فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K
المسألة ١٬٠٩٦زاد المستقنعالحنابلةج ١ ص ٨٢ج ١ ص ٨٢

من أكل أو شرب أو استعط أو احتقن أو اكتحل بما يصل إلى حلقه أو أدخل إلى جوفه شيئا "غير إحليله" أو استقاء أو استمنى أو باشر فأمنى أو أمذى أو كرر النظر فأنزل أو حجم أو احتجم "وظهر دم" عامدا ذاكرا لصومه فسد

الشروح عليها

الروض المربعالبهوتي

باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة] وما يتعلق بذلك (من أكل أو شرب أو استعط) بدهن أو غيره فوصل إلى حلقه أو دماغه (أو احتقن أو اكتحل بما يصل) أي بما علم وصوله (إلى حلقه) لرطوبته أو حدته من كحل أو صبر أو قطور أو ذرور أو اثمد كثير أو يسير مطيب فسد صومه؛ لأن العين منفذ،

٨٥٦

وإن لم يكن معتادا، (أو أدخل إلى جوفه شيئا من أي موضع كان غير إحليله)

٨٥٧

فلو قطر فيه أو غيب فيه شيئا فوصل إلى المثانة لم يبطل صومه، (أو استقاء) أي استدعى القيء فقاء فسد أيضا لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من استقاء عمدا فليقض» حسنة الترمذي، (أو استمنى) فأمنى أو أمذى (أو باشر) دون الفرج أو قبل أو لمس (فأمنى أو أمذى أو كرر النظر فأنزل) منيا فسد صومه

٨٥٨

لا إن أمذى (أو حجم واحتجم وظهر دم عامدا ذاكرا) في الكل (لصومه فسد) صومه لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أفطر الحاجم والمحجوم» رواه أحمد والترمذي. قال ابن خزيمة: ثبتت الأخبار عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بذلك ولا يفطر بقصد ولا شرط ولا رعاف.

حاشية الروض المربعابن قاسم، حاشية على الروض المربع

نفلها . باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة كالوطء في نهار رمضان، والكفارة عقوبة، أو زاجر، وتكفير لجرم الفاعل، واستدراك لفرطه.

بدهن، أَو غيره، فوصل إلى حلقه، أو دماغه أفطر بوصوله إلى حلقه وفاقًا،

٣٬٢٠٧

وكذا إلى دماغًا، إلا عند مالك،

٣٬٢٠٨

وفي الكافي: إلى خياشيمه؛ «واستعط» مطاوع «سعط» ، إذا جعل في أنفه سعوطًا، بفتح السين، وهو دواء يجعل في الأنف، والمارد هنا: ما يجعل في الأنف من دواء وغيره، لقوله صلى الله عليه وسلم «وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائمًا» فلولا أنه يؤثر، لم ينه عنه، وكما لو دخل إلى الحلق،

٣٬٢٠٩

وعنه: لا يفطر، وهو مذهب مالك، واختاره الشيخ، ولعل المراد: بغير مغذ.

بما يصل) أَي بما يعلم وصوله (إلى حلقه) يعني من حقنة، أو كحل؛ فسد صومه، ولا يكفي الظن، بل لا بد من العلم بذلك،

٣٬٢١٠

وفي الإنصاف: يتحقق الوصول إليه، وهذا الصحيح من المذهب. وإلا فلا، لعدم تحقق ما ينافي الصوم،

٣٬٢١١

وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يفطر. حكاه الوزير وغيره،

٣٬٢١٢

وفي الترمذي وغيره - وضعفه - عن أنس مرفوعًا: أنه كان يكتحل وهو صائم. وروى عبد الرزاق، عن الحسن، بإسناد صحيح: لا بأس بالكحل للصائم. وروى سعيد، عن إبراهيم: أيكتحل الصائم؟. قال: نعم. وروى أبو داود عن الأعمش: ما رأيت أحدًا من أصحابنا يكره الكحل للصائم؛ واختار الشيخ أنه لا يفطر، لأنها ليست منفذًا، فلم يفطر به، كما لو دهن رأسه،

٣٬٢١٣

وإن اكتحل ليلاً فوجده في حلقه نهارًا، لم يفطر، لأنه لم يتسبب إليه في النهار، والحقنة ما يحقن به المريض من الدواء، «وقد احتقن الرجل» أي استعمل ذلك الدواء من الدبر، لأنه يصل إلى الجوف، وغير المعتاد كالمعتاد في الواصل، بل قد يكون أبلغ.

لرطوبته، أَو حدته . من كحل، أَو صبر فيصل إلى حلقه أفطر، والكحل بضم الكاف الإثمد وكل ما يوضع في العين يستشفى به، والصبر بفتح الصاد، وكسر الباء، عصارة شجر مر، كثيرًا ما تداوى به العين.

من كحل، أَو صبر أو قطور أو ذرور فيصل إلى حلقه أفطر، والقطور بالفتح، ما يقطر في العين،

٣٬٢١٤

وكذا «الذرور» بفتح الذال، ما يذر فيها، من أي شيء كان، من الأدوية وغيرها.

فيه شيئًا، فوصل إلى المثانة، لم يبطل صومه لعدم المنفذ، وإنما يخرج البول رشحًا، كمداواة جرح عميق، لم يصل إلى جوفه، والإحليل مخرج البول من ذكر الإنسان، «وقطر» بتخفيف الطاء، قال الجوهري: قطر الماء وغيره يقطر، وقطرته أنا، يتعدى ولا يتعدى، «والمثانة» الموضع الذي يجتمع فيه البول، قال شيخ الإسلام، الإمام العادل، فارس المعقول والمنقول، أبو العباس،

٣٬٢١٥

قدس الله روحه: وأما الكحل، والحقنة، وما يقطر في إحليله، ومداواة المأمومة، والجائفة، فمما تنازع الناس فيه، فمنهم من لم يفطر بشيء من ذلك، ومنهم من فطر بشيء دون شيء،

٣٬٢١٦

والأظهر أنه لا يفطر بشيء من ذلك،

٣٬٢١٧

فإن الصيام من دين المسلمين، الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام،

٣٬٢١٨

فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله في الصيام، ويفسد الصوم بها، لكان هذا مما يجب على الرسول صلى الله عليه وسلم بيانه،

٣٬٢١٩

ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة، وبلغوه الأمة كما بلغوا سائر شرعه، فلما لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك لا حديثًا صحيحًا، ولا ضعيفًا، ولا مسندًا، ولا مرسلاً، علم أنه صلى الله عليه وسلم لم يذكر شيئًا من ذلك، والحديث المروي في الكحل ضعيف، وقد عورض بحديث ضعيف،

٣٬٢٢٠

وقال الترمذي: لا يصح فيه شيء.

