ومن تسلم عينا بإجارة فاسدة وفرغت المدة لزمه أجرة المثل.
الشروح عليها
(ومن تسلم عينا بإجارة فاسدة وفرغت المدة، لزمه أجرة المثل) لمدة بقائها في يده سكن أو لم يسكن؛ لأن المنفعة تلفت تحت يده بعوض لم يسلم للمؤجر، فرجع إلى قيمتها.
[
لا زيادة له على هذه المسألة.
بقائها في يده . سكن أو لم يسكن انتفع المستأجر بالعين المؤجرة، أو لم ينتفع بها، لا فرق.
يده بعوض لم يسلم للمؤجر، فرجع إلى قيمتها كما لو استوفاها، واختار الشيخ فيما إذا وضع يده على العين جميع المدة، أن عليه الأجر المسمى، وذكر أنه قياس المذهب، أخذًا له من النكاح،
وإن استوفى المنفعة فعليه أجرة المثل عند الجمهور،
وقال أبو حنيفة: أقل الأمرين، من المسمى، أو أجرة المثل،
وإن لم يتسلم العين المؤجرة لم يلزمه أجرة،
ولو بذل المالك العين، لأن المنافع لم تتلف تحت يده، والعقد الفاسد لا أثر له.
يسلم للمؤجر، فرجع إلى قيمتها . باب السبق وهو جائز بالكتاب، والسنة، والإجماع، قال تعالى {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} وقال {إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} وسابق سلمة رجلا من الأنصار بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وقال عليه الصلاة والسلام «ألا إن القوة الرمي» وقال «فلا يعجز أحدكم أن يلهو بسهمه» وقال «من علم الرمي ثم تركه فليس منا» وحكى الإجماع على جوازه في الجملة غير واحد من أهل العلم،
وقال الشيخ: السباق بالخيل، والرمي بالنبل ونحوه من آلات الحرب، مما أمر الله به ورسوله، لأنه مما يعين على الجهاد في سبيل الله.
وقال: السبق، والصراع، ونحوهما طاعة إذا قصد به نصرة الإسلام، وأخذ السبق عليه أخذ بالحق،
ويجوز اللعب بما قد يكون فيه مصلحة بلا مضرة،
ويكره لعبه بأرجوحة ونحوها، قال في الفروع: وظاهر كلام الشيخ لا يجوز اللعب المعروف بالطاب والنقيلة،
وقيل: هي اللعب بالودع، وكل ما أفضى إلى المحرم، إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة، لأنه يكون سببًا للشر والفساد.
«ومن تسلم عيناً بإجارة فاسدة وفرغت المدة لزمه أجرة المثل» يعني لو عقد إنسان عقد إجارة فاسدة، وتسلم العين، ومضت المدة، فإنه يلزمه أجرة المثل دون الأجرة التي وقع عليها العقد؛ وذلك لأن الأجرة التي وقع عليها العقد أجرة فاسدة؛ لعدم صحة العقد، وظاهر كلام المؤلف سواء كانت أجرة المثل أقل مما وقع عليه العقد أو أكثر؛ لأنه لما ارتفع العقد الفاسد ارتفعت جميع متعلقاته.
فإن لم تبتدئ المدة لم يلزمه شيء ولزمه رد العين إلى صاحبها،
فإن مضى شيء من المدة لزم ردها إلى صاحبها، وأجرة ما استعملها فيه بقسطها من أجرة المثل.
وقوله:«بإجارة فاسدة» تفسد الإجارة إما بفوات شرط أو وجود مانع.
مثال فوات الشرط: رجل استأجر من شخصٍ حرّاً ليعمل عنده، ومعلوم أن تأجير الحر لا يجوز، كما جاء في الحديث الصحيح:«رجل باع حرّاً فأكل ثمنه» فكذلك لو أجره فأكل أجرته فإنه لا يحل، فهذا إنسان ـ مثلاً ـ قال لشخص: أنت تريد عاملاً عندك؟ قال: نعم قال: هذا غلامي، خذه، الشهر بمائة ريال، وهو حر، فالإجارة هنا فاسدة؛ لأنه لا يصح عقد الإجارة على الحر؛ لأن من شرط الإجارة أن يكون المؤجر مالكاً للعين المؤجرة، فأخذ المستأجر الغلام واستعمله حتى تمت المدة، يقول المؤلف: إنه يلزمه ـ أي المستأجر ـ أجرة المثل؛
وذلك لأن عقد الإجارة كان فاسداً، والفاسد وجوده كالعدم، ولكن كيف يقول المؤلف:«أجرة المثل» وهو حر لا يصح تأجيره؟ نقول: يُقدر كأنه قن ـ أي: عبد ـ فيقال: كم أجرة هذا العبد؟ قالوا: أجرته ـ مثلاً ـ مائتا ريال، وهو قد استأجره بمائة ريال، نقول: سلِّم مائتي ريال؛ لأن الأجرة فاسدة، وهذا فيما إذا كان المستأجر عالماً بأن هذا الغلام ليس مملوكاً له، فهنا يلزمه أجرة المثل، وهي في المثال الذي ذكرنا مائتا ريال، مع أن العقد وقع على مائة، لكن هذا العقد فاسد، فالقول بأنه يلزم المستأجر أجرة المثل قول صحيح؛
لأن المستأجر دخل على بصيرة وعلم بأن الإجارة غير صحيحة.
