فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الروض المربعالبهوتي

باب صلاة الكسوف] يقال: كسفت بفتح الكاف وضمها

٦٤٢

ومثله خسفت، وهو ذهاب ضوء الشمس، أو القمر، أو بعضه وفعلها ثابت بالسنة المشهورة واستنبطها بعضهم من قَوْله تَعَالَى:{وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ} . (تسن) صلاة الكسوف (جماعة) وفي جامع أفضل لقول عائشة: «خرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى المسجد فقام وكبر وصف الناس وراءه» متفق عليه. (وفرادى) كسائر النوافل (إذا كسف أحد النيرين) الشمس والقمر ووقتها من ابتدائه إلى التجلي، ولا تقضى كاستسقاء وتحية مسجد فيصلي (ركعتين) ويسن الغسل لها.

حاشية الروض المربعابن قاسم، حاشية على الروض المربع

. يقال: كسفت بفتح الكاف وضمها، ومثله، خسفت بفتح الخاء وضمها، وهما بمعنى يقال: كسفت الشمس وخسفت وبالعكس، ويقال انكسفا وخسفا وخسفا وانخسفا، وكلاهما جاءت به الأخبار وقال ثعلب: أجود الكلام: خسف القمر، وكسفت الشمس، وهو الأشهر في ألسنة الفقهاء، والكسوف مصدر لازم يقال: كسفت الشمس كسوفًا، والكسف مصدر المتعدي: كسفها الله كسفًا، ومعنى الكسف التغير إلى سواد، والخسوف ذهاب النور أو النقصان وكسفت الشمس كأنها أسودت في المرأى، وذهب شعاعها وإنما حال القمر دونها، وخسف القمر، وقع في ظل الأرض.

وهو ذهاب ضوء الشمس أو القمر أو بعضه أي والكسوف ذهاب ضوء الشمس كله أو ضوء القمر كله أو بعض ضوء الشمس أو القمر، والمراد استتاره لا فقده لقوله «ينجلي» ونحوه القمر.

أو القمر أو بعضه وفعلها ثابت بالسنة المشهورة المستفيضة من أمره وفعله صلى الله عليه وسلم ففي الصحيحين والسنن والمسانيد وغيرها، من وجوه كثيرة: منها ما أخرجاه من حديث أبي مسعود الأنصاري قال: انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم فقال الناس: انكسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد، ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فافرغوا إلى ذكر الله، وإلى الصلاة» وفيهما أيضًا من حديث المغيرة، نحوه،

٢٬٢٤٧

وفي آخره «فادعوا الله وصلوا حتى ينجلي» وفيهما من حديث جابر نحوه وفي آخره «فصلوا حتى ينجلي» ،

٢٬٢٤٨

وفي رواية عن ابن مسعود، «فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم» ،

٢٬٢٤٩

ومن حديث عائشة «حتى يكشف ما بكم» ، ويأتي،

٢٬٢٥٠

وفي البخاري عن أبي موسى قال: «هذه الآيات التي يرسل الله، لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله يخوف بها عباده، فإذا رأيتم شيئا من ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره» وغير ذلك مما استفاض عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى بالمسلمين صلاة الكسوف، يوم مات ابنه إبراهيم.

للهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ} . (تسن) صلاة الكسوف (جماعة) وهو أفضل وفاقا،

٢٬٢٥١

وقيل بوجوبها، وتقدم تأكد سنيتها وحكاه الوزير والنووي وغيرهما إجماعا، ومذهب مالك وأبي حنيفة يصلى لخسوف القمر فرادى، وثبتت الأحاديث بالتسوية، وجماعة بالنصب على التمييز، محول عن نائب الفاعل،

٢٬٢٥٢

ويصح جعله حالا، ويصح الرفع أي فيها.

. (تسن) صلاة الكسوف (جماعة) وفي جامع أفضل وفاقا، وتشرع في حق النساء، لأن عائشة وأسماء صلتا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه البخاري،

٢٬٢٥٣

ويسن أن ينادى لها «الصلاة جامعة» لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث مناديا ينادي الصلاة جامعة متفق عليه، واتفقوا على أنه لا يؤذن لها، ولا يقام.