والذين قالوا: إن هذه الأمور تفطر. لم يكن معهم حجة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ذكروا ذلك بما رأوه من القياس، وأقوى ما احتجوا به قوله «وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائمًا» قالوا: فدل ذلك على أن كل ما وصل إلى الدماغ يفطر الصائم إذا كان بفعله، وعلى القياس كل ما وصل إلى جوفه بفعله،

٣٬٢٢١

ومن حقنة وغيرها، وإذا كان عمدتهم هذه الأقيسة ونحوها، لم يجز إفساد الصوم بهذه الأقيسة، لوجوه.

(أو استقاء) أي استدعى القيء فقاء، فسد أيضًا أي فسد صومه، وفاقًا لمالك والشافعي، سواء كان القيء طعامًا، أو مرارًا، أو غيرهما،

٣٬٢٢٢

ولو قل، وعنه: بملء الفم. اختاره ابن عقيل وغيره، وهو إجماع،

٣٬٢٢٣

وإن عاد بنفسه فلا، وقال الخطابي وغيره: لا أعلم خلافًا بين أهل العلم، في أن من استقاء عامدًا فعليه القضاء.

٣٬٢٢٤

وقال عامة أهل العلم: ليس عليه إلا القضاء «واستقاء، وتقيأ» تكلف القيء.

عليه السلام «من استقاء عمدًا فليقض» حسنه الترمذي فرواه من حديث أبي هريرة وله شواهد،

٣٬٢٢٥

وقال: العمل عليه عند أهل العلم، ورواه أبو داود، والدارقطني، وغيرهم،

٣٬٢٢٦

وقال: إسناده كلهم ثقات. وعن ابن عمر نحوه موقوفًا، ويؤيده حديث أبي الدرداء: أنه صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر، رواه أحمد، والترمذي،

٣٬٢٢٧

وقال: هو أصح شيء في هذا الباب. قال الشيخ: فنهى عن إخراج ما يقويه، ويغذيه، من الطعام، والشراب، الذي به يتغذى، لما يوجب إخراجه من نقصان بدنه، وضعفه، فإنه إذا مكن منه ضره، وكان متعديًا في عبادته، لا عادلاً فيها.

فليقض» حسنه الترمذي (أو استمنى) فأمنى أو أمذى «استمنى» استدعى خروج المني، بيده، أو يد زوجته، أو غير ذلك، فأمنى، أو أمذى، أفطر وفاقًا، ووجب عليه القضاء،

٣٬٢٢٨

فإن لم ينزل، فقد أتى محرمًا، ولم يفسد صومه،

٣٬٢٢٩

وإن أنزل بغير شهوة فلا، كالبول، لأنه يخرج من غير اختيار منه، ولا سبب.

. أو كرر النظر فأنزل) منيًا، فسد صومه لأنه إنزال بفعل يتلذذ به، يمكن التحرز عنه، أشبه الإنزال بالمس، وعليه القضاء، وأجمعوا على أن القضاء يوم، مكان يوم، لا خلاف بينهم في ذلك، وظاهر كلام أحمد: لا يفطر، ولا قضاء عليه. وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، لأنه من غير مباشرة، أشبه الإنزال بالفكر،

٣٬٢٣٠

وإن كان يمكن صرفه، لكن لما في المؤاخذة به من الحرج.

النظر فأنزل) منيًا، فسد صومه لا إن أَمذى يعني بتكرار النظر، فلا يفطر بذلك على الصحيح، وفاقًا، لأنه إنزال لا عن مباشرة، فلم يلتحق بالمني لضعفه، أو لم يكرر النظر فأنزل، لعدم إمكان التحرز، ولا إثم بفكر غالب وفاقًا،

٣٬٢٣١

وقال الشيخ: ولا يفطر بمذي بسبب قبلة، أو لمس، أو تكرار نظر، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، ومنصوص أصحابنا.

عليه السلام «أَفطر الحاجم والمحجوم» رواه أحمد والترمذي من حديث رافع بن خديج،

٣٬٢٣٢

وقال أحمد والبخاري وغيرهما: إنه أصح حديث في الباب. ولأبي داود وأحمد وصححه من حديث ثوبان نحوه، وعن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتى على رجل بالبقيع وهو يحتجم، لثمان عشرة خلت من رمضان فقال «أفطر الحاجم والمحجوم» رواه أهل السنن، والحاكم وأحمد وصححاه، وإسحاق وابن المديني والدارمي وغيرهم،

٣٬٢٣٣

وقال: إنه وحديث ثوبان أصح شيء في الباب. ولابن ماجه من حديث أبي هريرة مثله، رواه أحمد. وله من حديث عائشة وأسامة، ومصعب وبلال، وصفية وأبي موسى، وعمرو بن شعيب، اثني عشر صحابيًا، قال الطحاوي وغيره: متواتر عن عدة من الصحابة رضي الله عنهم.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وقال الشيخ: الأحاديث الواردة فيه كثيرة، قد بينها الأئمة الحفاظ. وقد كره غير واحد من الصحابة الحجامة للصائم، وكان أهل البصرة يغلقون حوانيت الحجامين، والقول بأنها تفطر، مذهب أكثر فقهاء الحديث، كأحمد وإسحاق، وابن خزيمة وابن المنذر، وأهل الحديث، الفقهاء فيه، العاملون به، أخص الناس باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وهو وفق الأصول والقياس؛ والذين لم يروه احتجوا بما في صحيح البخاري: أنه احتجم صلى الله عليه وسلم

. ولا يفطر بفصد، ولا شرط، ولا رعاف هذا المذهب وفاقًا، «والفصد» : شق العرق لاستخراج الدم «والشرط» : بضع الجلد وبزغه، لاستفراغ الدم.

