والأظهر منع نقل الزكاة
الشروح عليها
(وَالْأَظْهَرُ مَنْعُ نَقْلِ الزَّكَاةِ) مِنْ بَلَدِ الْوُجُوبِ الَّذِي بِهِ الْمُسْتَحِقُّونَ إلَى بَلَدٍ آخَرَ فِيهِ مُسْتَحِقُّوهَا فَتُصْرَفُ إلَيْهِمْ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» وَلِامْتِدَادِ أَطْمَاعِ أَصْنَافِ كُلِّ بَلْدَةٍ إلَى زَكَاةِ مَا فِيهَا مِنْ الْمَالِ، وَالنَّقْلُ يُوحِشُهُمْ، وَبِهِ فَارَقَتْ الزَّكَاةَ وَالنَّذْرَ وَالْوَصِيَّةَ لِفُقَرَاءَ أَوْ مَسَاكِينَ إذَا لَمْ يَنُصَّ الْمُوصِي وَنَحْوُهُ عَلَى نَقْلٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَالثَّانِي الْجَوَازُ لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ وَنُقِلَ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَانْتَصَرَ لَهُ وَإِذَا مَنَعْنَا النَّقْلَ حَرُمَ وَلَمْ يَجُزْ، وَعُلِمَ مِنْ إنَاطَةِ الْحُكْمِ بِبَلَدِ الْمَالِ لَا الْمَالِكِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِبَلَدِ الْمَدِينِ لَا الدَّائِنِ، لَكِنَّ الْأَوْجَهَ أَنَّ لَهُ صَرْفَهَا فِي أَيِّ بَلَدٍ شَاءَ؛ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يُوصَفُ بِأَنَّ لَهُ مَحَلًّا مَخْصُوصًا؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ تَقْدِيرِيٌّ لَا حِسِّيٌّ فَاسْتَوَتْ الْأَمَاكِنُ كُلُّهَا إلَيْهِ فَيَتَخَيَّرُ مَالِكُهُ وَمَحَلُّهُ فِي دَيْنٍ يَلْزَمُ الْمَالِكَ الْإِخْرَاجُ عَنْهُ وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ وَلَمْ يَلْزَمْ إخْرَاجُهَا عَنْهُ حَالًّا فَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَحَلِّ قَبْضِهِ مِنْهُ فَيُخْرِجُ حِينَئِذٍ عَلَى مُسْتَحِقِّيهِ جَمِيعَ زَكَاةِ السَّنِينِ السَّابِقَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَالْأَوَّلِ فَيَتَخَيَّرُ هُنَا أَيْضًا؛
لِأَنَّهُ بِالْقَبْضِ تَبَيَّنَ تَعَلُّقُ وُجُوبِ كُلِّ حَوْلٍ مَرَّ بِهِ، وَقَدْ كَانَ حِينَئِذٍ غَيْرَ مَوْجُودٍ حِسًّا لَكِنْ أَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِاعْتِبَارِ بَلَدِ الْمَدْيُونِ، وَمَحَلُّ مَا تَقَرَّرَ فِي مَالِكٍ مُقِيمٍ بِبَلَدٍ أَوْ بَادِيَةٍ لَا يَظْعَنُ عَنْهَا،
أَمَّا الْإِمَامُ فَلَهُ نَقْلُهَا مُطْلَقًا لِمَا مَرَّ أَنَّ الزَّكَوَاتِ كُلَّهَا فِي يَدِهِ كَزَكَاةٍ وَاحِدَةٍ
وَكَذَا السَّاعِي، بَلْ يَلْزَمُهُ نَقْلُهَا لِلْإِمَامِ إذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي تَفْرِقَتِهَا،
وَمِثْلُهُ قَاضٍ لَهُ دَخَلَ فِيهَا بِأَنْ لَمْ يُوَلِّهَا الْإِمَامُ غَيْرَهُ، وَلِمَنْ جَازَ لَهُ النَّقْلُ إذْنُ الْمَالِكِ فِيهِ فِيمَا يَظْهَرُ لَكِنْ لَا يَنْقُلُ أَوْ يَأْذَنُ إلَّا فِي عَمَلِهِ لَا خَارِجِهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا مَرَّ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَقَدْ يَجُوزُ لِلْمَالِكِ أَيْضًا كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ فِي كُلِّ مَحَلٍّ عِشْرُونَ شَاةً فَلَهُ إخْرَاجُ شَاةٍ بِأَحَدِهِمَا حَذَرًا مِنْ التَّشْقِيصِ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَكَأَنْ حَالَ الْحَوْلِ وَالْمَالُ بِبَادِيَةٍ لَا مُسْتَحِقَّ بِهَا فَيُفَرِّقُهُ فِي أَقْرَبِ مَحَلٍّ إلَيْهِ بِهِ مُسْتَحِقٌّ وَلِلْمُنْتَجَعَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْخِيَامِ الَّذِينَ لَا قَرَارَ لَهُمْ صَرْفُهَا لِمَنْ مَعَهُمْ وَلَوْ بَعْضَ صِنْفٍ كَمَنْ بِسَفِينَةٍ فِي اللُّجَّةِ فِيمَا يَظْهَرُ،
فَإِنْ فَقَدُوا فَلِمَنْ بِأَقْرَبِ مَحَلٍّ إلَيْهِمْ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ وَالْحُلَلِ الْمُتَمَايِزَةِ بِنَحْوِ مَرْعًى وَمَاءٍ كُلٌّ حُلَّةٌ كَبَلَدٍ فَيَحْرُمُ النَّقْلُ إلَيْهَا،
بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُتَمَيِّزَةِ فَلَهُ النَّقْلُ إلَيْهَا لِمَنْ بِدُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْ مَحَلِّ الْوُجُوبِ
(قَوْلُهُ: وَالْوَصِيَّةُ) أَيْ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِيهَا، وَقَوْلُهُ وَإِذَا مَنَعْنَا النَّقْلَ: أَيْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَلْزَمْ إخْرَاجُهَا عَنْهُ حَالًّا) أَيْ بِأَنْ كَانَ عَلَى مُعْسِرٍ مَثَلًا أَوْ مُؤَجَّلًا قَوْلُهُ: بِاعْتِبَارِ بَلَدِ الْمَدْيُونِ) هَذَا يُخَالِفُ مَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ لَكِنَّ الْأَوْجَهَ أَنَّ لَهُ إلَخْ إلَّا أَنْ يُخَصَّ مَا سَبَقَ بِالدَّيْنِ الَّذِي تَجِبُ الزَّكَاةُ عَنْهُ حَالًّا بِأَنْ كَانَ حَالًّا عَلَى مُوسِرٍ بَاذِلٍ وَهَذَا يَخُصُّ بِخِلَافِهِ، وَعَلَيْهِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ ذَاكَ لَمَّا وَجَبَتْ زَكَاتُهُ آخِرَ الْحَوْلِ وَلَمْ تَكُنْ عَيْنُهُ مَوْجُودَةً وَلَا تَوَقَّفَ وُجُوبُ الْإِخْرَاجِ عَلَى قَبْضِهِ اسْتَوَتْ الْأَمَاكِنُ فِيهِ، وَهَذَا لَمَّا لَمْ يَجِبْ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ فِيهِ إلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ اُلْتُحِقَ بِالْأَعْيَانِ فَاعْتُبِرَ بِبَلَدِ الْمَدْيُونِ، وَهُوَ مَحَلُّ الْقَبْضِ
(قَوْلُهُ فَلَهُ نَقْلُهَا مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ وُجِدَ الْمُسْتَحِقُّونَ أَمْ لَا وَسَوَاءٌ مَالُ غَيْرِهِ وَمَالُهُ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَامَّةٌ.