الناس وراءه، متفق عليه . (وفرادى) كسائر النوافل فلم يشترط لها الجماعة لا حضرًا ولا سفرًا، فلا يشترط لها الإيطان،

٢٬٢٥٤

ولا يشترط لها أيضا إذن الإمام وفاقا، لأنها نافلة، وكالجمعة وأولى،

٢٬٢٥٥

ويسن ذكر الله والدعاء والاستغفار والتكبير، والصدقة والعتق، والتقرب إلى الله ما استطاع العبد من القرب،

٢٬٢٥٦

لقوله: «فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله، وكبروا وصلوا وتصدقوا» الحديث متفق عليه، ولهما أنه أمر بالعتاقة، فيه.

كسائر النوافل (إذا كسف أحد النيرين) الشمس والقمر لقوله عليه الصلاة والسلام فإذا رأيتم ذلك «فصلوا» ، متفق عليه،

تعليق

ولما تواتر من فعله صلى الله عليه وسلم وعبارة المقنع وغيره، إذا كسف الشمس أو القمر فزع الناس إلى الصلاة، وهو أولى حظا على المبادرة لقوله صلى الله عليه وسلم «فافزعوا إلى الصلاة» ،

٢٬٢٥٧

وفي لفظ إلى المساجد وخرج يجر رداءه مسرعًا إليها صلوات الله وسلامه عليه.

وتحية مسجد فيصلي (ركعتين) . ويسن الغسل لها الصواب أنه لا ينبغي لتأكد سنية المبادرة إلى فعلها من حين العلم به، قال ابن القيم وغيره: الصحيح أنه لا يسن الغسل لها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يغتسلوا لها، بل بادروا إلى فعلها.

الشرح الممتع على زاد المستقنعابن عثيمين

باب صلاة الكسوف] «باب صلاة الكسوف» العلماء يعبرون بكتاب، وباب، وفصل، ولكل واحد منها اصطلاح.

٦٬١٢٩

فإذا كان الكلام جنساً واحداً عبروا بكتاب.

٦٬١٣٠

وإذا كان الكلام نوعاً من جنس عبروا بباب.

٦٬١٣١

وإذا كانت مسائل من باب واحد عبروا بفصل.

٦٬١٣٢

فإذا كان الموضوع الطهارة، والصلاة … ، يعبر بكتاب الطهارة، وكتاب الصلاة، وكتاب الزكاة، وكتاب الصيام، وكتاب الحج لأن كل واحد جنس.

٦٬١٣٣

وإذا كان الموضوع باب الوضوء، أو باب الغسل، أو باب التيمم، أو باب الحيض، أو باب إزالة النجاسة، فهذا يعبر عنه بباب؛ لأن الجنس واحد وهو الطهارة، والنوع مختلف لأن هذا وضوء، وهذا غسل، وهذا حيض، وهذه نجاسة.

٦٬١٣٤

وإذا كان نوع الموضوع واحداً لكنه مسائل مختلفة، فيعبر بالفصل.

فمثلاً: الغسل تحته مسائل مختلفة يقال:

فصل: موجبات الغسل، ثم يقال: فصل: وصفة الغسل، فصل: والأغسال المستحبة … وهكذا، هذا هو المعروف من اصطلاح العلماء.

وهنا قال: باب صلاة الكسوف، ولم يقل: كتاب صلاة الكسوف؛ لأن هذا نوع من الصلاة، فالصلاة جنس، وهذا نوع.

وقوله:«صلاة الكسوف» من باب إضافة الشيء إلى سببه، أي باب الصلاة التي سببها الكسوف.

والكسوف والخسوف بمعنى واحد، يقال: كسفت الشمس، وخسفت، وكسف القمر وخسف.

٦٬١٣٥

وقال بعضهم: الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، ولعل هذا إذا اجتمعت الكلمتان فقيل: كسوف وخسوف،

٦٬١٣٦

أما إذا انفردت كل واحدة عن الأخرى فهما بمعنى واحد، ولهذا نظائر في اللغة العربية.

والكسوف عرّفه الفقهاء بقولهم: ذهاب ضوء أحد النيرين أو بعضه.

