أَوْ مَوْزُونٍ فَلْيَكُنْ مَعْلُومًا، أَوْ إلَى أَجَلٍ فَلْيَكُنْ مَعْلُومًا لَا أَنَّهُ حَصَرَهُ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَالْأَجَلِ (هُوَ) شَرْعًا (بَيْعُ) شَيْءٍ (مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ) بِلَفْظِ السَّلَمِ كَمَا سَيُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ وَلِهَذَا قَالَ الشَّارِحُ هَذِهِ خَاصَّتُهُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا، قِيلَ لَيْسَ لَنَا عَقْدٌ يَخْتَصُّ بِصِيغَةٍ وَاحِدَةٍ إلَّا هَذَا وَالنِّكَاحُ وَعُرِفَ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ غَيْرُ مَانِعٍ، وَيُؤْخَذُ مِنْ كَوْنِ السَّلَمِ بَيْعًا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إسْلَامُ الْكَافِرِ فِي الرَّقِيقِ الْمُسْلِمِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ،
وَإِنْ صَحَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ صِحَّتَهُ وَتَبِعَهُ السُّبْكِيُّ، وَمِثْلُ الرَّقِيقِ الْمُسْلِمِ الْمُرْتَدُّ كَمَا مَرَّ فِي بَابِ الْبَيْعِ.
(قَوْلُهُ: وَيُقَالُ لَهُ السَّلَفُ) أَيْ لُغَةً، وَهَذِهِ الصِّيغَةُ تُشْعِرُ بِأَنَّ السَّلَمَ هُوَ الْكَثِيرُ الْمُتَعَارَفُ وَأَنَّ هَذِهِ اللُّغَةَ قَلِيلَةٌ
(قَوْلُهُ: سُمِّيَ) أَيْ هَذَا الْعَقْدُ
(قَوْلُهُ: لِتَسْلِيمِ رَأْسِ الْمَالِ) أَيْ لِاشْتِرَاطِ تَسْلِيمِ ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ
(قَوْلُهُ: لِتَقْدِيمِهِ) أَيْ لِتَقْدِيمِ عَقْدِهِ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْمُسْلَمِ فِيهِ غَالِبًا،
وَمِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ مَا لَوْ كَانَ حَالًّا أَوْ عَجَّلَهُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ وَدَفَعَهُ حَالًّا فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ
(قَوْلُهُ: إلَّا مَا شَذَّ) اُنْظُرْ الَّذِي شَذَّ بِهِ هَلْ هُوَ عَدَمُ جَوَازِ السَّلَمِ أَوْ أَنَّ جَوَازَهُ مُعْتَبَرٌ عَلَى وَجْهٍ مُخَالِفٍ لِمَا عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ، فِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ فَلْيُرَاجَعْ
(قَوْلُهُ: وَخَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ) عِبَارَةُ حَجّ: وَالْخَبَرُ الصَّحِيحُ «مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ» إلَخْ،
وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ فَلَعَلَّهُمَا رِوَايَتَانِ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَخَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ» إلَخْ
(قَوْلُهُ: وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ، إذْ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، وَسَيَأْتِي مَا يُصَرِّحُ بِهِ فِي قَوْلِهِ وَمَعْنَى الْخَبَرِ إلَخْ
(قَوْلُهُ: إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ) هَذَا آخِرُ الْحَدِيثِ
(قَوْلُهُ: كَالشَّفَقِ) أَيْ الَّذِي يَلِي وَقْتَ الْعَقْدِ
وَكَذَا يُقَالُ فِي الْفَجْرِ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِيمَا لَوْ قَالَ إلَى الْعِيدِ أَوْ جُمَادَى وَالْمُرَادُ تَكَامُلُ طُلُوعَيْهِمَا.
