وعلى الغاسل ستر ما رآه إن لم يكن حسنا.
الشروح عليها
(و) يجب (على الغاسل ستر ما رآه) من الميت (إن لم يكن حسنا) فيلزمه ستر الشر لا إظهار الخير، ونرجو للمحسن ونخاف على المسيء، ولا نشهد إلا لمن شهد له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -،
ويحرم سوء الظن بمسلم ظاهر العدالة،
ويستحب ظن الخير بالمسلم.
[فصل في الكفن] و
ما رآه) من الميت (إن لم يكن حسنًا) لحديث «ليغسل موتاكم المأمونون» رواه ابن ماجه بسند ضعيف، وكونه أمينًا ليوثق به في تكميل الغسل، وستر العيب، وغير ذلك، ولأحمد عن عائشة مرفوعًا «من غسل ميتًا، وأدى فيه الأمانة، ولم يفش عيبه، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» وللحاكم «من غسل ميتًا وكتم عليه، غفر له أربعين مرة» وعموم قوله «من ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة» وقوله: في الغيبة «ذكرك أخاك بما يكره» وغير ذلك،
وقال جمع: إلا على مشهور ببدعة أو فجور ونحوه، فيتسحب إظهار شره، وستر خيره، ليرتدع نظيره،
وفي الحديث «لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» .
يكن حسنًا) فيلزمه ستر الشر، لا إظهار الخير ولابن حبان والحاكم «اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساويهم» ولأن في إظهار الشر إذاعة للفاحشة، وغيبة له، وهي محرمة،
وأما إظهار الخير فيباح ليترحم عليه، ويكثر المصلون عليه، والدعاء له.
له النبي - صلى الله عليه وسلم - يعني بجنة أو نار، بإجماع أهل السنة والجماعة. قال الشيخ: أو تتفق الأمة على الثناء عليه، أو الإساءة، ولعله مراد الأكثر، وأنه الأكثر ديانة،
وظاهر كلامه أيضًا: ولو لم تكن أفعال الميت موافقة لقولهم، وإلا لم تكن علامة مستقلة،
وفي الصحيحين أنه مر بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال «وجبت» ثم بأخرى فأثنوا عليها شرًا فقال «وجبت» فقال عمر: ما وجبت؟ قال «هذا أثنيتم عليه خيرًا، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًا، فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض» والحديث على عمومه،
فمن ألهم الناس الثناء عليه، كان دليلاً، سواء كانت أفعاله مقتضية أو لا، وهذا الإلهام يستدل به على تعيينها. اهـ.
ويشرع ثناء الناس على الميت، وهو جائز مطلقًا،
بخلاف الحي على تفصيل فيه، وروى الإمام أحمد «ما من مسلم يموت، فيشهد له ثلاثة أبيات من جيرانه الأدنين بخير، إلا قال الله: قد قبلت شهادة عبادي على ما علموا، وغفرت له ما لم يعلموا» .
ويستحب ظن الخير بالمسلم . فصل في الكفن لما فرغ من الكلام في غسل الميت وما يتعلق به، أتبعه الكفن ومؤونة التجهيز، وما يتعلق بذلك، وتقدم أن كفن الميت ومؤونة تجهيزه فرض كفاية على من علم به وأمكنه إجماعًا،
وقيل: وحنوطه وطيبه، وفاقًا لمالك وقول للشافعي.
«وعلى الغاسل ستر ما رآه إن لم يكن حسناً»، أي: على غاسل الميت ستر ما رآه من الميت إن لم يكن حسناً، فربما يرى منه ما ليس بحسن،
إما من الناحية الجسدية، وإما من الناحية المعنوية، فقد يرى ـ والعياذ بالله ـ وجهه مظلماً متغيراً كثيراً عن حياته، فلا يجوز أن يتحدث إلى الناس، ويقول: إني رأيت وجهه مظلماً؛ لأنه إذا قال ذلك ظن الناس به سوءاً.
وقد يكون وجهه مسفراً حتى إن بعضهم يُرى بعد موته متبسماً فهذا لا يستره.
أما السيء من الناحية الجسدية: فإن الميت قد يكون في جلده أشياء من التي تسوؤه إذا اطلع الناس عليها، كما قال الله تعالى في قصة موسى: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ ، أي: قد يكون فيه برص يكره أن يطلع الناس عليه، فلا يجوز للإنسان أن يقول: رأيت فيه برصاً، وقد يتغير لون الجلد ببقع سوداء، والظاهر ـ والله أعلم ـ أنها دموية، فلا يذكرها للناس بل يجب أن يسترها.
قال العلماء: إلا إذا كان صاحب بدعة، وداعية إلى بدعته ورآه على وجهٍ مكروه، فإنه ينبغي أن يبين ذلك حتى يحذر الناس من دعوته إلى البدعة؛ لأن الناس إذا علموا أن خاتمته على هذه الحال، فإنهم ينفرون من منهجه وطريقه، وهذا القول لا شك قول جيد وحسن؛ لما فيه من درء المفسدة التي تحصل باتباع هذا المبتدع الداعية،
وكذا لو كان صاحب مبدأ هدّام كالبعثيين والحداثيين.
وذكر في الروض كلاماً حسناً فقال:«فيلزمه ستر الشر، لا إظهار الخير»، أي: ستر الشر واجب، وإظهار الخير ليس بواجب، ولكنه حسن ومطلوب لما فيه من إحسان الظن بالميت، والترحم عليه، ولا سيما إذا كان صاحب خير.