وَقَوْلُهُ وَمِثْلُهُ قَاضٍ: أَيْ مِثْلُ السَّاعِي
(قَوْلُهُ: بِأَنْ لَمْ يُوَلِّهَا الْإِمَامُ غَيْرَهُ) أَيْ بِأَنْ وَلَّاهُ الْإِمَامُ وَلَمْ يُوَلِّ غَيْرَهُ.
وَقَوْلُهُ حَذَرًا مِنْ التَّشْقِيصِ مَعَ الْكَرَاهَةِ اُنْظُرْ مَا طَرِيقُهُ فِي الْخُرُوجِ مِنْ الْكَرَاهَةِ، وَقَدْ يُقَالُ طَرِيقُهُ أَنْ يَدْفَعُهَا لِلْإِمَامِ أَوْ السَّاعِي وَيُخْرِجُ شَاتَيْنِ فِي الْبَلَدَيْنِ، وَيَكُونُ مُتَبَرِّعًا بِالزِّيَادَةِ، وَقِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ فِي بَعِيرِ الزَّكَاةِ أَنْ يَقَعَ الْجَمِيعُ وَاجِبًا لِعَدَمِ تَأَتِّي التَّجْزِئَةِ
(قَوْلُهُ: وَالْمَالُ بِبَادِيَةٍ) وَكَالْبَادِيَةِ الْبَحْرُ لِمُسَافِرٍ فِيهِ فَيَصْرِفُ الزَّكَاةَ لِأَقْرَبِ بَلَدٍ إلَى مَحَلِّ حَوَلَان الْحَوْلِ،
وَلَوْ كَانَ الْمَالُ لِلتِّجَارَةِ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ فِي الْبَحْرِ أَوْ قِيمَةٌ قَلِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْبَحْرِ فَيَنْبَغِي اعْتِبَارُ أَقْرَبِ مَحَلٍّ مِنْ الْبَرِّ يَرْغَبُ فِيهِ بِثَمَنِ مِثْلِهِ، وَمَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي السَّفِينَةِ مَنْ يَصْرِفُ لَهُ كَمَا يَأْتِي
(قَوْلُهُ حَرُمَ وَلَمْ يُجَزْ) بِضَمِّ أَوَّلِ يُجَزْ قَالَ الشِّهَابُ سم: قَدْ يُقَالُ هَذَا هُوَ الْمَنْعُ فَتَرْتِيبُهُ عَلَيْهِ تَرْتِيبُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ إذَا مَنَعْنَاهُ عَمَّمْنَا الْمَنْعَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُرَادُ بِهِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ فَقَطْ
(قَوْلُهُ: لَكِنَّ الْأَوْجَهَ أَنَّ لَهُ) أَيْ الدَّائِنِ.
[فَائِدَةٌ] قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي كِتَابِهِ أَدَبُ الْكَاتِبِ: قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: يُقَالُ رَجُلٌ دَائِنٌ إذَا كَثُرَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ وَقَدْ دَانَ فَهُوَ يَدِينُ دَيْنًا، وَلَا يُقَالُ مِنْ الدَّيْنِ دِينَ فَهُوَ مَدِينٌ، وَلَا يُقَالُ مَدْيُونٌ أَيْضًا إذَا كَثُرَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَلَكِنْ يُقَالُ دِينَ الْمَلِكُ فَهُوَ مَدِينٌ إذَا دَانَ النَّاسُ لَهُ، وَيُقَالُ ادَّانَ الرَّجُلُ مُشَدَّدُ الدَّالِ إذَا أَخَذَ بِالدَّيْنِ فَهُوَ مُدَانٌ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَمَحَلُّهُ فِي دَيْنٍ يَلْزَمُ الْمَالِكَ الْإِخْرَاجُ عَنْهُ) أَيْ وَهُوَ فِي الذِّمَّةِ
(قَوْلُهُ: تَعَلُّقُ وُجُوبِ كُلِّ حَوْلٍ مَرَّ فِيهِ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: مَرَّ بِهِ انْتَهَتْ.
وَفِيهِ مُتَعَلِّقٌ بِتَعَلُّقٍ وَلَعَلَّ مَا فِي الشَّارِحِ تَحْرِيفٌ
(قَوْلُهُ: مَعَ الْكَرَاهَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِإِخْرَاجٍ
(قَوْلِهِ صَرَفَهَا لِمَنْ مَعَهُمْ) يَعْنِي يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ
(وَالْأَظْهَرُ) وَإِنْ نُقِلَ مُقَابِلُهُ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَانْتُصِرَ لَهُ (مَنْعُ نَقْلِ الزَّكَاةِ) لِغَيْرِ الْغَازِي عَلَى مَا مَرَّ فِيهِ عَنْ مَحَلِّ الْمُؤَدَّى عَنْهُ مِنْ الْفِطْرَةِ وَالْمَالِ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ، وَهُوَ فِيهِ مَعَ وُجُودِ مُسْتَحِقٍّ بِهِ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ بِهِ مُسْتَحِقٌّ لِتُصْرَفَ إلَيْهِ مَا لَمْ يَقْرَبْ مِنْهُ أَيْ: بِأَنْ نُسِبَ إلَيْهِ عُرْفًا بِحَيْثُ يُعَدُّ مَعَهُ بَلَدًا وَاحِدًا،
وَإِنْ خَرَجَ عَنْ سُورِهِ وَعُمْرَانِهِ فِيمَا يَظْهَرُ ثُمَّ رَأَيْت أَبَا شُكَيْلٍ قَالَ: وَمَحَلُّ الْمَنْعِ فِي غَيْرِ سَوَادِ الْبَلَدِ وَقُرَاهُ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ فِيهِ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِذَلِكَ مَا ذَكَرْته، وَإِلَّا فَهُوَ بَعِيدٌ مِمَّا يَرِدُ نَفْيُهُ لِلْخِلَافِ بَلْ وَمَا بَحَثَهُ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ لَا يَجُوزُ لِمَنْ فِي الْبَلَدِ أَنْ يَدْفَعَ زَكَاتَهُ لِمَنْ هُوَ خَارِجُ السُّورِ؛ لِأَنَّهُ نَقْلٌ لِلزَّكَاةِ. اهـ، لَكِنْ فِيهِ حَرَجٌ شَدِيدٌ، فَالْوَجْهُ مَا ذَكَرْته؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إفْرَاطُ أَبِي حَامِدٍ وَلَا تَفْرِيطُ أَبِي شُكَيْلٍ فَتَأَمَّلْهُ، ثُمَّ رَأَيْت الزَّرْكَشِيَّ فِي شَرْحِهِ نَقَلَ عَنْ الشَّيْخِ وَابْنِ الصَّبَّاغِ أَنَّهُمَا أَلْحَقَا سَوَادَ الْبَلَدِ إلَى دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ بِحَاضِرِيهِ كَمَا فِي الْخِيَامِ أَيْ: الْحِلَلِ الْمُتَفَرِّقَةِ غَيْرِ الْمُتَمَايِزَةِ لِمَنْ قَدْ يَنْتَجِعُونَ عِنْدَ الْحَاجَةِ إذْ هَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ يَتَقَيَّدُونَ بِدُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ كَمَا يَأْتِي، وَهَذِهِ الْمَقَالَةُ لِإِفَادَتِهَا أَنَّ الْمُعَدِّينَ مِنْ سَوَادِ بَلَدٍ،
وَإِنْ تَفَرَّقَتْ مَنَازِلُهُمْ إلَى دُونِ مَرْحَلَتَيْنِ يُنْقَلُ إلَيْهِمْ فَقَطْ فِيهَا تَقْيِيدٌ لِمَقَالَةِ أَبِي شُكَيْلٍ وَمَعَ ذَلِكَ فَالْوَجْهُ ضَعْفُهَا أَيْضًا ثُمَّ مَا ذُكِرَ عَنْ الشَّيْخِ هُنَا يُنَافِيهِ مَا مَرَّ عَنْهُ فَلَعَلَّ كَلَامَهُ اخْتَلَفَ،
وَإِذَا مَنَعْنَا النَّقْلَ حَرُمَ، وَلَمْ يَجُزْ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» .