(قَوْلُهُ: أَوْ وَسَطِ السَّنَةِ) وَيُحْمَلُ عَلَى آخِرِ جُزْءٍ مِنْ النِّصْفِ الْأَوَّلِ
(قَوْلُهُ: وَبِالْقِيَاسِ) الْأَظْهَرِ حَذَفَ الْبَاءَ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى آيَةِ الدَّيْنِ
(قَوْلُهُ: جَازَ أَنْ يَكُونَ) أَيْ الثَّمَنُ
(قَوْلُهُ: لَا أَنَّهُ حَصَرَهُ) وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَسَادُ السَّلَمِ فِي غَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَفِي الْحَالِّ اهـ
(قَوْلُهُ: بَيْعُ شَيْءٍ) يُؤْخَذُ مِنْ جَعْلِهِ بَيْعًا أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ صَرِيحًا وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَقَدْ يَكُونُ كِنَايَةً كَالْكِتَابَةِ وَإِشَارَةِ الْأَخْرَسِ الَّتِي يَفْهَمُهَا الْفَطِنُ دُونَ غَيْرِهِ
(قَوْلُهُ: مَوْصُوفٍ) قَالَ الْمَحَلِّيُّ بِالْجَرِّ: أَيْ فَمَوْصُوفٍ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ: أَيْ شَيْءٍ مَوْصُوفٍ وَإِنَّمَا فَعَلَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ وَصْفُهُ بِكَوْنِهِ فِي الذِّمَّةِ،
فَلَوْ قُرِئَ بِالرَّفْعِ كَانَ بِمَعْنَى بَيْعٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ وَالْبَيْعُ لَا يَصِحُّ وَصْفُهُ بِكَوْنِهِ فِي الذِّمَّةِ إلَّا بِتَجَوُّزٍ كَأَنْ يُقَالُ مَوْصُوفُ مَبِيعِهِ أَوْ مَا تَعَلَّقَ بِهِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ
(قَوْلُهُ: الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا) دَفَعَ بِهِ مَا يُقَالُ إنَّ التَّعْرِيفَ بِمَا ذُكِرَ لَيْسَ مَانِعًا لِشُمُولِهِ بَيْعَ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ فَإِنَّ التَّعْرِيفَ صَادِقٌ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِسَلَمٍ
(قَوْلُهُ: قِيلَ) أَيْ قَالَ بَعْضُهُمْ، وَلَيْسَ الْغَرَضُ تَضْعِيفُهُ
(قَوْلُهُ: بِصِيغَةٍ وَاحِدَةٍ) وَلَا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ انْعِقَادُهُ بِلَفْظِ السَّلَفِ كَالسَّلَمِ لِأَنَّهُمَا لِتَرَادُفِهِمَا يُعَدَّانِ وَاحِدَةً،
وَكَذَلِكَ انْعِقَادُهُ بِالتَّزْوِيجِ كَالنِّكَاحِ لَا يُخْرِجُهُمَا عَنْ كَوْنِهِمَا صِيغَةً وَاحِدَةً لِتَرَادُفِهِمَا حَجّ بِالْمَعْنَى
(قَوْلُهُ: لَا يَصِحُّ إسْلَامُ الْكَافِرِ فِي الرَّقِيقِ) وَمِثْلُ ذَلِكَ كُلُّ مَا يَمْتَنِعُ تَمَلُّكُ الْكَافِرِ لَهُ كَالْمُصْحَفِ وَكُتُبِ الْعِلْمِ وَالسَّلَمِ مِنْ الْحَرْبِيِّ فِي السِّلَاحِ.
(قَوْلُهُ: فِي الرَّقِيقِ) وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْمُسْلِمِ إذَا أَسْلَمَ لِلْكَافِرِ فِي عَبْدٍ مُسْلِمٍ صَحَّ، لَكِنْ قَالَ حَجّ: الَّذِي يُتَّجَهُ فِيهِ عَدَمُ الصِّحَّةِ مُطْلَقًا: أَيْ سَوَاءٌ كَانَ حَاصِلًا عِنْدَ الْكَافِرِ أَوْ لَا.
أَقُولُ: وَذَلِكَ لِنُدْرَةِ دُخُولِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ فِي مِلْكِ الْكَافِرِ فَأَشْبَهَ السَّلَمَ فِيمَا يَعِزُّ وُجُودُهُ، وَلَا يُرَدُّ مَا لَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ مُسْلِمٌ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَنْحَصِرُ فِيهِ وَلَا يَجِبُ دَفْعُهُ عَمَّا فِيهِ
وَيَجُوزُ تَلَفُهُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ
(قَوْلُهُ: وَمِثْلُ الرَّقِيقِ الْمُسْلِمِ الْمُرْتَدِّ) أَيْ فَلَا يَصِحُّ إسْلَامُ الْكَافِرِ فِيهِ لِبَقَاءِ عَلَقَةِ الْإِسْلَامِ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: كَالشَّفَقِ) أَيْ كَمَغِيبِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ إذْ هُوَ الَّذِي يَنْضَبِطُ،
وَمِنْ ثَمَّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْأَحْمَرَ وَقَوْلُهُ: كَالشَّفَقِ إلَخْ لَيْسَ مِنْ الْحَدِيثِ فَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ حَذْفُهُ؛ لِأَنَّ لَهُ مَحَلًّا يَخُصُّهُ كَمَا سَيَأْتِي أَوْ يُمَثِّلُ لِلْكَيْلِ وَالْوَزْنِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: فَكَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا إلَخْ) الْمُنَاسِبُ لِتَفْرِيعِهِ الْآتِي أَنْ يَقُولَ: فَكَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا وَفِي الذِّمَّةِ إلَخْ، ؛ لِأَنَّ السَّلَمَ لَيْسَ مِنْ لَازِمِهِ التَّأْجِيلُ كَمَا سَيَأْتِي
(قَوْلُهُ: وَلِهَذَا قَالَ الشَّارِحُ هَذِهِ) أَيْ مَا فِي الْمَتْنِ وَإِلَّا فَمَا أَجَابَ بِهِ الشَّارِحُ الْجَلَالُ غَيْرُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ هُنَا،
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُجَابُ عَنْ الْمَتْنِ فِي اقْتِصَارِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ بِجَوَابَيْنِ: إمَّا أَنَّهُ حَذَفَ التَّقْيِيدَ بِلَفْظِ السَّلَمِ لِعِلْمِهِ مِنْ كَلَامِهِ الْآتِي وَهُوَ الَّذِي سَلَكَهُ الشَّارِحُ هُنَا
وَإِمَّا بِأَنَّ مَا فِي الْمَتْنِ تَعْرِيفٌ لَهُ بِالْخَاصَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، وَهُوَ الَّذِي سَلَكَهُ الشَّارِحُ الْجَلَالُ وَقَدْ أَوْضَحَ كَلَامَهُ الشِّهَابُ حَجّ فِي تُحْفَتِهِ، وَحِينَئِذٍ فَمَعْنَى كَلَامِ الشَّارِحِ هُنَا أَنَّهُ حَيْثُ عَلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّقْيِيدِ بِلَفْظِ السَّلَمِ: أَيْ أَوْ السَّلَفِ فَمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ تَعْرِيفٌ لَهُ بِالْخَاصَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ الْجَلَالُ [شُرُوط صِحَّة السَّلَم]
(كِتَابُ السَّلَمِ) وَيُقَالُ لَهُ السَّلَفُ وَأَصْلُهُ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ - إلَّا مَا شَذَّ بِهِ ابْنُ الْمُسَيِّبِ - آيَةُ الدَّيْنِ فَسَّرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بِالسَّلَمِ.