لكن إذا كان لا يدري، وقد عقد الأجرة على مائة، فكيف نلزمه بمائتين؟
يقول الفقهاء رحمهم الله في التعليل: إن إتلاف مال الآدمي لا فرق في ضمانه بين العالم والجاهل، كما لو استعمل الإنسان شخصاً يظنه عبده، واستعمله في عمل، فعليه ضمانه،
وإن كان لا يدري، ولكن في هذا نظر؛ لأن هذا الذي استعمله بالأجرة التي يظنها صحيحة كان مغروراً، غره المؤجر،
وإذا كان مغروراً فيجب أن يكون الضمان على الغار، وهذا هو مقتضى القياس والنظر الصحيح، وعليه فنقول: يجب على المستأجر في المثال الذي ذكرنا مائة ريال، ويضمن الآخر الذي أجره المائة الثانية، ويكون لهذا الغلام الحر مائتا ريال، وهذا هو العدل،
وأما أن نُضَمِّن شخصاً ما لم يلتزمه مع أن العقد حسب رأيه واعتقاده عقد صحيح، فهذا فيه نظر.
فالصواب إذاً أنه يلزمه أجرة المثل، لكن إن كان مغروراً فما زاد على الأجرة التي تم العقد عليها فعلى من غره.
فإذا قدرنا أن أجرة المثل أقل، مثلاً أجره بمائتين، وأجرة مثله مائة، فهل نلزمه بالمائتين؟
نقول: إن كان عالماً بأن الإجارة فاسدة ألزمناه بمائتين؛ لأنه دخل على بصيرة، ثم ما زاد على أجرة المثل يكون لهذا الغلام؛ لأنه مظلوم، ولا يكون للذي أجره؛ لأن الذي أجره لا يملكه، فليس له شيء،
وإن كان غير عالم فعليه أن يضمن لهذا الحر ما وقع عليه العقد؛ لأنه رضي به واعتبره صحيحاً، فيلزم بما ظنه،
وإذا رأى القاضي أن يأخذ هذه الزيادة ويصرفها في بيت المال فلا حرج عليه؛ لأنه مال في الحقيقة ليس خالصاً لمن استحقه، وما اشتُبِه فيه فإنه يُلحق ببيت المال،
وإن كانت أجرة المثل بمقدار ما وقع عليه العقد فلا إشكال؛ لأنه ليس فيه زيادة ولا نقص.
مثال آخر: استأجر شخصاً على عمل محرم، مثل أن يستأجر شخصاً ليبيع له خمراً، أو يحمل له خمراً، أو ما أشبه ذلك، فالإجارة فاسدة، لكن العامل الآن هل نقول: ليس له شيء؛ لأن الإجارة فاسدة، والعمل المحرم لا قيمة له؟ أو نقول: يُلزم المستأجر بالأجرة التي وقع عليها العقد؟
الجواب: يجب أن يلزم بالأجرة التي وقع عليها العقد،
ثم إن كان العامل يعلم أن هذا شيء محرَّم فإنها تصرف في بيت المال،
وإن كان لا يعلم فإنه يعطى إياها ويؤمر بالتوبة والاستغفار، والله أعلم.
مثال وجود مانع: اتفق زيد مع عمرو على أن يؤجره بيته والبيت ملك لزيد، ولكنهما عقدا الإجارة في المسجد، والإجارة في المسجد لا تصح؛ لأنها حرام، قال النبي ﷺ :«إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، فإن المساجد لم تبن لهذا» فالإجارة إذاً لا تصح لوجود مانع،
فإذا تمت المدة، ألزمناه بأجرة المثل،
فإذا تعاقدا على عشرين ألفاً، وأجرة المثل عشرة آلاف، لزمه عشرة آلاف، وهذا فيما إذا كانا جاهلين واضح،
فإن كانا عالمين فينبغي أن نعاملهما، بما يقتضيه العقد والزائد نجعله في بيت المال؛ لئلا يحصل التلاعب.
فإن قال قائل: إذا تسلم العين بإجارة فاسدة فلماذا لا نلغي العقد والأجرة، ونقول: لا شيء له، لا أجرة المثل ولا الأجرة المتفق عليها؟
فالجواب: هذا لا يمكن؛ لأنه ظلم، فالمالك فُوِّتَت عليه منفعة ملكه مدة الإجارة،
فإذا قلنا: لا أجرة لك، فإننا نظلمه بذلك، والمستأجر قد استوفى المنفعة،
فإذا قلنا له: لا أجرة عليك، أبحنا له أن يأكل أموال الناس بالباطل، وحينئذٍ نقول: يلزمك أجرة المثل.
والخلاصة: أن كل من تسلَّم عيناً بإجارة فاسدة فإنه لا عبرة بما حصل عليه العقد، تُفسَخ الإجارة ويُرجع إلى أجرة المثل،
فإن كانت أجرة المثل مساوية لما وقع عليه العقد فلا إشكال،
وإن كانت أجرة المثل أكثر، ألزمنا المستأجر بها،
ثم إن كان عالماً فالزيادة عليه،
وإن كان جاهلاً مغروراً فالزيادة على من غره،
وإن كانت أجرة المثل أقل،
فإن كان عالماً ألزمناه بما التزم به؛ لأنه دخل على بصيرة، فهو يعلم أن العقد فاسد، والتزم الزيادة على أجرة المثل،
وإن كان جاهلاً لم يلزمه أكثر من أجرة المثل،
وإن رأى القاضي قضاءً أن يلزمه بما التزم به ـ ولو كان جاهلاً ولكن يُجعل في بيت المال ـ فلا حرج.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.