٣٬٢٣٤

وكذا جرح بدل حجامة للتداوي، ولا خروج دم يقطر على وجه القيء. «والرعاف» كغراب: خروج الدم مع الأنف، وتقدم، لأن القياس عندهم لا يقتضيه، وعن أحمد: يفطر بالفصد ونحوه، اختاره صاحب الفائق، والرعايتين، وصححه الزركشي وغيره، وجزم الوزير وغيره: أنه

مذهب أحمد. قال الشيخ: وقد بينا أن الفطر بالحجامة، على وفق الأصول والقياس، وأنه من جنس الفطر بدم الحيض، والإستقاءة وبالإستمناء،

٣٬٢٣٥

وإذا كان كذلك، فبأي وجه أراد إخراج الدم، بفصاد أو شرط، أو رعاف أفطر، كما أنه بأي وجه أخرج القيء أفطر، فتلك طرق لإخراج القيء، وهذه طرق لإخراج الدم، والمعنى الموجود في الحجامة، موجود في الفصاد ونحوه، ويدل عليه كلام العلماء قاطبة، وصوبه أبو المظفر الوزير العالم العادل وغيره، ولهذا كان إخراج الدم، بهذا وهذا، سواء في باب الطهارة، فتبين بذلك كمال الشرع، واعتداله وتناسبه.

رعاف . (لا) إن كان (ناسيًا أو مكرهًا) أي

٣٬٢٣٦

لا إن فعل شيئًا مما تقدم، ناسيًا لصومه فلا يؤاخذ بنسيانه، أو مكرهًا على فعل أحد تلك الأمور فعفو، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي، وسواء أكره على الفعل حتى فعله، أو فعل به، بأن صب في حلقه الماء، مكرهًا أو نائمًا، أو أدخل فيه ماء المطر كالناسي، بل أولى، بدليل الإتلاف.

الشرح الممتع على زاد المستقنعابن عثيمين

بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ، وَيُوجِبُ الكَفَّارَةَ مَنْ أَكَلَ، ....... «باب ما يفسد الصوم» أي: يبطله، والصوم يشمل الفرض والنفل.

والعلماء رحمهم الله لهم أساليب في تسمية الأبواب معناها واحد، ولكن تختلف لفظاً، ففي الوضوء يسمون المفسدات نواقض وفي الغسل يسمونها موجبات الغسل،

٨٬٠٥٢

وفي باب الصلاة يسمونها مبطلات الصلاة،

٨٬٠٥٣

وفي الصوم يسمونها مفسدات الصوم،

٨٬٠٥٤

وفي باب الإحرام يسمونها محظورات الإحرام، وكل هذه، المعنى فيها واحد.

والمفسد للصوم يسمى عند العلماء المفطرات، وأصولها ثلاثة ذكرها الله عز وجل في قوله: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ . وقد أجمع العلماء على أن هذه الثلاثة تفسد الصوم، وما سوى ذلك سيأتي إن شاء الله الكلام عليه. «ويوجب الكفارة» الكفارة «الـ» هنا للعهد الذهني، فهي الكفارة المعروفة: عتق رقبة،

٨٬٠٥٥

فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين،

٨٬٠٥٦

فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً. «من أكل»«من» هذه شرطية وجوابه قوله «فسد صومه»، والأكل هو إدخال الشيء إلى المعدة عن طريق الفم. وقولنا إدخال الشيء يشمل ما ينفع وما يضر، وما لا يضر ولا ينفع، فما ينفع كاللحم والخبز وما أشبه ذلك، وما يضر كأكل الحشيشة ونحوها، ما لا نفع فيه ولا ضرر مثل أن يبتلع خرزة سبحة أو نحوها؛ ووجه العموم إطلاق الآية ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ وهذا يسمى أكلاً.

٨٬٠٥٧

وقال بعض أهل العلم: إن ما لا يغذي لا فطر بأكله، وبناءً على هذا فإنّ بلع الخرزة أو الحصاة أو ما أشبههما لا يفطر.

٨٬٠٥٨

والصحيح أنه عام، وأن كل ما ابتلعه الإنسان من نافع أو ضار، أو ما لا نفع فيه ولا ضرر فإنه مفطر لإطلاق الآية.

أَوْ شَرِبَ أوْ اسْتَعَطَ، ........ «أو شرب» الشرب يشمل ما ينفع وما يضر، وما لا نفع فيه ولا ضرر، فكل ما يشرب من ماء، أو مرق، أو لبن، أو دم، أو دخان، أو غير ذلك، فإنه داخل في قول المؤلف «أو شرب».

ويلحق بالأكل والشرب ما كان بمعناهما، كالإبر المغذية التي تغني عن الأكل والشرب. «أو استعط» أي: تناول السعوط، والسعوط ما يصل إلى الجوف عن طريق الأنف، فإنه مفطر؛ لأن الأنف منفذ يصل إلى المعدة، ودليل ذلك قول النبي ﷺ للقيط بن صبرة:«وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً» وهذا يدل على أن الصائم لا يبالغ في الاستنشاق، ولا نعلم لهذا علة إلا أن المبالغة تكون سبباً لوصول الماء إلى المعدة، وهذا مخل بالصوم، وعلى هذا فنقول: كل ما وصل إلى المعدة عن طريق الأنف أو الفم فإنه مفطر.

أوْ احْتَقَنَ، ........... «أو احتقن» الاحتقان هو إدخال الأدوية عن طريق الدبر، وهو معروف، ولا يزال يعمل،

٨٬٠٥٩

فإذا احتقن فإنه يفطر بذلك، لأن العلة وصول الشيء إلى الجوف، والحقنة تصل إلى الجوف، أي: تصل إلى شيء مجوف في الإنسان، فتصل إلى الأمعاء فتكون مفطرة،

٨٬٠٦٠

فإذا وصل إلى الجوف شيء عن طريق الفم، أو الأنف، أو أي منفذ كان، فإنه يكون مفطراً، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ، وعليه أكثر أهل العلم.