وَالْخَبَرُ الصَّحِيحُ «مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» (هُوَ) شَرْعًا (بَيْعُ) شَيْءٍ (مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ) بِلَفْظِ السَّلَفِ أَوْ السَّلَمِ كَمَا سَيُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ.
وَأَجَابَ الشَّارِحُ بِأَنَّ هَذَا تَعْرِيفٌ لَهُ بِخَاصَّتِهِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا وَقَدْ يَسْتَشْكِلُ تَعْبِيرُهُ بِالْخَاصَّةِ لِأَنَّهَا تُوجَدُ فِي غَيْرهِ وَهُوَ الْبَيْعُ فِي الذِّمَّةِ وَيُجَابُ بِمَنْعِ ذَلِكَ.
وَبَيَانُهُ أَنَّ مِنْ الظَّاهِرِ أَنَّ الشَّارِعَ وَضَعَ لَفْظَ الْبَيْعِ لِمُطْلَقِ الْمُقَابَلَةِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ قَيْدٍ زَائِدٍ مِنْ تَعْيِينٍ أَوْ وَصْفٍ فِي الذِّمَّةِ نَظِيرَ وَضْعِ اسْمِ الْجِنْسِ، وَوَضَعَ لَفْظَ السَّلَمِ لِمُقَابَلَةٍ بِقَيْدِ الثَّانِي نَظِيرَ عَلَمِ الْجِنْسِ سَوَاءٌ أَعُقِدَ بِلَفْظِ سَلَمٍ وَلَا خِلَافَ فِيهِ أَوْ بِيعَ عَلَى الْقَوْلِ الْآتِي أَنَّهُ سَلَمٌ فَالْوَصْفُ فِي الذِّمَّةِ خَاصَّةً لِمَاهِيَّةِ السَّلَمِ اتِّفَاقًا وَاشْتُرِطَ لَفْظُ السَّلَمِ خَاصَّةً لَهَا عَلَى الْأَصَحِّ وَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّعْرِيفِ عَلَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ دُونَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي التَّعَارِيفِ وَلَوْ النَّاقِصَةَ ذَلِكَ.
قِيلَ لَيْسَ لَنَا عَقْدٌ يَخْتَصُّ بِصِيغَةٍ وَاحِدَةٍ إلَّا هَذَا وَالنِّكَاحَ، وَأَرَادَ بِوَاحِدَةٍ مَعَ كَوْنِهَا ثِنْتَيْنِ هُنَا وَثَمَّ اتِّحَادَ الْمَعْنَى لَا اللَّفْظِ فَهُمَا مِنْ حَيِّزِ التَّرَادُفِ، وَعُرِّفَ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ غَيْرُ مَانِعٍ وَيُعْلَمُ مِنْ كَوْنِهِ بَيْعًا امْتِنَاعُ إسْلَامِ الْكَافِرِ فِي نَحْوِ مُسْلِمٍ خِلَافًا لِلْمَاوَرْدِيِّ.
قَالَ فِي الْأَنْوَارِ مَا حَاصِلُهُ
وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمُسْلِمُ مُسْلِمًا وَالْمُسْلَمُ إلَيْهِ كَافِرًا وَالْعَبْدُ الْمُسْلَمُ فِيهِ غَيْرُ حَاصِلٍ عِنْدَهُ اهـ.
