ويجوز البكاء على الميت
الشروح عليها
(ويجوز البكاء على الميت) لقول أنس: «رأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعيناه تدمعان وقال:" إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم» متفق عليه،
ويسن الصبر والرضى والاسترجاع فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها.
ولا يلزم الرضى بمرض وفقر وعاهة
ويحرم بفعل المعصية، وكره لمصاب تغيير حاله وتعطيل معاشه لأجل علامة عليه ليعرف فيعزى وهجره للزينة وحسن الثياب ثلاثة أيام.
أَو يرحم» متفق عليه . ويسن الصبر والرضى
أما الصبر فواجب إجماعًا، حكاه شيخ الإسلام وغيره، وذكر في الرضى قولين، ثم قال: وأعلى من ذلك أن يشكر الله على المصيبة، لما يرى من إنعام الله عليه بها، اهـ. والصبر المنع والحبس، وشرعًا حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي، والجوارح عن لطم الخدود، وشق الجيوب، ونحوها، وهو خلق فاضل، يمتنع به من فعل ما لا يحسن، وقوة به صلاح العبد، قال تعالى {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} وقال {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} وغير ذلك في أكثر من تسعين موضعًا.
وقال عليه الصلاة والسلام «والصبر ضياء» وقد وردت أخبار في ثواب أهل البلاء، وأجر الصابرين كقوله «من يرد الله به خيرًا يصب منه» وقوله «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى المرء على حسب دينه» إلى قوله «فما يزال به، حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة» وقال «إن عظم الجزاء مع عظم
..................................... والاسترجاع، فيقول (إنا لله وإنا إليه راجعون) الاسترجاع سنة إجماعًا، قال تعالى {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} أي على الرزايا والبلايا، «واسترجع في المصيبة» استعاذ بقوله (إنا لله) أي عبيد له، وملك له، يفعل فينا ما يشاء (وإنا إليه راجعون) يوم القيامة، فيجازي كلا بعمله،
وقال ابن كثير وغيره: تسلوا بقولهم هذا، عما أصابهم، وعملوا أنهم ملك لله، عبيد له، يتصرف فيهم بما يشاء، وعلموا أنه لا يضيع لديه مثقال ذرة يوم القيامة، فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنهم عبيده، وراجعون إليه في الدار الآخرة. ولهذا أخبر عما أعطاهم على ذلك فقال {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} أي ثناء من الله عليهم {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} في الدنيا والآخرة. اهـ. فهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعه له في العاجلة والآجلة، فإنه إذا تحقق بمعرفتها تسلى عن مصيبته،
وإذا علم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، هانت عليه المصيبة.
«اللهم آجرني في مصيبتي، وأَخِلف لي خيرًا منها» آجرني بالمد والقصر، وكسر الجيم، و «اخلف» بقطع الهمزة، وكسر اللام، يقال لمن ذهب منه ما يتوقع مثله: أخلف الله عليك. أي رد عليك مثله،
فإن ذهب منه ما لا يتوقع مثله: خلف الله عليك. أي كان الله خليفة منه عليك،
وفي صحيح مسلم وغيره عن أم سلمة مرفوعًا «ما من عبد تصيبه مصيبة، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها. إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها» .
الرضى بمرض وفقر وعاهة . ويحرم بفعل المعصية أي يحرم الرضى بفعل المعصية منه أو من غيره، حكاه ابن عقيل وجمع إجماعًا، لوجوب إزالتها بحسب الإمكان فالرضى أولى، والرضى بالكفر كفر إجماعًا، قال شيخ الإسلام: إذا نظر إلى إحداث الرب تعالى لذلك، للحكمة التي يحبها ويرضاها، رضي لله بما يرضاه لنفسه، فيرضاه ويحبه مفعولاً مخلوقًا لله، ويبغضه ويكرهه فعلاً للمذنب المخالف لأمر الله.
. ويحرم بفعل المعصية وكره لمصاب تغيير حاله أي هيئته، من خلع ردائه ونعله وعمامته، ونحو ذلك.