٨٬٠٦١

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : لا فطر بالحقنة؛ لأنه لا يطلق عليها اسم الأكل والشرب لا لغة ولا عرفاً، وليس هناك دليل في الكتاب والسنة، أن مناط الحكم وصول الشيء إلى الجوف،

٨٬٠٦٢

ولو كان لقلنا: كل ما وصل إلى الجوف من أي منفذ كان فإنه مفطر، لكن الكتاب والسنة دلا على شيء معين وهو الأكل والشرب.

٨٬٠٦٣

وقال بعض العلماء المعاصرين: إن الحقنة إذا وصلت إلى الأمعاء فإن البدن يمتصها عن طريق الأمعاء الدقيقة،

٨٬٠٦٤

وإذا امتصها انتفع منها، فكان ما يصل إلى هذه الأمعاء الدقيقة كالذي يصل إلى المعدة من حيث التغذي به، وهذا من حيث المعنى قد يكون قوياً. لكن قد يقول قائل: إن العلة في تفطير الصائم بالأكل والشرب ليست مجرد التغذية، وإنما هي التغذية مع التلذذ بالأكل والشرب،

فتكون العلة مركبة من جزأين:

أحدهما: الأكل والشرب.

الثاني: التلذذ بالأكل والشرب؛ لأن التلذذ بالأكل والشرب مما تطلبه النفوس، والدليل على هذا أن المريض إذا غذي بالإبر لمدة يومين أو ثلاثة، تجده في أشد ما يكون شوقاً إلى الطعام والشراب مع أنه متغذٍ.

٨٬٠٦٥

فإن قيل: ينتقض قولكم إن العلة مركبة من جزأين إلى آخره أن السعوط مفطر مع أنه لا يحصل به تلذذ بالأكل والشرب. فالجواب أن الأنف منفذ معتاد لتغذية الجسم، فألحق بما كان عن طريق الفم.

وبناء على هذا نقول: إن الحقنة لا تفطر مطلقاً،

٨٬٠٦٦

ولو كان الجسم يتغذى بها عن طريق الأمعاء الدقيقة.

فيكون القول الراجح في هذه المسألة قول شيخ الإسلام ابن تيمية مطلقاً، ولا التفات إلى ما قاله بعض المعاصرين.

٨٬٠٦٧

ومن الحقن المعروفة الآن ما يوضع في الدبر عند شدة الحمى، ومنها أيضاً ما يدخل في الدبر من أجل العلم بحرارة المريض وما أشبه ذلك، فكل هذا لا يفطر.

ثم لدينا قاعدة مهمة لطالب العلم، وهي أننا إذا شككنا في الشي أمفطر هو أم لا؟ فالأصل عدم الفطر، فلا نجرؤ على أن نفسد عبادة متعبد لله إلا بدليل واضح يكون لنا حجة عند الله عز وجل.

أوْ اكْتَحَلَ بِمَا يَصِلُ إِلَى حَلْقِهِ، أوْ أدْخَلَ إِلَى جَوْفِهِ شَيْئاً مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ ....... «أو اكتحل بما يصل إلى حلقه» الكحل معروف،

٨٬٠٦٨

فإذا اكتحل بما يصل إلى الحلق فإنه يفطر؛ لأنه وصل إلى شيء مجوف في الإنسان وهو الحلق، هذا هو تعليل من قال إن الكحل يفطر ولكن في هذا التعليل نظر، ولذلك ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى أن الكحل لا يفطر ولو وصل طعم الكحل إلى الحلق ،

٨٬٠٦٩

وقال: إن هذا لا يسمى أكلاً وشرباً، ولا بمعنى الأكل والشرب، ولا يحصل به ما يحصل بالأكل والشرب، وليس عن النبي ﷺ حديث صحيح صريح يدل على أن الكحل مفطر، والأصل عدم التفطير، وسلامة العبادة حتى يثبت لدينا ما يفسدها، وما ذهب إليه رحمه الله هو الصحيح.

وبناءً على هذا لو أنه قطر في عينه وهو صائم فوجد الطعم في حلقه، فإنه لا يفطر بذلك

٨٬٠٧٠

أما إذا وصل طعمها إلى الفم وابتلعها فقد صار أكلاً وشرباً. «أو أدخل إلى جوفه شيئاً من أي موضع كان» قوله: «إلى جوفه» أي: إلى مجوف في بدنه كحلقه وبطنه وصدره، والمراد أنه يفطر بذلك،

٨٬٠٧١

فلو أن الإنسان أدخل منظاراً إلى المعدة حتى وصل إليها، فإنه يكون بذلك مفطراً.

٨٬٠٧٢

والصحيح أنه لا يفطر إلا أن يكون في هذا المنظار، دهن أو نحوه يصل إلى المعدة بواسطة هذا المنظار فإنه يكون بذلك مفطراً،

٨٬٠٧٣

ولا يجوز استعماله في الصوم الواجب إلا للضرورة.

٨٬٠٧٤

ولو أن الإنسان كان له فتحة في بطنه، وأدخل إلى بطنه شيئاً عن طريق هذه الفتحة، فعلى المذهب يفطر بذلك كما لو داوى الجائفة،

٨٬٠٧٥

والصحيح أنه لا يفطر بذلك إلا أن تجعل هذه الفتحة بدلاً عن الفم بحيث يدخل الطعام والشراب منها لانسداد المرئ أو تقرحه، ونحو ذلك فيكون ما أدخل منها مفطراً كما لو أدخل من الفم، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.

غَيْرَ إحْلِيلِهِ، أوِ اسْتَقَاءَ أوْ اسْتَمْنَى، أَوْ بَاشَرَ فَأَمْنَى، أَوْ أَمْذَى، أو كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَنْزَلَ، .........

وقوله:«غير إحليله» أي: قناة الذكر،

٨٬٠٧٦

فلو أدخل عن طريق الذكر خيطاً فيه طعم دواء فإنه لا يفطر؛ لأن الذكر لا يصل إلى الجوف ما دخل عن طريقه،

٨٬٠٧٧

فإن البول إنما يخرج رشحاً، هكذا علل الفقهاء رحمهم الله ومرادهم بذلك أن البول يجتمع في المثانة عن طريق الرشح؛ لأنه ليس لها إلا منفذ واحد.