وَفِي تَقْيِيدِهِ بِغَيْرِ حَاصِلٍ عِنْدَهُ نَظَرٌ ظَاهِرٌ وَإِنْ نَقَلَهُ شَارِحٌ وَأَقَرَّهُ ؛ لِأَنَّهُ إنْ نَظَرَ لِعِزَّةِ تَحْصِيلِهِ لِلْمُسْلَمِ لَتَعَذَّرَ دُخُولُهُ فِي مِلْكِهِ اخْتِيَارًا إلَّا فِي صُوَرٍ نَادِرَةٍ فَلَا فَرْقَ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي لُؤْلُؤَةٍ كَبِيرَةٍ فَاَلَّذِي يَتَّجِهُ عَدَمُ الصِّحَّةِ مُطْلَقًا.
أَمَّا بِلَفْظِ الْبَيْعِ فَهُوَ بَيْعٌ وَإِنْ أُعْطِيَ حُكْمَ السَّلَمِ فِي مَنْعِ الِاسْتِبْدَالِ عَنْهُ نَظَرًا لِلْمَعْنَى كَمَا مَرَّ وَيَأْتِي.
(قَوْلُهُ وَيُقَالُ لَهُ إلَخْ) أَيْ لُغَةً هَذِهِ الصِّيغَةُ تُشْعِرُ بِأَنَّ السَّلَمَ هُوَ الْكَثِيرُ الْمُتَعَارَفُ وَأَنَّ هَذِهِ اللُّغَةَ قَلِيلَةٌ اهـ ع ش وَعِبَارَةُ الْمُغْنِي السَّلَمُ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالسَّلَفُ لُغَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ سُمِّيَ أَيْ هَذَا الْعَقْدُ سَلَمًا لِتَسْلِيمِ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْمَجْلِسِ وَسَلَفًا لِتَقْدِيمِهِ اهـ.
وَقَوْلُهُ سُمِّيَ إلَخْ فِي النِّهَايَةِ مِثْلُهُ قَالَ ع ش قَوْلُهُ لِتَسْلِيمِ إلَخْ أَيْ لِاشْتِرَاطِ التَّسْلِيمِ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَقَوْلُهُ لِتَقْدِيمِهِ أَيْ تَقْدِيمِ نَقْدِهِ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْمُسْلَمِ فِيهِ غَالِبًا وَمِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ مَا لَوْ كَانَ حَالًّا أَوْ عَجَّلَهُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ وَدَفَعَهُ حَالًّا فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَيُقَالُ لَهُ) إلَى قَوْلِهِ وَقَدْ يَسْتَشْكِلُ فِي النِّهَايَةِ
وَكَذَا فِي الْمُغْنِي إلَّا قَوْلَهُ لَا إلَى آيَةِ الدَّيْنِ
(قَوْلُهُ إلَّا مَا شَذَّ بِهِ إلَخْ) اُنْظُرْ الَّذِي شَذَّ بِهِ هَلْ هُوَ عَدَمُ جَوَازِ السَّلَمِ أَوْ أَنَّ جَوَازَهُ مُعْتَبَرٌ عَلَى وَجْهٍ مُخَالِفٍ لِمَا عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ فِيهِ نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ فَلْيُرَاجَعْ اهـ ع ش أَقُولُ بَلْ الظَّاهِرُ الثَّانِي وَإِلَّا لَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ إلَّا مَنْ شَذَّ ابْنُ الْمُسَيِّبِ
(قَوْلُهُ آيَةُ الدَّيْنِ) أَيْ قَوْله تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ} الْآيَةَ
(قَوْلُهُ وَالْخَبَرُ الصَّحِيحُ إلَخْ) عِبَارَةُ النِّهَايَةِ وَخَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ» إلَخْ وَعِبَارَةُ الْمُغْنِي وَشَرْحِ الْمَنْهَجِ وَخَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ» إلَخْ فَلَعَلَّ الرِّوَايَةَ مُتَعَدِّدَةٌ.
