ويسن أن يغتسل لها في يومها وتقدم
الشروح عليها
(ويسن أن يغتسل لها في يومها) لخبر عائشة «لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا» ، وعن جماع وعند مضي أفضل (وتقدم) وفيه نظر
لا زيادة له على هذه المسألة.
المؤذن ركعتين (ويسن أن يغتسل) لها في يومها وهو كالإجماع عن الصحابة، وحكى الترمذي وغيره أنه ليس بواجب عند الصحابة ومن بعدهم، وعن أحمد وغيره أنه واجب، ووجوبه أقوى من وجوب الوتر، وأوجبه الشيخ على من له عرق أو ريح،
وقال ابن عبد البر: أجمع علماء المسلمين قديما وحديثا على أن غسل الجمعة ليس بفرض، لقوله صلى الله عليه وسلم ومن اغتسل فالغسل أفضل، وليس بشرط إجماعا،
ومن قال بوجوبه فتصح بدونه، وقوله صلى الله عليه وسلم واجب، محمول على تأكيد الاستحباب، كما يقال حقك على واجب، جمعا بين الأدلة، ويرشحه قرنه بالسواك والطيب وهما غير واجبين إجماعًا.
. لخبر عائشة لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا رواه البخاري وغيره، أي لكان حسنًا، وذلك أنهم كانوا ينتابون الجمعة من منازلهم،
ومن العوالي، فيأتون في العباءة فيخرج منهم الريح، فقال: «لو أنكم تطهرتم» ، إلخ، ولأبي داود وغيره عن ابن عباس في بدء الغسل، كان الناس يلبسون الصوف، ويعملون والمسجد ضيق، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم حار، وقد عرق الناس في ذلك الصوف، حتى ثارت منهم رياح، آذى بعضهم بعضا، فأمرهم بالغسل، والمس من الطيب، فهو آكد الأغسال المستحبة مطلقا لهذه العلة،
وفي الصحيحين وغيرهما «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» ،
«ومن أتى الجمعة فليغتسل» ،
وقال ابن القيم: الأمر به مؤكد جدا، ووجوبه أقوى من وجوب الوتر والبسملة، والوضوء من مس النساء والذكر، فالأحوط أن لا يخل به، ويجزئ ولو أحدث بعده، أو لم يتصل به المضي إليها، لا بعدها، فقد حكى ابن المنذر الإجماع على أن من اغتسل بعد الصلاة، لم يغتسل للجمعة، ولا فعل ما أمر به، وكان أصله قصد التنظيف، وإزالة الروائح الكريهة التي يتأذى بها الحاضرون من الملائكة والناس.
تطهرتم ليومكم هذا وعن جماع وعند مضي أفضل لأنه أبلغ في المقصود،
وظاهره ولو أدى إلى عدم التبكير المشروع يوم الجمعة، لقوله: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح» ، الحديث رواه أهل السنن وعند مالك لا يجزئه إلا أن يتعقبه الرواح لها،
وإذا نوى غسل الجنابة وغسل الجمعة أجزأ عنهما، كما لو أحرم بصلاة نوى بها الفرض وتحية المسجد قال:
جماع وعند مضي أفضل . (وتقدم) وفيه نظر أي في قول الماتن: وتقدم ويجاب بأنه تقدم ذكر المصنف استحباب الغسل للجمعة في كتاب الطهارة، والمراد أنه يحتاج أن يعاد فيه النظر، أو يحتاج أن ينظر فيه، لإظهار ما يلوح فيها من فساد، ولا يقال: فيه نظر، في كلام مقطوع بفساده، ولا صحته، بل فيما كان فساده محتملا،
فإن قيل في كلام مقطوع بفساده، كان كناية أو محاباة،
وإن قيل فيما هو مقطوع بصحته كان عنادا ومكابرة.