والحمد لله نحن في غنى عن هذه التعليلات من الأصل إذا أخذنا بالقول الراجح، وهو أن المفطر هو الأكل والشرب، وما أدخل من طريق الإحليل فإنه لا يسمى أكلاً ولا شرباً،

٨٬٠٧٨

وإذا كانت الحقنة وهي التي تدخل عن طريق الدبر لا تفطر على القول الراجح، فما دخل عن طريق الإحليل من باب أولى. «أو استقاء» أي: استدعى القيء، ولكن لا بد من قيء،

٨٬٠٧٩

فلو استدعى القيء ولكنه لم يقئ فإن صومه لا يفسد، بل لا يفسد إلا إذا استقاء فقاء، ولا فرق بين أن يكون القيء قليلاً أو كثيراً.

٨٬٠٨٠

أما ما خرج بالتعتعة من الحلق فإنه لا يفطر، فلا يفطر إلا ما خرج من المعدة، سواء كان قليلاً أو كثيراً، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:«من استقاء عمداً فليقض، ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه»، «ذرعه» أي: غلبه.

واستدعاء القيء له طرق: النظر، الشم، والعصر، والجذب، وربما نقول السمع أيضاً.

٨٬٠٨١

أما النظر: فكأن ينظر الإنسان إلى شيءٍ كريهٍ فتتقزز نفسه ثم يقيء.

٨٬٠٨٢

وأما الشم: فكأن يشم رائحة كريهة فيقيء.

٨٬٠٨٣

وأما العصر: فكأن يعصر بطنه عصراً شديداً إلى فوق ثم يقيء.

٨٬٠٨٤

وأما الجذب: بأن يدخل أصبعه في فمه حتى يصل إلى أقصى حلقه ثم يقيء.

٨٬٠٨٥

أما السمع: فربما يسمع شيئاً كريهاً.

٨٬٠٨٦

وقال بعض العلماء: إنه لا فطر في القيء ولو تعمده بناءً على قاعدة قعدوها، وهي:«الفطر مما دخل لا مما خرج، والوضوء مما خرج لا مما دخل»، وضعفوا حديث أبي هريرة رضي الله عنه وقالوا: إنه مخالف للقياس مع ضعف سنده، والجواب: أن يقال أين الدليل على هذه القاعدة، فهذا لحم الإبل ينقض وهو داخل، فسيقولون لا ينقض الوضوء إلا على مذهب الإمام أحمد فقاعدتنا سليمة، قلنا لهم: إنزال المني من الصائم خارج، ويفسد الصوم.

والصواب أن القيء عمداً مفطر؛ لأن الحديث دل عليه والقاعدة التي أسسوها غير صحيحة، والحكمة تقتضي أن يكون مفطراً؛ لأن الإنسان إذا استقاء ضعف واحتاج إلى أكل وشرب فنقول له لا يحل لك في الصوم الواجب سواء رمضان أو غيره أن تتقيء إلا للضرورة،

٨٬٠٨٧

فإن اضطررت إلى القيء فتقيأ ثم أعد على بدنك ما يحصل به القوة من الأكل الشرب، فهذا القول كما هو مقتضى الحديث فهو مقتضى النظر الصحيح،

٨٬٠٨٨

أما رأيهم فهو يعارض النص، والرأي المقابل للنص المعارض له فاسد لا عبرة به، ونقول لصاحبه: أأنت أعلم أم الله؟ فما دام هذا حكم الله فإنه خير من الرأي. «أو استمنى». أي: طلب خروج المني بأي وسيلة، سواء بيده، أو بالتدلك على الأرض، أو ما أشبه ذلك حتى أنزل،

٨٬٠٨٩

فإنّ صومه يفسد بذلك، وهذا ما عليه الأئمة الأربعة رحمهم الله مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد. وأبى الظاهرية ذلك وقالوا: لا فطر بالاستمناء ولو أمنى ، لعدم الدليل من القرآن والسنة على أنه يفطر بذلك،

٨٬٠٩٠

فإن أصول المفطرات ثلاثة، وليس هذا منها فيحتاج إلى دليل، ولا يمكن أن نفسد عبادة عباد الله إلا بدليل من الله ورسوله (ص).

ولكن عندي والله أعلم أنه يمكن أن يستدل على أنه مفطر من وجهين:

٨٬٠٩١

الوجه الأول النص: فإن في الحديث الصحيح أن الله سبحانه وتعالى

٨٬٠٩٢

قال في الصائم: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي» والاستمناء شهوة، وخروج المني شهوة، والدليل على أن المني يطلق عليه اسم شهوة قول الرسول ﷺ :«وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر، كذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» والذي يوضع هو المني.

الوجه الثاني: القياس، فنقول: جاءت السنة بفطر الصائم بالاستقاء إذا قاء، وبفطر المحتجم إذا احتجم وخرج منه الدم، وكلا هذين يضعفان البدن.

٨٬٠٩٣

أما خروج الطعام فواضحٌ أنه يضعف البدن؛ لأن المعدة تبقى خالية فيجوع الإنسان ويعطش سريعاً.

٨٬٠٩٤

وأما خروج الدم فظاهر أيضاً أنه يضعف البدن، ولهذا ينصح من احتجم أو تبرع لأحد بدم من جسمه، أن يبادر بالأكل السريع الهضم والسريع التفرق في البدن، حتى يعوض ما نقص من الدم، وخروج المني يحصل به ذلك فيفتر البدن بلا شك، ولهذا أمر بالاغتسال ليعود النشاط إلى البدن، فيكون هذا قياساً على الحجامة والقيء، وعلى هذا نقول: إن المني إذا خرج بشهوة فهو مفطر للدليل والقياس. «أو باشر فأمنى» أي: باشر زوجته سواء باشرها باليد، أو بالوجه بتقبيل، أو بالفرج، فإنه إذا أنزل أفطر،

٨٬٠٩٥

وإذا لم يُنزل فلا فطر بذلك.

ونقول في الإنزال بالمباشرة ما قلنا في الإنزال بالاستمناء: إنه مفطر.