(قَوْلُهُ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ إذْ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ اهـ ع ش
(قَوْلُهُ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ) وَمَعْنَى الْخَبَرِ مَنْ أَسْلَمَ فِي مَكِيلٍ فَلْيَكُنْ مَعْلُومًا أَوْ مَوْزُونٍ فَلْيَكُنْ مَعْلُومًا أَوْ إلَى أَجَلٍ فَلْيَكُنْ مَعْلُومًا لَا أَنَّهُ حَصَرَهُ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَالْأَجَلِ اهـ نِهَايَةٌ قَالَ ع ش قَوْلُهُ م ر لَا أَنَّهُ حَصَرَهُ إلَخْ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَسَادُ السَّلَمِ فِي غَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَفِي الْحَالِّ اهـ قَوْلُ الْمَتْنِ (هُوَ بَيْعٌ) يُؤْخَذُ مِنْ جَعْلَهُ بَيْعًا أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ صَرِيحًا وَهُوَ ظَاهِرٌ وَقَدْ يَكُونُ كِنَايَةً كَالْكِتَابَةِ وَإِشَارَةِ الْأَخْرَسِ الَّتِي يَفْهَمُهَا الْفَطِنُ دُونَ غَيْرِهِ اهـ ع ش
(قَوْلُهُ شَيْءٍ مَوْصُوفٍ) فَمَوْصُوفٍ بِالْجَرِّ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْمَحَلِّيُّ وَإِنَّمَا فَعَلَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ قُرِئَ بِالرَّفْعِ كَانَ الْمَعْنَى بَيْعٌ مَوْصُوفٌ فِي الذِّمَّةِ وَالْبَيْعُ لَا يَصِحُّ وَصْفُهُ بِكَوْنِهِ فِي الذِّمَّةِ إلَّا بِتَجَوُّزٍ كَأَنْ يُقَالَ مَوْصُوفٌ مَبِيعُهُ أَوْ مَا تَعَلَّقَ بِهِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ اهـ ع ش
(قَوْلُهُ مِنْ كَلَامِهِ) أَيْ قَوْلِهِ
وَلَوْ قَالَ اشْتَرَيْت مِنْك ثَوْبًا صِفَتُهُ كَذَا إلَخْ وَقَوْلِهِ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ إذْ هُوَ حَذْفٌ لِدَلِيلٍ وَهُوَ جَائِزٌ اهـ سم و
(قَوْلُهُ فَلَا اعْتِرَاضَ) الْمُعْتَرِضُ هُوَ الدَّمِيرِيِّ حَيْثُ قَالَ يَرِدُ عَلَيْهِ مَا إذَا عُقِدَ بِلَفْظِ الْبَيْعِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلَفْظِ السَّلَمِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ بَيْعًا لَا سَلَمًا اهـ.
(قَوْلُهُ بِأَنَّ هَذَا تَعْرِيفٌ لَهُ بِخَاصَّتِهِ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الشَّارِحِ بِالْخَاصَّةِ الْخَاصَّةَ الْإِضَافِيَّةَ لَا الْحَقِيقِيَّةَ وَيَكُونُ الْغَرَضُ مِنْ التَّعْرِيفِ التَّمْيِيزَ عَنْ بَعْضِ الْأَغْيَارِ كَبَيْعِ الْأَعْيَانِ لَا عَنْ سَائِرِ الْأَغْيَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ رَأَيْت الْمُحَشِّيَ سم أَشَارَ إلَى جَمِيعِ مَا ذُكِرَ وَوَجَّهَ صِحَّةَ التَّعْرِيفِ بِمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ وَنُقِلَ عَنْ السَّيِّدِ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْغَرَضُ مِنْ التَّعْرِيفِ تَمْيِيزَهُ عَنْ بَعْضِ مَا عَدَاهُ اهـ سَيِّدُ عُمَرَ
(قَوْلُهُ وَهُوَ الْبَيْعُ فِي الذِّمَّةِ) أَيْ بِلَفْظِ الْبَيْعِ
(قَوْلُهُ وَيُجَابُ بِمَنْعِ ذَلِكَ) إنْ كَانَ مَبْنَى هَذَا الْجَوَابِ عَلَى أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ فِي خَاصَّةِ الشَّيْءِ اعْتِبَارُ الْوَاضِعِ إيَّاهَا فِي مَفْهُومِهِ فَمَمْنُوعٌ أَوْ مُجَرَّدُ وُجُودِهَا فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ فَالْوَصْفُ بِالذِّمَّةِ لَيْسَ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلسَّلَمِ تَدَبَّرْ اهـ سم
(قَوْلُهُ وَبَيَانُهُ) أَيْ الْمَنْعِ
(قَوْلُهُ وَضَعَ لَفْظَ الْبَيْعِ لِمُطْلَقِ الْمُقَابَلَةِ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْبَيْعَ شَرْعًا وَإِنْ كَانَ مَا أَفَادَهُ لَكِنْ تَحْتَهُ فَرْدَانِ بَيْعُ الْأَعْيَانِ وَبَيْعُ الذِّمَّةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ بَيْعَ الذِّمَّةِ مُغَايِرٌ لِلسَّلَمِ بِالْمَاهِيَّةِ وَأَنَّ الْمَعْنَى الْمَذْكُورَ مُتَحَقِّقٌ فِيهِ فَلَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ خَاصَّةً حَقِيقَةً فَتَعَيَّنَ التَّعْوِيلُ عَلَى مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ اهـ سَيِّدُ عُمَرَ
(قَوْلُهُ لَفْظِ السَّلَمِ) أَيْ وَالسَّلَفِ
(قَوْلُهُ لِمُقَابَلَةٍ) بِالتَّنْوِينِ وَفِي أَكْثَرِ النُّسَخِ فِيمَا اطَّلَعْنَا لِمُقَابَلَتِهِ بِالْإِضَافَةِ إلَى الضَّمِيرِ وَلَعَلَّهُ مِنْ النَّاسِخِ
(قَوْلُهُ بِقَيْدِ الثَّانِي) أَيْ الْوَصْفِ فِي الذِّمَّةِ اهـ كُرْدِيٌّ
(قَوْلُهُ نَظِيرُ عَلَمِ الْجِنْسِ) يُشْعِرُ بِأَنَّ مَعْنَى عَلَمِ الْجِنْسِ أَخُصُّ مِنْ مَعْنَى اسْمِ الْجِنْسِ وَهُوَ وَهْمٌ بَلْ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ بِالذَّاتِ وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ بِالِاعْتِبَارِ لِأَنَّ التَّعَيُّنَ وَالْمَعْهُودَ بِهِ أَيْ الذِّهْنِيَّ مُعْتَبَرَةٌ فِي مَعْنَى عَلَمِ الْجِنْسِ دُونَ اسْمِهِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ اهـ سم
(قَوْلُهُ أَعُقِدَ) الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ
(قَوْلُهُ بِلَفْظِ سَلَمٍ) أَيْ أَوْ سَلَفٍ
(قَوْلُهُ لَفْظُ السَّلَمِ) أَيْ أَوْ السَّلَفِ
(قَوْلُهُ لِأَنَّ الْغَالِبَ إلَخْ) قَدْ يُمْنَعُ اهـ سم
(قَوْلُهُ ذَلِكَ) أَيْ التَّعْرِيفُ بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ قِيلَ لَيْسَ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَلَيْسَ إلَخْ.