. (وتقدم) وفيه نظر (و) يسن (تنظيف وتطيب) فتنظف بقص شارب، وتقليم ظفر، ونتف إبط ونحوه، لما رواه الطبراني وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم يقلم أظفاره، ويقص شاربه، يوم الجمعة قبل أن يخرج إلى الصلاة، وبقطع روائح كريهة، بسواك وغيره، وتطيب بما يقدر عليه وفاقا،
ولو من طيب امرأته، وهو ما ظهر لونه وخفي ريحه، لتأكد الطيب والاتفاق على سنيته، وينبغي لمن أراد الاجتماع بالناس أن يغتسل ويتنظف ويتطيب ويزيل كل حال تغير فيه رائحة البدن، ويغسل الثوب إذا توسخ،
لقوله: «أما يجد أحدكم ما يغسل به ثوبه» ، رواه أبو داود.
«ويسن أن يغتسل»، يعبر الفقهاء بيُسن،
ويجب، ويشرع.
فإذا قالوا: يشرع فهو لفظ صالح للوجوب، والاستحباب.
وإذا قالوا: يجب فهو للوجوب.
وإذا قالوا: يسن فهو للاستحباب.
والسنّة في تعبير الفقهاء: هي ما أثيب فاعله، ولم يعاقب تاركه، فهي بين الواجب والمباح.
فقوله:«يسن أن يغتسل» أي: أنه إذا اغتسل ليوم الجمعة فهو أفضل،
وإن لم يغتسل فلا إثم عليه.
وقوله:«أن يغتسل» لم يبيّن كيفية الاغتسال، ولكنه إذا أطلق في لسان الشارع، أو في لسان أهل الشرع وهم الفقهاء، فإنه يحمل على الاغتسال الشرعي، لا على مجرد أن يغسل الإنسان بدنه،
والغسل الشرعي له صفتان:
١ ـ واجبة: وهي أن يعم جميع بدنه بالماء،
ولو بانغماس في بركة أو نهر أو بحر.
٢ ـ مستحبة: وهي أن يتوضأ أولاً، كما يتوضأ للصلاة، ثم يفيض الماء على رأسه، ويخلل شعره ثلاث مرات، ثم يفيض الماء على سائر جسده.
وقول المؤلف:«يسن أن يغتسل» لم يبيّن متى يكون الاغتسال.
فقال بعضهم: إن أول وقته من آخر الليل.
وقال آخرون: بل من طلوع الفجر؛ لأن النهار لا يدخل إلا بطلوع الفجر.
وقال آخرون: بل من طلوع الشمس؛ لأن ما بين الفجر وطلوع الشمس وقت لصلاة خاصة، وهي الفجر، ولا ينتهي وقتها إلا بطلوع الشمس، وعلى هذا فيكون ابتداء الاغتسال من طلوع الشمس، وهذا أحوط الأقوال الثلاثة؛ لأن من اغتسل بعد طلوع الشمس فقد أتى على الأقوال كلها. وينتهي وقت الاغتسال بوجوب السعي إلى الجمعة على الأقوال كلها.
وقوله:«يسن أن يغتسل»، لم يبيّن من الذي يغتسل، هل هم الرجال أو النساء؟
والسنّة تدل على أن الاغتسال خاص بمن يأتي إلى الجمعة؛ لقول الرسول ﷺ :«إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل»، ولقوله:«غسل الجمعة واجب على كل محتلم»، وكلمة «الجمعة» هنا يحتمل أن يكون المراد بها الصلاة، أو اليوم، لكن قوله:«إذا أتى أحدكم الجمعة» يعين أن المراد بها الصلاة، وعلى هذا فالنساء لا يسنّ لهن الاغتسال،
وكذلك من لا يحضر لصلاة الجمعة لعذر، فإنه لا يسنّ له أن يغتسل للجمعة.
وقول المؤلف:«يسنّ أن يغتسل» هو المذهب، وعليه جمهور العلماء.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الاغتسال واجب.