وعلم من كلام المؤلف، أنه لو استمنى بدون إنزال فإنه لا فطر، وأنه لو باشر بدون إنزال فإنه لا فطر في ذلك أيضاً، وسيأتي بيان حكم المباشرة. «أو أمذى» أي: فإنه يفطر، والمذي هو ماء رقيق يحصل عقيب الشهوة بدون أن يحس به الإنسان عند خروجه، وهو بين البول والمني من حيث النجاسة، فالمني طاهر موجب لغسل جميع البدن، والبول نجس موجب لغسل ما أصاب من البدن والملابس، والمذي يوجب غسل الذكر والأنثيين، ولا يوجب الغسل إذا أصاب الملابس، بل يكفي فيه النضح كما ثبت عن النبي ﷺ ذلك .

فالمذهب أن خروج المذي مفسد للصوم كالمني، أي: إذا استمنى فأمذى، أو باشر فأمذى فإنه يفسد صومه، والذين يقولون لا يفسد بالمني يقولون لا يفسد بالمذي من باب أولى،

والذين يقولون إن الصوم يفسد بالمني اختلفوا في المذي على قولين:

فالمذهب أنه يفطر، ولا دليل له صحيح،

٨٬٠٩٦

والصحيح القول الثاني أنه لا يفطر؛ لأن المذي دون المني لا بالنسبة للشهوة ولا بالنسبة لانحلال البدن، ولا بالنسبة للأحكام الشرعية حيث يخالفه في كثير منها بل في أكثرها أو كلها، فلا يمكن أن يلحق به.

وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله والحجة فيه عدم الحجة، أي عدم الحجة على إفساد الصوم به؛ لأن هذا الصوم عبادة شرع فيها الإنسان على وجه شرعي فلا يمكن أن نفسد هذه العبادة إلا بدليل. «أو كرر النظر فأنزل» يعني فإنه يفسد صومه، وتكرار النظر يحصل بمرتين،

٨٬٠٩٧

فإن نظر نظرة واحدة فأنزل لم يفسد صومه لقول النبي ﷺ :«لك الأولى وليست لك الثانية»، ولأن الإنسان لا يملك أن يجتنب هذا الشيء،

٨٬٠٩٨

فإن بعض الناس يكون سريع الإنزال وقوي الشهوة؛ إذا نظر إلى امرأته أنزل،

٨٬٠٩٩

ولو قلنا: إنه يفطر بذلك لكان فيه مشقة.

فصار النظر فيه تفصيل، إن كرره حتى أنزل فسد صومه،

٨٬١٠٠

وإن أنزل بنظرة واحدة لم يفسد، إلا أن يستمر حتى ينزل فيفسد صومه؛ لأن الاستمرار كالتكرار، بل قد يكون أقوى منه في استجلاب الشهوة والإنزال.

٨٬١٠١

وأما التفكير بأن فكر حتى أنزل فلا يفسد صومه، لعموم قول النبي ﷺ :«إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم» إلا إن حصل معه عمل يحصل به الإنزال كعبث بذكره ونحوه.

والخلاصة:

أولاً: المباشرة إذا أنزل فيها، فسد صومه

٨٬١٠٢

وكذلك إذا أمذى على المذهب.

ثانياً: النظر.

إن كان واحدة فأنزل أو أمذى فلا شيء عليه في ذلك،

٨٬١٠٣

وإن كرر فأمذى فلا شيء في ذلك،

٨٬١٠٤

وإن كرَّر فأنزل فسد صومه.

وهنا فرَّق المؤلف رحمه الله بين الإمذاء والإمناء،

٨٬١٠٥

فإذا كرر النظر فأمذى فلا يفسد صومه،

٨٬١٠٦

وإذا كرره فأمنى فسد صومه.

والصواب أنه لا فرق بينهما في هذه الحال الثانية وغيرها؛ وأنه لا يفسد صومه بالإمذاء مطلقاً سواء كان بمباشرة أو بنظر.

ثالثاً: التفكير لا يفسد به صومه سواءٌ أمنى أو أمذى على ما سبق.

مسألة: لو تحدث الرجل مع امرأته حتى أنزل هل نلحقه بالمباشرة فنقول: يفسد صومه أو نلحقه بالنظر؟ الظاهر أنه يلحق بالنظر فيكون أخف من المباشرة، وعليه يلحق تكرار القول بتكرار النظر،

٨٬١٠٧

فإن الإنسان مع القول قد يكون أشد تلذذاً من النظر.

أَوْ حَجَمَ أوْ احْتَجَمَ وَظَهَرَ دَمٌ .......... «أو حجم أو احتجم وظهر دم»«حجم» أي: حجم غيره.

«احتجم» بمعنى طلب من يحجمه،

٨٬١٠٨

فإذا حجم غيره أو احتجم، وظهر دم فسد صومه،

٨٬١٠٩

فإن لم يظهر دم؛ لكون المحجوم قليل الدم ولم يخرج منه شيء لم يفسد صومه.

وظاهر قول المؤلف:«وظهر دم» أنه لا فرق بين أن يكون الدم الظاهر قليلاً أو كثيراً، وسواء كانت الحجامة في الرأس، أو في الكتفين، أو في أي مكان من البدن.

ومواضع الحجامة وأوقاتها وأحوال المحجوم،

٨٬١١٠

ومن يمكن أن يحجم، ومن لا يمكن معروفة عند الحجامين، ولهذا يجب على الإنسان إذا أراد الحجامة أن يحتاط، ويختار لمن يحجمه من هو معروف بالحِذْق، لئلا ينزف دمه من حيث لا يشعر.

وهذه المسألة اختلف العلماء فيها كثيراً وهي من مفردات الإمام أحمد، فأكثر أهل العلم يرون أن الحجامة لا تفطر ويستدلون بالآثار والنظر، فالآثار يقولون إنه ثبت في البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ :«احتجم وهو صائم، واحتجم وهو محرم»، واستدلوا أيضاً بأحاديث أخرى من رواية أنس وغيره وفي بعضها التفصيل بأن الحجامة كانت من أجل الضعف ، ثم رخص فيها، واستدل القائلون بالإفطار بحديث شداد بن أوس وغيره أن النبي ﷺ قال:«أفطر الحاجم والمحجوم».