(قَوْلُهُ قِيلَ إلَخْ) أَيْ قَالَ بَعْضُهُمْ وَلَيْسَ الْغَرَضُ تَضْعِيفَهُ اهـ ع ش
(قَوْلُهُ مَعَ كَوْنِهِمَا ثِنْتَيْنِ هُنَا) وَهُمَا السَّلَمُ وَالسَّلَفُ (وَثَمَّ) وَهُمَا النِّكَاحُ وَالتَّزْوِيجُ اهـ كُرْدِيٌّ
(قَوْلُهُ وَيُعْلَمُ) إلَى قَوْلِهِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي ثُمَّ قَالَا وَمِثْلُ الرَّقِيقِ الْمُسْلِمُ الْمُرْتَدُّ كَمَا مَرَّ فِي بَابِ الْمَبِيعِ اهـ.
(قَوْلُهُ إسْلَامِ الْكَافِرِ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى فَاعِلِهِ
(قَوْلُهُ فِي نَحْوِ مُسْلِمٍ) أَيْ مِنْ كُلِّ مَا يَمْتَنِعُ تَمَلُّكُ الْكَافِرِ لَهُ كَالْمُصْحَفِ وَكُتُبِ الْعِلْمِ وَالسِّلَاحِ فِي إسْلَامِ الْحَرْبِيِّ اهـ ع ش
(قَوْلُهُ وَالْعَبْدُ الْمُسْلَمُ فِيهِ) أَيْ الْمُسْلَمُ اهـ بَصْرِيٌّ
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ إنْ نَظَرَ لِعِزَّةِ تَحْصِيلِهِ إلَخْ) هَلْ التَّعْلِيلُ مُنْحَصِرٌ فِي ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُتَأَمَّلَ اهـ سَيِّدُ عُمَرَ عِبَارَةُ سم قَوْلُهُ فَلَا فَرْقَ قَدْ يُفَرَّقُ. اهـ.
وَأَشَارَ ع ش إلَى الْجَوَابِ بِمَا نَصُّهُ قَالَ حَجّ الَّذِي يَتَّجِهُ فِيهِ عَدَمُ الصِّحَّةِ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ حَاصِلًا عِنْدَ الْكَافِرِ أَوْ لَا أَقُولُ وَذَلِكَ لِنُدْرَةِ دُخُولِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ فِي مِلْكِ الْكَافِرِ فَأَشْبَهَ السَّلَمَ فِيمَا يَعِزُّ وُجُودُهُ وَلَا يَرُدُّ مَا لَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ مُسْلِمٌ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَنْحَصِرُ فِيهِ وَلَا يَجِبُ دَفْعُهُ عَمَّا فِيهَا
وَيَجُوزُ تَلَفُهُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ اهـ.