وهذا القول هو الصحيح لما يلي:
١ ـ قول أفصح الخلق وأنصحهم محمد ﷺ :«غسل الجمعة واجب على كل محتلم»، فصرّح النبي ﷺ بالوجوب،
ومن المعلوم أننا لو قرأنا هذه العبارة في مؤلف كهذا الذي بين أيدينا لم نفهم منها إلا أنه واجب يأثم بتركه، فكيف والتعبير من رسول الله ﷺ الذي هو أعلم الخلق بشريعة الله وأفصح الخلق وأنصح الخلق وأعلمهم بما يقول؟
ثم إنه علق الوجوب بوصف يقتضي الإلزام، وهو الاحتلام الذي يحصل به البلوغ،
فإذا تأملنا ذلك تبيّن لنا ظاهراً أن غسل الجمعة واجب،
وأن من تركه فهو آثم، لكن تصح الصلاة بدونه؛ لأنه ليس عن جنابة.
٢ ـ أن عثمان بن عفان رضي الله عنه دخل وعمر بن الخطاب رضي الله عنه يخطب الناس على المنبر يوم الجمعة، فأنكر عليه تأخّره، فقال: والله يا أمير المؤمنين كنت في شغل، وما زدت على أن توضأت، ثم أتيت، فقال له ـ موبخاً ـ: والوضوء أيضاً؟ ـ أي: تفعل الوضوء أيضاً ـ، وقد علمت أن النبي ﷺ كان يأمر بالغسل ، فأنكر عمر رضي الله عنه عليه اقتصاره على الوضوء.
وأما ما روي عن سمرة بن جندب أن النبي ﷺ قال:«من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل»، فهذا الحديث لا يقاوم ما أخرجه الأئمة السبعة وغيرهم، وهو حديث أبي سعيد الذي ذكرناه آنفاً:«غسل الجمعة واجب على كل محتلم»،
ثم إن الحديث من حيث السند ضعيف؛ لأن كثيراً من علماء الحديث يقولون: إنه لم يصح سماع الحسن عن سمرة إلا في حديث العقيقة،
وإن كنا رجّحنا في المصطلح: أنه متى ثبت سماع الراوي من شيخه، وكان ثقة ليس معروفاً بالتدليس، فإنه يحمل على السماع، على أن الحسن رحمه الله رماه بعض العلماء بالتدليس،
ثم إن هذا الحديث من حيث المتن إذا تأملته وجدته ركيكاً ليس كالأسلوب الذي يخرج من مشكاة النبوة «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت» … «بها» أين مرجع الضمير؟ ففيه شيء من الركاكة أي: الضعف في البلاغة «ومن اغتسل فالغسل أفضل» فيظهر عليه أنه من كلام غير النبي ﷺ.
فالذي نراه وندين الله به، ونحافظ عليه أن غسل الجمعة واجب، وأنه لا يسقط إلا لعدم الماء، أو للضرر باستعمال الماء، ولم يأت حديث صحيح أن الوضوء كاف،
وأما ما ورد في صحيح مسلم عن النبي ﷺ قال:«من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام»، فإنه مرجوح، لاختلاف الرواة، فبعضهم قال:«من اغتسل» وهذه أرجح، وبعضهم قال:«من توضأ».
مسألة: بقي أن يقال: إذا لم يجد الماء، أو تضرر باستعماله .. فهل يتيمم لهذا الغسل، أو نقول: إنه واجب سقط بعدم القدرة عليه؟
الجواب أن نقول: الثاني، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ويقول شيخ الإسلام: جميع الأغسال المستحبة إذا لم يستطع أن يقوم بها فإنه لا يتيمم عنها؛ لأن التيمم إنما شرع للحدث؛
ومعلوم أن الأغسال المستحبة ليست للتطهير؛ لأنه ليس هناك حدث حتى يتطهر منه، وعلى هذا
فلو أن الإنسان وصل إلى الميقات وهو يريد العمرة أو الحج، ولم يجد الماء، أو وجده وكان بارداً لا يستطيع استعماله، أو كان مريضاً، فلا يتيمّم بناء على هذا.
والفقهاء رحمهم الله يقولون: يتيمّم، والصحيح خلاف ذلك.
وَتَقَدَّمَ، ........... «وتقدم»، أي: سبق ذكر استحباب الغسل ليوم الجمعة.
