"وهو عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض بمجلس العقد"
الشروح عليها
باب السلم] هو لغة أهل الحجاز، والسلف لغة أهل العراق، وسمي سلما لتسليم رأس المال في المجلس وسلفا لتقديمه، (وهو) شرعا (عقد على موصوف) ينضبط بالصفة (في الذمة) فلا يصح في عين كهذه الدار (مؤجل) بأجل معلوم (بثمن مقبوض بمجلس العقد) وهو جائز بالإجماع؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» متفق عليه.
لا زيادة له على هذه المسألة.
الرحمن الرحيم باب السلم هو لغة أهل الحجاز أي السلم في شيء معلوم، إلى أجل معلوم، هو لغة أهل الحجاز السائرة عندهم، لكن قال صلى الله عليه وسلم «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم» .
لتقديمه (وهو) شرعًا (عقد على موصوف) ينضبط بالصفة أي والسلم شرعًا: عقد على شيء يصح بيعه، موصوف منعوت، وذلك الشيء ينضبط بالصفة.
(في الذمة) فلا يصح في عين كهذه الدار لقوله
«أما في حائط بني فلان فلا» والذمة وهي لجائز التصرف: وصف يصير به المكلف أهلاً للإلزام والالتزام. واتفقوا على امتناعه فيما لا يثبت في الذمة كالدور والعقار.
معلوم» متفق عليه . (ويصح) السلم (بألفاظ البيع) كما بتعت منك ما صفته كذا، وكيله كذا، إلى كذا، وبكل ما ينعقد به البيع، كتملكت ونحوه،
ويشترط له ما يشترط للبيع لكن إلى أجل فشمله اسمه.
بَابُ السَّلَمِ «باب السَّلَمِ» السَّلمُ مأخوذ من التسليم والإسلام، ويقال: السلف، فزعم بعض العلماء أن السلف لغة الحجاز،
وأن السلم لغة العراق.
وقال آخرون: بل هما بمعنى واحد، ويستعمل هذا هنا وهناك، وهذا هو الصحيح، والدليل على هذا أن الرسول ﷺ من الحجازيين، بعث في مكة وهاجر إلى المدينة وكلاهما من الحجاز، ومع ذلك يقول:«من أسلم في شيء فليسلم»، فالصواب الذي عليه المحققون من أهل اللغة أنه لا فرق بينهما،
وأنّ أسلف وأسلم بمعنى واحد في لغة الحجاز والعراق، فهو إذن مأخوذ من التسليم؛ وذلك لأن المسلِم يقدم الثمن إلى المسلَم إليه،
وأما السلف فهو مأخوذ من التقديم.
وصورة ذلك: أن تأتي لرجل فلاح وتقول: يا فلان خذ هذه عشرة آلاف ريال بمائة كيلو من التمر تحل بعد سنة، فهذا هو السلم؛ لأن المشتري قدم الثمن، والمثمن مؤخر.
والسّلم جائز بالكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح:
أما الكتاب فقوله ـ تعالى ـ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ . وقد استدل ابن عباس رضي الله عنهما بهذه الآية على جوازه ؛ لأن قوله: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ يعم ما إذا كان الدين هو الثمن أو المثمن،
فإن كان الدين هو المثمن فهذا هو السلم.
وأما السنَّة، ففي الصحيحين عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال:«من أسلم في شيء فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم»، أو «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم».
وأما الإجماع فقد انعقد الإجماع على ذلك.
وجواز السلم هو القياس الصحيح الموافق للأصول خلافاً لمن قال: إن السلم على خلاف الأصول؛ لأنه بيع معدوم والواقع أنه ليس بيع معدوم في الحقيقة؛ لأنه بيع موصوف في الذمة، أنا لم أبع عليك شيئاً معدوماً ليس في ملكي حتى يدخل في الجهالة والغرر، هذا موصوف في الذمة، وأيضاً القاعدة أن كل ما ثبت بالشرع ليس مخالفاً للقياس، بل كل قياس يخالف ما جاء به الشرع فهو قياس باطل، لكنه قد يخفى دخول ذلك في القياس على بعض الناس فيظنه مخالفاً للقياس، فالصواب أن السلم على وفق القياس؛
لأن فيه مصلحة للبائع وللمشتري،
أما المشتري فمصلحته أنه يحصل على أكثر،
وأما البائع فمصلحته أنه يتعجل له الثمن. ونقول فيما ادعي أنه على خلاف القياس: إنه على وفق القياس، ونبين ذلك، أو نقول: خالف القياس لمصلحة راجحة، والمحظور الشرعي إذا قابلته مصلحة راجحة أرجح منه أصبح جائزاً بمقتضى ترجح المصلحة،
وإذا كان الشرع يحرم الشيء؛ لأن إثمه أكبر، فإنه يبيح الشيء إذا كانت مصلحته أكبر، ولهذا العبارة المشهورة (درء المفاسد أولى من جلب المصالح) هذه يجب أن تكون مقيدة بما إذا تساوت المفاسد والمصالح، أو غلب جانب المفاسد، وإلا فإنه قد يكون في بعض الأشياء مصلحة ومضرة فترجح المصلحة، فيحلل من أجل هذا الرجحان.