(قَوْلُهُ أَمَّا بِلَفْظِ الْبَيْعِ إلَخْ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ سَابِقًا بِلَفْظِ السَّلَفِ أَوْ السَّلَمِ
(قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ اهـ كُرْدِيٌّ
(قَوْلُهُ وَيَأْتِي) أَيْ فِي فَصْلِ لَا يَصِحُّ أَنْ يُسْتَبْدَلَ عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ بِقَوْلِهِ
وَمِثْلُهُ الْمَبِيعُ فِي الذِّمَّةِ
(قَوْلُهُ وَقَدْ يَسْتَشْكِلُ) لَا إشْكَالَ مَعَ مُلَاحَظَةِ مَا قَرَّرُوهُ مِنْ انْقِسَامِ الْخَاصَّةِ إلَى مُطْلَقَةٍ وَهِيَ مَا تَخْتَصُّ بِالشَّيْءِ بِالْقِيَاسِ إلَى جَمِيعِ مَا عَدَاهُ كَالضَّاحِكِ لِلْإِنْسَانِ وَإِلَى إضَافِيَّةٌ وَهِيَ مَا يَخْتَصُّ بِالشَّيْءِ بِالْقِيَاسِ إلَى بَعْضِ أَغْيَارِهِ كَالْمَاشِي لِلْإِنْسَانِ فَإِنْ قُلْت فَإِذَا كَانَتْ الْخَاصَّةُ هُنَا إضَافِيَّةً؛ لِأَنَّهَا تَخُصُّ السَّلَمَ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضِ أَغْيَارِهِ وَهُوَ بَيْعُ الْأَعْيَانِ فَهَلْ يَصِحُّ التَّعْرِيفُ بِهَا قُلْت نَعَمْ عَلَى مَا صَوَّبَهُ السَّيِّدُ فَقَالَ وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْمُعَرَّفِ كَوْنُهُ مُوَصِّلًا إلَى تَصَوُّرِ الشَّيْءِ
إمَّا بِالْكُنْهِ أَوْ بِوَجْهٍ مَا، سَوَاءٌ أَكَانَ مَعَ التَّصَوُّرِ بِالْوَجْهِ يُمَيِّزُهُ عَمَّا عَدَاهُ أَوْ عَنْ بَعْضِ مَا عَدَاهُ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ وَيُجَابُ بِمَنْعِ ذَلِكَ) إنْ كَانَ مَبْنَى هَذَا الْجَوَابِ عَلَى أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ فِي خَاصَّةِ الشَّيْءِ اعْتِبَارُ الْوَاضِعِ إيَّاهَا فِي مَفْهُومِهِ فَمَمْنُوعٌ أَوْ مُجَرَّدُ وُجُودِهَا فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ فَالْوَصْفُ بِالذِّمَّةِ لَيْسَ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلسَّلَمِ فَتَدَبَّرْ. .
(قَوْلُهُ وَبَيَانُهُ أَنَّ مِنْ الظَّاهِرِ إلَخْ) مُلَخَّصُ هَذَا الْبَيَانِ كَمَا يُعْرَفُ بِالتَّأَمُّلِ دَعْوَى أَنَّ خَاصَّةَ الشَّيْءِ مَا اعْتَبَرَهُ الْوَاضِعُ فِيهِ وَإِنْ وُجِدَ فِي غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِهِ فِيهِ وَهَذَا مَمْنُوعٌ يُؤَيِّدُ الْمَنْعَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الضَّاحِكِ وَالْمَاشِي خَاصَّةً لِلْإِنْسَانِ مَعَ أَنَّ وَاحِدًا مِنْهُمَا لَمْ يَعْتَبِرْهُ الْوَاضِعُ فِيهِ وَقَدْ عَرَّفُوا الْخَاصَّةَ بِأَنَّهَا الْخَارِجُ الْمَقُولُ عَلَى مَا تَحْتَهُ حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَطْ فَلْيُتَأَمَّلْ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ نَظِيرُ عَلَمِ الْجِنْسِ) تَنْظِيرُ السَّلَمِ الَّذِي هُوَ صِنْفٌ مِنْ الْبَيْعِ بِعَلَمِ الْجِنْسِ يُشْعِرُ بِأَنَّ مَعْنَى عَلَمِ الْجِنْسِ أَخَصُّ مِنْ مَعْنَى اسْمِ الْجِنْسِ وَهُوَ وَهْمٌ بَلْ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ بِالذَّاتِ وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ بِالِاعْتِبَارِ لِأَنَّ التَّعَيُّنَ والمعهودية مُعْتَبَرَةٌ فِي مَعْنَى عَلَمِ الْجِنْسِ دُونَ اسْمِهِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّ الْغَالِبَ) قَدْ يُمْنَعُ (قَوْلُهُ فَلَا فَرْقَ) قَدْ يُفَرَّقُ
(قَوْلُهُ وَيَأْتِي) اُنْظُرْهُ مَعَ قَوْلِهِ الْآتِي فَعَلَى الْأَوَّلِ إلَى قَوْلِهِ
وَيَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَاكَ فِي رَأْسِ الْمَالِ وَهَذَا فِي الْمَبِيعِ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ رَأْسَ الْمَالِ هُنَا مِمَّا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ لَكِنَّ هَذَا يُخَالِفُ مَا يَأْتِي عَنْ شَرْحِ الرَّوْضِ فِي تَوْجِيهِ بُطْلَانِ الْحَوَالَةِ الْمُفِيدِ امْتِنَاعَ الِاعْتِيَاضِ عَنْ رَأْسِ الْمَالِ.
