وإن تعذر رجع ولو لم يستأذن الحاكم
الشروح عليها
(وإن تعذر) استئذانه وأنفق بنية الرجوع (رجع) على الراهن (ولو لم يستأذن الحاكم) لاحتياجه لحراسة حقه،
لا زيادة له على هذه المسألة.
تعذر) استئذانه، وأنفق بنية الرجوع (رجع) على الراهن لأنه قام عنه بواجب لم يمكنه استئذانه فيه،
إما لتواريه عنه، أو غيبته، أو نحو ذلك، قال الوزير: أجمعوا على أنه إذا أنفق المرتهن على الرهن، بإذن الحاكم أو غيره، مع غيبة الراهن، أو امتناعه، كان دينا للمنفق على الراهن. وتقدم قول الشيخ وغيره: أن من أدى عن غيره واجبًا، فإنه يرجع ببدله.
الراهن (ولو لم يستأذن الحاكم) لاحتياجه لحراسة حقه وليس من جزائه أن يضيع عليه معروفه، وتقدم أن المحققين من الأصحاب سووا في ذلك بين الإذن وعدمه، فهنا أولى، فيرجع في هذه الحالة،
ولو قدر على استئذان الحاكم، ولم يستأذنه، ولم يشهد أنه ينفق ليرجع على الراهن.
«وإن أنفق» الضمير يعود على المرتهن، أي: إن أنفق المرتهن على الرهن بغير إذن الراهن. مثال ذلك: احتاج البيت المرهون إلى تعمير فعمره بأن أتى بأناس يليِّسونه، أو يصلحون باباً سقط، أو ما أشبه ذلك، فهل يرجع المرتهن على الراهن أو لا يرجع؟
الجواب: فيه تفصيل:
أولاً: إن كان الراهن قد أذن له رجع عليه، يعني إن كان الراهن قد قال له: إن خرب شيء من البيت فأصلحه، فإنه يرجع عليه؛ لأنه إذا عمل ذلك صار وكيلاً فيرجع عليه، وحينئذٍ يُقبل قوله في قدر ما أنفق بيمينه، إلا أن يدعي شيئاً يكذبه الحس فلا يُقبل،
فلو قال: أذنت لي أن أصلح الأبواب إذا تكسرت، قال: نعم أذنت لك، قال: قد فعلت وقد أنفقت على كل باب ألف ريال، والنفقة المعتادة مائة ريال في مثل هذا العمل، فلا يُقبل قوله؛ لأن هذا يكذبه الحس،
أما إذا ادعى شيئاً قريباً فإنه يقبل قوله لكن بيمينه.
ثانياً: أن ينفق بلا إذنه على الرهن فينظر ـ أيضاً ـ هل يمكن أن يستأذن منه لكونه قريباً منه، أو بالهاتف، أو بالمكاتبة، فإنه لا يرجع إلا إذا استأذنه،
فإن كان لا يمكن لكون الراهن رجلاً مغموراً، دخل هذه المدينة الواسعة ولايدري أين هو؟ والرهن يحتاج إلى تعمير عاجل، فهنا يعمره ويرجع وإن لم يستأذنه؛ لأنه لا يمكن استئذانه،
فصارت المسألة لها أحوال:
الحال الأولى: أن يكون الراهن قد أذن له بالتعمير، فهنا يرجع؛ لأنه صار وكيلاً له.
الحال الثانية: ألا يأذن له بالتعمير ويتعذر استئذانه، فهنا يرجع ـ أيضاً ـ حفظاً لأصل الرهن؛ لأنه لو لم يعمره ازداد خرابه، وانتشر، وفسد، وصار في ذلك ضرر على الراهن والمرتهن.
الحال الثالثة: ألا يأذن له بالتعمير، ويمكن استئذانه ولكنه عمره بدون استئذانه، فهنا لا يرجع؛ لأنه إن أنفق بغير نية الرجوع فهو متبرع، والمتبرع لا يرجع في تبرعه؛ لأن رجوعه في تبرعه رجوع في الهبة وهو حرام،
وإن كان قد نوى الرجوع فهو مفرط لأنه لم يستأذن المالك، فهو مفرط لوجوب الاستئذان عليه فلم يفعل.
فإن قال المرتهن: أنا عمرته لأجل المصلحة لي وله.
قلنا: وإذا كانت المصلحة لك وله، فليكن التعمير منك ومنه، بمعنى أنك تعمر بإذنه وحينئذٍ ترجع،
أما إذا لم تستأذن منه مع إمكان إذنه فالنفقة عليك.
مسألة: إذا قدر أن الإنفاق عليه وقع في حال تستدعي الفورية قبل أن يستأذنه، مثل أن يكون الرهن قد سقط في بئر،
فلو أبقيناه حتى نذهب ونستأذن الراهن هلك،
وإذا أتينا بإنسان يستخرجه من البئر في الحال يسلم فهنا يرجع؛ لأن في ذلك إنقاذاً لمال الغير من الهلاك، وكل من أنقذ مال غيره من هلكة فله الرجوع بمثل عمله.
وقوله:«وإن تعذر رجع» لكن بشرط أن ينوي الرجوع، هذا ما ذكره في الروض، وظاهر كلام الماتن ما لم ينو التبرع؛ لأن الماتن لم يشترط نية الرجوع، والصواب مع المتن، وأنه يرجع ما لم ينو التبرع،
فإن نوى التبرع لم يرجع؛ لأن رجوعه مع نية التبرع رجوع في الهبة وهو حرام،
ولا يشترط أن ينوي الرجوع.
فإذا أنفق بنية الرجوع رجع بكل حال،
وإذا أنفق بنية التبرع لم يرجع بكل حال على القولين،
وإذا أنفق وهو لم ينو لا رجوعاً ولا تبرعاً فعلى المذهب لا يرجع؛ لأنه يشترط أن ينوي الرجوع، وعلى ما قاله الماتن يرجع؛ لأن الأصل أن ما أنفقه على ملك غيره فهو له يرجع فيه، إلا إذا عارض ذلك نية التبرع.
وَلَو لَمْ يَسْتَأذِن الحَاكِمَ، وَكَذَا وَدِيعَةٌ وَدَوابٌّ مُسْتَأجَرَةٌ هَرَبَ رَبُّهَا،
وَلَو خَرِبَ الرَّهْنُ فَعَمَّرَهُ بِلَا إِذنٍ رَجَعَ بآلتِهِ فَقَطْ. «ولو لم يستأذن الحاكم» الحاكم أي: القاضي، هذه إشارة خلاف، فبعض العلماء يقول: لا يرجع حتى يستأذن الحاكم، بمعنى أنه إذا تعذر على المرتهن أن يستأذن من الراهن، قلنا له: الحاكم ينوب منابه، فاستأذن منه،
فإن لم تفعل فلا رجوع لك، وهذا القول يزيد المسألة تعقيداً؛ لأنه يحتاج إذا تعذر استئذان المالك ـ وهو الراهن ـ أن يذهب إلى المحكمة، والمحكمة لن تقبل منه بسهولة، بل ستطلب البينة على أنه يحتاج إلى تعمير،
فإذا أتى بالبينة أذنت له، وهذا قد يصعب.
والصحيح ما ذهب إليه المؤلف أنه لا يحتاج إلى إذن الحاكم، وأنه إذا تعذر استئذان الراهن الذي هو المالك،
فإن المرتهن يعمره ويرجع بنفقته، سواء استأذن الحاكم أم لم يستأذنه، لأن بقاءه في يده بإذن الراهن معناه التزام بما يجب له من النفقة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.