كذلك فإن السلم ينضبط بالصفات، ولهذا لا يصح فيما لا ينضبط بالصفات، فكيف يصح أن يكون مخالفاً للأصول وعلى خلاف القياس؟! بل هو القياس والأصول؛ وذلك لأن الشريعة الإسلامية واسعة سهلة ميسرة،
والعقود فيها من هذه الجهة أربعة أنواع:
حالّ بحالٍّ، ومؤجّل بمؤجلٍ، ومؤجّل ثمنه معجّل مثمنه، ومعجّل ثمنه مؤجّل مثمنه.
الأول: الحال بالحال كأن تقول: اشتريت منك هذا الكتاب بعشرة ريالات، هذا حال بحال ولا إشكال فيه.
الثاني: المؤجل بمؤجل أن تقول اشتريت منك كتاباً صفته كذا
وكذا تسلمنيه بعد سنة بعشرة ريالات مؤجلة إلى ستة أشهر، وهذا لا يصح؛ لأنه بيع كالئ بكالئ أي مؤخر بمؤخر.
الثالث: أن يعجل الثمن ويؤخر المثمن وهذا هو السلم. الرابع: أن يعجل المثمن ويؤخر الثمن وهذا كثير في المعاملات.
ذكرنا الصورة الثانية: أن يكون كل من الثمن والمثمن مؤجلاً، وقلنا: هذا لا يصح، وهذا يقع كثيراً بين الناس اليوم، لكنهم لا يعلمون عن حكمه، فيشتري منه الشيء مؤجلاً ـ مثلاً ـ إلى سنة ثم يعطيه شيكاً مؤجلاً لمدة ستة أشهر، يعني لا يقبضه إلا بعد ستة أشهر.
فالثمن مؤجل والمثمن مؤجل، فهذا لا يصح؛ لأن كلًّا منهما مؤجل ولا بد أن يكون أحدهما أو كلاهما مقبوضاً،
أما مع تأجيلهما فلا يصح.
فإن تأخر القبض بدون تأجيل، مثل أن يقول: اشتريت منك مائة صاع بر بمائة ريال ولم يسلمه، على أن يأتي به العصر أو الغد أو بعد غد لكن الثمن غير مؤجل هل يصح أم لا؟
المذهب: لا يصح، قالوا: لأن هذا بيع دَين بدين، إذ أنه ليس واحد منهما معيناً، لا عُيّن الثمن، ولا عُين المثمن.
ولكن الصحيح أن هذا صحيح، والمحظور أن يكون كل منهما مؤجلاً،
أما إن لم يكن فيه تأجيل فإنه لا يشترط القبض، إلا شيئاً واحداً لا بد فيه من القبض، وهو بيع الربوي بجنسه.
فما السلم؟ هل هو بيع مستقل، أو نوع من البيع؟ الصحيح أنه نوع من البيع، لا يخرج عن كونه بيعاً. وَهُوَ عَقْدٌ عَلَى مَوْصوفٍ فِي الذِّمَّةِ مُؤَجَّلٍ بِثَمَنٍ مَقْبُوضٍ بِمَجْلِسِ العَقْدِ
وَيَصِحُّ بِأَلفَاظِ البَيْعِ والسَّلَمِ والسَّلَفِ … «وهو عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض بمجلس العقد» التعريف لا بد أن يكون جامعاً مانعاً وهو الحدّ، يعني يقال: تعريف، ويقال: حدّ، فهنا يصلح أن نقول: عَرَّفَ السَّلَم، ويصلح أن نقول: حَدَّ السلم، ويصلح أن نقول: تعريف السَّلَم كذا، وحدّ السلم كذا، والتعريف لا بدّ أن يكون جامعاً مانعاً، جامعاً لجميع أفراد المحدود، مانعاً لدخول غيره،
فإن لم يكن مانعاً أو لم يكن جامعاً فإنه لا يصح.
فلننظر الآن إلى حد السلم: «عقد على موصوف» احترازاً من المعين، فلا يصح السلم في المعين؛ لأنه لا حاجة إلى الإسلام فيه، ما دام حاضراً يباع بيعاً بدون أن يكون سلماً.
مثال ذلك: رجل عنده مائة صاع برٍّ في أكياس، فقال له آخر: أسلمت إليك مائة ريال بهذا البر، فهذا لا يصح؛ لأنه ليس على موصوف، فهذا على معين، إذاً لا يصح، حتى وإن كانا قد اتفقا على أن البائع لا يسلم هذا البر إلا بعد سنة فإنه لا يصح ولا يكون سلماً.