والحقيقة أنه لا يذهب، وإنما ينحجب، ولهذا نقول: التعبير الدقيق للكسوف: «انحجاب ضوء أحد النيرين»، أي: الشمس أو القمر «بسبب غير معتاد».

فسبب كسوف الشمس أن القمر يحول بينها وبين الأرض فيحجبها عن الأرض،

٦٬١٣٧

إما كلها أو بعضها، لكن لا يمكن أن يحجب القمرُ الشمسَ عن جميع الأرض؛ لأنه أصغر منها، حتى لو كسفها عن بقعة على قدر مساحة القمر لم يحجبها عن البقعة الأخرى؛ لأنها أرفع منه بكثير، ولذلك لا يمكن أن يكون الكسوف كلياً في الشمس في جميع أقطار الدنيا أبداً، إنما يكون في موضع معين، مساحته بقدر مساحة القمر.

٦٬١٣٨

وإذا قلنا بهذا القول المحقق المتيقن: إنَّ سبب كسوف الشمس هو حيلولة القمر بينها وبين الأرض تبيّن أنه لا يمكن الكسوف في اليوم السابع أو الثامن أو التاسع أو العاشر لبعد القمر عن الشمس في هذه الأيام، إنما يقرب منها في آخر الشهر.

ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : لا يمكن أن تكسف الشمس إلا في التاسع والعشرين أو الثلاثين أو آخر الثامن والعشرين؛ لأنه هو الذي يمكن أن يكون القمر فيه قريباً من الشمس فيحول بينها وبين الأرض.

كذلك القمر سبب كسوفه حيلولة الأرض بينه وبين الشمس؛ لأن القمر يستمد نوره من الشمس كالمرآة أمام القنديل.

فالمرآة أمام القنديل يكون فيها إضاءة نور، لكن لو أطفأت القنديل أصبحت ظلمة، ولهذا سمى الله القمر نوراً، فقال عز وجل : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا *﴾ [الفرقان]،

٦٬١٣٩

وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا *﴾ [نوح]، وعلى هذا التقدير الواقعي لا يمكن أن يكسف القمر في الليلة العاشرة، أو الثامنة، أو التاسعة، أو الحادية عشرة، أو السابعة عشرة، أو العشرين، أو الخامسة والعشرين، أو السابعة والعشرين، فلا يمكن أن يكسف إلا في ليالي الإبدار أي: الرابعة عشرة، والخامسة عشرة؛ لأنها هي الليالي التي يمكن أن تحول الأرض بينه وبين الشمس؛ لأنه في جهة والشمس في جهة، فهو في جهة الشرق، والشمس في جهة الغرب فيمكن أن تحول الأرض بينهما وحينئذٍ ينكسف القمر، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً *﴾ [الإسراء].

فالشمس منيرة مبصرة بنفسها، وآية الليل القمر ممحو ليس فيه نور.

إذاً هذا هو سبب كسوف الشمس والقمر، وبه نعرف أنه لا يصح التعبير بقولنا: ذهاب ضوء الشمس.

لكن يمكن أن يصح التعبير في هذا بالنسبة للقمر؛ لأنه إذا حالت الأرض بينه وبين الشمس ذهب نوره؛ لأن أصله جرم مظلم امّحى النور الذي فيه.

ويمكن أن نوجه كلام الفقهاء رحمهم الله بأنه ذهاب ضوء أحد النيرين، باعتبار الرؤية، أي: رؤية الناس؛ لأن الناس لا يرون الحاجز بين جرم الشمس أو جرم القمر وهم في الأرض،

٦٬١٤٠

بخلاف ما لو انحجب ضوؤهما بغمام أو سحاب، فهو معروف.

هذا السبب الذي ذكرته هو السبب الحسي.

لكن هناك سبب شرعي لا يعلم إلا عن طريق الوحي، ويجهله أكثر الفلكيين ومن سار على منهاجهم.