وَنُظِرَ فِي وَجْهِ دَلَالَتِهِ أَيْ: لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الضَّمِيرَ لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ، وَلِامْتِدَادِ أَطْمَاعِ مُسْتَحِقِّي كُلِّ مَحَلٍّ إلَى مَا فِيهِ مِنْ الزَّكَاةِ، وَالنَّقْلُ يُوحِشُهُمْ وَبِهِ فَارَقَتْ الزَّكَاةُ الْكَفَّارَةَ وَالنَّذْرَ وَالْوَصِيَّةَ وَوَقْفًا لِفُقَرَاءَ، أَوْ مَسَاكِينَ إذَا لَمْ يَنُصَّ نَحْوُ الْوَاقِفِ فِيهِ عَلَى نَقْلٍ، أَوْ غَيْرِهِ وَعُلِمَ مِنْ إنَاطَةِ الْحُكْمِ بِبَلَدِ الْمَالِ لَا الْمَالِكِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِبَلَدِ الْمَدِينِ لَا الدَّائِنِ لَكِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَهُ صَرْفُهَا فِي أَيِّ بَلَدٍ شَاءَ، وَقَدْ يُوَجَّهُ بِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يُوصَفُ بِأَنَّ لَهُ مَحَلًّا مَخْصُوصًا؛
لِأَنَّهُ أَمْرٌ تَقْدِيرِيٌّ لَا حِسِّيٌّ فَاسْتَوَتْ الْأَمَاكِنُ كُلُّهَا إلَيْهِ فَيُخَيَّرُ مَالِكُهُ، وَمَحَلُّهُ فِي دَيْنٍ يَلْزَمُ الْمَالِكَ الْإِخْرَاجُ عَنْهُ، وَهُوَ فِي الذِّمَّةِ، وَإِلَّا فَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَحَلِّ قَبْضِهِ مِنْهُ فَحِينَئِذٍ يُخَرَّجُ عَلَى مُسْتَحِقِّيهِ جَمِيعُ زَكَاةِ السِّنِينَ السَّابِقَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَالْأَوَّلِ فَيَتَخَيَّرُ هُنَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ بِالْقَبْضِ تَبَيَّنَ تَعَلُّقُ وُجُوبِ كُلِّ حَوْلٍ مَرَّ بِهِ، وَقَدْ كَانَ حِينَئِذٍ غَيْرَ مَوْجُودٍ حِسًّا فَتَخَيَّرَ هُنَا أَيْضًا، وَالْكَلَامُ فِي الْمَالِكِ الْمُقِيمِ بِبَلَدٍ، أَوْ بَادِيَةٍ لَا يَظْعَنُ عَنْهَا
أَمَّا الْإِمَامُ فَلَهُ نَقْلُهَا مُطْلَقًا لِمَا مَرَّ أَنَّ الزَّكَوَاتِ كُلَّهَا فِي يَدِهِ كَزَكَاةٍ وَاحِدَةٍ،
وَكَذَا السَّاعِي، بَلْ يَلْزَمُهُ نَقْلُهَا لِلْإِمَامِ إذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي تَفْرِقَتِهَا
وَمِثْلُهُ قَاضٍ لَهُ دَخْلٌ فِيهَا بِأَنْ لَمْ يُوَلِّهَا الْإِمَامُ غَيْرَهُ، وَلِمَنْ جَازَ لَهُ النَّقْلُ أَنْ يَأْذَنَ لِلْمَالِكِ فِيهِ عَلَى الْأَوْجَهِ؛ لَكِنْ لَا يَنْقُلُ إلَّا فِي عَمَلِهِ لَا خَارِجَهُ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا مَرَّ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَقَدْ يَجُوزُ لِلْمَالِكِ أَيْضًا كَمَا إذَا كَانَ لَهُ بِكُلِّ مَحَلٍّ عِشْرُونَ شَاةً فَلَهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ إخْرَاجُ شَاةٍ بِأَحَدِهِمَا حَذَرًا مِنْ التَّشْقِيصِ وَكَأَنْ حَالَ الْحَوْلُ وَالْمَالُ بِبَادِيَةٍ لَا مُسْتَحِقَّ بِهَا فَيُفَرِّقُهُ فِي أَقْرَبِ مَحَلٍّ إلَيْهِ بِهِ مُسْتَحِقٌّ، وَلِلْمُنْتَجَعَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْخِيَامِ الَّذِينَ لَا قَرَارَ لَهُمْ صَرْفُهَا لِمَنْ مَعَهُمْ وَلَوْ بَعْضَ صِنْفٍ كَمَنْ بِسَفِينَةٍ فِي اللُّجَّةِ فِيمَا يَظْهَرُ،
فَإِنْ فُقِدُوا فَلِمَنْ بِأَقْرَبِ مَحَلٍّ إلَيْهِمْ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ،
فَإِنْ تَعَذَّرَ الْوُصُولُ لِلْأَقْرَبِ، فَهَلْ يُنْقَلُ لِلْأَقْرَبِ إلَى ذَلِكَ الْأَقْرَبِ وَهَكَذَا، أَوْ يُحْفَظُ حَتَّى يَتَيَسَّرَ الْوُصُولُ إلَيْهِمْ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ وَلَوْ قِيلَ: إنْ رَجَا الْوُصُولَ عَنْ قُرْبٍ اُنْتُظِرَ، وَإِلَّا نُقِلَ لَكَانَ أَوْجَهَ وَلَوْ اسْتَوَى بَلَدَانِ فِي الْقُرْبِ إلَيْهِ، فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُمَا كَبَلَدٍ وَاحِدَةٍ، فَيَجْرِي فِي مُسْتَحِقِّيهِمَا مَا مَرَّ فِي مُسْتَحِقِّ بَلَدٍ وَاحِدَةٍ، وَالْحِلَلُ الْمُتَمَايِزَةُ بِنَحْوِ مَاءٍ وَمَرْعًى لِكُلٍّ كُلُّ حِلَّةٍ مِنْهَا كَبَلَدٍ فَيَحْرُمُ النَّقْلُ إلَيْهَا، وَغَيْرُ الْمُتَمَايِزَةِ لَهُ النَّقْلُ إلَيْهَا لِمَنْ بِدُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْ مَحَلِّ الْوُجُوبِ
(قَوْلُ الْمَتْنِ: وَالْأَظْهَرُ مَنْعُ نَقْلِ الزَّكَاةِ) يُفْهِمُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي التَّحْرِيمِ لَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُمَا فِي الْإِجْزَاءِ،