وقوله:«في الذمة» احترازاً من الموصوف المعين؛ لأن هناك شيئاً موصوفاً معيناً ليس في الذمة، مثل أن يقول: أسلمت إليك أربعين ألفاً بسيارتك التي في الكراج، صفتها كذا
وكذا، فهذا موصوف معين فلا يصح السلم فيه؛ لأن هذا كالمعين الحاضر، فالمؤلف اشترط أن يكون موصوفاً في الذمة.
أما إن قال: أسلمت إليك هذه الأربعين ألفاً بسيارة بعد سنة فهذا يصح؛ لأنه موصوف في الذمة، ولم يعينه وليست موصوفة معينة في مكان معين.
وقوله:«مؤجل» أيضاً لا بد فيه من التأجيل،
فإن لم يكن مؤجلاً فإنه لا يصح سلماً.
مثال ذلك: أن يقول: أسلمت إليك مائة الريال التي بيدي الآن بمائة صاع بر، فحكم هذا العقد لا يصح سلماً؛ لأن السلم لا بد أن يكون مؤجلاً، والدليل قول الرسول ﷺ :«فليسلف في شيء معلوم إلى أجل معلوم». فهل قوله:«إلى أجل معلوم» الشرط في الأمرين جميعاً أن يكون أجلاً وأن يكون معلوماً، أو الشرط عائد إلى المعلوم فقط؟
إن قلنا بالأول فلا بد أن يكون مؤجلاً،
وإن قلنا بالثاني فلا يشترط التأجيل، ولكن إن أجلت فليكن الأجل معلوماً.
ومن ثم اختلف العلماء رحمهم الله فمنهم من قال لا بد أن يكون له أجل، ومنهم من قال: لا بأس أن يكون بدون أجل.
والذي يظهر لي أنه يصح بدون أجل، ونقول: سمّه ما شئت: سلماً أو بيعاً؛ لأن هذا ليس فيه غرر ولا ربا ولا ظلم، ومدار المعاملات المحرمة ـ أي: معاملات المعاوضة ـ على هذه الثلاثة، الرّبا والظلم والغرر، وهذا ليس فيه غرر، وليس فيه ظلم، وليس فيه ربا. وقول الرسول ﷺ«إلى أجل معلوم» يعود إلى علم الأجل، يعني لا إلى أجل مجهول، وهو الراجح.
وقوله:«بثمن مقبوض» يعني لا بد أن يكون الثمن مقبوضاً،
فإن لم يقبض بطل ولم يصح،
وإن أجل فمن باب أولى أنه يبطل.
وقوله:«بمجلس العقد» يعني لا بد أن يقبض المسلم إليه الثمن بمجلس العقد،
فإن قبضه بعد التفرق فلا يصح، وهل يشترط أن يكون في المجلس الذي وقع فيه العقد، أو المراد ألا يتفرقا قبل القبض؟
الجواب: الثاني، فالمراد ألا يتفرقا قبل القبض،
فلو اتفقا على السلم في السوق، ثم اصطحبا إلى بيت المُسْلِم وأعطاه الثمن من بيته وهما لم يتفرقا فالسلم صحيح؛ لأنه حصل القبض قبل التفرق، فمراد المؤلف بقوله:«في مجلس العقد» أي: ما لم يتفرقا، كما قلنا في خيار المجلس يمتد إلى أن يتفرقا ولو فارقا مجلس العقد، فالمهم ألا يتفرقا.
وجواز السلم من محاسن الإسلام، ويدل على هذا أن الفلاحين فيما سبق يحتاجون إلى دراهم، فيأتي الفلاح إلى التاجر فيقول: أعطني ـ مثلاً ـ مائة ريال، فيقول: لا أعطيك، فيقول: أعطيك بعد تمام ستة أشهر أو سنة بالمائة ريال مائة صاع برّ، فينتفع هذا وهذا، المسلم إليه ـ أي: البائع ـ منتفع بالثمن الذي قدم له، والمُسْلِمُ انتفع بأنه سوف يكون الثمن أقل من بيع الحاضر، يعني إذا كانت مائة الصاع بر تساوي خمسين سيسلم إليه أربعين؛
لأنه لا بد أن ينتفع،
ولو أراد أن يُسلم إليه بالثمن العادي ما قبل؛ لأنه لو أسلم إليه بالثمن الحاضر صار كأنه قرض، فيقول: بدلاً من أن أعقد السلم وأتعب معك خذ قرضاً.
فصار كل من المسلِم والمسلَم إليه مستفيداً منتفعاً،
أما المسلم إليه فينتفع بالدراهم التي حصل عليها،
وأما المسلم فينتفع بنقص الثمن؛ لأنه سيأخذها بثمن أقل، فهو من محاسن الشريعة في الحقيقة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.