والسبب الشرعي هو تخويف الله لعباده، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ أنه قال:«إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، وإنما يخوف الله بهما عباده»؛ ولهذا أمرنا بالصلاة والدعاء والذكر وغير ذلك كما سيأتي إن شاء الله. فهذا السبب الشرعي هو الذي يفيد العباد؛ ليرجعوا إلى الله،

٦٬١٤١

أما السبب الحسي فليس ذا

٦٬١٤٢

فائدة كبيرة، ولهذا لم يبينه النبي ﷺ،

٦٬١٤٣

ولو كان فيه فائدة كبيرة للناس لبيّنه عن طريق الوحي؛ لأن الله سبحانه وتعالى يعلم سبب الكسوف الحسي، ولكن لا حاجة لنا به، ومثل هذه الأمور الحسية يكل الله أمر معرفتها إلى الناس، وإلى تجاربهم حتى يدركوا ما أودع الله في هذا الكون من الآيات الباهرة بأنفسهم.

٦٬١٤٤

أما الأسباب الشرعية، أو الأمور الشرعية التي لا يمكن أن تدركها العقول ولا الحواس، فهي التي يبيّنها الله للعباد.

٦٬١٤٥

فإن قال قائل: كيف يجتمع السبب الحسي والشرعي، ويكون الحسي معلوماً معروفاً للناس قبل أن يقع، والشرعي معلوم بطريق الوحي، فكيف يمكن أن نجمع بينهما؟

فالجواب: أن لا تنافي بينهما؛ لأن الأمور العظيمة كالخسف بالأرض، والزلازل، والصواعق، وشبهها التي يحس الناس بضررها، وأنها عقوبة، لها أسباب طبيعية، يقدرها الله حتى تكون المسببات، وتكون الحكمة من ذلك هي تخويف العباد، فالزلازل لها أسباب، والصواعق لها أسباب، والبراكين لها أسباب، والعواصف لها أسباب، لكن يقدر الله هذه الأسباب من أجل استقامة الناس على دين الله. قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ *﴾ [الروم]، ولكن تضيق قلوب كثير من الناس عن الجمع بين السبب الحسي والسبب الشرعي، وأكثر الناس أصحاب ظواهر لا يعتبرون إلا بالشيء الظاهر، ولهذا تجد الكسوف والخسوف لما علم الناس أسبابهما الحسية ضعف أمرهما في قلوب الناس حتى كأنه صار أمراً عادياً، ونحن نذكر قبل أن نعلم بهذه الأمور أنه إذا حصل الكسوف رعب الناس رعباً شديداً، وصاروا يبكون بكاءً شديداً، ويذهبون إلى المساجد خائفين مذعورين، كما وقع ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام لما كسفت الشمس أول مرة في عهده وكان ذلك بعد أن ارتفعت بمقدار رمح بعد طلوعها وأظلمت الدنيا، ففزع الناس، وفزع النبي عليه الصلاة والسلام فزعاً عظيماً حتى إنه أدرك بردائه ، أي: من شدة فزعه قام بالإزار قاصداً المسجد حتى تبعوه بالرداء، فارتدى به، وجعل يجره، أي: لم يستقر ليوازن الرداء من شدة فزعه، وأمر أن ينادى الصلاة جامعة ؛

من أجل أن يجتمع الناس كلهم. فاجتمعت الأمة من رجال ونساء، وصلى بهم النبي عليه الصلاة والسلام صلاة لا نظير لها؛ لأنها لآية لا نظير لها.

آية شرعية لآية كونية، أطال فيها إطالة عظيمة، حتى إن بعض الصحابة ـ مع نشاطهم وقوتهم ورغبتهم في الخير ـ تعبوا تعباً شديداً من طول قيامه عليه الصلاة والسلام، وركع ركوعاً طويلاً،

٦٬١٤٦

وكذلك السجود، فصلى صلاة عظيمة، والناس يبكون يفزعون إلى الله، وعرضت على النبي عليه الصلاة والسلام الجنة والنار في هذا المقام، يقول:«فلم أرَ يوماً قط أفظع من هذا اليوم»؛ حيث عرضت النار عليه حتى صارت قريبة فتنحى عنها، أي: رجع القهقهرى خوفاً من لفحها ، سبحان الله! فالأمر عظيم! أمر الكسوف ليس بالأمر الهين، كما يتصوره الناس اليوم، وكما يصوره أعداء المسلمين حتى تبقى قلوب المسلمين كالحجارة، أو أشد قسوة والعياذ بالله.