لكن صاحب الروض قال:«فيه نظر»،
وإذا قال العلماء:«فيه نظر» فيعنون أنه غير مسلم، والعلماء يعبرون أحياناً بقولهم:«فيه شيء»، إذا نقلوا كلام غيرهم.
وقولهم:«فيه شيء»، أخف من قولهم:«فيه نظر»، وقول صاحب الروض:«فيه نظر»، أي: في قول الماتن: «وتقدم» نظر، وكأن صاحب الروض غفل عن قول صاحب المتن؛ لأن صاحب المتن في أقسام المياه قال:«وإن استعمل في طهارة مستحبة كتجديد وضوء وغسل جمعة»، فهذا صريح في أن غسل الجمعة مستحب، وكأن صاحب الروض إنما قال:«فيه نظر» لما رأى المؤلف لم يذكره في باب الغسل، كما جرت به عادة الفقهاء في ذكر الأغسال المستحبة في باب الغسل.
وَيَتَنَظَّفَ، وَيَتَطَيَّبَ ......... «ويتنظف» أي: ويسنّ أن يتنظف كما جاءت به السنّة عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر … »، والتنظّف أمر زائد على الاغتسال، فالتنظّف بقطع الرائحة الكريهة وأسبابها،
فمن أسباب الرائحة الكريهة الشعور والأظفار التي أمر الشارع بإزالتها، وعلى هذا فيسنّ حلق العانة، ونتف الإبط، وحف الشارب، وتقليم الأظفار، لكن من المعلوم أن هذا لا يكون في كل جمعة، فقد لا يجد الإنسان شيئاً يزيله، من هذه الأمور الأربعة، وقد وقّت النبي ﷺ هذه الأشياء الأربعة ألا تزيد على أربعين يوماً ، وقد قال الفقهاء: إن حف الشارب في كل جمعة.
«ويتطيّب» أي: ويسنّ أيضاً أن يتطيّب، كما جاءت به السنة ، بأي طيب سواء من الدهن أو من البخور، في ثيابه وفي بدنه؛ وذلك من أجل اجتماع الناس في مكان واحد؛ لأن العادة أنه إذا كثر الجمع ضاق النفس، وكثر العرق، وثارت الرائحة الكريهة،
فإذا وجد الطيب، وقد سبقه التنظّف،
فإن ذلك يخفف من الرائحة؛ ولهذا نهى الرسول عليه الصلاة والسلام من أكل بصلاً أو ثوماً أن يقرب المسجد ، وكانوا إذا رأوا إنساناً أكل بصلاً أو ثوماً، أمروا به فأخرج من المسجد إلى البقيع،
ومن الأسف أن بعض الناس اليوم يأتي إلى الجمعة، وثيابه وجسمه لهما رائحة كريهة، ثم لا يستطيع أحد أن يصلي إلى جنبه، وليس هذا من عند الله، بل من نفسه، فهو الذي يجلب لنفسه الأوساخ والأدران، ولا يهتم بنفسه،
وفي هذا أذية للمصلين، وأذية للملائكة.
بل إن العلماء قالوا: إن ما كان من الله، ولا صنع للآدمي فيه إذا كان يؤذي المصلين فإنه يخرج، كالبخر في الفم، أو الأنف، أو من يخرج من إبطيه رائحة كريهة،
فإذا كان فيك رائحة تؤذي فلا تقرب المسجد.
فإن قال: هذا من الله؟ فيقال: إذا ابتلاك الله به فلا تؤذ العباد، ولا تؤذ الملائكة، وأنت مأجور على الصبر على هذا الشيء واحتساب الأجر من الله، ولست آثماً إذا لم تصل مع الناس؛ لأنك إنما تركت ذلك بأمر الله.
فإذا قال: هذا ينقص إيماني؛ لأن صلاة الجماعة أفضل؟
قلنا: إنك لا تلام على هذا النقص؛ كما أن الحائض لا تصلي، وينقص إيمانها بذلك ولا تلام على النقص؛ لأن النقص الذي ليس بسبب الإنسان لا يلام عليه.
وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ وَيُبَكِّرَ إِلَيْهَا مَاشِياً، ..........
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.