وإن باعه وشرط في البيع البراءة من كل عيب "مجهول" لم يبرأ
الشروح عليها
(وإن باعه) شيئا وشرط البراءة من كل عيب مجهول) أو من عيب كذا إن كان (لم يبرأ) البائع فإن وجد المشتري بالمبيع عيبا فله الخيار لأنه إنما يثبت بعد البيع فلا يسقط بإسقاطه قبله،
وإن سمى العيب أو أبرأه المشتري بعد العقد برئ،
من عيب كذا إن كان (لم يبرأ) البائع لأن هذا شرط مجهول،
ولو أراه العيب وشاهده لم يبرأ منه، إذا كان ظاهره لا يستلزم الإحاطة بباطنه، وباطنه فيه فساد آخر، كإباق بعبد، وسرقة عظيمة، والمشتري يظنه يسيرا، لم يبرأ حتى يبين له ذلك، قال ابن القيم: إذا كان في المبيع عيب يعلمه البائع بعينه، فأدخله في جملة عيوب ليست موجودة، وتبرأ منها كلها، لم يبرأ حتى يفرده بالبراءة، ويعين موضعه، وجنسه، ومقداره بحيث لا يبقى للمبتاع فيه قول.
قال ابن رشد: وحجة من لم يجز البراءة على الإطلاق أن ذلك من باب الغرر فيما لم يعلمه البائع،
ومن باب الغبن والغش فيما يعلمه،
وظاهره لا تأثير له في البيع، وأنه صحيح،
قال في الإنصاف، وهو المذهب.
فلا يسقط بإسقاطه قبله . وإن سمى العيب أي سمى بائع لمشتر العيب بأن قال: فيه جرب. مثلا، لا مجرد تسمية فقط، برئ منه لدخوله على بصيرة، ورضاه به بعد علمه به.
سمى العيب أو أبرأه المشتري بعد العقد برئ أي أبرأ المشتري البائع بعد عقد البيع من العيب، برئ منه، لأنه قد أسقطه بعد ثبوته بالعقد، ولصحة البراءة من المجهول،
قال في الاختيارات عللوه بأنه خيار يثبت بعد البيع، فلا يسقط قبله،
ومقتضاه صحة البراءة من العيوب بعد عقد البيع، قال الشيخ أبا بطين: لم يذكر هذه العبارة في الفروع، ولا الإنصاف، ولا الإقناع، وإنما قاله ابن نصر الله، ومراده -والله أعلم- إذا لم يكن البائع عالما بالعيب، ويحلف إذا أنكر علمه على نفي العلم.
«وإن باعه وشرط البراءة من كل عيب مجهول لم يبرأ» أي باع عليه شيئاً لأن (باع) تتعدى بنفسها وتتعدى بـ (على) تارة وبـ (مِنْ) تارة، فهنا «باعه» أي: إن باعه شيئاً، فالمفعول محذوف،
وقال: بشرط أن أبرأ من كل عيب مجهول، فقال المشتري: نعم أنت بريء،
فإن هذا الشرط لا يصح،
فإذا وجد المشتري به عيباً فله الرد.
فإن قال البائع: هذا شرط عليك أن تصبر على كل عيب فيها.
فنقول: هذا شرط غير صحيح؛ لأن الرد بالعيب لا يثبت إلا بعد العقد، وهذا شَرَطَه مع العقد فلا يصح.
مثاله: باع عليه السيارة بشرط أن يبرئه من كل عيب، قال المشتري: أبرأتك، فالشرط هنا غير صحيح،
فإذا وجد المشتري بها عيباً ردَّها،
فإن قيل: أليس قد أبرأه؟
نقول: أبرأه قبل أن يثبت له حق الرد؛ لأن حق الرد إنما يثبت بعد العقد، فهي لم تدخل ملك المشتري.
فإن كان بعد العقد، فالبراءة صحيحة.
مثاله: اشتراها ثم أبرأه المشتري من كل عيب فتصح البراءة؛ لأنه الآن ملكها وملك ردها، وعليه فإن باعها وبعد البيع قال البائع: أنا أخشى أن يكون فيها عيوب، قال المشتري: أبرأتك من كل عيب، فالإبراء صحيح؛ لأنه الآن ملكها، وملك الرد بالعيب،
فإن كان فيها عيب فقد أسقطه.
هذا هو التفصيل في هذه المسألة على المشهور من المذهب، وعلى هذا فالذين يبيعون في معارض السيارات، ويصوت ويقول: لا أبيع عليك إلا الكبوت بعشرين ألفاً، وهو لا يساوي هذا الثمن، لكن من أجل أن يبرأ، ويقول: ما تطالبني بشيء، فاشترى على هذا الشرط، فالشرط ملغى غير صحيح،
فإذا وجد فيها عيباً فليردها.
أما لو كان الشرط بعد أن تمت البيعة، قال: أنا أخشى غداً أن تجد فيها عيباً، ثم تأتيني تقول: إن السيارة معيبة، فقال: أبرأتك؛ لأن المشتري الآن مقبل لا يهمه، ثم ذهب بها،
وإذا فيها كل شيء، غير سليم، فلا يردها لأنه أبرأه بعد العقد.
ولكن الصحيح في هذه المسألة ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية:
وهو: إن كان البائع عالماً بالعيب فللمشتري الرد بكل حال، سواء شرط مع العقد، أو قبل العقد، أو بعد العقد.
وإن كان غير عالم فالشرط صحيح، سواء شرط قبل العقد، أو مع العقد، أو بعد العقد.
وما ذهب إليه شيخ الإسلام هو الصحيح، وهو المروي عن الصحابة رضي الله عنهم، وهو الذي يمكن أن تمشي أحوال الناس عليه؛ لأنه إذا كان عالماً بالعيب، فهو غاش خادع، فيعامل بنقيض قصده،
بخلاف ما إذا كان جاهلاً، كما لو ملك السيارة قريباً، ولا يدري بالعيوب التي فيها وباعها واشترط البراءة، فالشرط صحيح.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.