وَأَمَّا التَّحْرِيمُ فَلَا خِلَافَ فِيهِ. اهـ. مُغْنِي
(قَوْلُهُ: عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ إلَخْ)
عِبَارَةُ الْبُجَيْرِمِيِّ عَنْ الْقَلْيُوبِيِّ قَالَ شَيْخُنَا تَبَعًا ل م ر: وَيَجُوزُ لِلشَّخْصِ الْعَمَلُ بِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ
وَكَذَا يَجُوزُ الْعَمَلُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ بِقَوْلِ مَنْ يُوثَقُ بِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ كَالْأَذْرَعِيِّ وَالسُّبْكِيِّ وَالْإِسْنَوِيِّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: عَلَى مَا مَرَّ فِيهِ) أَيْ: فِي شَرْحِ: وَالْغَازِي عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِ
(قَوْلُهُ: مِنْ الْفِطْرَةِ، وَالْمَالِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ بَيَانٌ لِلْمُؤَدَّى عَنْهُ وَقَوْلُهُ الَّذِي إلَخْ صِفَةُ مَحَلٍّ وَضَمِيرُ وَجَبَتْ لِلزَّكَاةِ، وَهُوَ عَائِدٌ إلَى الْمُؤَدَّى عَنْهُ وَضَمِيرُ فِيهِ لِلْمَحَلِّ وَفِيهِ مَعَ مَا تَرَى مِنْ الْقَلَاقَةِ أَنَّ الْفِطْرَةَ اسْمُ الْمُؤَدَّى لَا الْمُؤَدَّى عَنْهُ، فَلْيُتَأَمَّلْ. فَلَعَلَّ اللَّهَ يَفْتَحُ بِحَمْلٍ آخَرَ أَجْلَى وَأَحْلَى. اهـ. سَيِّدُ عُمَرَ وَقَوْلُهُ: صِفَةُ مَحَلٍّ أَيْ: صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لَهُ عِبَارَةُ الْكُرْدِيِّ قَوْلُهُ: مِنْ الْفِطْرَةِ وَالْمَالُ بَيَانٌ لِلْمُؤَدَّى عَنْهُ فَالْمُرَادُ بِالْفِطْرَةِ هُنَا خِلْقَةُ الْإِنْسَانِ؛
لِأَنَّهَا الَّتِي تُؤَدَّى عَنْهَا الْفِطْرَةُ وَقَوْلُهُ: وَهُوَ فِيهِ أَيْ، وَالْحَالُ أَنَّ الْمُؤَدَّى عَنْهُ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ مَعَ وُجُودِ إلَخْ. اهـ.
وَقَالَ سم قَوْلُهُ: وَالْمَالُ عَطْفٌ عَلَى الْمُؤَدَّى عَنْهُ. اهـ. أَقُولُ: عَطْفٌ عَلَى الْفِطْرَةِ كَمَا مَرَّ عَنْ السَّيِّدِ عُمَرَ وَالْكُرْدِيِّ هُوَ الظَّاهِرُ وَقَوْلُ الْكُرْدِيِّ فَالْمُرَادُ إلَخْ يَنْدَفِعُ بِهِ اعْتِرَاضُ السَّيِّدِ عُمَرَ بِأَنَّ الْفِطْرَةَ اسْمُ الْمُؤَدَّى إلَخْ
(قَوْلُهُ: إلَى مَحَلٍّ إلَخْ) مُتَعَلِّقٌ بِنَقْلِ الزَّكَاةِ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ خَرَجَ عَنْ سُورَةِ إلَخْ) خِلَافًا لِلْمُغْنِي حَيْثُ قَالَ: وَإِطْلَاقُهُ يَقْتَضِي جَرَيَانَ الْخِلَافِ فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَمَا دُونَهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ وَلَوْ كَانَ النَّقْلُ إلَى قَرْيَةٍ بِقُرْبِ الْبَلَدِ. اهـ. وَوَافَقَهُ ع ش عِبَارَتُهُ
فَرْعٌ: مَا حَدُّ الْمَسَافَةِ الَّتِي يَمْتَنِعُ نَقْلُ الزَّكَاةِ إلَيْهَا؟ فِيهِ تَرَدُّدٌ، وَالْمُتَّجَهُ مِنْهُ أَنَّ ضَابِطَهَا فِي الْبَلَدِ - وَنَحْوِهِ مَا يَجُوزُ التَّرَخُّصُ بِبُلُوغِهِ ثُمَّ رَأَيْتُ حَجّ مَشَى عَلَى ذَلِكَ فِي فَتَاوِيهِ فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ نَقْلُهَا إلَى مَكَان يَجُوزُ فِيهِ الْقَصْرُ
وَيَجُوزُ إلَى مَا لَا يَجُوزُ فِيهِ الْقَصْرُ. اهـ. سم عَلَى مَنْهَجٍ. اهـ. وَعِبَارَةُ الْحَلَبِيِّ قَوْلُهُ: إلَى مَحَلٍّ آخَرَ أَيْ: إلَى مَحَلٍّ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَلَيْسَ الْبَلَدُ إلَّا آخَرَ بِقَيْدٍ فَإِذَا خَرَجَ مِصْرِيٌّ إلَى خَارِجِ بَابِ السُّورِ كَبَابِ النَّصْرِ لِحَاجَةٍ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ فَغَرَبَتْ الشَّمْسُ عَلَيْهِ هُنَاكَ ثُمَّ دَخَلَ وَجَبَ إخْرَاجُ فُطْرَتِهِ لِفُقَرَاءَ خَارِجَ بَابِ النَّصْرِ اهـ.
(قَوْلُهُ: فِي جَوَازِهِ) أَيْ: النَّقْلِ فِيهِ أَيْ: إلَى سَوَادِ الْبَلَدِ وَقُرَاهُ.
(قَوْلُهُ مَا ذَكَرْتُهُ) أَيْ: بِقَوْلِهِ أَيْ: بِأَنْ نُسِبَ إلَخْ
(قَوْلُهُ: وَمِمَّا يَرُدُّ إلَخْ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِقَوْلِ الشَّيْخِ إلَخْ وَقَوْلُهُ نَفْيُهُ أَيْ: نَفْيُ أَبِي شُكَيْلٍ لِلْخِلَافِ مَفْعُولُ يَرُدُّ وَقَوْلُهُ: وَمَا بَحَثَهُ عَطْفٌ عَلَى نَفْيِهِ.