وهذا الحديث ضعفه بعض أهل العلم، وقالوا: إنه لا يصح عن النبي ﷺ،

٨٬١١١

فمن ضعفه فإنه لا يستدل به ولا يأخذ به؛ لأنه لا يجوز أن يحتج بالضعاف على أحكام الله عز وجل،

٨٬١١٢

ومن العلماء من صححه كالإمام أحمد، وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهما من الحفاظ، وعلى هذا يكون الحديث حجة.

٨٬١١٣

فإذا كان حجة وقلنا: إنه يفطر بالحجامة الحاجم والمحجوم، فما هي الحكمة؟

الجواب قال الفقهاء رحمهم الله : إن هذا من باب التعبد ، والأحكام الشرعية التي لا نعرف معناها تسمى عند أهل الفقه تعبدية، بمعنى أن الواجب على الإنسان أن يتعبد لله بها سواء عَلِمَ الحكمة أم لا.

ولكن هل لها حكمة معلومة عند الله؟

الجواب: نعم لا شك؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فما من حكم من أحكام الشريعة إلا وله حكمة عند الله عز وجل لكن قد تظهر لنا بالنص أو بالإجماع أو بالاستنباط، وقد لا تظهر لقصورنا، أو لتقصيرنا في طلب الحكمة.

وهذه الأحكام التعبدية لها أصل أشارت إليه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين سألتها معاذة بنت عبد الله العدوية قالت:«ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» فوكلت الأمر إلى حكم الله ورسوله، ولم تقل: لأن الصلاة تتكرر، والصيام لا يتكرر، وما أشبه ذلك مما ذكره الفقهاء، ولأن المؤمن إذا قيل له هذا حكم الله انقاد، فهذه هي الحكمة لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ .

٨٬١١٤

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن إفطار الصائم بالحجامة له حكمة،

٨٬١١٥

أما المحجوم فالحكمة هو أنه إذا خرج منه هذا الدم أصاب بدنه الضعف، الذي يحتاج معه إلى غذاء لترتد عليه قوته، لأنه لو بقي إلى آخر النهار على هذا الضعف فربما يؤثر على صحته في المستقبل، فكان من الحكمة أن يكون مفطراً، وعلى هذا فالحجامة للصائم لا تجوز في الصيام الواجب إلا عند الضرورة،

٨٬١١٦

فإذا جازت للضرورة جاز له أن يفطر،

٨٬١١٧

وإذا جاز له أن يفطر جاز له أن يأكل، وحينئذ نقول احتجم وكل واشرب من أجل أن تعود إليك قوتك وتسلم، مما يتوقع من مرض بسبب هذا الضعف.

٨٬١١٨

أما إذا كان الصوم نفلاً فلا بأس بها؛ لأن الصائم نفلاً له أن يخرج من صومه بدون عذر، لكنه يكره لغير غرض صحيح.

٨٬١١٩

وأما الحكمة بالنسبة للحاجم، فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : إن الحاجم عادة يمص قارورة الحجامة،

٨٬١٢٠

وإذا مصها فإنه سوف يصعد الدم إلى فمه، وربما من شدة الشفط ينزل الدم إلى بطنه من حيث لا يشعر، وهذا يكون شرباً للدم فيكون بذلك مفطراً، ويقول: هذا هو الغالب ولا عبرة بالنادر. وقوارير الحجامة عبارة عن قارورة من حديد يكون فيها قناة دقيقة يمصها الحاجم، ويكون في فمه قطنة إذا مصها سدها بهذه القطنة؛ لأنه إذا مصها تفرغ الهواء،

٨٬١٢١

وإذا تفرغ الهواء فلا بد أن يجذب الدم،

٨٬١٢٢

وإذا جذب الدم امتلأت القارورة ثم سقطت، وما دامت لم تمتلئ فهي باقية.

والحكمة إذا كانت غير منضبطة فإنه يؤخذ بعمومها، ولهذا قال: لو أنه حجم بآلات منفصلة لا تحتاج إلى مص، فإنه لا يفطر بذلك.

٨٬١٢٣

أما الذين قالوا العلة تعبدية فيقولون: إن الحاجم يفطر،

٨٬١٢٤

ولو حجم بآلات منفصلة لعموم اللفظ.

والذي يظهر لي ـ والعلم عند الله ـ أن ما ذهب إليه شيخ الإسلام أولى،

٨٬١٢٥

فإذا حجم بطريق غير مباشر ولا يحتاج إلى مص فلا معنى للقول بالفطر؛ لأن الأحكام الشرعية ينظر فيها إلى العلل الشرعية.

٨٬١٢٦

فإن قيل: العلة إذا عادت على النص بالإبطال دل ذلك على فسادها، وهذا حاصل في قول شيخ الإسلام إذا حجم الشخص بآلات منفصلة؟

فالجواب أن يقال: إن الرسول ﷺ يتكلم عن شيء معهود في زمنه، فتكون «أل» في «الحاجم» للعهد الذهني المعروف عندهم.

والقول بأن الحجامة مفطرة هو مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وهو منفرد به عن المذاهب، وانفراد الإمام أحمد عن المذاهب لا يعني أن قوله ضعيف؛ لأن قوة القول ليست بالأكثرية، بل تعود إلى ما دل عليه الشرع،

٨٬١٢٧

وإذا انفرد الإمام أحمد بقول دل عليه الشرع فإنه مع الجماعة .

مسألة: هل يلحق بالحجامة الفصد، والشرط، والإرعاف، وما أشبه ذلك، كالتبرع بالدم؟

الفصد: قطع العرق، والشرط: شق العرق.

٨٬١٢٨

فإن شققته طولاً فهو شرط،

٨٬١٢٩

وإن شققته عرضاً فهو فصد.

فالمذهب لا يلحق بالحجامة؛ لأن الأحكام التعبدية لا يقاس عليها، وهذه قاعدة أصولية فقهية «الأحكام التعبدية لا يقاس عليها»؛ لأن من شرط القياس اجتماع الأصل والفرع في العلة،

٨٬١٣٠

وإذا لم تكن معلومة فلا قياس، فيقولون: إن الفطر بالحجامة تعبدي، فلا يلحق به الفصد والشرط والإرعاف ونحوها فتكون هذه جائزة للصائم فرضاً ونفلاً.