كِتَابُ السَّلَمِ] (كِتَابُ السَّلَمِ) وَيُقَالُ لَهُ السَّلَفُ، يُقَالُ: أَسْلَمَ وَسَلَّمَ، وَأَسْلَفَ وَسَلَّفَ، وَالسَّلَمَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَالسَّلَفُ لُغَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، سُمِّيَ سَلَمًا لِتَسْلِيمِ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْمَجْلِسِ، وَسَلَفًا لِتَقْدِيمِ رَأْسِ الْمَالِ. وَالْأَصْلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ} .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - نَزَلَتْ فِي السَّلَمِ، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
وَخَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» (هُوَ بَيْعُ) شَيْءٍ (مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ) ، قَالَ الشَّارِحُ: هَذِهِ خَاصَّتُهُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا: أَيْ
وَأَمَّا لَفْظُ السَّلَمِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا سَيَأْتِي. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَلَيْسَ لَنَا عَقْدٌ يَخْتَصُّ بِصِيغَةٍ إلَّا هَذَا وَالنِّكَاحُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ كَوْنِ السَّلَمِ بَيْعًا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إسْلَامُ الْكَافِرِ فِي الرَّقِيقِ الْمُسْلِمِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَإِنْ صَحَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ صِحَّتَهُ وَتَبِعَهُ السُّبْكِيُّ، وَمِثْلُ الرَّقِيقِ الْمُسْلِمِ الرَّقِيقُ الْمُرْتَدُّ كَمَا مَرَّ فِي بَابِ الْبَيْعِ
كِتَابُ السَّلَمِ وَيُقَالُ فِيهِ السَّلَفُ (هُوَ بَيْعُ مَوْصُوفٍ) بِالْجَرِّ (فِي الذِّمَّةِ) هَذِهِ خَاصَّتُهُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا وَيَخْتَصُّ أَيْضًا بِلَفْظِ السَّلَمِ فِي الْأَصَحِّ كَمَا سَيَأْتِي
لا زيادة له على هذه المسألة.
قَوْلُهُ: (بِالْجَرِّ) لِلْإِضَافَةِ لَا بِالرَّفْعِ نَعْتًا لِأَنَّ الَّذِي يُوصَفُ الْمَبِيعُ لَا الْبَيْعُ.
قَوْلُهُ: (هَذِهِ خَاصَّتُهُ) أَيْ حَقِيقَتُهُ فَلَفْظُ السَّلَمِ مِنْ حَقِيقَتِهِ عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الصِّيغَةِ فَذَكَرَ كَوْنَهُ دَيْنًا فِيمَا يَأْتِي تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدَهُ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
[كِتَابُ السَّلَمِ] قَوْلُهُ: (هَذِهِ خَاصَّتُهُ إلَخْ) اعْتِذَارٌ عَنْ إسْقَاط قَوْلِ غَيْرِهِ بِلَفْظِ السَّلَمِ الْمَانِعِ مِنْ إيرَادِ بَيْعِ الْمَوْصُوفِ فِي الذِّمَّةِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
* * * [كتاب السلم] قال الأزهري: السلم والسلف بمعنى واحد، سمي: سلمًا؛ لتسليم رأس المال في المجلس، وسلفًا؛ لتقديمه.
وقال الماوردي: السلم لغةُ حجازيةٌ، والسلف عراقية، واللفظان رواهما مسلم في (صحيحه)[١٦٠٣/ ١٢٦ - ١٦٠٤/ ١٢٧] كما ستأتي الإشارة إليه.
وجمع المصنف في الباب بين السلم والقرض؛ لاشتراكهما في المعنى وإن امتاز كل منهما بأمور تختص به.
وروى البيهقي والخطابي والرافعي في (شرح المسند) عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه كره لفظ السلم؛ كأنه ضن بالاسم الذي هو موضوع للطاعة والانقياد لله عن أن يسمى به غيره،
وأن يستعمله في غير طاعة الله ويذهب به إلى معنى السلف، وهذا من الإخلاص باب لطيف المسلك.
والأصل في الباب: قوله تعالى: {يأيها الذين ءامنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} قال ابن عباس رضي الله عنهما: (نزلت في السلم).
وروى الشيخان [خ٢٢٣٩ - م١٦٠٤] عنه أنه قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنتين والثلاث، فقال:(من أسلف .. فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم).
قال الشافعي رضي الله عنه: وأجمعت الأمة على جواز السلم فيما علمت. وحكي عن سعيد بن المسيب: أنه أبطله، وهو محجوج بالكتاب والسنة والإجماع والقياس؛
فإن الحاجة قد تدعو إلى ذلك فجوز للضرورة.
قال: (هو بيع موصوف في الذمة) هذه أحسن العبارات، ومع ذلك يرد عليها: ما إذا عقده بلفظ البيع ولم يتعرض للفظ السلم .. فالأصح: انعقاده بيعًا لا سلمًا كما سيأتي، فينبغي أن يزاد فيه: بلفظ السلم.
وزاد في (الروضة): ببدل يعطى عاجلًا، ورده الشيخ بأن التعجيل شرط من شروطه، لا أنه داخل في حقيقته.
وقال في (التنبيه): إنه صنف من البيع،
وقال: الصلح بيع، والإجارة بيع؛ لأن السلم بيع الدين فقط، والصلح يجري على العين والذمة، وكذلك الإجارة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.