(قَوْلُهُ: لَكِنْ فِيهِ) أَيْ: قَوْلِ الشَّيْخِ
(قَوْلُهُ: وَلَا تَفْرِيطُ أَبِي شُكَيْلٍ) أَيْ: إنْ لَمْ يُرِدْ مِنْ قَوْلِهِ الْمَارِّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ
(قَوْلُهُ: عَنْ الشَّيْخِ) أَيْ أَبِي حَامِدٍ
(قَوْلُهُ: لِمَنْ قَدْ يَنْتَجِعُونَ إلَخْ) نَعْتٌ ثَالِثٌ لِلْمَحَلِّ
(قَوْلُهُ: كَمَا يَأْتِي) أَيْ: قُبَيْلَ قَوْلِ الْمَتْنِ وَلَوْ عَدِمَ إلَخْ
(قَوْلُهُ: وَهَذِهِ الْمَقَالَةُ) أَيْ: مَا نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ الشَّيْخِ وَابْنِ الصَّبَّاغِ
(قَوْلُهُ: يَنْقُلُ إلَيْهِمْ إلَخْ) أَيْ: أَنْ يَنْقُلَ بَعْضَ الْمُعَدِّينَ إلَى بَعْضِهِمْ وَقَوْلُهُ: فِيهَا تَقْيِيدٌ إلَخْ خَبَرٌ وَمُبْتَدَأٌ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ وَهَذِهِ الْمَقَالَةُ
(قَوْلُهُ: وَمَعَ ذَلِكَ) أَيْ: التَّقْيِيدِ ضَعَّفَهَا أَيْ: هَذِهِ الْمَقَالَةَ أَيْضًا أَيْ: كَإِطْلَاقِ أَبِي شُكَيْلٍ
(قَوْلُهُ: هُنَا) أَيْ: فِي شَرْحِ الزَّرْكَشِيّ
(قَوْلُهُ: وَإِذَا مَنَعْنَا) إلَى قَوْلِهِ فَإِنْ تَعَذَّرَ الْوُصُولُ فِي النِّهَايَةِ.
(قَوْلُهُ: وَإِذَا مَنَعْنَا النَّقْلَ) أَيْ: عَلَى الْمُعْتَمَدِ. اهـ. ع ش
(قَوْلُهُ: حَرُمَ وَلَمْ يَجُزْ) قَدْ يُقَالُ: هَذَا هُوَ الْمَنْعُ فَتَرْتِيبُهُ عَلَيْهِ تَرْتِيبُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ إذَا عَمَّمْنَا الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُرَادُ بِهِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ فَقَطْ. اهـ. سم
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يُجِزْ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ. اهـ. رَشِيدِيٌّ
(قَوْلُهُ: وَلِامْتِدَادِ إلَخْ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِخَبَرِ إلَخْ
(قَوْلُهُ: وَبِهِ) أَيْ: قَوْلِهِ وَلِامْتِدَادِ إلَخْ
(قَوْلُهُ: مِنْ إنَاطَةِ الْحُكْمِ إلَخْ) أَيْ: الْمَارَّةِ آنِفًا فِي قَوْلِهِ مِنْ مَحَلِّ الْمُؤَدَّى عَنْهُ إلَخْ
(قَوْلُهُ: لَكِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: إلَخْ) عِبَارَةُ النِّهَايَةِ لَكِنَّ الْأَوْجَهَ أَنَّ لَهُ صَرْفَهَا فِي أَيِّ بَلَدٍ شَاءَ؛ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ إلَخْ
(قَوْلُهُ: وَمَحَلُّهُ) أَيْ: التَّخْيِيرِ
(قَوْلُهُ: يَلْزَمُ الْمَالِكَ إلَخْ) أَيْ: بِأَنْ كَانَ حَالًّا وَتَيَسَّرَ تَحْصِيلُهُ. اهـ. كُرْدِيٌّ
(قَوْلُهُ: الْإِخْرَاجُ) أَيْ: إخْرَاجُ الزَّكَاةِ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا) أَيْ: بِأَنْ كَانَ عَلَى مُعْسِرٍ مَثَلًا، أَوْ مُؤَجَّلًا. اهـ. ع ش
(قَوْلُهُ: وَيُحْتَمَلُ إلَخْ) لَكِنْ أَفْتَى الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِاعْتِبَارِ بَلَدِ الْمَدْيُونِ. اهـ. نِهَايَةٌ قَالَ ع ش: هَذَا يُخَالِفُ مَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ لَكِنَّ الْأَوْجَهَ أَنَّ لَهُ إلَخْ إلَّا أَنْ يُخَصَّ مَا مَرَّ بِالدَّيْنِ الَّذِي تَجِبُ الزَّكَاةُ عَنْهُ حَالًا بِأَنْ كَانَ حَالًّا عَلَى مُوسِرٍ بَاذِلٍ وَيُخَصُّ مَا هُنَا بِخِلَافِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: كُلَّ حَوْلٍ) بِالنَّصْبِ ظَرْفٌ لِتَعَلُّقِ إلَخْ وَيُحْتَمَلُ جَرُّهُ بِإِضَافَةِ وُجُوبِ
(قَوْلُهُ: مَرَّ) نَعْتُ حَوْلٍ، وَقَوْلُهُ: بِهِ أَيْ: الدَّيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِتَعَلُّقِ إلَخْ، وَالْكَلَامُ إلَى قَوْلِهِ، بَلْ يَلْزَمُهَا فِي الْمُغْنِي
(قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ وُجِدَ الْمُسْتَحِقُّونَ أَمْ لَا وَسَوَاءٌ مَالُ غَيْرِهِ وَمَالُهُ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَامَّةٌ. اهـ. ع ش
(قَوْلُهُ: لِمَا مَرَّ) أَيْ: فِي شَرْحِ وَإِذَا قَسَمَ الْأَمْوَالَ إلَخْ
(قَوْلُهُ: أَنَّ الزَّكَوَاتِ كُلَّهَا إلَخْ) أَيْ: وَالْبِلَادَ كُلَّهَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَبَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ
(قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ) أَيْ: السَّاعِي
(قَوْلُهُ: بِأَنْ لَمْ يُوَلِّهَا الْإِمَامُ إلَخْ) أَيْ فَيَدْخُلُ قَبْضُ الزَّكَاةِ وَصَرْفُهَا فِي عُمُومِ وِلَايَةِ الْقَاضِي
(قَوْلُهُ: لَكِنْ لَا يَنْقُلُ) أَيْ: مَنْ جَازَ لَهُ النَّقْلُ وَلَوْ قَدَّمَهُ عَلَى قَوْلِهِ،
وَكَذَا إلَخْ لَكَانَ أَوْلَى.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ يَجُوزُ) إلَى قَوْلِ الْمَتْنِ، أَوْ عُدِمَ فِي الْمُغْنِي إلَّا قَوْلَهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَقَوْلُهُ وَلَوْ بَعْضَ صِنْفٍ إلَى، وَالْحِلَلِ وَقَوْلَهُ وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ إلَى وَإِذَا جَازَ
(قَوْلُهُ: بِكُلِّ مَحَلٍّ) أَيْ: بِكُلٍّ مِنْ مَحَلَّيْنِ
(قَوْلُهُ: مَعَ الْكَرَاهَةِ) وَطَرِيقُ الْخُرُوجِ مِنْ الْكَرَاهَةِ أَنْ يَدْفَعَهَا لِلْإِمَامِ، أَوْ السَّاعِي أَوْ يُخْرِجَ شَاتَيْنِ فِي الْبَلَدَيْنِ وَيَكُونُ مُتَبَرِّعًا بِالزِّيَادَةِ وَقِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ فِي بَعِيرِ الزَّكَاةِ أَنْ يَقَعَ الْجَمِيعُ وَاجِبًا لِعَدَمِ تَأَتِّي التَّجْزِئَةِ. اهـ. ع ش