٨٬١٣١

أما على ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أن علة الفطر بالحجامة معلومة، فيقول: إن الفصد والشرط يفسدان الصوم،

٨٬١٣٢

وكذلك لو أرعف نفسه حتى خرج الدم من أنفه، بأن تعمد ذلك ليخف رأسه، فإنه يفطر بذلك، وقوله رحمه الله أقرب إلى الصواب.

٨٬١٣٣

وأما مغالاة العامة بحيث إن الإنسان لو استاك وأدمت لثته قالوا: أفطر،

٨٬١٣٤

ولو حك جلده حتى خرج الدم قالوا: أفطر،

٨٬١٣٥

ولو قلع ضرسه وخرج الدم قالوا: أفطر،

٨٬١٣٦

ولو رعف بدون اختياره قالوا: أفطر، فكل هذه مبالغة، فقلع الضرس لا يفطر ولو خرج الدم؛ لأن قالع ضرسه لا يقصد بذلك إخراج الدم، وإنما جاء خروج الدم تبعاً،

٨٬١٣٧

وكذلك لو حك الإنسان جلده، أو بط الجرح حتى خرجت منه المادة العفنة فكل ذلك لا يضر.

عامداً ذَاكِراً لِصَوْمِهِ فَسد لا ناسياً .......... «عامداً» حال من فاعل «أكل» وما عطف عليه،

اشترط المؤلف لفساد الصوم بما ذكر شرطين:

الشرط الأول: أن يكون عامداً، وضده غير العامد، وهو نوعان، أحدهما: أن يحصل المفطر بغير اختياره بلا إكراه، مثل أن يطير إلى فمه غبار أو دخان أو حشرة أو يتمضمض، فيدخل الماء بطنه بغير قصد فلا يفطر، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ وهذا لم يتعمد قلبه فعل المفسد فيكون صومه صحيحاً.

الثاني: أن يفعل ما يفطر مكرهاً عليه فلا يفسد صومه لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ *﴾ [النحل] فإذا كان حكم الكفر يعفى عنه مع الإكراه، فما دون الكفر من باب أولى، وعلى هذا

٨٬١٣٨

فلو أكره الرجل زوجته على الجماع وهي صائمة، وعجزت عن مدافعته فصيامها صحيح،

٨٬١٣٩

ويشترط لرفع الحكم أن يفعل هذا الشيء لدفع الإكراه لا للاطمئنان به، يعني أنه شرب أو أكل دفعاً للإكراه لا رضاً بالأكل أو الشرب بعد أن أكره عليه،

٨٬١٤٠

فإن فعله رضاً بالأكل أو الشرب بعد أن أكره عليه فإنه لا يعتبر مكرهاً، هذا هو المشهور من المذهب،

٨٬١٤١

وقيل: بل يعتبر مكرهاً؛ لأن أكثر الناس لا سيما العوام لا يفرقون بين أن يفعلوا هذا الشيء لدفع الإكراه أو أن يفعلوه اطمئناناً به؛ لأنهم أكرهوا وعموم قوله ﷺ :«رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» يشمل هذه الصورة، وهذا اختيار شيخ الإسلام. «ذاكراً لصومه فسد لا ناسياً». هذا هو الشرط الثاني: أن يكون ذاكراً، وضده الناسي.

٨٬١٤٢

فلو فعل شيئاً من هذه المفطرات فاسداً، فلا شيء عليه لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:«من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه».

وقوله ﷺ«وهو صائم» يشمل الفريضة، والنافلة.

وانظر قوله في الحديث «أطعمه الله» فلم ينسب الفعل إلى الفاعل، بل إلى الله؛ لأنه ناسٍ لم يقصد المخالفة والمعصية، ولهذا نُسب فعله إلى من أنساه وهو الله عز وجل وهذا دليل خاص.

ولدينا دليل عام وهو قاعدة شرعية من أقوى قواعد الشريعة وهي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ فقال الله تعالى: «قد فعلت».

فصار في النسيان دليلان عام وخاص،

٨٬١٤٣

وإذا اجتمع في المسألة دليلان عام وخاص فالأولى أن نستدل بالخاص؛ لأننا إذا استدللنا بالعام، فإنه قد يقول قائل هذا عام والمسألة هذه مستثناة من العموم، فقد يدعي هذا، مع أنه لو ادعاه لكانت الدعوى مردودة؛ لأن الأصل أن العموم شامل لجميع أفراده؛ والدليل على أن العام شامل لجميع أفراده؛ قوله ﷺ :«إنكم إذا قلتم السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض» لأن «عباد الله الصالحين» عامة؛

ولذلك قال:«فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض»

٨٬١٤٤

فلو استدللنا على أن الناسي إذا أكل أو شرب لا يفسد صومه بآية البقرة، فإنه استدلال صحيح،

٨٬١٤٥

ولو ادعى مدعٍ أن هذا خارج عن العموم قلنا له أين الدليل؟ لأن الأصل أن العام شامل لجميع أفراد العموم.

لكن لو أكل ناسياً أو شرب ناسياً،

تعليق

ثم ذكر أنه صائم واللقمة في فمه، فهل يلزمه أن يلفظها؟

الجواب: نعم يلزمه أن يلفظها؛ لأنها في الفم وهو في حكم الظاهر، ويدل على أنه في حكم الظاهر، أن الصائم لو تمضمض لم يفسد صومه،

٨٬١٤٦

أما لو ابتلعها حتى وصلت ما بين حنجرته ومعدته لم يلزمه إخراجها،

٨٬١٤٧

ولو حاول وأخرجها، لفسد صومه لأنه تعمد القيء. أفادنا المؤلف رحمه الله بعموم كلامه أن الجماع كغيره، والجماع على المشهور من المذهب لا يشمله هذا الحكم

٨٬١٤٨

والصحيح أنه كغيره والدليل عدم الدليل على الفرق، ونحن لا نفرق إلا ما فرق الله ورسوله (ص) بينه، ولم يفرق الله، عز وجل ورسوله (ص) بين الجماع وغيره إلا في مسألة واحدة وهي الكفارة.

أَوْ مُكْرهاً .........

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.