يكسف القمر أو الشمس والناس في دنياهم، فالأغاني تسمع، وكل شيء على ما هو عليه لا تجد إلا الشباب المقبل على دين الله أو بعض الشيوخ والعجائز، وإلا فالناس سادرون لاهون، ولهذا لا يتعظ الناس بهذا الكسوف لا بالشمس ولا بالقمر مع أنه أمر هام،

٦٬١٤٧

ويجب الاهتمام به.

مسألة: هل من الأفضل أن يخبر الناس به قبل أن يقع؟

الجواب: لا شك أن إتيانه بغتة أشد وقعاً في النفوس،

٦٬١٤٨

وإذا تحدث الناس عنه قبل وقوعه، وتروضت النفوس له، واستعدت له صار كأنه أمر طبيعي، كأنها صلاة عيد يجتمع الناس لها.

ولهذا لا تجد في الإخبار به

٦٬١٤٩

فائدة إطلاقاً بل هو إلى المضرة أقرب منه إلى الفائدة.

تعليق

ولو قال قائل: ألا نخبر الناس ليستعدوا لهذا الشيء؟

فالجواب: نقول: لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية،

٦٬١٥٠

فإذا لقيتموهم فاصبروا، بل إذا وقع ورأيناه بأعيننا فحينئذٍ نفعل ما أمرنا به. مسألة: إذا قال الفلكيون: إنه سيقع كسوف أو خسوف فلا نصلي حتى نراه رؤية عادية؛ لأن الرسول ﷺ قال:«إذا رأيتم ذلك فصلوا»،

٦٬١٥١

أما إذا منّ الله علينا بأن صار لا يرى في بلدنا إلا بمكبر أو نظارات فلا نصلي.

تُسَنُّ جَمَاعَةً، وَفُرَادَى .......... «تسن جماعة، وفرادى»، صلاة الكسوف مشروعة بالسنة والإجماع،

٦٬١٥٢

وقال بعض العلماء: إنها مشروعة بالكتاب أيضاً،

٦٬١٥٤

وقال: إن الناس لا يسجدون للشمس ولا للقمر وهما على مجراهما الطبيعي العادي، وإنما يسجدون لهما إذا حصل منهما هذا الكسوف خوفاً منهما، فأمر الله عز وجل أن يكون السجود له.

وهذا الاستنباط وإن كان له شيءٌ من الوجاهة، لكن لولا ثبوت السنة لم نعتمد عليه.

وأفادنا المؤلف رحمه الله بقوله:«تسن» أن صلاة الكسوف سنة ليست فرض عين، ولا فرض كفاية،

٦٬١٥٥

وأن الناس لو تركوها لم يأثموا؛ لأن السنة عند الفقهاء هي: ما أثيب فاعله، ولم يعاقب تاركه.

وقد جزم المؤلف رحمه الله بهذا، وهو المشهور عند العلماء.

٦٬١٥٦

وقال بعض أهل العلم: إنها واجبة؛ لقول النبي ﷺ :«إذا رأيتم ذلك فصلوا».

قال ابن القيم في كتاب «الصلاة»: وهو قول قوي ، أي: القول بالوجوب، وصدق رحمه الله لأن النبي ﷺ أمر بها وخرج فزعاً،

٦٬١٥٧

وقال: إنها تخويف، وخطب خطبة عظيمة، وعُرضت عليه الجنة والنار، وكل هذه القرائن العظيمة تشعر بوجوبها؛ لأنها قرائن عظيمة،

٦٬١٥٨

ولو قلنا: إنها ليست بواجبة،

٦٬١٥٩

وإن الناس مع وجود الكسوف إذا تركوها مع هذا الأمر من النبي عليه الصلاة والسلام والتأكيد فلا إثم عليهم لكان في هذا شيء من النظر، كيف يكون تخويفاً ثم لا نبالي وكأنه أمر عادي؟ أين الخوف؟

التخويف يستدعي خوفاً، والخوف يستدعي امتثالاً لأمر النبي عليه الصلاة والسلام.