(قَوْلُهُ: وَكَأَنْ حَالَ إلَخْ) عَطْفٌ عَلَى كَمَا إذَا إلَخْ
(قَوْلُهُ: وَالْمَالُ بِبَادِيَةٍ) وَكَالْبَادِيَةِ الْبَحْرُ لِمُسَافِرٍ فِيهِ فَيَصْرِفُ الزَّكَاةَ لِأَقْرَبِ بَلَدٍ إلَى مَحَلِّ حَوَلَانِ الْحَوْلِ،
وَلَوْ كَانَ الْمَالُ لِلتِّجَارَةِ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ فِي الْبَحْرِ أَوْ قِيمَةٌ قَلِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْبَحْرِ فَيَنْبَغِي اعْتِبَارُ أَقْرَبِ مَحَلٍّ مِنْ الْبَرِّ يُرْغَبُ فِيهِ بِثَمَنِ مِثْلِهِ وَمَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي السَّفِينَةِ مَنْ يُصْرَفُ لَهُ كَمَا يَأْتِي. اهـ. ع ش
(قَوْلُهُ: صَرَفَهَا لِمَنْ مَعَهُمْ) يَعْنِي يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ. اهـ. رَشِيدِيٌّ
(قَوْلُهُ: مَا مَرَّ) أَيْ: وُجُوبُ اسْتِيعَابِ الْأَصْنَافِ وَالْآحَادِ، وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَصْنَافِ مُطْلَقًا وَبَيْنَ الْآحَادِ عِنْدَ تَسَاوِي الْحَاجَاتِ عَلَى الْإِمَامِ وَوُجُوبُ اسْتِيعَابِ الْأَصْنَافِ، وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ مُطْلَقًا وَاسْتِيعَابُ الْآحَادِ وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ عِنْدَ انْحِصَارِهِمْ وَوَفَاءُ الْمَالِ بِهِمْ فِيهِمَا وَتَسَاوِي الْحَاجَاتِ فِي الثَّانِي عَلَى الْمَالِكِ
(قَوْلُهُ: وَالْحِلَلُ الْمُتَمَايِزَةُ) إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهُ مَحْضٌ فِي النِّهَايَةِ
(قَوْلُهُ: كُلُّ حِلَّةٍ إلَخْ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ كَبَلَدٍ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ، وَالْحِلَلُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: لَهُ النَّقْلُ إلَيْهَا إلَخْ) ، وَالصَّرْفُ إلَى الظَّاعِنِينَ مَعَهُمْ أَوْلَى لِشِدَّةِ جِوَارِهِمْ. اهـ. مُغْنِي
(قَوْلُهُ: عَلَى مَا مَرَّ فِيهِ) أَيْ: فِي شَرْحِ قَوْلِهِ، وَالْغَازِي قَدْرَ حَاجَتِهِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَالْمَالُ) عَطْفٌ عَلَى الْمُؤَدَّى عَنْهُ قَوْلُهُ: وَلِمَنْ جَازَ لَهُ النَّقْلُ أَنْ يَأْذَنَ لِلْمَالِكِ إلَخْ) كَذَا شَرْحُ م ر
قَوْلُهُ: وَلَوْ بَعْضَ صِنْفٍ) كَانَ الْمُرَادُ، وَيَجْرِي فِي نَصِيبِ مَا عَدَاهُ مَا يَأْتِي فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي أَوْ بَعْضُهُمْ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: حَرُمَ، وَلَمْ يَجُزْ) قَدْ يُقَالُ: هَذَا هُوَ الْمَنْع فَتَرْتِيبُهُ عَلَيْهِ تَرْتِيبُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ إذَا مَنَعْنَا عَمَّمْنَا الْمَنْعَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُرَادُ بِهِ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ فَقَطْ.
(وَالْأَظْهَرُ مَنْعُ نَقْلِ الزَّكَاةِ) مِنْ بَلَدِ الْوُجُوبِ الَّذِي فِيهِ الْمُسْتَحِقُّونَ إلَى بَلَدٍ آخَرَ فِيهِ مُسْتَحِقُّوهَا فَتُصْرَفُ إلَيْهِمْ قَالُوا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» وَلِامْتِدَادِ أَطْمَاعِ أَصْنَافِ كُلِّ بَلْدَةٍ إلَى زَكَاةِ مَا فِيهِ مِنْ الْمَالِ وَالنَّقْلُ يُوحِشُهُمْ.
وَالثَّانِي: الْجَوَازُ لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى عَدَمِ النَّقْلِ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تُعْطَى لِكَافِرٍ كَمَا مَرَّ، وَقِيَاسًا عَلَى نَقْلِ الْوَصِيَّةِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالنَّذْرِ.
وَأَجَابَ الْأَوَّلُ عَنْ الْقِيَاسِ بِأَنَّ الْأَطْمَاعَ لَا تَمْتَدُّ إلَى ذَلِكَ امْتِدَادَهَا إلَى الزَّكَاةِ.
تَنْبِيهٌ كَلَامُهُ يُفْهِمُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي التَّحْرِيمِ، لَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُمَا فِي الْإِجْزَاءِ،
وَأَمَّا التَّحْرِيمُ فَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَإِطْلَاقُهُ يَقْتَضِي أُمُورًا: أَحَدُهَا: جَرَيَانُ الْخِلَافِ فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَمَا دُونَهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ،
وَلَوْ كَانَ النَّقْلُ إلَى قَرْيَةٍ بِقُرْبِ الْبَلَدِ.
الثَّانِي: جَرَيَانُهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ أَهْلُ السِّهَامِ مَحْصُورِينَ أَمْ لَا، وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْإِمَامِ وَغَيْرِهِمَا، وَخَصَّهُ فِي الشَّافِي بِعَدَمِ انْحِصَارِهِمْ،
فَلَوْ انْحَصَرُوا حَوْلًا تَمَلَّكُوهَا وَتَعَيَّنَ صَرْفُهَا إلَيْهِمْ وَتَنْتَقِلُ إلَى وَرَثَتِهِمْ وَلَوْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ،
وَمَنْ دَخَلَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لَا شَيْءَ لَهُ، وَهَذَا ظَاهِرٌ كَمَا سَيَأْتِي. الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ، وَلَيْسَ مُرَادًا، بَلْ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَالِكِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ.
أَمَّا الْإِمَامُ وَالسَّاعِي، فَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: الْأَصَحُّ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْأَحَادِيثُ جَوَازُ النَّقْلِ لِلْإِمَامِ وَالسَّاعِي.
وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: إنَّهُ الصَّوَابُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَخْبَارُ وَسِيرَةُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. اهـ.
وَالْعِبْرَةُ فِي نَقْلِ الزَّكَاةِ الْمَالِيَّةِ بِبَلَدِ الْمَالِ حَالَ الْوُجُوبِ وَفِي زَكَاةِ الْفِطْرِ بِبَلَدِ الْمُؤَدَّى عَنْهُ اعْتِبَارًا بِسَبَبِ الْوُجُوبِ فِيهِمَا، وَلِأَنَّ نَظَرَ الْمُسْتَحِقِّينَ يَمْتَدُّ إلَى ذَلِكَ فَيُصْرَفُ الْعُشْرُ إلَى مُسْتَحِقِّي بَلَدِ الْأَرْضِ الَّتِي حَصَلَ فِيهَا الْعُشْرُ، وَزَكَاةُ النَّقْدَيْنِ وَالْمَوَاشِي وَالتِّجَارَةِ إلَى مُسْتَحِقِّي الْبَلَدِ الَّذِي تَمَّ فِيهِ حَوْلُهَا. وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَسَائِلُ: مِنْهَا مَا لَوْ كَانَ لِلْمَالِكِ بِكُلِّ بَلَدٍ عِشْرُونَ شَاةٍ فَلَهُ إخْرَاجُ شَاةٍ فِي أَحَدِ الْبَلَدَيْنِ حَذَرًا مِنْ التَّشْقِيصِ
بِخِلَافِ مَا لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي غَنَمِ كُلِّ بَلَدٍ شَاةٌ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّقْلُ لِانْتِفَاءِ التَّشْقِيصِ. وَمِنْهَا مَا لَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ مَالِهِ وَالْمَالُ بِبَادِيَةٍ وَلَا مُسْتَحِقَّ فِيهَا فَلَهُ نَقْلُهُ إلَى مُسْتَحِقِّ أَقْرَبِ بَلَدٍ إلَيْهِ، وَمِنْهَا أَهْلُ الْخِيَامِ غَيْرُ الْمُسْتَقِرِّينَ بِمَوْضِعٍ، بِأَنْ كَانُوا يَنْتَقِلُونَ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى آخَرَ دَائِمًا فَلَهُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُسْتَحِقٌّ نَقْلُ وَاجِبِهِمْ إلَى أَقْرَبِ بَلَدٍ إلَيْهِمْ وَإِنْ اسْتَقَرُّوا بِمَوْضِعٍ، لَكِنْ قَدْ يَظْعَنُونَ عَنْهُ وَيَعُودُونَ إلَيْهِ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ فِي الْحُلَلِ وَفِي الْمَرْعَى وَفِي الْمَاءِ صُرِفَ إلَى مَنْ هُوَ فِيمَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْ مَوْضِعِ الْوُجُوبِ لِكَوْنِهِ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ، وَلِهَذَا عُدَّ مِثْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ حَاضِرِيهِ، وَالصَّرْفُ إلَى الظَّاعِنِينَ مَعَهُمْ أَوْلَى لِشِدَّةِ جِوَارِهِمْ،
فَإِنْ تَمَيَّزَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ بِمَا ذُكِرَ فَالْحِلَّةُ كَالْقَرْيَةِ فِي حُكْمِ النَّقْلِ مَعَ وُجُودِ الْمُسْتَحِقِّ فِيهَا فَيَحْرُمُ النَّقْلُ عَنْهَا.
(وَالْأَظْهَرُ مَنْعُ نَقْلِ الزَّكَاةِ) مِنْ بَلَدِ الْوُجُوبِ مَعَ وُجُودِ الْمُسْتَحِقِّينَ فِيهِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ فِيهِ الْمُسْتَحِقُّونَ، بِأَنْ تُصْرَفَ إلَيْهِمْ أَيْ يَحْرُمُ، وَلَا يُجْزِئُ لِمَا فِي حَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ «صَدَقَةٌ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» ،
وَالثَّانِي: يَجُوزُ النَّقْلُ وَيُجْزِئُ لِلْإِطْلَاقِ فِي الْآيَةِ،
قَوْلُهُ: (مَنْعُ نَقْلِ الزَّكَاةِ) الْمُرَادُ بِنَقْلِهَا أَنْ يُعْطَى مِنْهَا مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَحَلِّهَا وَقْتَ الْوُجُوبِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَسَوَاءٌ أَخْرَجَهَا عَنْ الْمَحَلِّ أَوْ جَاءُوا بَعْدَ وَقْتِ الْوُجُوبِ إلَيْهِ. نَعَمْ لَوْ لَمْ يَنْحَصِرْ الْمُسْتَحِقُّونَ فِي الْبَلَدِ جَازَ إعْطَاءُ مَنْ جَاءَهَا بَعْدَ وَقْتِ الْوُجُوبِ. قَالَهُ شَيْخُنَا فَرَاجِعْهُ وَلَوْ خَرَجَ مَعَ الْمُسْتَحِقِّينَ إلَى خَارِجِ الْمَحَلِّ وَدَفَعَهَا لَهُمْ حِينَئِذٍ لَمْ يَمْتَنِعْ، وَخَرَجَ بِالزَّكَاةِ غَيْرُهَا، كَالْكَفَّارَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالنَّذْرِ وَالْوَقْفِ، فَيَجُوزُ النَّقْلُ فِيمَا لَمْ يُخَصَّصْ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (مِنْ بَلَدِ الْوُجُوبِ) أَيْ إلَى مَحَلٍّ يَجُوزُ قَصْرُ الصَّلَاةِ فِيهِ لِلْمُسَافِرِ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَالْمُرَادُ بِالْبَلَدِ مَحَلُّ الْوُجُوبِ كَالْقَرْيَةِ وَالْحِلَّةِ وَمَحَلِّ الْإِقَامَةِ لِذِي الْخِيَامِ وَالسَّفِينَةِ لِمَنْ فِيهَا،
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ مُسْتَحِقٌّ تَعَيَّنَ أَقْرَبُ مَحَلٍّ يُوجَدُ فِيهِ الْمُسْتَحِقُّ إلَيْهِ وَقْتَ الْوُجُوبِ نَعَمْ يَجُوزُ فِي الدَّيْنِ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ فِي كُلٍّ مِنْ مَحَلِّ الدَّائِنِ وَالْمَدِينِ وَقْتَ الْوُجُوبِ أَوْ بَعْدَهُ،
وَكَذَا لَوْ تَشَقَّصَ النِّصَابُ بِبَلَدَيْنِ كَعِشْرِينَ شَاةً بِبَلَدٍ وَعِشْرِينَ بِأُخْرَى فَلَهُ إخْرَاجُ شَاةٍ فِي إحْدَاهُمَا مَعَ الْكَرَاهَةِ،
فَإِنْ أَخْرَجَ فِي كُلِّ بَلَدٍ نِصْفَهَا لَمْ يُكْرَهْ.