أيام . (ويحرم الندب) أي تعداد محاسن الميت يقال: ندب الميت؛ بكاه وعدد محاسنه، والاسم الندب، لما يتفجع عليه أو يتوجع منه، والمحاسن جمع حسن ضد القبح.
«ويجوز البكاء على الميت»، والدليل على ذلك: أن النبي ﷺ بكى على ابنه ابراهيم وقال: «العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون»، «وبكى عند قبر إحدى بناته وهي تدفن». وهذا في البكاء الذي تمليه الطبيعة، ولا يتكلفه الإنسان،
فأما البكاء المتكلف فأخشى أن يكون من النياحة التي يحمل عليها قول النبي عليه الصلاة والسلام :«إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه».
«يعذب»: أي: في القبر، وقد اختلف العلماء في هذا الحديث، إذ كيف يعذب الإنسان على عمل غيره وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ؛ ولأن تعذيب الإنسان بعمل غيره ظلم له؛ فإنه عقوبة لغير الظالم بفعل الظالم، وهذا ينافي عدل الله وحكمته عز وجل؟! فقال بعض العلماء: إن هذا في حق من أوصى به، أي: قال لأهله: إذا مت فابكوني.
وقيل: هذا في حق من كانت عادتهم، أي في قوم عادتهم البكاء، ولم ينه أهله عنه، فيكون كأنه أقرهم على ما اعتاده الناس من هذا الأمر.
وقيل: إن هذا في الكافر يعذب ببكاء أهله عليه.
وقيل: إن التعذيب هنا ليس تعذيب عقوبة، ولكنه تعذيب ملل وشبهه،
ولا يلزم من التعذيب الذي من هذا النوع أن يكون عقوبة، ويشهد لذلك قول النبي ﷺ :«السفر قطعة من العذاب»، مع أن المسافر لا يعاقب، لكنه يهتم للشيء ويتألم به، فهكذا الميت يُعلم ببكاء أهله عليه فيتألم ويتعذب رحمة بهم، وكونهم يبكون عليه، وليس هذا من باب العقوبة.
وهذا الجواب هو أحسن الأجوبة.
ولكن البكاء الذي تمليه الطبيعة، ويحصل للإنسان بدون اختيار،
فإن مثل هذا لا يؤلم أحداً؛ لأنه مما جرت به العادة، حتى الإنسان لا يتألم إذا رأى المصاب يبكي هذا البكاء المعتاد، وإنما يتألم ويرحم إذا بكى بكاء متكلفاً أو زائداً على العادة.
مسألة: هل يجوز للمصاب أن يحد على الميت بأن يترك تجارته أو ثياب الزينة، أو الخروج للنزهة، أو ما أشبه ذلك؟ الجواب: أن هذا جائز في حدود ثلاثة أيام فأقل إلا الزوجة، فإنه يجب عليها أن تحد مدة العدة أربعة أشهر وعشرة أيام إن لم تكن حاملاً، وإلا إلى وضع الحمل إن كانت حاملاً؛ ودليل هذا قوله ﷺ :«لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً».
وإنما جاز هذا الإحداد لغير الزوجة لإعطاء النفوس بعض الشيء مما يهوِّن عليها المصيبة؛ لأن الإنسان إذا أصيب ثم كُبت بأن قيل له: اخرج وكن على ما كنت عليه، فإنه ربما تبقى المصيبة في قلبه، ولهذا يقال: إن من جملة الأدب والتربية بالنسبة للصبيان أنه إذا أراد أن يبكي أن يترك يبكي مدة قصيرة من أجل أن يرتاح؛ لأنه يخرج ما في قلبه، لكن لو أسكتّه صار عنده كبت وانقباض نفسي.
مسألة: هل يجوز أن يحد في أمر يلحقه أو عائلته به ضرر، مثل: أن يكون رجلاً متجراً، لو عطل التجارة لتضررت كفايته؟
الجواب: لا، هذا ليس مباحاً، بل هو
إما مكروه، وإما محرم.
وَيَحْرُمُ النَّدْبُ، وَالنِّيَاحَةُ، وَشَقُّ الثَّوْبِ، وَلَطْمُ الخَدِّ، وَنَحْوُهُ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.