وقال:«ونرجو للمحسن ونخاف على المسيء»، أي: بالنسبة للأموات نرجو للمحسن رحمة الله، ونخاف على المسيء، وخوفنا على المسيء يستلزم أن ندعو الله له، إذا لم تكن إساءته مخرجة إلى الكفر.
فإذا مات الإنسان وهو معروف بالمعاصي التي لا توصل إلى الكفر، فإننا نخاف عليه، ولكننا ندعو الله له بالمغفرة والعفو؛ لأنه محتاج إلى ذلك.
وقال:«ولا نشهد إلا لمن شهد له النبي ﷺ »، أي: بالجنة أو بالنار،
والشهادة بالجنة أو بالنار على نوعين:
النوع الأول: شهادة للجنس، أي: يشهد بالجنة لكل مؤمن ولكل متق؛ لأن الله قال: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ، وهذا لا يخص شخصاً بعينه، بل يعم الجنس،
وكذلك نشهد لكل كافر أنه في النار، قال الله تعالى في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ .
النوع الثاني: شهادة للعين أي: أن تشهد لشخص بعينه، فلا نشهد إلا لمن شهد له النبي ﷺ، مثل: العشرة المبشرين بالجنة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي،
وستة مجموعون في بيت:
سعيد وسعد وابن عوف وطلحة وعامر فهرٍ والزبير الممدح ومثل: سعد بن معاذ، وثابت بن قيس بن شماس، وعبد الله بن سلام، وبلال، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم.
نشهد لهم بالجنة؛ لأن النبي ﷺ شهد لهم.
وألحق شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من اتفقت الأمة أو جُلُّ الأمة على الثناء عليه. مثل: الأئمة الأربعة؛ لأن النبي ﷺ : لمَّا مرَّت جنازة وأثنوا عليها خيراً، فقال النبي ﷺ :«وجبت» ـ أي: وجبت له الجنة ـ ومرت جنازة أخرى فأثنوا عليها شراً، فقال:«وجبت» ثم قال لهم: «أنتم شهداء الله في أرضه».
وعلى هذا فنشهد لهؤلاء الأئمة الذين أجمعت الأمة، أو جلها على الثناء عليهم بالجنة. لكن ليست شهادتنا لهم بالجنة، كشهادتنا لمن شهد له الرسول ﷺ.
قال:«ويحرم سوء الظن بمسلم ظاهره العدالة»، أي: يحرم سوء الظن بمسلم،
أما الكافر فلا يحرم سوء الظن فيه؛ لأنه أهل لذلك.
وأما من عُرف بالفسوق والفجور، فلا حرج أن نسيء الظن به؛ لأنه أهل لذلك، ومع هذا لا ينبغي للإنسان أن يتتبع عورات الناس، ويبحث عنها؛ لأنه قد يكون متجسساً بهذا العمل.
قال:«ويستحب ظن الخير بالمسلم»، أي: يستحب للإنسان أن يظن بالمسلمين خيراً،
وإذا وردت كلمة من إنسان تحتمل الخير والشر، فاحملها على الخير ما وجدت لها محملاً،
وإذا حصل فعل من إنسان يحتمل الخير والشر فاحمله على الخير ما وجدت له محملاً؛ لأن ذلك يزيل ما في قلبك من الحقد والعداوة والبغضاء ويريحك.
فإذا كان الله عز وجل لم يكلفك أن تبحث وتنقب، فاحمد الله على العافية، وأحسن الظن بإخوانك المسلمين، وتعوذ من الشيطان الرجيم.
وأما ما يذكر عن النبي عليه الصلاة والسلام«احترسوا من الناس بسوء الظن»، فهذا كذب لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام، بل روى أبو داود من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:«لا يحدثني أحد عن أحد شيئاً فإني أحب أن أخرج إليكم، وأنا سليم الصدر».
وهذا هو اللائق بالمسلم، أما من فُتن ـ والعياذ بالله ـ وصار يتتبع عورات الناس، ويبحث عنها،
وإذا رأى شيئاً يحتمل الشر ولو من وجه بعيد طار به فرحاً ونشره، فليبشر بأن من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته،
ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في جحر بيته. فَصْلٌ يَجِبُ تَكْفِينُهُ فِي مَالِهِ مُقَدّماً عَلَى دَينٍ وَغَيْرِهِ،
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَعَلى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ .........
[فصل] «يجب تكفينه» الكفن: ما يكفن به الميت من ثياب أو غيرها.
وحكم تكفين الميت الوجوب، والدليل:
١ ـ قول النبي ﷺ في الذي وقصته راحلته:«كفنوه في ثوبيه»، والأصل في الأمر الوجوب.
٢ ـ أن النبي ﷺ :«أعطى النساء اللاتي غسلن ابنته حقوه، ـ أي: إزاره ـ، وقال: أشعرنها إياه»، أي: اجعلنه شعاراً، وهو الذي يلي بدنها. «يجب تكفينه» الوجوب هنا كفائي،
والفرق بين الكفائي والعيني:
أن الكفائي يقصد به حصول الفعل بقطع النظر عن الفاعل.
والعيني يطلب الفعل من الفاعل، أي: يراعى فيه الفعل والفاعل.
وفرض العين أفضل من فرض الكفاية؛ لأنه أوكد بدليل أن الله أمر به جميع الخلق.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.