قَوْلُهُ: (أَيْ يَحْرُمُ وَلَا يُجْزِئُ) هُوَ تَفْسِيرٌ لِلْمَنْعِ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي يَجُوزُ النَّقْلُ وَتُجْزِئُ) وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ كَابْنِ الصَّلَاحِ وَابْنِ الْفِرْكَاحِ وَغَيْرِهِمْ،
قَالَ شَيْخُنَا تَبَعًا لِشَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ: وَيَجُوزُ لِلشَّخْصِ الْعَمَلُ بِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ،
وَكَذَا يَجُوزُ الْعَمَلُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ بِقَوْلِ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ، كَالْأَذْرَعِيِّ وَالسُّبْكِيِّ وَالْإِسْنَوِيِّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي يَجُوزُ إلَخْ) . هُوَ مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَابْنُ الْفِرْكَاحِ عِنْدَ وُجُودِ مَصْلَحَةٍ مِنْ قَرِيبٍ، وَنَحْوُهُ، قَالَ الْبَغَوِيّ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: يَجُوزُ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: الَّذِي فِي الشَّرْحَيْنِ وَالرَّوْضَةِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْأَجْزَاءِ،
وَأَمَّا التَّحْرِيمُ فَلَا خِلَافَ فِيهِ،
وَقِيلَ: عَكْسُهُ وَقِيلَ فِيهِمَا. اهـ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَتْنِ جَرَيَانُ الْخِلَافِ،
وَلَوْ كَانَ الْفُقَرَاءُ مَحْصُورِينَ بِالْبَلَدِ.
تَنْبِيهٌ لَوْ فَضَلَ شَيْءٌ عَنْ كِفَايَتِهِمْ وَجَبَ نَقْلُ الْفَاضِلِ.
قَوْلُهُ: (لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ) أَيْ وَقِيَاسًا عَلَى الْكَفَّارَاتِ.
قال: (والأظهر: منع نقل الزكاة) أي: إذا كانت في البلد وأمكن الصرف إليهم .. فيحرم نقلها، ولا يسقط به الفرض؛ لخبر معاذ المتقدم، ولأن طمع الفقراء في كل بلد يمتد إلى ما فيها من المال والنقل يوحشهم، وبهذا قال مالك وأحمد.
ولا فرق في التحريم: بين أن ينقل إلى مسافة القصر أو دونها، فلذلك أطلقه المصنف؛ لأنه نقل إلى بلد آخر ويتضرر بذلك أهل بلده، فأشبه النقل إلى مسافة القصر، ويخالف الرخص؛ فإنها متعلقة بالسفر المشق.
وقيل: يجوز؛ لأنه في حكم الحضر بالنسبة إلى القصر وغيره.
والثاني - وبه قال أبو حنيفة -: يجوز؛ لإطلاق الآية ولم يحك ابن المنذر عن الشافعي رضي الله عنه غيره،
وقال الخطابي والبغوي في (شرح السنة): عليه أكثر العلماء، واختاره الروياني في (الحلية)، وأفتى به ابن الصلاح وابن الفركاح عند وجود مصلحة لأجل قريب ونحوه.
وظاهر تعبير المصنف: أن القولين في التحريم، لكن المرجح في (الروضة) و (أصلها): أنهما في الإجزاء،
أما التحريم .. فلا خلاف فيه،
وقيل: بالعكس، وقيل: فيهما، وقال في (الشرح الصغير): لا يبعد التعميم.
وإطلاق المصنف يقتضي التعميم في مسافة القصر وما دونها، وهو الصحيح.
وقيل: بل الخلاف في مسافة القصر، ولا بأس بالنقل لدونها،
لكن يستثنى من إطلاقه صور:
إحداها: ما إذا فرق الإمام .. فالأشبه: جواز النقل، فيفرق كيف شاء،
وكذلك الساعي؛ لأنه في معناه.
الثانية: إذا كان له نصاب من الغنم نصفه ببلد ونصفه ببلد آخر ..
فإن له أن يخرج شاة بأحد البلدين على الأصح؛ فرارًا من التشقيص.
الثالثة: إذا جاء الحول والمال ببادية .. فإنه يفرق في أقرب البلاد إليه.
الرابعة: إذا فارق المستحقون أو بعضهم بلد المال .. فله النقل اعتبارًا بالأخذ لا بالبقعة، نقله الإمام، قال: ومنعه بعضهم عند انتقال بعضهم وفي المقيمين مقنع.
فروع:
مؤنة النقل - حيث جاز أو وجب - على المالك، قال الرافعي: ويمكن تخريجه على أجرة الكيال، قال الشيخ: هذا عند الوجوب صحيح، وإلا .. فعلى المالك قطعًا؛ لإمكان الصرف في البلد.
ولو كان المال في بلد والمالك في بلد .. فالاعتبار ببلد المال؛ لأنه سبب الوجوب،
والأصح في زكاة الفطر: اعتبار بلد المالك.
وأهل الخيام الذين ينتقلون من بقعة إلى بقعة يصرفون الزكاة إلى من معهم،
فإن لم يكن معهم. فإلى أقرب البلاد إليهم عند تمام الحول.
ولو دخل إلى بلد المال غريب حين وجوب الزكاة .. كان كالقاطن في البلد، لكن تقديم القاطن في البلد أولى عند الشافعي رضي الله عنه من الداخل.
فائدة:
إذا لم يعلم الإمام بحاجة أهل الصدقة حتى قسمها في غيرهم، أو فعل ذلك بعض عماله ثم علم هو به .. فإنه يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه أضعف الصدقة في مثل هذا من قابل. بينا عمر نصف النهار قائل في ظل شجرة إذا أعرابية فتوسمت الناس، فجاءته فقالت: إني امرأة مسكينة ولي بنون،
وإن أمير المؤمنين عمر بعث محمد بن سلمة ساعيًا فلم يعطنا، فلعلك يرحمك الله أن تشفع لنا إليه فصاح بيرفأ أن ادع لي محمد بن مسلمة، فقالت: إنه أنجح لحاجتي أن تقوم معي إليه، فقال: إنه سيفعل إن شاء الله.
وروي أنه قال لها: اذهبي فقولي له: هذا الرجل يدعوك فقالت: ليس هكذا يكون الشفيع، فجاء محمد بن سلمة فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فاستحيت المرأة فقال عمر: والله ما آلو أن أختار خياركم، كيف أنت قائل إذا سألك الله عن هذه؟! فدمعت عينا محمد ثم قال: أد إليها صدقة العام وعام أول، وما أدري لعلي ما أبعثك، ثم دعا إليها بجمل وأعطاها دقيقًا وزيتًا وقال: خذي هذا حتى تلحقينا بخيبر فإنا نزيدك، فأتته بخيبر ..
فدعا لها بجملين آخرين وقال: خذي هذا حتى يأتيك محمد فقد أمرته أن يعطيك حقك للعام وعام أول.
قال الشيخ رحمه الله: في هذا الأثر دليل على أن مال السنة إذا فرق على المستحقين وتأخر بعضهم .. يعطى من تأخر من السنة القابلة عنها وعن الماضية، وهذا يقع كثيرًا في المدارس، ويقول من لا علم له: لا نفرق مال سنة في سنة، وإنما ذلك عند عدم المباشرة والاستحقاق،
أما معهما .. فيعطى؛ لهذا الأثر، ويكون المتأخر لتلك المرأة دينًا على جهة الزكاة كدين على بيت المال،
وكذا نقول في المتأخر لفقيه على وقف.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.