واستدل الذين قالوا بأنها سنة بما يلي:

١ ـ الحديث المشهور في قصة الذي جاء يسأل عن الإسلام؛ وذكر له النبي ﷺ الصلوات الخمس، قال:«هل عليَّ غيرها؟»، قال:«لا إلا أن تطوع».

٢ ـ أن النبي ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن في آخر حياته في السنة العاشرة، وقال:«أخبرهم بأن الله فرض عليهم خمس صلوات»، ولم يذكر سواها. قالوا: هذان الحديثان، وأمثالهما يدلان على أن الأمر بالصلاة في الكسوف للاستحباب، وليس للوجوب.

والذين قالوا بالوجوب قالوا: إن النبي ﷺ ذكر الصلوات الخمس؛ لأنها اليومية التي تتكرر في كل زمان وفي كل مكان،

٦٬١٦٠

أما صلاة الكسوف، وتحية المسجد على القول بالوجوب، وما أشبه ذلك، فإنها تجب بأسبابها، وما وجب بسبب فإنه ليس كالواجب المطلق.

قالوا: ولهذا لو نذر الإنسان أن يصلي ركعتين لوجب عليه أن يصلي مع أنها ليست من الصلوات الخمس، لكن وجبت بسبب نذره، فما وجب بسبب ليس كالذي يجب مطلقاً.

وهذا القول قوي جداً، ولا أرى أنه يسوغ أن يرى الناس كسوف الشمس أو القمر ثم لا يبالون به، كل في تجارته، كل في لهوه، كل في مزرعته، فهذا شيء يخشى أن تنزل بسببه العقوبة التي أنذرنا الله إياها بهذا الكسوف.

فالقول بالوجوب أقوى من القول بالاستحباب.

٦٬١٦١

وإذا قلنا بالوجوب؛ الظاهر أنه على الكفاية.

وقوله:«جماعة وفرادى»، أي: تسن جماعة، وتسن فرادى.

أي: أن الجماعة ليست شرطاً لها، بل يسن للناس في البيوت أن يصلوها.

ودليل ذلك: عموم قول النبي ﷺ: «إذا رأيتم ذلك فصلوا» ، فهذا عام، ولم يقل النبي ﷺ : فصلوا في مساجدكم، مثلاً، فدل ذلك على أنه يؤمر بها حتى الفرد، ولكن لا شك أن اجتماع الناس أولى، بل الأفضل أن يصلوها في الجوامع؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام صلاها في مسجد واحد ودعا الناس إليها، ولأن الكثرة في الغالب تكون أدعى للخشوع وحضور القلب، ولأنها ـ أي: الكثرة ـ أقرب إلى إجابة الدعاء.

فهي تسن في المساجد والبيوت، لكن الأفضل في المساجد،

٦٬١٦٢

وفي الجوامع أفضل.

إِذَا كَسَفَ أَحَدُ النَّيِّرين رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِي الأُْولَى جَهْراً ..........

وقوله:«إذا كسف أحد النيرين»، «إذا»: ظرف متعلقة بـ «تسن» أي: تسن إذا كسف أحد النيرين وهما: الشمس والقمر. «ركعتين يقرأ في الأولى جهراً … »، بيَّن المؤلف رحمه الله في هذه الجملة صفة صلاة الكسوف، وأنها تصلى ركعتين بلا زيادة، لكن هاتين الركعتين كل واحدة فيها ركوعان.

وقوله:«ركعتين» منصوب على الحالية، وهذا من المواضع التي تأتي فيها الحال جامدة مؤولة بالمشتق، أي: تسنّ حال كونها ركعتين.

وقوله:«يقرأ في الأولى جهراً» أطلق قوله: «جهراً» ولم يقل: في الليل، فدل هذا على أن السنّة في صلاة الكسوف الجهر سواء في الليل أو في النهار، وهو كذلك لحديث عائشة رضي الله عنها : «أن رسول الله ﷺ جهر في صلاة الخسوف بقراءته» ، وهي مبنية أيضاً على القاعدة التي سبقت لنا:(أن الصلاة الجهرية في النهار إنما تكون فيما يجتمع الناس عليه).

بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سُورةً طَوِيلَةً، ثُمَّ يَرْكَعُ طَوِيلاً ثُمَّ يَرْفَعُ، ............

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.